Translate

أصداء الرافدين: التناص الميثولوجي وإعادة تدوير التراث السومري والبابلي في النصوص التوراتية والقرآنية (مقال)

.


.
أصداء الرافدين: التناص الميثولوجي وإعادة تدوير التراث السومري والبابلي في النصوص التوراتية والقرآنية



تمثل دراسة الأديان الإبراهيمية في ضوء المكتشفات الأركيولوجية لبلاد ما بين النهرين واحدة من أكثر القراءات كشفاً للمنظومة البشرية التي شيدت ما يسمى اليوم بالوحي الإلهي، حيث يتضح من خلال المقارنة الفيلولوجية والميثولوجية أن النصوص المقدسة، من التوراة وصولاً إلى القرآن، ليست سوى طبقات متراكمة من "إعادة التدوير" الذكي لنيتاج فكري وأسطوري أنتجه العقل السومري والبابلي قبل آلاف السنين من ظهور أول نبي إبراهيمي. إن هذه العملية، التي يمكن تسميتها بـ "الاستيلاء الثقافي المقدس"، قامت بانتزاع القصص الرافدينية من سياقها التعددي الطبيعي، وصهرتها في قوالب توحيدية قهرية، لتمنح القبائل الناشئة في كنعان والحجاز شرعية تاريخية وعمقاً أنطولوجياً مستعاراً. إن ما يُقدم اليوم كحقائق سماوية منزهة هو في جوهره صدى لملحمة غلغامش، وأساطير إنانا، وقوانين حمورابي، التي تمت أسلمتها وتهويده عبر القرون من خلال آليات الحذف والإضافة والتحوير، لتبدو وكأنها خطاب متعالٍ بينما هي صرخة من طين سومر وألواح بابل.
تتجلى أوضح ملامح هذا النقل الميثولوجي في قصة الطوفان ونوح، وهي الحكاية التي يطرحها القرآن والتوراة كآية كبرى على الغضب الإلهي والنجاة الإعجازية. غير أن فك الارتباط بين النص المقدس والسردية الرافدينية يكشف أن "نوح" ليس سوى النسخة السامية المتأخرة من البطل السومري "زيوسودرا" أو البابلية "أوتنابشتم" في ملحمة غلغامش. في النص الرافديني الأصلي، تقرر الآلهة إرسال الطوفان بسبب ضجيج البشر الذي أزعج "إنليل"، فيقوم الإله "إيا" (إله الحكمة والماء) بتبليغ "أوتنابشتم" سراً ليبني سفينة يحمل فيها بذور الحياة. التفاصيل الدقيقة في السردية الرافدينية، من قياسات السفينة وتطليتها بالقار، ثم إرسال الغراب والحمامة لاختبار جفاف الأرض، وصولاً إلى استقرار السفينة على الجبل وقرار البطل بتقديم الأضاحي، هي تفاصيل استنسختها التوراة بحذافيرها، ثم تبناها القرآن لاحقاً مع إضافة صبغة وعظية أخلاقية. إن هذا "التطابق المسطري" يثبت أن كتب الوحي لم تأتِ بجديد، بل قامت بـ "تحريف" الغرض من الأسطورة؛ فبينما كانت القصة الرافدينية تعبيراً عن عبثية الطبيعة وصراع الآلهة، حولتها الأديان الإبراهيمية إلى "أداة عقاب أخلاقي"، لتبرير سلطة الإله المطلقة وفرض طاعة "النبي" المختار، وهو تحوير وظيفي يخدم الدولة الثيوقراطية الناشئة.
