.
.
رحلة الفراغ: فحص خرافة الإسراء والمعراج بمقاييس الكونية والفيزياء الحديثة
تعد قصة الإسراء والمعراج نموذجاً كلاسيكياً لتصادم الموروث الغيبي مع الحقائق العلمية الصلبة التي كشفها الإنسان في القرون الأخيرة. فبينما يتمسك المؤمنون بها كـ "معجزة" عابرة للقوانين، يفرض العقل والمنطق ضرورة إخضاع هذه الرواية لمحاكمة فيزيائية وفلكية، بعيداً عن تبريرات الميتافيزيقا التي تُستخدم عادة للهروب من مأزق التناقض المعرفي. إن محاولة مطابقة هذه الرحلة، بكل تفاصيلها المذكورة في الأثر، مع أبعاد الكون ومسافاته الشاسعة، تكشف لنا حجم الفجوة بين الخيال الصحراوي القديم وبين الواقع الكوني المذهل الذي نعيش فيه اليوم.
تبدأ القصة من نقطة زمنية محددة، وهي ليلة واحدة لا تتجاوز في أقصى تقدير اثنتي عشرة ساعة، وهي المدة التقريبية لأطول ليلة في شبه الجزيرة العربية. خلال هذه الساعات القليلة، يُفترض أن بطل القصة قد انتقل من مكة إلى القدس، ثم عرج إلى السماوات السبع، ووصل إلى سدرة المنتهى، والتقى بالأنبياء في كل سماء، وناقش فرض الصلاة عند عرش الإله، ثم عاد إلى فراشه وهو لا يزال دافئاً. هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا اعتمدنا أقصى سرعة مادية ممكنة في الكون، وهي سرعة الضوء التي تبلغ تقريباً ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، فأين يمكن أن يصل المسافر في غضون اثنتي عشرة ساعة؟
الحسابات الرياضية البسيطة والقطعية تخبرنا أن المسافة التي يقطعها الضوء في اثنتي عشرة ساعة تبلغ حوالي ثلاثة عشر ملياراً من الكيلومترات. هذا الرقم، رغم ضخامته في عقل الإنسان البدائي، لا يكاد يمثل شيئاً في المقياس الفلكي. فإذا انطلق "البراق" أو "جبريل" بهذه السرعة القصوى، فإنه بعد مرور نصف يوم من السفر المتواصل لن يكون قد خرج حتى من تخوم المنظومة الشمسية بشكل كامل. هو بالكاد سيتجاوز كوكب نبتون وحزام كايبر، ليجد نفسه في منطقة يملؤها الصمت والفراغ والظلام السحيق، بعيداً جداً عن أقرب نجم للمجموعة الشمسية، "بروكسيما سنتوري"، الذي يتطلب الوصول إليه أربع سنوات ونصف من السفر بسرعة الضوء، وليس بضع ساعات.
هذا يعني، من منظور فيزيائي بحت، أنه لو كان "عرش الله" أو "سدرة المنتهى" يقعان في نهاية هذه الرحلة الزمنية، فإنهما بالضرورة يقعان داخل حدود مجموعتنا الشمسية، وتحديداً في المنطقة الواقعة خلف كوكب بلوتو. هذا الاستنتاج يضع المفهوم الديني للإله في مأزق مضحك؛ فبدلاً من كونه خالق الكون اللامتناهي الذي يضم مئات المليارات من المجرات، يصبح إلهاً يسكن في "ضواحي" نظام شمسي متواضع يقع على أطراف مجرة درب التبانة. إن القول بأن محمداً قد قطع كل تلك المسافات والتقى بالأنبياء في سماوات مختلفة ثم عاد في ليلة واحدة، يتناقض جذرياً مع حقيقة أن الكون يمتد لمليارات السنين الضوئية، وأن مجرتنا وحدها عرضها مائة ألف سنة ضوئية.
أما فيما يخص مفهوم "السماوات السبع" التي تصفها الأحاديث كطبقات مادية لها أبواب وحراس، فإن علم الفلك المعاصر لا يجد لها أي أثر في الواقع. الفضاء الذي يحيط بالأرض هو فراغ كوني متصل، يتكون من غازات متخلخلة ومادة مظلمة وإشعاعات، ولا توجد فيه أي حواجز مادية أو "سقوف" كما تخيلها قدماء العرب. النجوم التي وصفها النص الديني بأنها "مصابيح" تزين السماء الدنيا، نعلم اليوم أن بعضها يبعد عنا ملايين السنين الضوئية. فإذا كانت السماء الأولى تحتوي على هذه النجوم، فهذا يعني أن السماء الأولى بحد ذاتها هي كل الكون المرئي الشاسع. فأين هي السماوات الست الأخرى؟ وأين يمكن أن يختبئ العرش خلف هذا المدى الذي لا يحده بصر؟
تنتقل المعضلة من السماء إلى الأرض عند فحص تفاصيل رحلة "الإسراء". الرواية تقول إن محمداً أُسري به إلى "المسجد الأقصى". ولكن الحقيقة التاريخية والأثرية تؤكد أن ما يعرف اليوم بالمسجد الأقصى في القدس لم يكن موجوداً في زمن محمد. المبنى القائم حالياً بدأ بناؤه في عهد عبد الملك بن مروان، أي بعد وفاة محمد بعقود طويلة. في ذلك الوقت، كانت القدس (إيليا) مدينة بيزنطية مسيحية، ولم يكن فيها بناء يسمى "المسجد الأقصى". إن استخدام هذا الاسم في النص القرآني كان يشير غالباً إلى مكان معنوي أو ربما موقع آخر، لكن الأحاديث اللاحقة أسقطت الاسم على بناء لم يظهر إلا في العصر الأموي لأغراض سياسية ودعائية، مما يعزز فرضية أن القصة برمتها هي نسج متأخر من الخيال الأدبي والديني الذي لم يراعِ تسلسل الأحداث التاريخية.
إن الإصرار على تصديق هذه الخرافات في القرن الحادي والعشرين يمثل تراجعاً ذهنياً وانتحاراً معرفياً. نحن نعيش في عصر تمكن فيه الإنسان من إرسال مسبارات وصلت إلى حافة المجموعة الشمسية بعد رحلات استغرقت عقوداً، ونعلم يقيناً أن جسم الإنسان لا يمكنه تحمل التسارع الهائل الذي تتطلبه سرعات قريبة من سرعة الضوء، ناهيك عن تجاوزها. جسم الإنسان المكون من مادة ولحم ودم سيتحول إلى طاقة أو يتفكك إلى ذرات عند أول ثانية من التسارع الذي يفترض أن "البراق" قام به. إن محاولة تبرير ذلك بأنها "قدرة إلهية" هي مجرد ركون للجهل وهروب من استحقاقات العقل العلمي الذي يطالب بالدليل والبرهان القابل للقياس.
المنطق يفرض علينا أن نتساءل: لماذا يحتاج خالق الكون، إذا وجد، إلى "دابة" تشبه الحصان لنقل نبيه؟ ولماذا يحتاج إلى رحلة مكانية في فضاء مادي للالتقاء بعبده، بينما يفترض أنه "محيط بكل شيء"؟ إن هذه الصورة الفلكلورية تعكس بوضوح محدودية الخيال البشري في العصور الوسطى، حيث كان التصور عن الكون لا يتعدى بضعة آلاف من الكيلومترات، وكانت الأرض هي مركز كل شيء، والسماء مجرد قبة زرقاء قريبة يمكن ثقبها أو الصعود فوقها بسلم أو دابة طائرة.
في الختام، يظهر فحص "الإسراء والمعراج" من منظور فيزيائي وفلكي أنها ليست أكثر من أسطورة محلية تمت صياغتها لتثبيت سلطة دينية ومنح شرعية قدسية لمدينة القدس لأسباب سياسية لاحقاً. إن الاعتقاد بأن شخصاً ما قد طار على ظهر كائن مجنح وتجاوز حدود الزمان والمكان في ليلة واحدة هو إهانة للذكاء البشري الذي فك شفرات الوراثة، وهبط على القمر، ورصد ولادة النجوم في أعماق السدم. التمسك بهذه الخزعبلات تحت مسمى الإيمان هو تعطيل لأسمى ما يملكه الإنسان: العقل النقدي الذي يميز بين الحقيقة المثبتة وبين خيالات الصحراء الغابرة. إن الكون الذي كشفه لنا العلم أجمل وأعظم وأكثر تعقيداً من تلك الروايات الطفولية، والارتقاء إلى مستوى هذا الكون يتطلب أولاً التخلص من أثقال الخرافات التي لم تعد تقنع طفلاً يدرس مبادئ الفيزياء في مدرسته.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire