.
.
ملالي إيران، نظام من الورق
منذ عقود، يُروَّج للنظام الإيراني كقوة إقليمية لا تُقهر، يمتد نفوذه عبر "محور المقاومة" من بيروت إلى صنعاء مروراً بدمشق وبغداد، مدعوماً ببرنامج نووي طموح وترسانة صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أوروبا الشرقية وأبعد. يتباهى قادته بالقدرة على مواجهة "الكيان الصهيوني" والولايات المتحدة، ويصورون أنفسهم كحماة للمستضعفين. لكن تحت هذا الستار الخارجي المهيب، يكمن واقع مختلف جذرياً: نظام هش، مثخن بالثغرات الأمنية، يعاني من اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق ومستمر على مدى عقود، يجعله يبدو كبناء من الورق ينتظر الريح القوية ليسقط. العمليات الإسرائيلية طويلة النفس، التي تمتد منذ أوائل الألفية الجديدة وحتى عام 2026، ليست حوادث متفرقة بل استراتيجية مدروسة تجمع بين الاستخبارات البشرية، والحرب السيبرانية، والعمليات الخاصة، والاغتيالات الدقيقة، لتكشف هشاشة بنيوية في قلب الجمهورية الإسلامية.
بدأت جذور هذا الاختراق في السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، لكنها اكتسبت زخماً نوعياً مع بداية الألفية الثانية، عندما أدركت إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً وجودياً مباشراً. في عام 2005، بدأت إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، في تطوير فيروس **ستوكسنت** ضمن عملية سرية تحمل الاسم الرمزي "الألعاب الأولمبية" (Operation Olympic Games). تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في يونيو 2010، لكنه كان قد أُدخل إلى أنظمة منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران منذ عام 2009 على الأقل. هذا البرنامج الخبيث، الذي استهدف أنظمة التحكم الصناعي Siemens Step7، كان يتلاعب بسرعة الطرد المركزي IR-1، فيجعلها تتسارع إلى مستويات مدمرة ثم تتباطأ فجأة، مما أدى إلى تدمير حوالي 1000 طرد مركزي من أصل 9000 في نطنز بحلول عام 2010. الاختراق هنا لم يكن تقنياً فقط؛ فقد تطلب إدخال الفيروس إلى شبكة معزولة عن الإنترنت، مما يشير إلى وجود مصادر بشرية داخلية أو عملاء قادرين على نقل أجهزة مصابة إلى قلب المنشأة في محافظة أصفهان. أخرت هذه العملية البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وأثبتت أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أكثر الأماكن حراسة داخل إيران.
مع تصاعد التهديد، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى سلسلة اغتيالات دقيقة لعلماء نوويين بارزين. في 15 يناير 2007، قُتل الفيزيائي أردشير حسينبور في مدينة أصفهان بتسميم غامض، واتهم النظام إسرائيل. في 12 يناير 2010، انفجر قنبلة مغناطيسية مثبتة على دراجة نارية قرب منزل أستاذ الفيزياء مسعود علي محمدي في شمال طهران، مما أسفر عن مقتله أثناء توجهه إلى جامعة طهران. في 29 نوفمبر 2010، قُتل مجيد شهرياري، أستاذ هندسة نووية في جامعة شهيد بهشتي بطهران، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته، بينما أصيب فريدون عباسي دواني، خبير فصل النظائر، في هجوم مشابه في اليوم نفسه. في 23 يوليو 2011، قُتل داريوش رضائي نجاد، مهندس نووي، برصاص مجهولين في طهران. في 11 يناير 2012، قُتل مصطفى أحمدي روشن، نائب مدير منشأة نطنز، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته في شمال طهران. بلغت الذروة في 27 نوفمبر 2020، عندما اغتيل محسن فخري زاده، الذي يُعتبر "أبو البرنامج النووي" الإيراني، قرب بلدة أب سرد شرق طهران، باستخدام سلاح رشاش آلي يعمل عن بعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي وكاميرات تحديد الموقع، في عملية تطلبت مراقبة دقيقة لروتينه اليومي وحراسته.
كل هذه العمليات تطلبت معلومات فائقة الدقة عن تحركات الأهداف، روتينهم اليومي، وحتى نقاط الضعف في حراساتهم. القدرة على تنفيذ اغتيالات داخل إيران، بعيداً عن الحدود، تكشف عن شبكة واسعة من المصادر البشرية، سواء عملاء مجندين أو إيرانيين غير راضين عن النظام يقدمون معلومات مقابل مال أو لأسباب أيديولوجية. في يونيو 2021، أدلى علي يونسي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق (1997-2005)، بتصريح صادم: "نفوذ الموساد في مختلف القطاعات واسع لدرجة أن كل مسؤول في الجمهورية الإسلامية يجب أن يخشى على حياته". وفي مقابلة أخرى عام 2021، ادعى محمود أحمدي نجاد، الرئيس السابق، أن رئيس الوحدة المكلفة بمكافحة عمليات الموساد داخل إيران كان نفسه عميلاً لإسرائيل، إلى جانب نحو 20 آخرين في الوحدة نفسها.
في 31 يناير 2018، جاءت عملية سرقة الأرشيف النووي من مستودع سري في منطقة تورقوز آباد جنوب طهران لتكشف عن بعد آخر من العمق. عملاء الموساد اقتحموا المستودع ليلاً، سرقوا أكثر من 55 ألف صفحة وثائق و183 قرصاً مدمجاً تحتوي على تفاصيل البرنامج النووي السري "مشروع عماد"، ثم نقلوهم إلى إسرائيل في عملية استغرقت ساعات قليلة. في 30 أبريل 2018، عرض بنيامين نتنياهو هذه الوثائق في مؤتمر صحفي تل أبيبي، مما أجبر إيران على الاعتراف جزئياً ببعض جوانب برنامجها السابق، وأضعف موقفها التفاوضي دولياً.
لم تتوقف العمليات عند ذلك. في 2 يوليو 2020، وقع انفجار كبير في منشأة نطنز أدى إلى تدمير جزء من خطوط التخصيب، واتهمت إيران إسرائيل بزرع قنبلة. في 11 أبريل 2021، تعرضت نطنز لانقطاع كهرباء مدبر أدى إلى تدمير آلاف الطرد المركزي، ووصف رئيس لجنة البرلمان الإيرانية أن "آلاف الطرد المركزي" دُمرت. في 2022، توفي علماء نوويون آخرون في ظروف غامضة، منهم اثنان في مدن مختلفة خلال أيام قليلة بتسميم.
مع تصاعد التوترات في 2023-2025، بلغ الاختراق ذروته في عمليات طويلة النفس أعدت لسنوات. في 13 يونيو 2025، أطلقت إسرائيل عملية "الأسد المنتصب" (Rising Lion)، التي استمرت 12 يوماً. شملت الضربات الجوية أكثر من 200 طائرة مقاتلة ضربت أكثر من 100 هدف، بما في ذلك نطنز وفوردو وأصفهان. الموساد قام بتهريب أسلحة وطائرات مسيرة وصواريخ دقيقة إلى داخل إيران على مدى سنوات، وأقام قواعد سرية لإطلاقها. في الساعات الأولى، انطلقت هذه الأسلحة من داخل الأراضي الإيرانية لتدمير أنظمة الدفاع الجوي، مما فتح المجال أمام سلاح الجو الإسرائيلي. قُتل قادة كبار مثل حسين سلامي قائد الحرس الثوري، محمد باقري رئيس هيئة الأركان، غلام علي رشيد، أمير علي حاجي زاده قائد القوة الجوية للحرس، وفريدون عباسي دواني. كما قُتل 14 عالماً نووياً على الأقل في الضربات الأولى، منهم محمد مهدي تهرانشي رئيس جامعة آزاد الإسلامية، عبد الحميد منوشهر، أحمد رضا زلفاغاري، أمير حسين فقهي، أكبر مطلبی زاده، علي بهوي كاتيريمي، منصور أصغري، وسيد أمير حسين فقهي، وسعيد بورجي. التخطيط اعتمد على اختراق كاميرات مراقبة، مراقبة حراس، وتحديد مواقع داخل الغرف.
في فبراير 2026، جاءت عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) المشتركة مع الولايات المتحدة في 28 فبراير، حيث أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاره علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وآخرين في ضربات دقيقة على طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه. الضربات استهدفت مقرات إقامة ومكاتب، معتمدة على معلومات فائقة الدقة من مصادر داخلية.
هذه العمليات لم تقتصر على العسكري؛ بل امتدت إلى الحرب النفسية والاقتصادية. هجمات سيبرانية شلت الإنترنت في مناطق واسعة، وعطلت خدمات حكومية، وأثارت شكوكاً داخل النظام. الوحدة 8200 لعبت دوراً محورياً، مستفيدة من الثغرات في البنية التحتية الإيرانية الناتجة عن العقوبات.
ما يجعل هذه النجاحات قياسية هو طبيعتها طويلة النفس: كل اغتيال يضعف الروح المعنوية، كل هجوم سيبراني يعطل التقدم، كل سرقة تكشف الأكاذيب. النظام يعاني من كراهية داخلية واسعة، مما يسهل التجنيد. المسؤولون الإيرانيون أنفسهم اعترفوا بأن "العدو داخل البيت"، وأن الثغرات تشكل خطراً وجودياً.
في النهاية، يظهر الواقع أن النظام الإيراني، رغم ضجيجه، هش يعتمد على الترهيب أكثر من القوة الحقيقية. الاختراق الإسرائيلي المستمر يكشف هذه الهشاشة، ويثبت أن القوة الحقيقية في معرفة الخصم وإصابته في نقاط ضعفه. إيران نظام من الورق: صلب من بعيد، لكنه يتمزق من الداخل، وإسرائيل تمتلك اليد الطويلة للإمساك به.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire