.
.
أصوات النفاق الأيديولوجي: عندما يتحول رفض الحرب إلى غطاء للإرهاب
شكلت الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة للنظام الإيراني محطة فارقة في صراع طال أمده بين مشروع توسعي يسعى لفرض الهيمنة على المنطقة، وبين قوى إقليمية ودولية تبحث عن أمنها واستقرارها وسط تهديد وجودي غير مسبوق. لكن المثير للدهشة لم يكن الحدث نفسه بقدر ما كانت ردود الأفعال التي تباينت بين تأييد مشروط ورفض أيديولوجي وشماتة متوقعة، لتكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية التي يعاني منها خطاب دولي يدعي التمسك بمبادئ حقوق الإنسان بينما يتغاضى عن أبشع انتهاكات نظام الملالي بحق شعبه وجيرانه والعالم بأسره. ومن بين هذه الأصوات، تبرز فئة تدّعي الانتماء إلى قيم التحرر واليسار، لتخرج علينا بخطاب أخلاقي مبتور يختزل الصراع في معادلة ثنائية واهية بين إمبريالية شريرة ومقاومة مظلومة، متجاهلةً بوعي أو بغير وعي أن النظام المستهدف هو نفسه من بدأ العدوان قبل عقود، وأنه لا يمثل شعباً بقدر ما يمثل مشروعاً ثيوقراطياً توسعياً يعيش على دماء الأبرياء وأشلاء الشعوب.
لقد خرجت أصوات من اليسار الغربي ومن تيارات عربية تردد صدى ذات الخطاب، لتدين الضربات واصفة إياها بالعدوان غير القانوني الذي يهدد الاستقرار الدولي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ يختزل هؤلاء المشهد في لحظة رد الفعل العسكري دون النظر إلى جذور الأزمة الممتدة لعقود. إنهم وهم يدينون ضربات محدودة استهدفت منشآت عسكرية وأمنية كانت تمثل قلب آلة الحرب الإيرانية، يتجاهلون ببساطة أن هذا النظام هو من صدر الثورة والإرهاب إلى جيرانه العرب، وهو من أسس ودعم وموّل وسلّح جماعات إرهابية تمتد من شواطئ الخليج العربي إلى تخوم البحر الأبيض المتوسط، وهو من حوّل سوريا إلى مقبرة جماعية بدعمه المطلق لنظام بشار الأسد، وهو من زرع خلايا نائمة في القارة الأوروبية لابتزاز الحكومات وتصفية المعارضين. إن الصمت على كل هذه الجرائم ثم الخروج لإدانة من يحاول ردع هذا الخطر ليس موقفاً سلمياً نبيلاً، بل هو تواطؤ أخلاقي وانحياز غير معلن لبقاء نظام يقتل شعبه ويهدد العالم. إن هذا النوع من الخطاب يمارس ازدواجية معايير فاضحة، حيث يتم تغليف الدفاع عن نظام دموي بغلاف حقوق الإنسان والسلام العالمي، وكأن الشعب الإيراني الذي يتعرض للقمع الوحشي ليس جزءاً من الإنسانية التي يدّعي هؤلاء الدفاع عنها.
وهناك من يتسلح بأصوات معزولة هنا وهناك، كبعض الشخصيات السياسية اليسارية في إسرائيل، ليقدمها كنموذج على الضمير الحي الرافض للحرب. لكن استحضار هذه الأصوات بشكل انتقائي يكشف عن مغالطة كبرى، فهذه الأقلية الهامشية التي لا تعكس واقع التهديد الوجودي الذي تشعر به غالبية الإسرائيليين من النظام الإيراني، يتم توظيفها لتبرئة النظام الإيراني من تهمة العدوان، والتغطية على حقيقة أن إيران تعلن صراحة عن نيتها تدمير إسرائيل وتموّل وتسّلح فصائل على حدودها الشمالية والجنوبية. إن النقد الحقيقي للسياسة الإسرائيلية يجب أن ينطلق من رفض كل أشكال القمع والتوسع، وليس من تغطية جرائم نظام إيراني يقتل السوريين واليمنيين والعراقيين، ويهدد بمسح دول بأكملها عن الخريطة. إن من يتغنى بصوت يساري إسرائيلي معزول بينما يصمت عن صواريخ الحرس الثوري التي تمطر المدن العربية، يكشف عن انتقائية مريبة في تطبيق المبادئ، وعن خلفية أيديولوجية تجعل من معاداة إسرائيل غطاءً للدفاع عن أسوأ أنظمة القمع في المنطقة.
أما في الساحة العربية، فإن هؤلاء النقاد يمارسون أشد أنواع الانفصال عن الواقع عندما يتناولون مواقف الحكومات والقوى الوطنية الرافضة للعدوان الإيراني. فهم يصفون هذه المواقف بالتبعية السياسية والتملق الدبلوماسي، متجاهلين أن هذه الأطراف تعيش ويلات حرب ظالمة فرضتها عليها مليشيات مدعومة إيرانيا بشكل مباشر. إن إدانة دول الخليج واليمن للعدوان الإيراني ليس تملقاً لأحد، بل هو دفاع عن النفس واستشراف لخطر أكبر يتهدد وجودها. فالشعب اليمني الذي يعاني من صواريخ إيرانية الصنع تطلق على مدنه وأحيائه السكنية، ويسقط آلاف الضحايا بسبب ألغام وزعت بدعم إيراني، يدرك جيداً أن إيران هي العدو الحقيقي، وأن أي موقف يدين هذا العدو هو موقف وطني أصيل. إن تحميل إيران المسؤولية عن زعزعة استقرار المنطقة ليس انحيازاً للمحور الغربي، بل هو قراءة صحيحة لواقع تتدخل فيه دولة ثيوقراطية في شؤون جيرانها بغرض تصدير ثورتها وليس بناء شراكات متكافئة. إن هؤلاء النقاد يتعاملون مع الشعوب العربية وكأنها مجرد أدوات في صراع أيديولوجي، ولا يرون فيها كيانات مستقلة لها حق الدفاع عن سيادتها وأمنها.
إن أخطر ما في هذا الخطاب الأيديولوجي هو تجاهله المطلق لطبيعة النظام الإيراني، وكأن إيران التي تتعرض للضربات هي دولة مدنية ديمقراطية مسالمة. إن النظام الإيراني ليس مجرد حكومة مختلفة في الرأي، بل هو نظام مؤسس على أيديولوجية دينية توسعية قمعية متطرفة تعلن صراحة عداءها للآخر، وتعمل على تصدير هذا العداء عبر أدوات إرهابية منظمة. لقد شهد العالم مجازر مروعة ارتكبها هذا النظام بحق شعبه، بدءاً من القمع الدموي لانتفاضات العمال والطلاب في أعوام 1999 و2009 و2017 و2019، وصولاً إلى المجازر الأخيرة بحق المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة في احتجاجات "المرأة الحياة الحرية"، حيث أطلق الحرس الثوري الرصاص الحي على المحتجين العزل، واعتقل آلاف الشباب والشابات في زنازين تحت الأرض، واغتصب المعتقلين، وأعدم المعارضين في سجون سرية دون محاكمات عادلة. هذا النظام هو نفسه الذي يهدد العالم ببرنامج نووي عسكري يهدف لكسر معادلة الردع وفرض معادلة جديدة تستطيع من خلالها طهران ابتزاز العالم وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالمية في الخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز. هذا النظام هو نفسه الذي يقف وراء محاولات اغتيال معارضيه في قلب أوروبا وأمريكا، وينشر شبكات تجسس وتخريب في كل مكان. إن الحديث عن حقوق الإنسان وسيادة الدول لا يمكن أن يمر دون التوقف ملياً عند هذه السجل الحافل بالجرائم.
ولا يمكن إغفال شبكات الفساد والجريمة المنظمة التي يديرها كبار مسؤولي النظام، من تهريب المخدرات التي تجتاح المنطقة والعالم بأسره وتحصد أرواح الآلاف وتدمر المجتمعات، وصولاً إلى علاقات مريبة بشبكات إجرامية دولية في أمريكا اللاتينية، حيث كانت إيران تتعاون مع نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا لتجاوز العقوبات الدولية ونقل الأموال والأسلحة، في مقابل دعم اقتصادي وسياسي يطيل أمد معاناة الشعبين الإيراني والفنزويلي على حد سواء. إن هذا النظام الذي يدعي مقاومة الامبريالية هو نفسه من يتاجر بمقدرات شعبه لتمويل مغامراته الخارجية، ويستخدم عائدات النفط لتمويل مليشيات طائفية في اليمن ولبنان والعراق وسوريا بدلاً من بناء اقتصاد ينهض بإيران ويحقق طموحات شبابها وشاباتها الذين يهاجرون بأعداد قياسية هرباً من بطالة وفقر وفشل ذريع للإدارة الدينية. إن الفساد المستشري في مفاصل النظام الإيراني ليس مجرد حالة فردية، بل هو منهج حكم تقوم عليه مؤسسات ما يسمى باقتصاد المقاومة الذي يثري القادة الناعقين باسم مقاومة الأعداء.
إن الرفض المبدئي للحرب يجب أن يكون نابعاً من رؤية متكاملة تضع حقوق الإنسان وسيادة الدول فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق، فإن أي دفاع عن إيران النظام هو دفاع عن نظام يقمع شعبه ويهدد جيرانه وينشر الفوضى والإرهاب في كل مكان. إن من يدافعون اليوم عن إيران بحجة معاداة الامبريالية، ينسون أو يتناسون أن إيران تمارس أبشع أنواع الهيمنة على الدول العربية الضعيفة، وتحولها إلى ساحات لصراعاتها بالوكالة، وتستنزف مواردها وتهدد أمنها القومي، وتقتل أطفالها بلا رحمة. إن الموقف الأخلاقي الحقيقي لا يتمثل في الوقوف مع النظام الإيراني ضد خصومه، بل في الوقوف مع الشعب الإيراني الذي يئن تحت وطأة دكتاتورية دينية متخلفة، ومع الشعوب العربية التي تدفع ثمن أطماع هذا النظام التوسعية، ومع كل ضحايا الإرهاب الذي تموله وتديره طهران في أنحاء العالم.
إن المنطقة العربية والعالم بأسره أمام خيار صعب لكنه واضح. فإما الاستمرار في تغذية هذا النظام بالصمت والتبرير والتطبيل، مما يعني المزيد من الحروب بالوكالة، والمزيد من زعزعة الاستقرار، والمزيد من المعاناة للشعوب، والمزيد من اللاجئين والمشردين، والمزيد من الخطر النووي الذي يلوح في الأفق ويهدد البشرية جمعاء. وإما مواجهة شجاعة لهذا الخطر بكل الوسائل المتاحة، دعماً لحرية الشعوب واستقرار المنطقة، ودفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي. إن مستقبل الشرق الأوسط يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على التمييز بين نظام قمعي إرهابي يختبئ خلف شعارات المقاومة الكاذبة السافلة، وبين شعوب تستحق حياة كريمة وآمنة. وكل تأخير في مواجهة هذا النظام سيكلف البشرية أثماناً باهظة، قد تكون آخر ما تبقى من أمن وسلام في عالم مضطرب تتشابك فيه المصالح وتتصارع فيه الإرادات. إن الأصوات التي تدعي اليوم مناهضة الحرب وهي تدافع عن أكثر الأنظمة عدوانية وإرهاباً في المنطقة، ليست سوى صدى لنفاق أيديولوجي قديم، يلبس عباءة الأخلاق بينما يتاجر بدماء الأبرياء.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire