.
.
انحسار الغيب أمام مادية الوجود: تهافت محاولات الأسلمة القسرية لنظرية التطور وتكلس اللغة أمام سطوة العلم
إن المشهد الفكري المعاصر في المنطقة العربية يقدّم مفارقة مأساوية تجسد أقصى درجات الانفصام المعرفي، حيث يقف سدنة اللاهوت ومسترزقو الأديان على أطلال منظومة فكرية تآكلت بفعل ضربات المنهج التجريبي، محاولين يائسين ممارسة نوع من الاسترداد القسري لمنجزات العلم الحديث وعلى رأسها نظرية التطور. هؤلاء الذين بنوا أمجادهم وسلطتهم الاجتماعية والمادية على تغييب الوعي وتكريس الخرافة، يجدون أنفسهم اليوم أمام حقيقة بيولوجية صلبة لا تحابي أحداً، حقيقة تثبت بالأدلة المادية القاطعة من حفريات وحمض نووي وعلم تشريح مقارن أن الإنسان ليس سوى حلقة في سلسلة مادية طويلة، وليس كائناً استثنائياً سقط من السماء بقرار ميتافيزيقي. إن نفاق هؤلاء يتجلى في تلك المحاولات البائسة لتطويع التطور وجعله "موجهاً" أو "إلهياً"، وهي صياغات لا تعدو كونها حقناً مسكنة لجمهور يخشى مواجهة الحقيقة، ومحاولة لحشر إله الفجوات في مساحات ضاقت حتى انعدمت، حيث لم يعد لهذا الإله ثقباً يختبئ فيه بعد أن فسّر العلم آليات الحياة من أدق جزيئاتها إلى أعظم تعقيداتها.
تبدأ مأساة هذا النفاق من التلاعب اللفظي وضبابية المصطلحات التي يتخذها المتدينون درعاً لحماية عروشهم الورقية، فهم يستغلون بذكاء خبيث قصور اللغة العربية المعاصرة وتحجرها المعرفي. إن اللغة العربية، في صورتها الراهنة، ليست مجرد وعاء للتواصل، بل هي لغة ملوثة بالحمولة الميتافيزيقية، لغة تشبعت طوال قرون بالقداسة والترهيب الديني حتى فقدت مرونتها العلمية. عندما نتحدث عن "النظرية" في السياق العلمي العالمي، فإننا نتحدث عن أعلى درجات اليقين التفسيري المدعوم بالحقائق والملاحظات، لكن المترجم العربي، المتأثر ببيئة دينية تسخف العلم، يطرح كلمة "نظرية" كمرادف لوجهة النظر الشخصية أو التخمين العابر. هذا التشويه المتعمد للمصطلح ليس خطأً لغوياً بريئاً، بل هو استراتيجية ممنهجة لتقزيم العلم وتصويره كبناء هش يمكن دحضه بآية أو حديث. اللغة العربية اليوم، بعجزها عن توليد مصطلحات مادية صرفة بعيدة عن الشحن العاطفي والديني، تقف حائلاً أمام توطين العلم الحقيقي، وتتحول في يد المسترزقين إلى أداة لتزييف الوعي وصناعة ضبابية معرفية تخدم بقاء سلطة الغيب على حساب سلطة المادة.
إن خرافة "التطور الموجه" التي يروج لها هؤلاء هي المثال الأوضح على محاولة "أنسنة" البيولوجيا أو بالأحرى "تديينها" بطريقة فجة. العلم يخبرنا أن التطور عملية عمياء، مادية، فوضوية في كثير من الأحيان، وتخضع لانتخاب طبيعي صارم لا غاية له سوى البقاء والتكيف. أما "المسترزقون من الدين"، فيحاولون إدخال "شبح الإله" في هذه المعادلة البيولوجية، زاعمين أن الطفرات الجينية ليست عشوائية بل هي رسائل مشفرة من خالق يقود العملية نحو ذروتها المتمثلة في الإنسان. هذا الطرح ليس علماً، بل هو "باراسيتولوجيا" فكرية تقتات على المنجز العلمي لتبرير وجود كيان غيبي فشل أصحابه في إثبات وجوده طوال آلاف السنين، ويقضون جل وقتهم في الاقتتال حول صفاته المتناقضة في نصوصهم القديمة. إن إقحام الإله في التطور هو إهانة للعقل وللعلم معاً؛ فالعلم يفسر "كيف" حدث الأمر عبر آليات كيميائية وفيزيائية رصينة، بينما الدين يحاول قسر "من" على الواقع المادي لإنقاذ كبرياء المؤسسة الدينية التي استثمرت لقرون في قصة الخلق الطيني المباشر.
إن إله الفجوات الذي يتحدث عنه الفلاسفة والعلماء هو إله يتقلص مع كل كشف مخبري جديد. قديماً، كان البرق غضباً إلهياً، والزلازل عقاباً، والمرض مساً من الجن، وكلما فسر العلم ظاهرة، انسحب الإله إلى الفجوة التالية من الجهل البشري. اليوم، ومع وصول العلم إلى فهم أسرار الـ DNA واندماج الكروموسومات التي تثبت قرابتنا المادية مع القردة العليا، لم تعد هناك فجوات حقيقية تتيح لهؤلاء المسترزقين المناورة. لذا، انتقلوا من الإنكار المطلق إلى "الاسترداد" القسري، محاولين إقناع الجماهير بأن التطور هو "إرادة الله" المسبقة. هذا النفاق المفضوح يهدف إلى الحفاظ على مكاسب اجتماعية واقتصادية؛ فرجال الدين يدركون أن سقوط قصة الخلق التقليدية يعني سقوط مرجعيتهم في تفسير الوجود، وبالتالي سقوط الامتيازات التي يحصلون عليها من شعوب غيبت عقولها خلف جدران الخوف والتقديس. إنهم يبيعون "الوهم المشرعن علمياً" ليضمنوا استمرار تدفق الأتباع والأموال، في أكبر عملية نصب معرفي يشهدها التاريخ الحديث.
علاوة على ذلك، فإن اللغة العربية تقف شاهدة على هذا العجز المعرفي، فهي لغة لم تخض تجربة التنوير والقطيعة مع الغيب، بل ظلت حبيسة القواميس التي كتبت في عصور الانحطاط. إنها لغة تفتقر إلى الحياد اللازم للترجمة العلمية؛ فالمصطلح العلمي الغربي يولد من رحم المادة والملاحظة، بينما المصطلح العربي غالباً ما يُستولد من رحم المصلحة الدينية أو الحذر من "خدش الحياء الإيماني". هذا التلوث الميتافيزيقي يجعل من العسير جداً بناء عقل علمي عربي خالص، لأن الأدوات اللغوية المتاحة هي أدوات "مكبلة" بقدسية الماضي. عندما يحاول باحث ترجمة أبحاث حول "الاصطناع الحيوي" أو "الطفرات العشوائية"، يجد نفسه محاصراً بلغة تصر على استخدام كلمات تحمل ظلالاً لاهوتية، مما يشوه جوهر الحقيقة العلمية ويجعلها تبدو وكأنها مجرد تفصيل بسيط في خطة إلهية كبرى، بينما هي في الحقيقة نسف كامل لهذه الخطة من جذورها المادية.
إن الشعوب التي ترزح تحت وطأة الفقر والجهل هي الضحية الكبرى لهذا التحالف بين رجل الدين واللغة المتحجرة. المسترزقون يعلمون أن المعرفة العلمية الصافية هي أقصر طريق للتحرر من العبودية الفكرية، لذلك يعمدون إلى تشويه نظرية التطور وتسخيفها تحت مسميات "الداروينية الإلحادية" أو "المؤامرة الغربية"، وفي الوقت نفسه يقدمون "تطوراً إسلامياً" مشوهاً يناسب المقاسات الدينية. هذا الالتفاف هو قمة النفاق؛ إذ كيف يمكن لمن كفر بالنظرية لعقود وسجن منظريها أن يتبناها اليوم فجأة بعد أن أصبح إنكارها ضرباً من الجنون؟ إنه نفاق الضرورة، حيث يتم التضحية باتساق العقيدة من أجل بقاء السلطة. هؤلاء لا يهمهم البحث عن الحقيقة البيولوجية، بل يهمهم ألا تخرج الشعوب عن بيت الطاعة الغيبي، فيستمرون في حشر "الآلهة" في ثنايا الجينات، متجاهلين أن المادة لا تحتاج لمباركتم ولا لاعترافهم لكي تستمر في ممارسة قوانينها الصارمة التي لا تعرف الصلاة ولا الدعاء.
في الختام، يظل صراع العلم مع الدين في نسخته العربية صراعاً غير متكافئ، ليس بسبب قوة الدين، بل بسبب فداحة الجهل اللغوي والمعرفي. إن محاولات تطويع التطور هي الرقصة الأخيرة لطبقة من الكهنة الذين يدركون أن شمس الحقيقة المادية قد أشرقت، وأن إله الفحوات قد فقد آخر معاقله. اللغة العربية، بوضعها الحالي، تظل لغة عاجزة عن استيعاب الثورة البيولوجية ما لم تتحرر من قيود الميتافيزيقا وتتخلص من تلوثها الديني التاريخي. إن الوجود مادي في جوهره، والتطور حقيقة بيولوجية تفرض نفسها بقوة المختبر، وكل محاولات المسترزقين لإضفاء مسحة غيبية عليها ليست سوى دخان سينقشع أمام سطوة الدليل، ليبقى الإنسان وحيداً في مواجهة واقعه، متحرراً من أوهام الخلق المباشر ومن قيود اللغة التي لم تعد قادرة على وصف كون لا يحتاج لآلهة لتفسيره. إن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي المادي ضد النفاق الذي يتخذ من "الله" شماعة لجهله ومن "اللغة" درعاً لتخلفه، وهي معركة محسومة سلفاً لصالح المادة التي لا تخطئ، ولصالح العلم الذي لا ينافق.
.





