.
.
أطياف النبوة: تفكيك المركزية التاريخية لمدعي الرسالات في مجهر النقد الأركيولوجي والميثولوجي
تمثل فكرة "النبي" العمود الفقري الذي قامت عليه الحضارات الثيوقراطية في الشرق الأوسط، تلك البقعة الجغرافية التي عُرفت تاريخياً بكونها مصنعاً لا ينضب لإنتاج الميتافيزيقيا والملاحم الغيبية. غير أن إخضاع هذه الشخصيات التي تكتظ بها بطون التوراة والأناجيل والقرآن لمبضع البحث التاريخي الصارم، بعيداً عن هالات القداسة، يكشف عن هوة سحيقة بين السردية الدينية والواقع المادي. إن هؤلاء الذين يُقدمون كمرسلين من السماء ليسوا في واقع الأمر سوى تشكيلات أسطورية وهياكل منسوجة من وحي الخيال الجمعي البشري، ممتزجة بعمليات سطو أدبي وتراثي من حضارات أقدم، مع تهويل درامي للأحداث العادية وتحويلها إلى معجزات خارقة لا يوجد عليها أي دليل أركيولوجي واحد. إننا أمام "سراب تاريخي" تم تضخيمه عبر القرون لإعطاء مشروعية لكيانات سياسية واجتماعية، حيث تحولت الشخصيات الوهمية أو "القادة العسكريون" المغمورون إلى أيقونات كونية عبر عملية منهجية من "صناعة الأسطورة" التي لا تصمد أمام أدوات الفيلولوجيا وعلم الآثار الحديث.
تبدأ رحلة التفكيك من الجذور التوراتية، حيث تمثل شخصيات مثل إبراهيم وموسى وسليمان نماذج مثالية للشخصيات التي "لم توجد قط" خارج الورق. فالبحث الأركيولوجي المكثف في سيناء وفلسطين لم يعثر على أثر واحد لرحلة خروج كبرى لملايين العبيد من مصر، ولا يوجد في السجلات المصرية الرسمية ما يشير إلى الكوارث الملحمية التي وصفها سفر الخروج. الحقيقة التي يتجنبها التقليديون هي أن هذه الشخصيات كانت "إعادة إنتاج" لأبطال سومريين وبابليين؛ فقصة الطوفان والناجين منها هي نسخة مكررة من ملحمة جلجامش، وقوانين موسى ليست سوى صدى متأخر لمدونة حمورابي. إن "النبي" في هذه المرحلة كان مجرد قناع أدبي لتبرير مطامع قومية أو لصياغة هوية إثنية لمجموعة بشرية تحاول التميز في محيطها. هذه الشخصيات لم تكن تمتلك حقيقة مادية، بل كانت "وظائف سردية" تملأ فراغ الأصل التاريخي، وقد تم تزيين سيرهم بمعجزات لم تحدث، الهدف منها هو سلب عقل القارئ ومنعه من السؤال عن المنطق والبرهان.
وعند الانتقال إلى الشخصية المحورية في العهد الجديد، نجد أن يسوع الناصري ليس استثناءً من هذه القاعدة الأسطورية. إن التوافق المذهل بين تفاصيل حياته وبين آلهة الشمس والمخلصين في الديانات السرانية القديمة، مثل ميثرا وأوزيريس وديونيسوس، يشير إلى أننا أمام "تجميع ميثولوجي" وليس شخصية تاريخية. المعجزات المنسوبة إليه، من إحياء الموتى والمشي على الماء، هي عناصر فانتازية مكررة في أدبيات ذلك العصر، ولم يسجلها أي مؤرخ معاصر له خارج دائرة الأتباع المؤمنين. وحتى المؤرخين الرومان الذين يُستشهد بهم، فإن كتاباتهم جاءت متأخرة وتتحدث عن "ما يعتقده المسيحيون" وليس عن وقائع عاينوها. إن "المسيح" هو نتاج صيرورة لاهوتية قامت بتحويل واعظ راديكالي محتمل، أو ربما فكرة تجريدية، إلى كائن إلهي عبر تزويد سيرته بكرامات خرافية تهدف لترسيخ سلطة الكنيسة الناشئة.
أما الشخصية المحمدية، فإنها تمثل الذروة في تعقيد هذا البناء الأسطوري. إن التدقيق في السردية الإسلامية التقليدية (السيرة والأحاديث) يكشف عن تناقضات بنيوية تجعل الشخصية تبدو وكأنها مرسومة من قبل "مرضى نفسيين" يعانون من هوس العظمة واضطرابات السلوك الجماعي. الأوصاف التي يقدمها التراث لمحمد، من تقلبات مزاجية حادة، وادعاءات بالاتصال بكائنات غيبية، والحلول التشريعية التي تأتي دائماً لتلبية رغباته الشخصية، تعكس ملامح شخصية غير متزنة عقلياً إذا ما حوكمت بالمعايير العلمية. ولكن الأهم من ذلك هو غياب الدليل المادي المعاصر. فالمصادر الخارجية السريانية والبيزنطية التي كُتبت في القرن السابع لا تتحدث عن "نبي" يوحى إليه بكتاب اسمه القرآن، بل تتحدث عن "قائد عسكري" أو "زعيم عصابة" أو "متنبئ" من بين عشرات المتنبئين الذين ضجت بهم المنطقة في تلك الحقبة. الشرق الأوسط في ذلك الوقت كان "موبوءاً" بالأديان والخرافات، وكان من السهل جداً على أي زعيم قبلي أو عسكري أن يدعي النبوة ليضمن ولاء أتباعه المطلق.
إن البحث الفيلولوجي في لفظ "محمد" نفسه يفتح آفاقاً جديدة لهدم الأسطورة التاريخية. فكلمة "محمد" أو "محمدا" لها جذور عميقة في اللغة العبرية والسريانية كصفة تعني "المحمود" أو "المُصطفى"، وكثيراً ما استُخدمت في الليتورجيا المسيحية الشرقية لوصف المسيح نفسه. يرى باحثون في مدرسة المراجعة التاريخية أن "محمد" لم يكن اسماً لشخص في البداية، بل كان لقباً يُطلق على يسوع في بعض الطوائف المسيحية العربية والآرامية. ومع مرور الزمن، ونتيجة لصراعات السلطة في العصر الأموي، تم سحب هذه الصفة من سياقها الأصلي وتجسيدها في شخصية "نبي عربي" جديد لإعطاء الدولة العربية الناشئة استقلالاً دينياً عن بيزنطة وفارس. هذا يفسر لماذا لا نجد ذكراً واضحاً لمحمد في المسكوكات والنقوش المبكرة كصاحب دين مستقل، بل نجد تداخلاً غريباً مع الرموز المسيحية.
إن المعجزات والكرامات التي حُشيت بها السيرة النبوية، من "شق القمر" إلى "الإسراء والمعراج"، هي تجليات لخيال الإنسان الذي يرفض مواجهة قسوة الواقع ويلجأ إلى الخرافة لتعويض النقص الحضاري. هذه الإدعاءات لم يراها أحد، ولم تسجلها أي مرصد فلكي في العالم (في حالة شق القمر مثلاً)، مما يؤكد أنها قصص مخترعة تهدف لرفع شأن الشخصية الوهمية فوق مستوى البشر. إن عملية التهويل هذه ليست سوى "صناعة قداسة" قسرية؛ حيث يتم اختراع الحدث ثم تبريره بنصوص دينية، ليدور العقل المؤمن في حلقة مفرغة من التصديق الأعمى. إن غياب أي دليل مادي، مثل مخطوطات معاصرة للقرآن في زمن محمد المفترض، أو نقوش تؤرخ لحياته الشخصية بعيداً عن الروايات الشفهية المتأخرة بقرنين، يجعل من "محمد" شخصية لا تختلف كثيراً عن "رومولوس" مؤسس روما الأسطوري أو "الملك آرثر".
الشرق الأوسط، ببيئته الصحراوية والاجتماعية القاسية، كان دائماً مرتعاً لمدعي النبوة الذين استغلوا جهل الجماهير وحاجتها للخلاص. هؤلاء "الزعماء" كانوا يمتلكون المهارة في سرقة القصص من الحضارات المجاورة وتحويرها. فما نراه في القرآن ليس سوى "كولاج" من الأساطير اليهودية والمسيحية الأبوكريفية التي تمت صياغتها بلغة سجع الكهان، وهي لغة كانت منتشرة عند العرب للتعبير عن الأقوال الغامضة والملهمة. إن ادعاء النبوة كان "مهنة" مربحة سياسياً وعسكرياً، تسمح للمدعي بجمع الجيوش، ونهب القوافل، وفرض الضرائب تحت مسمى "الزكاة" أو "الجزية"، كل ذلك بغطاء إلهي يمنع النقض أو المعارضة. ومن هنا، فإن "مدعي النبوة" هم في الحقيقة مهندسو أنظمة استبدادية استمدوا قوتهم من قدرة الإنسان على تصديق الأكاذيب العظيمة إذا ما تم تكرارها بما يكفي من التهديد والوعيد.
إن هذه الشخصيات "السكيزوفرينية" التي تقدمها الكتب المقدسة، والتي تجمع بين الرحمة المدعاة والدموية المفرطة، بين الزهد المزعوم والهوس بالنساء والغنائم، هي انعكاس للصراعات النفسية لمخترعي هذه الشخصيات. إنهم لم يكونوا رسلاً بل كانوا "مرآة" لطموحات وأمراض مجتمعاتهم. إن نقد هذه الأديان يبدأ من نزع قناع التاريخية عن شخوصها؛ فالاعتراف بأن هؤلاء الأنبياء هم محض "خرافات وأساطير" هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقل البشري من قبضة الأوهام التي استعبدته لآلاف السنين. إن الأديان الإبراهيمية ليست سوى فصول في ملحمة طويلة من التزييف والتهويل، قامت على أكتاف شخصيات وهمية تم تضخيمها عبر آليات التلقين والترهيب، بينما الحقيقة تظل كامنة في أن هؤلاء "الأنبياء" لم يكونوا سوى ظلال في مخيلة الشعوب، استُخدمت لبناء إمبراطوريات من الرمل والدم.
في الختام، يظهر لنا أن "النبوة" في سياقها الشرق أوسطي هي ظاهرة سوسيو-مرضية أكثر منها ظاهرة روحية. إنها نتاج تلاقح الخرافة المحلية مع الأطماع السياسية، مغلفة بلغة لاهوتية مسروقة ومحرفة. وسواء تحدثنا عن موسى أو يسوع أو محمد، فإننا نتحدث عن كيانات "أدبية" تم تحويلها بزور التاريخ إلى حقائق مادية. إن الأدلة الخارجية والثغرات في السرديات الداخلية تؤكد أننا أمام عملية تضليل كبرى؛ حيث تم اختراع الماضي ليبرر الحاضر، وتم تقديس الوهم ليصبح ديناً يُعبد. إن الحقيقة المادية والتاريخية تظل صامدة في وجه هذه العواصف من الأساطير: لا توجد معجزات، لا يوجد وحي، ولا يوجد أنبياء؛ بل يوجد فقط إنسان يحلم، وإنسان يخدع، وإنسان يكتب التاريخ كما يشاء القوي.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire