Translate

الحنيفية والبحث عن نبي عربي: تفكيك الجسر اللاهوتي بين الأسطورة التراثية والواقع السياسي في جزيرة العرب (مقال)

.


.
الحنيفية والبحث عن نبي عربي: تفكيك الجسر اللاهوتي بين الأسطورة التراثية والواقع السياسي في جزيرة العرب



تمثل "الحنيفية" في السردية الإسلامية التقليدية حجر الزاوية الذي استند إليه المشروع المحمدي لاكتساب شرعية تاريخية وتجاوز مأزق الحداثة الدينية في بيئة تقدس الأقدمية. فوفقاً للمفهوم التراثي، كان "الحنفاء" تياراً روحياً يضم أفراداً نبذوا الأوثان وتمسكوا بملة إبراهيم قبل ظهور الإسلام، مما جعل محمد مجرد متمم لعملية إصلاحية بدأت قبله. غير أن إخضاع هذا المفهوم للنقد التاريخي الصارم، وفحصه ضمن سياق الصراعات الجيوسياسية للقرن السابع، يكشف عن احتمالية كون الحنيفية "اختراعاً تراثياً" متأخراً، أو في أفضل الأحوال، إعادة صياغة لتيارات دينية هجينة كانت تبحث عن "هوية قومية" تتخلص بها من الهيمنة الثقافية والسياسية للإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية. إن البحث في أصول الحنيفية يقودنا إلى فهم كيفية بناء "الجسر اللاهوتي" الذي ربط محمد بإبراهيم، وكيف تم استغلال حاجة القبائل العربية لنبي يخصها لشرعنة الانفصال عن المنظومات الدينية الكبرى وتحويل العرب من مجرد أتباع للشرائع الكتابية إلى أصحاب شريعة مستقلة ومنافسة.
تبدأ إشكالية الحنيفية من غياب أي دليل مادي أو نقش أثري يؤكد وجود تيار ديني بهذا الاسم قبل الإسلام في قلب الجزيرة العربية. فبينما تمتلئ الجزيرة بنقوش تتحدث عن "رحمنان" في اليمن أو عن آلهة وثنية متعددة في الشمال والحجاز، يظل مصطلح "حنيف" غائباً عن السجل الصخري، ليظهر فجأة في النص القرآني كصفة لإبراهيم وكهوية للموحدين الأوائل. هذا الغياب يرجح أن "الحنيفية" لم تكن تنظيماً أو تياراً بالمعنى المفهوم، بل كانت مصطلحاً لاهوتياً استُخدم بأثر رجعي لصبغ محاولات التوحيد العربية بصبغة "الأصالة". ويرى العديد من الباحثين أن لفظ "حنيف" نفسه قد يكون مشتقاً من الكلمة السريانية "حنيفو" التي كانت تعني "الوثني" أو "الصابئي" عند المسيحيين السريان، وهي تسمية كان يطلقها أتباع الكنيسة الرسمية على الذين لم ينضموا للنصرانية المنظمة. ومن هنا، قام الإسلام بـ "قلب دلالي" للمصطلح، فحول صفة "الخروج عن الدين الرسمي" من تهمة بالوثنية إلى وسام بالتوحيد الفطري الخالص، مما سمح لمحمد بأن يضع نفسه في خانة "الغريب الموحد" الذي لا يدين بالولاء لروما أو لفارس.