ولا تقف حدود الاستعارة عند أحداث الكوارث الكونية، بل تمتد لتشكل النواة الدرامية لقصص الأنبياء الفردية، كما نرى في قصة يوسف. إن هذه الرواية التي يصفها القرآن بأنها "أحسن القصص" هي في جوهرها إعادة صياغة لأسطورة "إنانا ودموزي" وأساطير الخصوبة والجدب في بلاد الرافدين، ممتزجة بالقصة المصرية القديمة المعروفة بـ "الأخوين". فكرة الشاب الجميل الذي يتعرض للمؤامرة، ويُلقى في الجب (الذي يرمز للعالم السفلي في الميثولوجيا القديمة)، ثم يصعد ليصبح سيداً للأرض وموزعاً للأقوات، هي تكرار رمزي لرحلة الإله "دموزي" السنوية بين الموت والحياة لضمان الخصوبة. حتى تفاصيل إغراء امرأة العزيز ليوسف تجد صداها في محاولة الإلهة "إنانا" (أو عشتار) إغراء غلغامش ورفضه لها. إن العقل الإبراهيمي قام بـ "تجريد" الأسطورة من أبعادها الكونية المرتبطة بدورة الطبيعة، وحولها إلى قصة أخلاقية عن "العفة والتمكين"، مع الاحتفاظ بالهيكل السردي ذاته. هذا التدوير يظهر كيف أن "الوحي" كان يعيد استخدام الشخصيات الميثولوجية الجاهزة في الوجدان الشعبي للمنطقة، لضمان قبول الناس للرسالة الجديدة التي تبدو مألوفة في شكلها ولكنها مغايرة في غايتها السياسية.
أما شخصية موسى، المحرك الرئيسي للتشريع في التوراة، فإنها تمثل الذروة في عملية التثاقف القسري مع التراث البابلي. إن قصة ميلاد موسى ووضعه في سلة من الخوص في النهر هي استنساخ شبه كامل لأسطورة ميلاد "سرجون الأكدي"، مؤسس الإمبراطورية الأكدية قبل موسى المفترض بألف عام على الأقل. سرجون، في نقوشه، يحكي كيف وضعته أمه الكاهنة في سلة من القار وألقته في نهر الفرات لينتشله ساقي الملك ويربيه ويصبح ملكاً عظيماً. إن "السرقة الأدبية" هنا واضحة ومباشرة، والهدف منها هو منح موسى "هيبة الملوك" العظماء في الذاكرة الرافدينية. ولا يتوقف الأمر عند السيرة الذاتية، بل يمتد إلى جوهر "الشريعة"؛ فالوصايا العشر والقوانين المفصلة في سفر الخروج واللاويين، والتي يزعم النص أن الله خطها بيده، هي في الواقع "تنقيح" لمدونة حمورابي وقوانين أورنمو. إن مبدأ "العين بالعين والسن بالسن" هو قلب التشريع البابلي الذي صاغه حمورابي لضبط مجتمع مدني معقد، فقام العقل العبراني بانتزاعه من سياقه القانوني الوضعي، ونسبته إلى يهوه ليصبح ديناً مقدساً. القرآن بدوره أكد هذه القوانين بوصفها وحياً إلهياً، متجاهلاً أصولها البشرية المادية التي سبقت وجود بني إسرائيل أنفسهم.
إن هذا "التراكم الميثولوجي" يكشف عن حقيقة أن الأديان الإبراهيمية لم تكن قط انقطاعاً معرفياً مع الماضي، بل كانت "تطويراً قومياً" له. فالسردية القرآنية والتوراتية تعمدت "تجهيل" المصادر الرافدينية ومحو ذكر الآلهة الأصلية (مثل مردوخ وإنليل وعشتار) لتستبدلهم بإله واحد يستحوذ على كل أفعالهم. هذه العملية أنتجت نصاً يعاني من "الانفصام التاريخي"؛ فهو يتحدث عن أحداث وقعت في بيئة نهرية (مثل الطوفان وسلال الطعام والزراعة الكثيفة) بينما يُخاطب مجتمعاً صحراوياً في الحجاز أو سيناء. هذا التناقض يفسر لماذا تبدو بعض قصص الأنبياء في القرآن مبتورة أو غامضة؛ لأنها تُفترض علماً مسبقاً بالأصل الميثولوجي الذي كان يتداوله الناس في الشرق الأوسط كـ "فولكلور" شعبي. إن "إعادة التدوير" هنا لم تكن تهدف لتقديم معرفة تاريخية، بل لتقديم "أيديولوجيا استعلائية" تدعي أن كل ما سبقها كان تحريفاً، بينما هي في الواقع تعيش على فتات موائدهم الفكرية.
علاوة على ذلك، فإن فكرة "الجنة والنار" واليوم الآخر، التي يركز عليها القرآن بشكل مكثف، تجد جذورها العميقة في "أرالو" أو العالم السفلي الرافديني وتصورات البابليين عن الحساب بعد الموت. إن الميزان الذي يزن أعمال البشر، والصراط الذي يجب عبوره، والأنظمة البيروقراطية للثواب والعقاب، كلها عناصر نضجت في مخيلة الكهنة السومريين والبابليين كأدوات للضبط الاجتماعي. الأديان الإبراهيمية أخذت هذه الصور الفنية والذهنية وقامت بـ "تضخيمها" وربطها بمفهوم "التوحيد"، مما حول الخوف من الطبيعة إلى خوف من الإله، وحول القلق من الموت إلى قلق من العقاب الأبدي. إن هذا "المسخ" للتراث الرافديني هو الذي أنتج المنظومة الأخلاقية القهرية التي تسيطر على العقل المؤمن اليوم؛ حيث يتم التعامل مع الأسطورة كحقيقة فيزيائية، ومع الرمز كواقعة تاريخية، مما يؤدي إلى انسداد الأفق النقدي أمام المسلم أو اليهودي الذي يرى في هذه القصص "إعجازاً" بينما هي في الحقيقة "اقتباسات" متأخرة.
إن خطورة هذا "التدوير" تكمن في قدرته على تزييف الوعي التاريخي؛ فحين يُقال للمسلم إن قصة إبراهيم وتكسير الأصنام هي حدث فريد، يُحجب عنه أن هذه الثيمة (ثيمة البطل الذي يتحدى الآلهة القديمة) هي ثيمة مكررة في الأدب الرافديني والكنعاني. وحين يُقال له إن "اللوح المحفوظ" هو اختراع إلهي، يُخفي عنه النص أن فكرة "ألواح القدر" التي يمتلكها الإله "إنليل" والتي تُكتب فيها مصائر البشر هي أصل هذه الفكرة. إننا أمام "سرقة حضارية" واسعة النطاق، قامت فيها شعوب "هامشية" تاريخياً (بنو إسرائيل ثم العرب) بالاستيلاء على ثمار الحضارات "المركزية" في الرافدين ومصر، وإعادة تغليفها بلغة دينية تعبوية لتأسيس إمبراطوريات خاصة بهم. وبناءً عليه، فإن "الوحي" ليس سوى "ذاكرة بشرية منتقاة" تمت حياكتها بمهارة لإخفاء خيوطها الأرضية.
في الختام، يثبت النقد المقارن أن التوراة والقرآن هما "نهاية المطاف" لمسيرة ميثولوجية طويلة بدأت في أور ولجش وبابل. إن قصص الأنبياء ليست أخباراً من السماء، بل هي "روايات تاريخية محرفة" تم استلالها من سياقها الأسطوري السومري والبابلي لخدمة أغراض الهيمنة الثيوقراطية. إن الاعتراف بهذه الجذور الرافدينية هو الخطوة الأولى نحو تفكيك "قدسية الوهم"؛ فمن خلال إدراك أن نوح هو أوتنابشتم، وأن موسى هو سرجون، وأن التشريع الإلهي هو قانون حمورابي، يسقط قناع الغيب عن النص، ويتحول إلى "إنتاج بشري" بامتياز، يعكس مخاوف وطموحات الإنسان القديم في مواجهة الطبيعة والسلطة. إن السماء لم تتكلم قط بلسان هؤلاء الأنبياء، بل إن صدى الحضارات العظيمة التي دُفنت تحت الرمال هو الذي ما زال يتردد في مآذننا ومحاريبنا، متنكراً في زي "الوحي"، بينما هو في الحقيقة "تراث رافديني" ضل طريقه في غياهب التاريخ الإبراهيمي.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...