.
.
المثقف في مواجهة السلاح: معركة الكلمة ضد طغيان الولي الفقيه وانتحار اليسار التائه
تعد العلاقة بين المثقف والسلطة المسلحة واحدة من أكثر العلاقات التباساً ودموية في تاريخ المشرق العربي، إلا أنها في الحالة اللبنانية والشيعية المعاصرة اتخذت طابعاً تراجيدياً يجسد الصراع الوجودي بين "قوة الحرف" و"عنف الرصاص". إن المثقف الذي يختار المواجهة في بيئة يهيمن عليها تنظيم عقائدي مسلح مثل حزب الله، لا يواجه مجرد خصم سياسي، بل يواجه آلة إرهابية ومافيوية تتقن فنون الإبادة بجناحيها: الاغتيال الجسدي الذي ينهي الحياة، والاغتيال المعنوي الذي يستهدف السمعة والكرامة والإرث. في هذا الفضاء الملغوم، تبرز تجربة المثقفين الشيعة واللبنانيين الذين رفضوا الانصياع لمنطق "الهيمنة" الإيرانية كمنارة لكسر جدار الخوف، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه. وفي المقابل، يبرز مشهد مخزٍ لـ "المطبلين" من خارج الدائرة الإيرانية، وخاصة أولئك اليساريين الذين لم يتعلموا من دروس التاريخ، مكررين خطيئة أسلافهم الذين مهدوا الطريق لصعود الخميني، لينتهي بهم المطاف تحت مقصلته. إن التواطؤ مع الإرهاب الثيوقراطي هو انتحار أخلاقي وسياسي، لأن التعاقد مع هذا النظام يشبه محاولة الترويض لحيوان غبي ومفترس لا يملك ذاكرة للوفاء ولا عهداً للمواثيق.
لقد سلكت ماكينة القمع الإيرانية في لبنان مساراً ممنهجاً لتصفية العقل الناقد، فكانت الاغتيالات الجسدية هي الرد الفوري على كل كلمة تخدش حياء "المقدس الزائف". من المفكر الكبير مهدي عامل الذي قُتل لأنه أراد علمنة العقل، إلى حسين مروة الذي اغتيل وهو على فراش الشيخوخة لأنه ربط التراث بالعقلانية، وصولاً إلى سمير قصير وجبران تويني ولقمان سليم. إن اغتيال لقمان سليم، على وجه الخصوص، مثل ذروة الحقد الثيوقراطي ضد المثقف الشيعي الحر؛ فلم يكن لقمان مجرد معارض سياسي، بل كان "مشروعاً معرفياً" يعمل على توثيق الذاكرة وكشف زيف السرديات الممانعة. قتله لم يكن مجرد رغبة في إسكات صوت، بل كان محاولة لترهيب كل من يفكر في الخروج عن "التكليف الشرعي". إن السلاح هنا يدرك أن الكلمة الحرة هي العدو الأول للغيبية، لأن العقل المضيء يبدد ظلمات الخرافة التي يعتاش عليها نظام الولي الفقيه، ومن هنا يصبح "المثقف السيادي" هدفاً أولياً قبل العسكري، لأن تدمير الوعي هو المدخل الوحيد لاستعباد الجماهير.
يترافق القتل الجسدي مع "الاغتيال المعنوي" الذي تبرع فيه جيوش الذباب الإلكتروني والمنصات الإعلامية التابعة للمحور. يتم تخوين المثقف، ووصمه بالعمالة للسفارات، وشيطنة أفكاره، وعزله اجتماعياً داخل بيئته. هذا النوع من القمع يهدف إلى جعل "كلفة المعارضة" غير محتملة، حيث يُحرم المثقف من حقه في الانتماء لمجتمعه ويُصور كجسم غريب يجب لفظه. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الكلمة، رغم رقتها، تمتلك قدرة هائلة على نخر جدران الخوف. فكل مقال، وكل موقف صلب، وكل صمود في وجه التهديد، يسهم في توسيع رقعة الوعي القومي والوطني. إن المثقفين الذين صمدوا في بيروت والجنوب والبقاع، والذين رفضوا بيع أقلامهم لإمبراطورية الكبتاغون والدم، هم الذين حافظوا على بصيص الأمل في استعادة الدولة اللبنانية من براثن الدويلة المختطفة.
وفي خضم هذا الصراع، تبرز ظاهرة "المطبلين" من غير الإيرانيين، وتحديداً بعض النخب اليسارية والقومية في العالم العربي، الذين سقطوا في فخ "سردية المقاومة". هؤلاء يمارسون نوعاً من الغباء التاريخي المزمن، متناسين ما حدث لرفاقهم في إيران عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين. لقد صعد الخميني ونظامه على أكتاف اليساريين والتحرريين الذين ظنوا أنهم يتحالفون مع "ثورة شعبية" ضد الاستبداد، ولكن بمجرد أن أحكم الملالي قبضتهم على السلطة، نصبوا المشانق لحلفاء الأمس. إن النظام الثيوقراطي بطبعه لا يقبل الشراكة، بل يطلب التبعية المطلقة، واليساري الذي يدعم "ولاية الفقيه" اليوم هو في الحقيقة يجهز حبل المشنقة لرقبته. إنهم يتواطؤون مع نظام يمثل قمة الراديكالية اليمينية المتطرفة والظلامية، فقط لأن هذا النظام يرفع شعارات معادية للغرب، متجاهلين أن الإرهاب لا لون له وأن القمع في طهران والضاحية هو وجه العملة الآخر للاستبداد الذي يدعون محاربته.
إن التواطؤ مع الإرهابي، كما وصفه المثقفون الأحرار، هو رهان خاسر بالضرورة. فالنظام الإيراني وأذرعه الميليشياوية يتصرفون كحيوان غبي ومفترس؛ غبي لأنه لا يدرك أن القمع المفرط يؤدي إلى انفجار المجتمعات وسقوط الهيبة، ومفترس لأنه لا يرتوي من الدماء. التواطؤ مع هذا الكيان لا يوفر الحماية للمتواطئ، بل يجعله مجرد "أداة وظيفية" يتم التخلص منها بمجرد انتهاء صلاحيتها. هؤلاء الذين يبررون جرائم حزب الله في سوريا، أو يصفقون لتغول الميليشيات في العراق واليمن، يساهمون في تدمير أوطانهم بأيديهم. إنهم يوفرون غطاءً "علمانياً" أو "مدنياً" لجرائم ثيوقراطية، مما يجعلهم شركاء في الدم وفي تزييف وعي الأجيال القادمة. إن دروس الماضي واضحة: من يركب ظهر النمر الإرهابي ينتهي به المطاف في بطنه، والخميني لم يكن استثناءً، بل كان القاعدة التي يسير عليها خلفاؤه في طهران وبيروت.
تكمن قوة المثقف في قدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ورفض "اللغة الخشبية" التي تحول القاتل إلى مجاهد واللص إلى ممانع. إن معركة الكلمة اليوم هي معركة استعادة المصطلحات؛ فما يمارسه الحزب هو استعمار بالوكالة، وما يديره هو اقتصاد مافيوي، وما يطرحه هو خرافة بالية. عندما يجرؤ المثقف على قول هذه الحقائق، فإنه يهدم الأساس الفكري الذي يقوم عليه الاستبداد. إن الاغتيالات التي طالت المثقفين الشيعة اللبنانيين كانت تهدف لإنتاج "شيعة مدجنة" تدين بالولاء للولي الفقيه فقط، لكن الصمود الذي أبداه المعارضون الأحرار أثبت أن العقل الشيعي اللبناني هو عقل مدني وتعددي وتاريخي، يرفض الاختزال في "غيتو" طائفي مسلح. إن الكلمة هنا ليست مجرد ترف فكري، بل هي فعل مقاومة حقيقي ضد محاولة محو الهوية الوطنية اللبنانية.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة "اليساري الممانع" تمثل ذروة الانحطاط الفكري؛ فكيف يمكن لمن يدعي الانحياز للعدالة الاجتماعية والحرية الفردية أن يدعم نظاماً يعدم الشباب بسبب تسريحة شعر، أو يقتل النساء لعدم ارتدائهن الحجاب وفق معايير الفقيه؟ إن هذا التناقض يكشف عن إفلاس أيديولوجي يجعل الكراهية للغرب محركاً أقوى من القيم الإنسانية. إن هؤلاء المطبلين يمنحون النظام الإرهابي "صكوك غفران" سياسية تسمح له بالتمادي في قمع شعبه وشعوب المنطقة. إنهم لا يتعلمون من التاريخ لأنهم اختاروا أن يكونوا "مؤجرين للعقول" في سوق النخاسة الإيرانية، متناسين أن الإرهاب العقائدي لا يحترم "المثقف المأجور" بل يحتقره ويستخدمه كخرقة يمسح بها دماء ضحاياه قبل أن يلقي بها في سلة المهملات.
إن مواجهة السلاح بالكلمة تتطلب شجاعة أخلاقية تفوق شجاعة المقاتل في الميدان، لأن المثقف يواجه عدواً غير مرئي يتربص به في زواريب بيروت وفي الفضاء الرقمي. إن تجربة الاغتيالات المعنوية والجسدية لم تزد الأحرار إلا إصراراً على كشف المستور. فاليوم، وأكثر من أي وقت مضى، سقطت هيبة "سيد المقاومة" وظهرت حقيقة "الجرذان" الذين يديرون مشاريع الموت. لقد تحولت "المقاومة" في نظر غالبية الشعوب الناطقة بالعربية إلى مرادف للإرهاب والكبتاغون والتبعية. وهذا التحول في الرأي العام هو الثمرة المرة التي يجنيها المثقفون بدمائهم وأقلامهم؛ فقد نجحوا في كسر جدار الخوف وفي تحويل "المقدس" الإيراني إلى مادة للسخرية والاستهزاء بفعل انكشافه وتخلفه أمام منطق العصر وتكنولوجيا العلم.
إن التواطؤ مع الإرهابي لا ينفع، لأن الإرهابي لا يؤمن بالحوار بل بالإملاء. نظام الولي الفقيه لا يرى في المثقف اللبناني أو السوري أو المصري شريكاً، بل يراه "مادة دعائية" أو "هدفاً عسكرياً". واليساريون الذين يظنون أنهم بمداهنة هذا النظام يحققون مكاسب ضد الإمبريالية، هم في الواقع يدعمون "إمبريالية ثيوقراطية" أكثر تخلفاً ودموية. إن المقصلة التي أقامها الخميني لليساريين الإيرانيين لا تزال قائمة، وهي جاهزة لكل من يظن أنه يمكنه اللعب مع "الحيوان المفترس" دون أن يفقد رأسه. إن المثقف الحقيقي هو من يقف في وجه كل أنواع القمع، سواء جاء من الغرب أو الشرق، ومن يدرك أن الحرية لا تُجزأ، فلا يمكن أن تكون ثورياً في لندن ومطبلاً لميليشيا تقتل الأطفال في حلب أو تخطف الدولة في بيروت.
ختاماً، إن معركة المثقف في مواجهة السلاح هي المعركة الفاصلة في تحديد مصير المشرق العربي. إن الكلمة هي التي ستبقى، بينما السلاح الذي يقتل الأبرياء ويحمي تجارة السموم سيتحول إلى ركام. إن دماء المثقفين الأحرار هي التي تروي شجرة السيادة والحرية، وصمودهم هو الذي سيكسر في النهاية طغيان الولي الفقيه وأوهام الإمبراطورية الفاشلة. إن التاريخ لن يرحم المطبلين والانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم للإرهاب، وسيبقى ذكر المثقفين الذين واجهوا الموت بصدور عارية وأقلام صادقة خالداً في وجدان الشعوب. إن التواطؤ مع الحيوان المفترس هو رهان الحمقى، أما الرهان الرابح فهو الرهان على العقل، والحرية، والكرامة الإنسانية التي لا تساوم ولا تباع في أسواق التبعية والظلام. إن جدار الخوف قد تداعى، وما بنته الكلمة الحرة عبر عقود من التضحيات هو اليوم السد المنيع الذي سيحمي ما تبقى من أمل في هذه المنطقة المنكوبة بخرافات السرداب ورصاص الغدر.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire