Translate

الكراهية المُضللة: كيف ربحت الشعوب التي تخلت عن معاداة أمريكا وخسرت الدول التي تمسكت بها (مقال)

.


.
الكراهية المُضللة: كيف ربحت الشعوب التي تخلت عن معاداة أمريكا وخسرت الدول التي تمسكت بها



في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والاقتصادي بوتيرة غير مسبوقة، يظل السؤال الأبرز: لماذا نجحت بعض الدول والشعوب في اللحاق بالركب الحضاري بينما ظلت أخرى غارقة في التخلف والفشل؟ الإجابة تكمن في اختيار واحد حاسم: هل تتعاون مع القوى الرائدة في النظام العالمي، أم ترفضها وتتمسك بأيديولوجيات جامدة تحول دون التطور؟ أمريكا، كقائدة للنظام الرأسمالي المنفتح والابتكار الحر، ليست مجرد دولة، بل تمثل نموذجاً اقتصادياً وسياسياً أثبت فعاليته في رفع مستويات المعيشة وخلق فرص للتقدم. الدول التي تخلت عن كراهيتها لأمريكا، أو على الأقل عن معاداتها العقائدية، حققت طفرات تنموية مذهلة، بينما الدول التي بنت سياساتها على العداء لهذا النموذج انتهت إلى انهيار اقتصادي، ديكتاتوريات مستبدة، فساد متغلغل، ومعاناة شعبية لا تنتهي.

تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية يقدم أدلة دامغة على هذا الاختيار. اليابان، التي دمرتها الحرب تماماً في عام 1945، كانت مدينة لأمريكا بإعادة بنائها عبر خطة مارشال الموسعة وإصلاحات ماك آرثر. بدلاً من التمسك بكراهية المنتصر، اختارت اليابان التحالف الاستراتيجي والاقتصادي مع واشنطن. النتيجة كانت معجزة اقتصادية حقيقية: من اقتصاد مدمر إلى ثالث أكبر اقتصاد عالمي بحلول الثمانينيات، مع نمو سنوي تجاوز العشرة في المئة خلال عقود. اليابان استفادت من التكنولوجيا الأمريكية، من السوق الأمريكي المفتوح، ومن الحماية الأمنية التي سمحت لها بتوجيه ميزانيتها نحو التعليم والصناعة بدلاً من التسلح. اليوم، رغم تباطؤ النمو، يعيش اليابانيون مستوى رفاهية عالياً، مع دخل فردي يفوق الخمسين ألف دولار سنوياً، ونظام صحي وتعليمي من أفضل ما في العالم.

كوريا الجنوبية تقدم نموذجاً أكثر إثارة للدهشة. في الخمسينيات، بعد الحرب الكورية، كانت كوريا الجنوبية أفقر من كوريا الشمالية، مع دخل فردي لا يتجاوز المئة دولار سنوياً. اختارت سيئول التحالف مع أمريكا، تلقت مساعدات هائلة، وتبنت نموذجاً اقتصادياً يعتمد على السوق الحرة والتصدير. النتيجة: تحولت إلى عملاق تكنولوجي، مع شركات مثل سامسونج وهيونداي تغزو الأسواق العالمية. بحلول عام 2025، يقدر دخل الفرد في كوريا الجنوبية بحوالي ستة وثلاثين ألف دولار، مقارنة بدخل يقدر بألف وثلاثمئة دولار فقط في كوريا الشمالية. الفرق ليس في الموارد الطبيعية – فكوريا الشمالية غنية بالمعادن – بل في الاختيار: الجنوب انفتح على أمريكا والعالم، بينما الشمال انغلق في نظام شمولي معادٍ للغرب، مما أدى إلى مجاعات متكررة، عزلة، وتخلف تكنولوجي يعود إلى عقود مضت. هذا التباين يجسد الدرس الأساسي: التعاون مع النموذج الأمريكي يبني الرفاهية، بينما الكراهية والانغلاق يدمران الشعوب.

فيتنام تقدم درساً أحدث وأكثر إقناعاً. بعد حرب دامية مع أمريكا انتهت عام 1975، كانت فيتنام مدمرة ومعزولة تحت نظام شيوعي جامد. لكن في عام 1986، أطلقت إصلاحات الديوان موي (التجديد)، ثم وقعت اتفاقية تجارية ثنائية مع أمريكا عام 2000، وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية عام 2007. هذه الخطوات حوّلت فيتنام من دولة فقيرة إلى مصنع عالمي. النمو الاقتصادي تجاوز الستة في المئة سنوياً منذ مطلع الألفية، ووصل إلى ثمانية في المئة في عام 2025، مع ناتج محلي إجمالي يقارب خمسمئة مليار دولار. الدخل الفردي ارتفع من أقل من ألف دولار في التسعينيات إلى أكثر من خمسة آلاف دولار اليوم، مع انخفاض الفقر بشكل دراماتيكي. فيتنام استفادت من الاستثمارات الأمريكية والغربية، وأصبحت شريكاً تجارياً رئيسياً لواشنطن، رغم تاريخ الصراع. هذا التحول يثبت أن تجاوز الكراهية التاريخية والتركيز على المصالح المشتركة يفتح أبواب التقدم.

أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تقدم نموذجاً جماعياً. بولندا، التي عانت تحت الشيوعية السوفييتية، انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 بعد تحالف وثيق مع أمريكا والغرب. النتيجة كانت نمواً اقتصادياً هائلاً، مع تضاعف الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات بين 2004 و2022، وارتفاع الدخل الفردي بشكل كبير. الدول البلطيقية – إستونيا ولاتفيا وليتوانيا – حققت طفرة مشابهة بعد الاستقلال والانفتاح على الناتو والاتحاد الأوروبي. هذه الدول تخلت عن العداء للغرب، تبنت الديمقراطية والسوق الحرة، وأصبحت نماذج للنجاح في أوروبا الشرقية. في المقابل، الدول التي تمسكت بنماذج معادية للغرب، مثل بيلاروسيا تحت لوكاشينكو، غرقت في التخلف والقمع.

على النقيض، الدول التي بنت هويتها السياسية على كراهية أمريكا والغرب عانت من فشل مدوي. كوريا الشمالية، كما ذكرنا، نموذج للانهيار: نظام ديكتاتوري يعاني من مجاعات دورية، عزلة كاملة، وتخلف تكنولوجي يجعل شعبها يعيش في ظروف تشبه القرن التاسع عشر. فنزويلا، التي كانت أغنى دولة في أمريكا اللاتينية بفضل احتياطياتها النفطية، انهارت تحت حكم تشافيز ومادورو. سياسات التأميم، التحكم في الأسعار، والفساد المنهجي أدت إلى انكماش اقتصادي يفوق السبعين في المئة منذ 2013، مع تضخم مفرط تجاوز الملايين في المئة، وهجرة ملايين الفنزويليين. رغم الثروة النفطية، أصبحت فنزويلا تعاني من نقص الغذاء والدواء، مع فساد متغلغل يجعل الدولة نفسها مصدر الفقر. الكراهية لأمريكا استخدمت كغطاء لتبرير الفشل الداخلي، لكن الشعب هو من دفع الثمن.

كوبا، بعد عقود من العداء لأمريكا والانغلاق، تعاني من اقتصاد راكد، مع دخل فردي منخفض وهجرة مستمرة. إيران، التي بنت نظامها على معاداة الغرب، تواجه عقوبات وعزلة جزئية أدت إلى تضخم عالٍ، بطالة، وتدهور مستوى المعيشة، رغم ثرواتها النفطية. سوريا تحت الأسد غرقت في حرب أهلية مدمرة، مع اقتصاد منهار وفساد يسيطر على كل شيء. هذه الدول تشترك في سمة واحدة: أنظمتها الإيديولوجية الجامدة – سواء شيوعية أو إسلاموية أو قومية متطرفة – رفضت التغيير والانفتاح، فتحول الفساد إلى منهج دولة، لا مجرد خلل فردي. في الأنظمة المنفتحة، توجد مؤسسات تقاوم الفساد وتصحح الأخطاء، أما في الأنظمة الدوغمائية فالفساد يصبح جزءاً من البنية، يحمي النخبة ويدمر الشعب.

عقدة الكراهية لأمريكا ليست سوى تعبير عن عقدة نقص داخلية. الشعوب التي تكره الغرب تستخدم هواتف آيفون، تشاهد نتفليكس، تدرس في جامعات أمريكية، وتستهلك منتجات غربية في كل جوانب حياتها، لكنها ترفض الاعتراف بأن هذا التقدم جاء من نظام يعتمد على الحرية والابتكار. هذه الكراهية منافقة: ترفض النموذج الذي ينتج الرفاهية، ثم تلومه على فشلها الذاتي. العدو الحقيقي ليس أمريكا، بل الإيديولوجيا الجامدة – سواء سياسية أو دينية أو مزيج منهما – التي تمنع التغيير وتحول الدولة إلى سجن كبير. الأنظمة القابلة للتطور تسمح بالإصلاح، بالنقد، بالتعددية، فتنمو وتتقدم. أما الأنظمة الدوغمائية فتجمّد في الماضي، وتدفع شعوبها إلى الفقر والقمع.

الدرس واضح: الاعتراف بريادة النموذج الأمريكي ليس تبعية، بل واقعية. التعاون مع الناجح هو أقصر طريق للنجاح. الدول التي تخلت عن كراهيتها ربحت الرفاهية، الابتكار، والحرية النسبية. أما الدول التي تمسكت بالعداء فخسرت كل شيء: اقتصادها، كرامتها، ومستقبل أجيالها. حان الوقت لتجاوز عقدة الكراهية، والتركيز على ما يبني: الانفتاح، التعلم، والاندماج في العالم الحديث. فالمستقبل لا يكتبه الشعارات، بل الواقعيون الذين يختارون التقدم على الحقد.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...