Translate

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة



يحتل مفهوم "الأخلاق" في مشروع عبد الوهاب المسيري مكانة المركز، حيث بنى الرجل معظم نظرياته النقدية للغرب وللصهيونية على أساس المقارنة بين "المادية الغربية" التي تُشيئ الإنسان وتحوله إلى مادة استعمالية، وبين "النموذج الإسلامي" الذي يراه نموذجاً إنسانياً وتوحيدياً يكرم النفس البشرية. ولكن، خلف هذا الرداء الأخلاقي الفضفاض، تكمن "سيكوباتية سياسية" مروعة تتعمد الهروب من مواجهة أكثر المناطق دموية وبشاعة في التاريخ الذي يقدسه المسيري، ألا وهي منظومة الرق والسبي والنخاسة التي كانت عصب الاقتصاد والمجتمع في الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. إن المسيري، في سعيه لشيطنة "التشييء" الصهيوني، يتجاهل تماماً أن المنظومة التي يدافع عنها قد مارست أبشع أنواع التشييء والسلعنة للبشر عبر قرون، محولةً الملايين من الأفارقة والأوروبيين والآسيويين إلى مجرد "سلع" تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة، مع تبرير ذلك بغطاء ديني مقدس يمنع النقد أو الاعتذار.
إن الادعاء بأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق يصطدم بحقيقة تاريخية وميدانية مريرة، وهي أن "السبي" كان أحد الأدوات الأساسية في الفتوحات التي يسميها المسيري "انتشاراً حضارياً". فعندما يهاجم المسيري الصهيونية لأنها تستغل الإنسان أو تشرده، فإنه يغض الطرف عن مئات الآلاف من النساء والأطفال الذين تم سوقهم كـ "غنائم حرب" في تاريخنا، حيث تم تحويل المرأة إلى "جارية" يُستباح جسدها تحت مسمى "ملك اليمين"، ويُباع طفلها في الأسواق بعيداً عنها. هذا التشييء الجسدي والروحاني هو في جوهره أعمق بكثير من التشييء المادي الذي انتقده المسيري في "الحداثة الغربية"، إذ إنه يسلب الإنسان كرامته باسم "الله"، ويجعل من استعباده جزءاً من النظام الكوني المقدس. المسيري يهرب من هذا الواقع عبر قوله إن الإسلام "ضيق منافذ الرق"، وهي حجة واهية تهدف لتجميل القبح، إذ إن الواقع التاريخي يثبت أن تجارة الرق في العالم الإسلامي كانت من الضخامة والاستمرارية بحيث لم تتوقف إلا بضغط خارجي من "الغرب" الذي يلعنه المسيري صباحاً ومساءً.
إن السيكوباتية الأخلاقية في خطاب المسيري تتجلى عندما يرفض الاعتراف بأن "حقوق الإنسان" الحديثة، التي ولدت من رحم الحداثة العلمانية، هي التي أنقذت البشرية من بشاعة التشريعات الدينية المتعلقة بالرق. فبينما كان الفقهاء المسلمون، حتى عقود قريبة، يكتبون في أحكام البيع والشراء للعبيد وعتق الرقاب كفارة للذنوب (مما يعني بقاء "الأصل" وهو العبودية)، كانت المواثيق الدولية البشرية هي التي فرضت إلغاء الرق قسراً على المجتمعات الإسلامية. لقد قبل المسلمون بإلغاء الرق مجبرين لا مخيرين، تحت ضغط المعاهدات والقوة العسكرية الغربية، وليس نتيجة "تطور أخلاقي" نابع من داخل النص الديني الذي يمجده المسيري. إن هذا يثبت أن العقل البشري، في بحثه عن العدالة، تفوق على "المقدس التاريخي" الذي أقر العبودية وشرعنها. المسيري ينقد الغرب لأنه "مادي"، لكنه لا يجرؤ على القول إن "مادية" الغرب هي التي وضعت حداً للنخاسة الإسلامية التي دامت أربعة عشر قرناً.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في نقده للصهيونية يركز على "العنصرية"، بينما يتناسى أن نظام الرق في التاريخ الإسلامي كان مشبعاً بالعنصرية العرقية، حيث تم تخصيص المهام الشاقة والوضيعة للسود من شرق وغرب أفريقيا، ووُضعت في الفقه أحكام تمييزية تفرق بين العبد الأبيض والعبد الأسود في القيمة والثمن. إن "الرجل الأبيض" الذي هاجمه المسيري في نموذجه الغربي، كان له شريك "رجل مسلم" في ممارسة نفس الجرائم بحق الإنسان الأفريقي. المسيري يرفض محاكمة "الأنا" بنفس المعيار، فيعتبر عنصرية الصهيوني "جوهرية"، بينما يعتبر عنصرية المسلم "انحرافاً سلوكياً" أو "نتاجاً لعصره". هذا التلاعب بالأحكام هو ما يجعل خطابه خطاباً منافقاً يفتقر للنزاهة العلمية؛ فالظلم لا يتغير لونه بتغير دين الظالم، والتشيؤ الذي يصيب العبد في خيبر أو بغداد هو نفس التشؤ الذي يصيب العامل في مصانع مانشستر، بل ربما كان الأول أكثر قسوة لأنه لا يملك حتى حق الصراخ ضد "إرادة الله" المزعومة في استعباده.
إن مواجهة التاريخ الدموي تعني أيضاً مواجهة "سيرة البدايات" التي يحاول المسيري إضفاء الطابع الرومانسي عليها. فعندما نتحدث عن إبادة قبائل كاملة في المدينة، أو سبي نساء بني المصطلق أو خيبر، نحن لا نتحدث عن "مكارم أخلاق"، بل نتحدث عن ممارسات حربية تقليدية شديدة العنف والقسوة. المسيري يرى في "دير ياسين" جريمة لا تُغتفر (وهي كذلك)، لكنه يرى في "بني قريظة" حكماً إلهياً عادلاً. هذه هي السيكوباتية في أبهى صورها: القدرة على تبرير القتل الجماعي والسبي إذا كان الفاعل ينتمي لـ "خندقنا العقدي". إن التحرر الفكري يقتضي نزع القداسة عن هذه الأفعال والاعتراف بأنها كانت أفعالاً فاسدة ومجرمة بالمعايير الإنسانية، وأن تمجيدها اليوم هو تآمر على مستقبل الإنسان. المسيري، بصمته عن هذه البشاعات، ساهم في تخدير الوعي المسلم ومنعه من الاعتذار التاريخي الضروري للأمم والشعوب التي سُحقت تحت خيول الفتوحات.
في الختام، إن مرآة السبي والنخاسة تكشف زيف "التفوق الأخلاقي" الذي حاول المسيري بيعه لنا. إن الحقيقة المرة هي أننا كعرب ومسلمين نعيش في حالة انفصام؛ نلعن الاستعمار الغربي لأنه استغلنا لقرن من الزمان، ونقدس استعمارنا للآخرين الذي استمر قروناً واستعبد الملايين. المسيري لم يكن سوى "مكياج فكري" حاول إخفاء ندوب هذا التاريخ الدموي. إن حقوق الإنسان ليست "منحة دينية" كما ادعى، بل هي "انتزاع بشري" ضد تسلط الأديان والأنظمة التي تشرعن العبودية. لكي نصلح العالم، كما يزعم المسيري، كان يجب أن نبدأ بإصلاح "عفنا الداخلي" والاعتراف بأن منظومتنا التاريخية كانت في أجزاء كثيرة منها منظومة "تشييء" وإبادة، وبدون هذا الاعتراف، يظل نقدنا للصهيونية أو للغرب مجرد "صراخ منافق" لا يحترم الإنسان بقدر ما يبحث عن نصرة طائفته.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس


تتجلى ذروة الانفصام الأخلاقي والسيكوباتية السياسية في فكر عبد الوهاب المسيري حينما يقارب مفهوم "الأرض"، حيث تتحول الجغرافيا في مخيلته الأيديولوجية من حيز إنساني مشترك إلى ساحة للصراع بين "المقدس" و"المدنس". فبينما يكرس المسيري آلاف الصفحات لإدانة سياسات "الترانسفير" أو التهجير القسري التي مارستها الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين، واصفاً إياها بأبشع النعوت الاستعمارية والمادية، نراه يقف صامتاً، بل وممجداً، لعمليات تهجير وتطهير عرقية ودينية كبرى جرت تحت راية "الجغرافيا الدينية" الإسلامية. هذا التناقض الصارخ يكشف عن بنية فكرية ترى في الظلم جريمة إذا وقع عليها، وتراه "ضرورة حضارية" أو "فتحاً مبيناً" إذا مارسته ضد الآخرين. إن المسيري هنا لا يدافع عن مبدأ "حق الإنسان في أرضه"، بل يدافع عن "حق جماعته في السيادة المطلقة"، وهو موقف لا يختلف في جوهره عن المنطق الإقصائي الصهيوني الذي يدعي المسيري محاربته.
