Translate

أركيولوجيا المعنى المفقود: وجاهة الأطروحة السريانية الآرامية وتفكيك الاغتراب اللغوي في النص القرآني (مقال)

.


.
أركيولوجيا المعنى المفقود: وجاهة الأطروحة السريانية الآرامية وتفكيك الاغتراب اللغوي في النص القرآني



تمثل أطروحة الباحث "كريستوف لوكسنبرغ" المنشورة في كتابه المثيرة للجدل "القراءة السريانية الآرامية للقرآن" واحدة من أكثر المحاولات النقدية جرأة في العصر الحديث لإعادة قراءة النص القرآني بعيداً عن القيود اللاهوتية والسرديات التراثية التقليدية. تنطلق هذه الأطروحة من فرضية مركزية مفادها أن لغة القرآن ليست عربية "خالصة" كما يدعي التراث، بل هي لغة هجينة تشكلت في بيئة كانت السيادة الثقافية واللغوية فيها للسريانية الآرامية، وهي لغة الثقافة والدين والطقوس في الشرق الأدنى آنذاك. إن وجاهة هذه الأطروحة تبرز بشكل صارخ عند فحص حالة "الاغتراب" التي يعيشها المفسرون المسلمون الأوائل مع نصهم؛ فالتراث الإسلامي يزخر بآلاف المجلدات من التفاسير التي تعكس حيرة لغوية لا يمكن تفسيرها إلا بوجود فجوة معرفية بين كاتب النص وقارئه اللاحق. هذه "المهزلة" في كثرة التفاسير، حيث يختلف النحويون واللغويون في معنى كلمة واحدة ويقدمون عشرات المعاني المتضاربة والبعيدة كل البعد عن السياق المنطقي، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المفسرين الأوائل كانوا يحاولون "تعريب" نص لا تنطبق عليه قواعد العربية التي قُعدت لاحقاً، مما جعل النص يبدو في كثير من مواضعه وكأنه يعاني من تفكك بنيوي أو "سكيزوفرينيا" لغوية تجعل من المستحيل الوصول إلى معنى متسق دون العودة إلى الجذور السريانية التي اشتق منها.
إن المدخل الأساسي لوجاهة طرح لوكسنبرغ يبدأ من نقد "الرسم العثماني" المجرد من النقط والشكل، حيث يرى أن هذا الرسم لم يكن يمثل اللغة العربية النمطية، بل كان يمثل نظاماً كتابياً مصمماً لتدوين لغة وسيطة. فعندما واجه المفسرون اللاحقون هذا الرسم المجرد، قاموا بـ "تنقيطه" وقراءته بناءً على تصوراتهم للغة العربية التي تطورت في العصر العباسي، مما أدى إلى تحريف جذري للمعاني الأصلية. لوكسنبرغ يثبت أن استعادة المعنى المفقود تتطلب "رفع" التنقيط العربي الحالي والبحث عن الجذور السريانية للكلمات الغامضة التي يطلق عليها التراث "المشترك اللغوي" أو "الغريب". ومن هنا، تنكشف لنا معانٍ جديدة تماماً تعيد للنص اتساقه المنطقي؛ فعوضاً عن المعاني الغريبة والمستهجنة أحياناً التي يقدمها المفسرون، تظهر معانٍ ليتورجية (طقسية) مسيحية أو يهودية مسيحية تتناسب تماماً مع السياق الذي نشأ فيه الإسلام كحركة توحيدية في بيئة مشبعة بالثقافة الآرامية. هذا التلاعب، سواء كان عن غير عمد بسبب جهل الأجيال اللاحقة باللغة الأصلية، أو عن عمد لتكريس "عربية" القرآن المطلقة وفصله عن جذوره الكتابية، هو الذي أنتج النص "الهجين" الذي نقرأه اليوم والذي يتخبط في تفسيره كبار اللغويين.
وتتجلى أهمية هذه الأطروحة عند النظر في الكلمات التي عجز التراث عن تفسيرها بشكل مقنع، مثل كلمة "حور عين". فبينما يذهب المفسرون إلى تفسيرات جنسية خيالية تفتقر إلى السند اللغوي الرصين في العربية القديمة، يعيد لوكسنبرغ الكلمة إلى أصلها السرياني الذي يعني "العنب الأبيض الشفاف"، وهو رمز معروف في الأدب السرياني والبيزنطي للنعيم الروحي. هذا التحول من "النساء" إلى "العنب" ليس مجرد تغيير في المعنى، بل هو استعادة للاتساق البنيوي للنص؛ فالسياق في الجنة القرآنية يتحدث عن الأكل والشرب والفاكهة، والمعنى السرياني ينسجم مع هذا السياق تماماً، بينما يقطعه المعنى العربي المقحم. إن هذه الأمثلة المتكررة في بحث لوكسنبرغ تظهر أن النص القرآني ليس "غير مفهوم" بحد ذاته، بل هو نص تم إقحامه في قميص لغوي ضيق لا يناسبه، مما جعل المفسرين يخترعون قصصاً وأسباب نزول وهمية لملء الفراغات الدلالية الناتجة عن سوء الفهم اللغوي.
إن حالة التضارب في التفاسير، حيث نجد في الآية الواحدة أقوالاً تتراوح من النقيض إلى النقيض، ليست دليلاً على "ثراء اللغة" كما يزعم المدافعون عن التراث، بل هي صرخة استغاثة لغوية تدل على أن "أهل اللغة" أنفسهم كانوا يتعاملون مع لغة أجنبية عنهم. لو كان القرآن عربياً مبيناً بمعايير لغة قريش كما يدعون، لما اختلف الفراء والزجاج والطبري والزمخشري في معاني مفردات أساسية، ولما احتاجوا إلى الاستشهاد بأشعار منحولة لاحقاً لإثبات معنى كلمة قرآنية. لوكسنبرغ ينجح هنا في وضع إصبعه على الجرح؛ فالقرآن هو في جوهره "كتاب صلوات" (Lectionary) سرياني تمت صياغته بكلمات عربية، وهذا يفسر وجود المقاطع المقطعة والعبارات التي تبدو مفككة لغوياً. فعندما نقرأ النص بعيون سريانية، يختفي التلعثم اللغوي وتظهر وحدة الموضوع والهدف، مما يخرج النص من حالة "السكيزوفرينيا" التي تجعله يتحدث في موضوع ثم ينتقل فجأة لآخر دون رابط منطقي واضح.
أما عن مدى نجاح كريستوف لوكسنبرغ في مهمته لإعطاء معنى لهذا النص، فيمكن القول إنه نجح نجاحاً باهراً في الجانب التفكيكي، حيث كشف هشاشة السردية اللغوية التقليدية وأثبت أن "العربية القرآنية" هي بنية اصطناعية تم تشكيلها لاحقاً. لقد استطاع لوكسنبرغ أن يقدم مفاتيح منطقية لحل ألغاز كانت تعتبر "من المتشابهات" التي لا يعلم تأويلها إلا الله. نجاحه يكمن في أنه أعاد "العقلانية" للنص؛ فبدلاً من نص ملئ بالتناقضات والكلمات التي لا معنى لها، قدم لنا نصاً يمتلك تاريخاً وجذوراً وسياقاً حضارياً واضحاً. ومع ذلك، يرى بعض النقاد أن لوكسنبرغ قد يكون قد تطرف أحياناً في "سريانية" كل شيء، لكن هذا لا ينفي أن المسار الذي فتحه هو المسار الوحيد الممكن لإنقاذ النص من عبثية التفسيرات التراثية التي جعلت منه نصاً غير مفهوم لغوياً حتى لأبنائه.
إن ما يسميه البعض "تلاعباً" هو في الحقيقة نتاج طبيعي لعملية "الانقطاع الثقافي". فالإسلام عندما انتقل من مرحلته الشفهية "الآرامية-العربية" المبكرة إلى مرحلة التدوين الرسمي في العصر الأموي والعباسي، فقد الاتصال ببيئته الأصلية. المفسرون الذين جاؤوا من آفاق فارسية وأعجمية وحاولوا تقعيد اللغة العربية بناءً على ما وصلهم من "رسم" قرآني، وجدوا أنفسهم أمام نص "مستغلق". ومن هنا بدأت عملية "الإسقاط" المعرفي؛ أي إسقاط مفاهيمهم اللغوية والاجتماعية الجديدة على نص قديم. هذا الإسقاط هو الذي أنتج "الهجانة" التي نراها اليوم. لوكسنبرغ، من خلال منهجه الفيلولوجي الصارم، يحاول إزالة هذه الطبقات المتراكمة من سوء الفهم، وهو بذلك لا يهاجم الدين بقدر ما يحاول "تحرير" النص من أسر التفسيرات التي جعلت منه "مهزلة" لغوية لا تصمد أمام النقد العلمي.
في الختام، تظل أطروحة لوكسنبرغ هي التفسير الأكثر وجاهة لظاهرة "تعدد المعاني" في القرآن. إن عدم فهم أهل اللغة لنصهم هو الدليل الأكبر على أن النص كتب بلغة غير لغتهم، أو على الأقل بمزيج لغوي لم يعد موجوداً وقت التفسير. إن القرآن الذي بين أيدينا هو نتاج عملية "إعادة تدوير" لغوية كبرى، ولوكسنبرغ ببحثه عن "الأصل السرياني" قدم لنا الخريطة المفقودة لقراءة هذا النص بشكل متسق ومنطقي. لقد نجح في تحويل النص من "صراخ لغوي" مشتت ومبهم إلى "خطاب ديني" مفهوم ومرتبط بجذور المنطقة، مما يضع التراث الإسلامي برمته أمام تحدٍ وجودي: إما الاعتراف بالجذور السريانية والهجينة للنص، أو الاستمرار في إنتاج تفاسير متضاربة تزيد من اغتراب الإنسان عن هذا النص الذي وُصف يوماً بأنه "مبين" بينما هو في واقعه الحالي "مستغلق" بامتياز.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...