إن فكرة "الحنفاء" كأفراد مثل زيد بن عمرو بن نفيل أو ورقة بن نوفل، تظهر في السيرة النبوية كأدوات وظيفية لتبرير الوحي. هؤلاء الشخصيات، التي تروي الأخبار قصص بحثها عن "الدين الحق" ورفضها للذبائح الوثنية، تبدو وكأنها مرسومة بدقة لتكون "المبشر الممهد" للشخصية المحمدية. ومن الناحية التاريخية، يرجح أن هذه الشخصيات كانت تعبر عن وجود طوائف "يهودية مسيحية" أو "غنوصية" منشقة كانت منتشرة في جيوب معزولة في الحجاز. هذه الطوائف، التي رفضت عقيدة التثليث البيزنطية وتمسكت بالتوحيد الصارم، كانت تبحث عن "بطل قومي" يحررها من الاستلاب الثقافي. فالحنيفية إذن لم تكن ملة مفقودة لإبراهيم تم اكتشافها، بل كانت "حاجة سياسية" لتيارات دينية محلية أرادت صياغة دين عربي يستعير مادة التوراة والإنجيل ولكن بقالب لغوي وقومي جديد. وبناءً عليه، فإن "الجسر" الذي رُبط بإبراهيم لم يكن تواصلاً روحياً حقيقياً، بل كان "انتحالاً للنسب" اللاهوتي لانتزاع الشرعية من اليهود والمسيحيين، فبما أن إبراهيم سبق موسى وعيسى، فإن العودة لملته تعني التفوق على اليهودية والنصرانية والعودة للأصل "النقي" قبل التحريف المزعوم.
وتتجلى وجاهة هذا التحليل عند ربط نشوء الإسلام بالصراع العالمي آنذاك؛ فالشرق الأوسط كان مسرحاً لحروب مدمرة بين البيزنطيين والفرس، وكان الدين هو الأداة الرئيسية للهيمنة. العرب، الذين كانوا يعملون كمرتزقة أو حلفاء (مثل الغساسنة والمناذرة)، وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما التبعية للمسيحية البيزنطية أو المجوسية الفارسية. في هذا المناخ المحتقن، ظهرت ضرورة وجود "نبي عربي" يوحد القبائل تحت راية عقيدة لا تخضع لأباطرة القسطنطينية أو ملوك المدائن. الحنيفية كانت هي "الأيديولوجيا التحويلية" التي سمحت بهذا الانتقال؛ فهي قدمت ديناً موحداً، مألوف القصص (بناءً على التراث الكتابي)، ولكنه مرتبط بالأرض والحرم المكي واللغة العربية. هذا الربط الذكي مكن محمد من جمع أتباع الديانات الصغيرة المشتتة (الآريوسيين، الأبيونيين، المتهودين العرب) تحت مظلة واحدة، موهماً إياهم بأن ما يدعو إليه هو "الأصل" الذي ضاع، بينما هو في الواقع "توليفة" سياسية صُممت لإنهاء التبعية للأجنبي.
إن السردية التي تحكي عن "بقايا ملة إبراهيم" في الكعبة هي جزء من عملية "تاريخية الخرافة"؛ حيث تم تحويل الحجر الأسود والطقوس الوثنية إلى شعائر إبراهيمية لضمان استمرارية القداسة المحلية مع تغيير المحتوى العقدي. الحنفاء في هذا السياق لم يكونوا أكثر من "خيال أدبي" استخدمه المفسرون لاحقاً لتفسير المصطلحات القرآنية الغامضة ولإعطاء عمق تاريخي للدعوة الجديدة. ولو كانت الحنيفية تياراً حقيقياً ومنتشراً، لكان له أتباع وكتابات وشعائر مستقلة، ولكننا لا نجد للحنفاء أي وجود بمجرد ظهور الإسلام، حيث ذابوا تماماً في الهوية الجديدة، مما يؤكد أنهم كانوا "ظلالاً" للنص القرآني أكثر من كونهم بشراً من لحم ودم. لقد كان اختراع الحنيفية ضرورة لغوية وثقافية؛ فالعرب الذين كانوا يفتخرون بأنسابهم لم يكن من السهل عليهم قبول دين "مستورد" بالكامل، فجاءت الحنيفية لتقول لهم إن هذا الدين هو "إرث أجدادكم" الذي نسيه الناس، وبذلك تحول الإسلام من "بدعة" إلى "استرداد".
علاوة على ذلك، فإن البحث عن "نبي عربي" كان ظاهرة عامة في القرن السابع، كما نرى في تجارب متنبئين آخرين مثل مسيلمة وسجاح والأسود العنسي. هؤلاء جميعاً كانوا يطرحون أنفسهم كحنفاء أو رحمانيين، مما يدل على أن "السوق الديني" في الجزيرة كان مهيأً لظهور هذه الشخصية. النجاح المحمدي تميز بقدرته العالية على "التبيئة"؛ أي جعل الدين يبدو غريباً (وحي من السماء) وأليفاً (ملة إبراهيم) في آن واحد. هذا التناقض هو الذي منح الحنيفية قوتها، فهي بررت كسر الأصنام (باعتبارها انحرافاً عن التوحيد الأصلي) وبررت في الوقت نفسه الحفاظ على الكعبة (باعتبارها بيت إبراهيم). إن "الجسر اللاهوتي" الذي بناه محمد لم يكن موجهاً للوثنيين فقط، بل كان يستهدف بالأساس انتزاع الاعتراف من أهل الكتاب؛ فبما أنني أتبع إبراهيم الذي تعترفون به، فأنتم ملزمون بتصديقي، وعندما رفضوا، تحول الخطاب من "الموافقة" إلى "المناقضة" واتهامهم بتحريف كتبهم التي تُبشر به.
إن "الدين الضائع" الذي مهد الطريق لمحمد لم يكن الحنيفية الإبراهيمية المتخيلة، بل كان مزيجاً من الإحباط السياسي العربي والرغبة في السيادة، متلحفاً بكساء من اللاهوت اليهودي المسيحي المنحول. الحنيفية كانت الصياغة الأدبية لهذا الانفجار القومي؛ فمن خلالها تم "تعريب" الإله، و"تعريب" الأنبياء، و"تعريب" الجنة والنار. إن صرخة الحنفاء المزعومة في بطحاء مكة لم تكن سوى صدى لمفكرين وسياسيين أرادوا الخروج من عباءة الإمبراطوريات، فصنعوا لأنفسهم "ماضياً مقدساً" يبررون به طموحاتهم المستقبلية. لقد نجح التراث في تحويل هذه الضرورة السياسية إلى "حقيقة روحية"، وأخفى تحت ركام القصص الوعظية حقيقة أن الإسلام نشأ كحركة "انفصالية" عن المسيحية واليهودية الرسمية، مستخدماً "الحنيفية" كقناع لتغطية عمليات الاقتباس والتحوير التي قام بها النص التأسيسي.
في الختام، يظهر أن الحنيفية هي "الأسطورة التأسيسية" التي مكنت الإسلام من الاستحواذ على المركزية الدينية في الشرق الأوسط. إنها لم تكن ديناً حقيقياً بقدر ما كانت "استراتيجية لاهوتية" لخلق جسر زائف مع الماضي العبراني لتبرير الحاضر العربي. إن فكرة الحنفاء والبحث عن نبي عربي تعكس سيكولوجية أمة كانت تبحث عن مكان تحت الشمس وسط عمالقة الحضارات، فوجدت في "إعادة اختراع إبراهيم" المخرج الوحيد لاكتساب الهيبة والقداسة. إن تفكيك هذا الجسر يكشف لنا أن الإسلام لم يأتِ ليكمل "ديناً ضائعاً"، بل جاء ليملأ فراغ السلطة والمعنى بلغة السيف والبيان، مستخدماً الحنيفية كذريعة تاريخية لإغلاق الباب خلفه وتتويج محمد كخاتم للأنبياء، بينما الحقيقة هي أنه كان خاتم المتنبئين الذين استثمروا في الجهل والتوق القومي لبناء إمبراطورية النص. إن الحنيفية ليست أصلاً مفقوداً، بل هي الفصل الأول في رواية "اختراع الإسلام" التي كُتبت بأقلام المفسرين لتبرير واقع لم يعد يملك من أمره شيئاً سوى التمسك بخيوط العنكبوت التاريخية.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...