Translate

عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي (مقال)

.


.
عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي




تعتبر إشكالية العلاقة بين الفرد والدولة من أعقد القضايا التي واجهت الفكر السياسي الحديث، حيث استقر الوعي الإنساني بعد قرون من الصراع والحروب الدينية على مفهوم "المواطنة" كإطار قانوني وحقوقي يضمن المساواة والحرية والكرامة. بيد أن بزوغ نموذج "ولاية الفقيه" وتمدده عبر أذرع ميليشياوية عابرة للحدود، قد خلق نقيضاً بنيوياً لهذا المفهوم، مستبدلاً "المواطن" الحر بـ "المكلف" المسلوب الإرادة. إن هذا التحول ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو انقلاب جذري على مفهوم السيادة الوطنية والحرية الشخصية، حيث يتم تحويل الفرد من شريك في صياغة العقد الاجتماعي إلى ترس في آلة عقائدية تدار من مركز سلطوي غيبي في طهران. ومن المفارقات الصادمة في هذا السياق، هو بروز ظاهرة "المطبلين" لهذا النظام من خارج دائرة المذهب الشيعي، والذين يهربون من بلدانهم طلباً للحرية في الغرب، بينما يمجّدون ذروة الاستبداد الثيوقراطي الإرهابي المتمثل في الولي الفقيه، في حالة من الانفصام الفكري والسياسي التي تستدعي تشريحاً دقيقاً.
إن التناقض البنيوي بين المواطنة وولاية الفقيه يبدأ من مصدر الشرعية. ففي الدولة الحديثة، تنبع الشرعية من الشعب عبر عقد اجتماعي يحدد الحقوق والواجبات، حيث يكون المواطن هو صاحب السيادة والقادر على مساءلة السلطة وتغييرها. أما في نظام ولاية الفقيه، فإن الشرعية تُستمد من السماء، والفقيه الحاكم هو نائب الإمام الغائب، وصلاحياته مطلقة تتجاوز الدساتير والحدود الجغرافية. هنا يتحول العقد الاجتماعي إلى "عقد إذعان"، حيث لا يملك الفرد حق الاعتراض أو المشاركة الحقيقية، بل عليه واجب "الطاعة والامتثال" باعتباره مكلفاً شرعياً. إن مفهوم "المكلف" يلغي صفة المواطن، لأنه يربط سلوك الفرد اليومي وقراراته السياسية بإرادة الفقيه، مما يجعل ولاء الفرد للدولة الوطنية ثانوياً أمام ولائه للمركز العقائدي العابر للحدود، وهذا هو التفسير المنطقي لولاء ميليشيات مثل حزب الله لإيران على حساب سيادة لبنان.
تؤدي هذه المركزية الدينية إلى إلغاء الإرادة الحرة للفرد بشكل كامل، فالمكلف لا يتحرك بناءً على قناعته السياسية أو مصلحته الوطنية، بل بناءً على "التكليف الشرعي" الذي يمثل أمر عمليات إلهي لا يجوز مناقشته. هذا الاستلاب للإرادة يتم عبر منظومة غسل أدمغة ممنهجة تبدأ من الطفولة، حيث يتم تصوير الولي الفقيه كمعصوم فعلياً أو مسدد من الغيب، مما يجعل التشكيك في قراراته تشكيكاً في الدين نفسه. إن هذا النظام الإرهابي يدرك تماماً أن بقاءه مرهون بتحويل البشر إلى أدوات تنفيذية، لذا فهو يستثمر في "خرافات بالية" تدعي القدرة على إدارة العالم عبر رؤى ميليشياوية، محطماً بذلك أي فرصة لنمو فضاء مدني حر يقدس العقل والمنطق والحوار.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل عن سر إعجاب بعض النخب والقواعد الشعبية في دول مثل مصر وسوريا وغيرها من الدول التي تعاني من تضييقات سياسية، بهذا النموذج الثيوقراطي الإيراني. إنها مفارقة كبرى أن نجد شاباً يشتكي من قمع السلطة في بلده، ويسعى بكل جهده للهجرة إلى باريس أو لندن ليتنفس الحرية، ولكنه في الوقت ذاته يطبل لنظام الولي الفقيه ويراه بطلاً "ممانعاً". هذا الإعجاب نابع من وهم "القوة" الذي تصدره إيران عبر أذرعها، حيث يخلط هؤلاء بين الهمجية العسكرية وبين البطولة الوطنية. إنهم يسقطون رغبتهم في الانتقام من واقعهم المرير على نموذج إرهابي أكثر قمعاً وتخلفاً، متناسين أن النظام الذي يمجّدونه هو نفسه الذي يقمع الشباب الإيراني ويعدمهم في الشوارع لمجرد المطالبة بأبسط حقوق الحياة والحرية.
إن هؤلاء "المطبلين" للثيوقراطية من قلب المجتمعات السنية أو المدنية يمارسون نوعاً من الخيانة الفكرية لأنفسهم ولأوطانهم. فهم يهربون من "استبداد محلي" ليدعموا "استبداداً كونياً" يطمح لتحويل منطقتنا برمتها إلى ولايات تابعة للفقيه. إن دعمهم لهذا النظام الإرهابي يغذي الطائفية ويمزق النسيج الاجتماعي، لأن ولاية الفقيه بطبيعتها لا تقبل الآخر، بل تسعى لابتلاعه أو تدميره. إنهم يشيدون بنظام يقوم على الخرافة والتمييز المذهبي والقتل السياسي، بينما يتمتعون هم بظلال العلمانية والديمقراطية في الغرب، مما يكشف عن خلل أخلاقي عميق وفقدان للبوصلة السياسية التي تميز بين "المقاومة" الحقيقية وبين "الاستعمار الثيوقراطي".
إن التناقض الصارخ يكمن في أن نظام الولي الفقيه لا يقدم نموذجاً للدولة، بل يقدم نموذجاً للثكنة العسكرية المغلقة. فالمواطن في إيران أو في مناطق نفوذها مثل لبنان، يعيش تحت رقابة أمنية وفقهية خانقة، حيث يتم التدخل في لباسه، وفكره، وفنونه، وحتى في خصوصيات منزله. هذا النظام الإرهابي يستخدم الدين كأداة للسيطرة المطلقة، محولاً المجتمع إلى قطيع يساق نحو حروب عبثية تخدم أطماع التوسع الإيراني. وبدلاً من أن تكون الدولة خادمة للمواطن، يصبح المكلف وقوداً لحروب الولي الفقيه في اليمن وسوريا ولبنان، دون أن يكون له حق السؤال عن جدوى هذه الدماء المسالة في سبيل أوهام الإمبراطورية.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة التطبيل للولي الفقيه من قبل أشخاص يعيشون في دول أقل ثيوقراطية بكثير من إيران، تعكس نجاح الماكينة الإعلامية الإيرانية في استغلال العواطف الدينية والقومية. هؤلاء يرون في صواريخ الحزب ومسيرات طهران تعويضاً عن عجزهم الوطني، لكنهم لا يدركون أن هذه الأسلحة موجهة بالأساس لنحر سيادة دولهم وتفتيت مجتمعاتهم. إن النظام الذي يدعي حماية المقدسات هو نفسه الذي دمر الحواضر العربية العريقة مثل حلب وبغداد وصنعاء، وهو نفسه الذي اغتال رفيق الحريري وكل صوت لبناني طالب بالدولة المدنية. إن الإعجاب بهذا القبح هو انحدار قيمي يجعل الضحية تصفق لجلادها القادم من خلف الحدود.
إن الحل لهذه الإشكالية البنيوية يكمن في ترسيخ قيم المواطنة الكاملة وفصل الدين عن السلطة السياسية بشكل قاطع. لا يمكن للمواطن أن يتحرر إلا إذا تحطم "عقد الإذعان" للفقيه أو لأي سلطة تدعي احتكار الحقيقة الإلهية. إن الدولة الحديثة تقوم على العقل والقانون، بينما تقوم ولاية الفقيه على الخرافة والولاء الأعمى. والتحدي الحقيقي أمام المثقفين والشعوب اليوم هو كشف زيف هذا النموذج الإرهابي وتعرية المطبلين له، والتأكيد على أن الحرية لا تُجزأ؛ فلا يمكن أن تطلبها لنفسك في الغرب وتبارك سحقها في بيروت أو طهران أو غزة باسم "التكليف الشرعي".
في الختام، يبقى الصراع بين ولاية الفقيه والمواطنة هو صراع بين الماضي المظلم والمستقبل المشرق. فالمواطنة هي الطريق الوحيد لبناء دول تحترم الإنسان وعقله، بينما ولاية الفقيه هي نفق مظلم يؤدي إلى الضياع والتبعية والحروب الأبدية. إن الإرادة الحرة للفرد هي الحصن الأخير ضد كل أنواع الاستبداد، الثيوقراطي منه والسياسي، وعلى الشعوب أن تدرك أن من يبيع إرادته لفقيه عابر للحدود، قد تنازل طوعاً عن صفة "الإنسان" ليصبح مجرد أداة في مشروع إرهابي عالمي لا يرى في البشر سوى أرقام في قوائم التعبئة أو ضحايا في ساحات القتال. إن نظام الولي الفقيه وخرافاته البالية سيسقط حتماً أمام إرادة الشعوب التواقة للحرية، وسيبقى المواطن الحر هو حجر الزاوية في بناء أي حضارة إنسانية تحترم نفسها.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...