Translate

أسطورة مكة في الميزان الأركيولوجي: صمت الحجارة وصرخة النصوص وإعادة رسم خارطة البدايات (مقال)

.


.
أسطورة مكة في الميزان الأركيولوجي: صمت الحجارة وصرخة النصوص وإعادة رسم خارطة البدايات



تمثل مدينة مكة في الوجدان الإسلامي التقليدي "أم القرى" ومركز التجارة العالمية القديمة وقبلة الأنبياء منذ فجر التاريخ، غير أن إخضاع هذه السردية للمشرط الأركيولوجي والفيلولوجي الحديث يكشف عن مفارقات مذهلة تضع المركزية التاريخية لهذه المدينة في مهب الريح. إن المتأمل في السجلات التاريخية والخرائط الجغرافية السابقة للقرن السابع الميلادي يصدم بصمت جنائزي غريب؛ فلا ذكر لهذه المدينة في كتابات الرحالة الإغريق أو الرومان، ولا أثر لها في طرق التجارة الدولية الموثقة، ولا وجود لنقش واحد يؤكد قدسيتها أو حتى وجودها المادي كحاضرة سكانية كبرى. هذا الغياب الصارخ للحجارة والأدلة المادية، مقابل الضجيج الهائل في النصوص التراثية المتأخرة، يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات إبيستمولوجية حول الجغرافيا الحقيقية لنشأة الإسلام، ويمنح وجاهة كبرى للأطروحات التي ترى في مكة "اختراعاً جغرافياً" متأخراً تم تشكيله لخدمة أغراض سياسية ولتثبيت هوية دينية جديدة بعيداً عن المراكز الدينية التقليدية في الشمال.
تبدأ إشكالية مكة من موقعها الجغرافي الذي يصفه التراث بأنه كان ملتقى لقوافل الشتاء والصيف ومركزاً تجارياً يربط اليمن بالشام. غير أن المراجعة التاريخية لطرق التجارة القديمة، والتي برعت فيها الباحثة "باتريشيا كرون" في كتابها الشهير "تجارة مكة ونشوء الإسلام"، تثبت أن مكة تقع خارج المسارات المنطقية للتجارة الدولية. فالتجارة بين جنوب الجزيرة وشمالها كانت تعتمد بشكل أساسي على المسار الساحلي أو المسارات التي تمر بالواحات الخصبة والمدن المأهولة، بينما تقع مكة في وادٍ غير ذي زرع، جاف، ومحاط بجبال وعرة لا تقدم أي ميزة لوجستية للقوافل. وتذهب كرون إلى أبعد من ذلك، حيث توضح أن تجارة التوابل والسلع الثمينة كانت قد تراجعت بشكل حاد قبل القرن السابع، وأن العرب لم يكونوا وسطاء تجاريين بالصورة التضخيمية التي رسمها التراث. إن صمت الخرائط الرومانية والبيزنطية، التي وثقت أصغر القرى والآبار في جزيرة العرب، عن ذكر "مكة" أو "بكّة" أو أي مركز ديني وتجاري في ذلك الموقع، يمثل دليلاً سلبياً قاطعاً على أن المدينة لم تكن ذات شأن، إن وُجدت أصلاً، في الفضاء المعرفي للعالم القديم.
هذا الغياب المادي يدفعنا للبحث عن "القبلة الأولى" والمكان الحقيقي الذي شهد ولادة الحركة التوحيدية العربية. وهنا تبرز أطروحة الباحث "دان جيبسون" التي أثارت لغطاً كبيراً، حيث قام بدراسة اتجاهات القبلة في المساجد الأموية الأولى المكتشفة أركيولوجياً. والمفاجأة كانت أن جميع المساجد التي بُنيت في القرن الهجري الأول (مثل مسجد واسط، والمسجد الأموي، ومساجد في شمال أفريقيا) كانت تتجه نحو مدينة "البتراء" في الأردن، وليس نحو مكة في الحجاز. يرى جيبسون أن البتراء، بصفتها عاصمة الأنباط ببيئتها الجبلية المليئة بالوديان والزروع والنقوش، تتطابق جغرافياً ووصفياً مع ما ورد في القرآن عن "أم القرى" أكثر بكثير من مكة الحجازية. فالقرآن يتحدث عن الزيتون والرمان والكروم وأصحاب الحجر، وهي عناصر بيئية تنتمي لمناخ الشام وشمال الجزيرة، بينما تفتقر مكة الطبيعية لهذه العناصر بالكلية. إن تحول القبلة من الشمال إلى الجنوب لم يكن مجرد حدث ديني بسيط، بل كان تعبيراً عن "انزياح جغرافي" متعمد قامت به الدولة الزبيرية أو الأموية لاحقاً لفصل الإسلام عن جذوره النبطية والمسيحية واليهودية الشمالية، وخلق مركز مقدس جديد يتمتع بالحصانة والبعد عن مراكز الصراع السياسي في الشام والعراق.
إن فكرة "اختراع مكة" ترتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورات السلطة في العصر الأموي المتأخر والعصر العباسي. فالدولة العربية الناشئة كانت بحاجة إلى "أصل قومي" خالص يحررها من التبعية الثقافية لبيزنطة أو فارس، ويمنحها استقلالاً روحياً كاملاً. ومن هنا، تم استدعاء شخصية إبراهيم وإسماعيل وإسقاط قصصهما على وادي مكة القاحل، وتحويل الكعبة الوثنية المحلية إلى بيت إلهي قديم. هذا "التقديس اللاحق" احتاج لآلة دعائية ضخمة تمثلت في تدوين السيرة والأحاديث التي أفرطت في وصف عظمة مكة وتاريخها، مستغلة في ذلك انقطاع الأجيال وضياع الذاكرة الشفهية للأوائل. إن المهزلة التاريخية تكمن في أن المفسرين الأوائل وجدوا أنفسهم أمام نص يتحدث عن جغرافيا معينة (الأعراف، الزرع، الأودية الخصبة)، بينما الواقع المكي يرفض ذلك، فقاموا بتأويل النصوص وليّ الحقائق اللغوية لتتناسب مع الموقع الجديد، وهو ما يفسر لماذا نجد وصف "البيت المعمور" أو "بكة" يكتنفه الغموض في التفاسير، لأنهم كانوا يحاولون مطابقة خريطة وهمية على واقع لا يشبهها.
ومن الناحية الأركيولوجية، تظل الحفريات في مكة "منطقة محرمة" علمياً، حيث تمنع السلطات أي بحث مستقل قد يكشف عن غياب الطبقات التاريخية للمدينة. ففي المدن التاريخية الكبرى كبيت المقدس أو البتراء أو روما، نجد تراكمات من الفخار والنقوش والعملات التي تؤرخ لكل عصر، أما مكة، فرغم عمليات التوسعة الضخمة التي شملت الحفر في أعماق الأرض، لم يُعلن قط عن اكتشاف أثر واحد يعود لما قبل القرن السادس الميلادي. هذا الفراغ الأثري يصرخ في وجه النصوص؛ فكيف لمدينة "عظيمة" كانت مقصد القوافل ومركز العرب أن لا تترك خلفها كسرة فخار واحدة أو نقشاً يذكر اسم آلهتها أو تجارها؟ إن هذا الصمت المطبق للحجارة يؤكد أن مكة كانت في أحسن الأحوال محطة صغيرة جداً ومغمورة، أو أنها لم تكن موجودة بصفة حاضرة مدنية إلا بعد استتباب الأمر للخلافة التي قررت جعلها مركزاً كونياً للدين الجديد.
لقد كانت مكة "حلاً سياسياً" لمعضلة الهوية والشرعية. فمن خلال نقل المركزية الدينية إلى عمق الصحراء، ضمن الحكام المسلمون السيطرة على العقل الجمعي للعرب عبر ربطهم بمكان بعيد عن نفوذ القوى الكبرى، مكان يصعب الوصول إليه ويحيطه الغموض والقداسة الصارمة. إن "الصرخة" التي نطلقها اليوم في وجه النصوص هي صرخة العلم الذي يرفض قبول الأساطير كحقائق تاريخية دون دليل مادي. إن مكة التي نعرفها اليوم هي نتاج "هندسة مقدسة" بدأت ملامحها تتضح في أواخر القرن الأول الهجري واكتملت في العصر العباسي، حيث تم تجميع الروايات المشتتة عن "بيت الله" وصهرها في قالب مكي حجازي، وتم محو أي ذكر للبتراء أو المراكز الشمالية من الذاكرة الرسمية، ليصبح الإسلام ديناً "حجازياً" بامتياز، رغم أن أدلته اللغوية والبيئية والقبلية تشير بقوة نحو الشمال والشمال الغربي.
في الختام، يظهر الميزان الأركيولوجي أن كفة "الأسطورة" في مكة أرجح بكثير من كفة "الحقيقة التاريخية". إن صمت الحجارة وغياب مكة عن سجلات العالم القديم هو الدليل الأكبر على أننا أمام بناء لاهوتي تم تشييده بأثر رجعي. إن البحث عن أصول الإسلام في مكة يشبه البحث عن سراب في الصحراء؛ فكلما اقتربت منه بالبحث العلمي، تلاشى ولم يتبقَ منه سوى نصوص متأخرة كُتبت في عصور التدوين لتبرير واقع سياسي قائم. إن الشجاعة المعرفية تقتضي منا الاعتراف بأن الجغرافيا الدينية هي جغرافيا "متخيلة" في كثير من الأحيان، وأن مكة، بكل هيبتها الحالية، قد لا تكون سوى "بيت بديل" تم اختراعه في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع على السلطة والمعنى، لتبقى الحقيقة مدفونة تحت رمال الشمال أو في طيات النصوص السريانية والآرامية التي لم تلوثها بعد يد الرقيب التراثي. إن تحرير العقل يبدأ من التساؤل حول "المكان"، لأن من يملك جغرافيا البداية، يملك سلطة الحقيقة، ومكة في ضوء العلم الحديث تفتقد للكثير من شروط هذه الحقيقة.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...