إن مأساة العقل المسيري تبدأ من تبنيه غير الناقد لما يمكن تسميته "فقه التهجير المقدس"، وهو الفقه الذي تأسس مع بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. عندما يُسأل المسيري عن طرد قبائل اليهود من جزيرة العرب، أو عن وصية "لا تجتمع قبلتان في جزيرة العرب" التي نفذها الخليفة عمر بن الخطاب بتهجير من تبقى من يهود خيبر ونصارى نجران، فإنه يلوذ بتبريرات سياسية وذرائع أمنية واهية، معتبراً أن تلك الجماعات كانت "طابوراً خامساً" أو عناصر مخلة بأمن الدولة الناشئة. هنا، تتحول الجغرافيا إلى ملكية حصرية للعقيدة، ويصبح "الترانسفير" عملاً شرعياً لحماية نقاء الأرض الدينية. المفارقة المذهلة هي أن إسرائيل تستخدم بالضبط نفس هذه الحجج لتبرير تهجير الفلسطينيين في عام 1948، مدعية أنها كانت في حالة حرب وأن وجود العرب يشكل خطراً أمنياً على بقاء الدولة اليهودية. المسيري يدين التبرير الإسرائيلي بوصفه كذباً استعمارياً، بينما يقدس التبرير الخليفي بوصفه حكمة سياسية، وهذا هو عين النفاق الذي يضرب صدقية مشروعه الفكري في مقتلها.
هذه السيكوباتية في الخطاب لم تتوقف عند حدود التاريخ القديم، بل امتدت لتشمل قضايا العصر الحديث، وعلى رأسها قضية يهود الدول العربية ومصر تحديداً. في موسوعته وكتاباته، يميل المسيري دائماً إلى تصوير خروج اليهود من البلاد العربية كـ "مؤامرة صهيونية" لاقتلاعهم من نسيجهم الوطني، لكنه يتجاهل عمداً وبشكل مهين للضحايا دور الأنظمة القومية والإسلامية في ممارسة ضغوط ترهيبية، وسحب جنسيات، ومصادرات، وتهجير قسري وتهميش دفع هؤلاء للرحيل. عندما قام جمال عبد الناصر بطرد اليهود المصريين وتحويل حياتهم إلى جحيم، لم ير المسيري في ذلك جريمة تطهير عرقي أو ديني، بل رآه "رد فعل سياسي مبرر" تجاه العدوان الثلاثي والصهيونية. إن هذا المنطق الذي يحمّل المواطن الفرد وزر أفعال دولة أخرى لمجرد أنه يشترك معها في الدين هو نفس المنطق الصهيوني الذي يرى في كل يهودي في العالم "صهيونياً" بالضرورة. المسيري يدين تحويل الفلسطيني إلى ضحية للصراع، لكنه يبارك تحويل اليهودي العربي إلى كبش فداء، مما يثبت أن بوصلته الأخلاقية لا تتحرك إلا وفق هوى الهوية الطائفية.
إن الجغرافيا في عقل المسيري محكومة بمفهوم "دار الإسلام" مقابل "دار الحرب"، وهي قسمة تمنح المسلم الحق المطلق في تملك الأرض وتطهيرها من "الآخر" متى ما اقتضت المصلحة العليا. في هذا النموذج التفسيري الذي بناه، تصبح الفتوحات العربية التي اقتلعت شعوباً بأكملها وغيرت ديموغرافية قارات من آسيا إلى الأندلس "انتشاراً للقيم"، بينما يعتبر بناء مستوطنة واحدة في الضفة الغربية "سرطاناً استيطانياً". إن السيكوبات السياسي هنا يرفض الاعتراف بأن الأرض الفلسطينية نفسها كانت مسكونة بكنعانيين وفينيقيين ويهود ومسيحيين قبل أن تأتي خيول العرب لتعيد صياغة هويتها بالقوة. المسيري يريد منا أن نصدق أن استيطان العرب في شمال أفريقيا ومحو لسان أهلها الأمازيغ هو "اندماج"، بينما استيطان اليهود في فلسطين هو "إحلال". هذا التلاعب بالمصطلحات يهدف إلى تجميل صورة "الأنا" القاتلة وتقبيح "الآخر" الغازي، مع أن الفعل المادي في الحالتين هو غزو عسكري نتج عنه تهجير وتغيير في الملكية والسكان.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في دعوته لـ "تفكيك الصهيونية" كان يرمي في الحقيقة إلى إحياء "الجغرافيا الدينية الشمولية". هو لا يريد دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، بل يريد عودة الأرض إلى "حضن الأمة"، وهو تعبير شاعري يخفي وراءه نظام "الذمة" الذي يجعل غير المسلم مواطناً منقوص الأهلية في أرضه. إن نقد المسيري لإسرائيل كدولة دينية ليس نابعاً من إيمانه بالعلمانية أو الدولة المدنية الحديثة، بل هو نقد "تنافسي"؛ هو يكره الدولة اليهودية لأنها تزاحم دولته الإسلامية المتخيلة على نفس البقعة الجغرافية وبنفس المنطق "الوعد الإلهي". لذا، فإنه يبرر كل أشكال العنف والتهجير التي مارستها الأنظمة الإسلامية ضد الأقليات (مثل الأرمن والكورد واليزيديين) بصفتها "إجراءات لتوحيد الجبهة"، بينما يصرخ عويلاً إذا مارست إسرائيل إجراءً واحداً لتوحيد "جبهتها القومية". هذا العمى الفكري تجاه جرائم الذات هو الذي جعل المسيري يبدو كأنه "محامٍ لشيطان" يرتدي ثياب الواعظ.
إن التحرر من "فقه التهجير المقدس" الذي روج له المسيري يتطلب الاعتراف بأن الجغرافيا لا دين لها، وأن حق الإنسان في بيته وأرضه هو حق طبيعي لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير دين الحاكم. إن الصهيونية مجرمة لأنها هجرت الفلسطينيين، وهذا حكم أخلاقي لا يستقيم إلا إذا اعترفنا أيضاً بأن الفتوحات التي مارست التهجير قديماً، والأنظمة التي مارست طرد اليهود والأقليات حديثاً، هي أيضاً ممارسات إجرامية. المسيري أراد أن يقنعنا بأن هناك "ظلمًا خيرًا" لأنه يخدم العقيدة، و"ظلمًا شريرًا" لأنه يخدم الصهيونية، وهذه هي قمة الانحطاط الأخلاقي. إن صناعة "المقدس الجغرافي" هي التي تسببت في كل هذه الدماء، والمسيري لم يفعل شيئاً سوى تبرير هذه الدماء بمسوح فلسفية كاذبة. إن الكفر بهذا الصنم الثقافي يعني رفض منطق "السيادة الدينية على الأرض" والانتصار لكرامة الإنسان، وهو الأمر الذي فشل فيه المسيري فشلاً ذريعاً لصالح "سيكوباتيته" المنحازة.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثاني: القومية اللغوية وحماقة تزييف الهويات

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثاني: القومية اللغوية وحماقة تزييف الهويات



يمثل التلاعب بالمفاهيم الأنثروبولوجية والسياسية أحد أبرز الأدوات التي استخدمها عبد الوهاب المسيري ومن لف لفه من منظري العروبة والإسلام السياسي لتمرير مشروع هيمنة ثقافية شاملة، حيث عمد هؤلاء إلى صياغة واحدة من أكبر الأكاذيب الفكرية في التاريخ الحديث، وهي "أكذوبة القومية اللغوية". في هذا السياق، لم يكن المسيري مجرد باحث محايد، بل كان فاعلاً أساسياً في عملية تزييف الهويات الكبرى، حين روج للمقولة السطحية التي تزعم أن "العربي هو كل من تكلم العربية". إن هذه المقولة ليست مجرد خطأ أكاديمي أو تبسيط مخل، بل هي حماقة فكرية متعمدة تهدف إلى إلغاء الوجود البيولوجي والتاريخي والجغرافي للشعوب الأصيلة في المنطقة، وتحويل "اللغة" من أداة للتواصل إلى "عرق زائف" يُستخدم كجسر للعبور نحو استعمار ثقافي يمحو ملامح الحضارات السابقة ويصهرها قسراً في بوتقة المركزية العربية الإسلامية.
إن ادعاء المسيري بأن الهوية العربية هي هوية ثقافية مفتوحة لكل من يتحدث اللسان العربي هو في جوهره نوع من "السيكوباتية السياسية" التي تمارس عنفاً رمزياً ضد الملايين من البشر. فإذا طبقنا هذا المنطق العقيم على خارطة العالم، لوجب علينا اعتبار سكان البرازيل برتغاليين، وسكان السنغال فرنسيين، وسكان الولايات المتحدة إنجليزاً، وهو أمر يرفضه العقل السليم وترفضه تلك الشعوب التي تعتز بتمايزها القومي رغم اشتراكها في لغة المستعمر القديم. لكن المسيري، في سعيه لشيطنة الآخر الصهيوني وتفنيد ادعاءاته القومية، وقع في تناقض أخلاقي ومنطقي صارخ؛ فهو يدين الصهيونية لأنها تحاول إحياء هوية قومية لشتات مبعثر، بينما يمنح نفسه الحق في اختراع "قومية عربية" هلامية تقوم على محو هويات شعوب مستقرة في أرضها منذ آلاف السنين، كالأمازيغ في شمال أفريقيا والقبط في مصر والكورد والسريان والآشوريين في الهلال الخصيب. إن هذا التعريب القسري هو الوجه الآخر للاستعمار الاستيطاني، حيث يتم استبدال وعي الإنسان بأصله وجذوره بوعي "مستعار" يخدم موازين القوى السياسية التي تتبنى الخطاب العروبي.
لقد شرع المسيري لهذا الاستعمار الثقافي من خلال تغليفه بمصطلحات براقة مثل "الانتشار الحضاري" و"النموذج التوحيدي"، معتبراً أن تمدد العرب والمسلمين في هذه الأصقاع كان فعلاً تخليصياً وتنويرياً، بينما يرى في أي محاولة للآخرين للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية نوعاً من "التفتيت" أو "الاستعابة المادية". إن هذا النفاق الفكري يتجلى في أبهى صوره حين يندب المسيري ضياع "الهوية الفلسطينية" تحت وطأة العبرنة، بينما يبارك صمت اللسان الأمازيغي واحتضار اللغات القديمة تحت وطأة التعريب. إنه يرى في فرض اللغة العربية على دواوين الدولة في العصور الوسطى انتصاراً للحق، بينما يرى في فرض أي لغة أخرى على أي شعب استلاباً واضطهاداً. هذا التمييز في الأحكام الأخلاقية يكشف أن المسيري لم يكن يهتم بكرامة الإنسان أو حقه في التعبير عن هويته الأصلية، بل كان يعمل كموظف أيديولوجي يسعى لتوسيع "المجال الحيوي" لنموذجه الإسلامي عبر تزييف التاريخ الأنثروبولوجي للمنطقة برمتها.
إن خطورة "أكذوبة القومية اللغوية" تكمن في أنها أفرغت الأوطان من تنوعها الخلاق وحولتها إلى مساحات من التنميط القسري، حيث أصبح المواطن في هذه الدول مطالباً بإنكار دمه وتاريخه لكي يكون "عربياً" مقبولاً في منظومة المسيري. لقد تم استخدام اللغة العربية كأداة قمعية لعزل الشعوب عن تراثها ما قبل الإسلامي، وهو التراث الذي يراه المسيري غالباً "وثنية" أو "مادية" يجب تجاوزها. إن تحويل اللغة إلى عرق هو عملية انتحال كبرى، حيث تم الاستيلاء على منجزات القبط في العمارة والفلك، ومنجزات الفرس في الإدارة والسياسة، ومنجزات السريان في الفلسفة والطب، ثم نُسبت جميعها إلى "العرب" بمجرد أن لغة التدوين أصبحت العربية. المسيري يروج لهذا السطو الثقافي بوصفه "تفاعلاً"، بينما هو في الحقيقة عملية "إبادة ثقافية" ناعمة جعلت الأجيال الحالية تنظر إلى أجدادها العظماء كغرباء أو كأعداء للحضارة التي ينتمون إليها الآن بالتبني القسري.
علاوة على ذلك، فإن هذا التنميط القسري يخدم غاية سياسية واضحة في فكر المسيري، وهي توفير "كتلة بشرية صماء" يمكن تحريكها ضد الغرب والصهيونية تحت شعارات الهوية المشتركة. ولتحقيق هذه الغاية، كان لا بد من تزييف حقيقة أن المنطقة هي فسيفساء من الأعراق واللغات والأديان التي لا يجمعها بالضرورة "العرق العربي". المسيري يتجاهل أن الصراع الحقيقي في المنطقة ليس دائماً مع "الخارج"، بل هو صراع داخلي سببه إنكار الحقوق القومية للأقليات (التي هي شعوب أصيلة). إن هروبه إلى الأمام عبر تعريف "العربي باللسان" هو محاولة لتسكين آلام التمزق الوطني في دول مثل العراق وسوريا والسودان، وهي الدول التي تفجرت فيها الدماء لأن المنطق العروبي الإقصائي رفض الاعتراف بغير "العروبة" هويةً. المسيري هنا يمارس دور "المسكن الفكري" الذي يمنع الجراحة الضرورية للاعتراف بالتعددية، مفضلاً البقاء في وهم "الأمة الواحدة" التي لا توجد إلا في كتبه وفي خيال القوميين المتطرفين.
إن الحقيقة التي يخشاها المسيري هي أن القومية العربية بشكلها الحالي هي مشروع "حديث" تماماً مثل الصهيونية، وأنها قامت على أنقاض هويات حية تم قمعها عسكرياً وثقافياً لقرون. الحديث عن "الفتح" كفعل حضاري يغفل المآسي التي تعرضت لها الشعوب الأصيلة، ويغفل أن اللغة العربية لم تنتشر بالحب والاقتناع وحدهما، بل بكونها لغة "السلطة والمال والجزية". المسيري يرفض محاكمة هذا التاريخ بنفس المشرط الذي يحاكم به الغرب، مما يثبت أنه "سيكوبات سياسي" يمتلك مكيالين للعدالة. إن استمرار التمسك بحماقة القومية اللغوية هو الذي يجعل شعوب المنطقة تعيش في حالة انفصام، حيث تنتمي وجدانياً لتاريخ لا يخصها، وتتنكر لتاريخ يصرخ في عروقها. التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق هذا القناع اللغوي والعودة للاعتراف بأن الأرض كانت وستبقى ملكاً لمن يعيش عليها بهويته الحقيقية، لا بمن يتحدث لغة غازيها القديم ويدعي أنها أصله وفصله.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الأول: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الأول: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي



تبدأ رحلة السقوط في فخ الأيديولوجيا حين يتحول المثقف من باحث عن الحقيقة إلى مهندس لصناعة الأوهام التي تداعب خيال الجماهير الجريحة والمأزومة حضارياً. في هذا السياق، يبرز اسم عبد الوهاب المسيري كأحد أكبر سدنة هذه الأوهام في العصر الحديث، حيث استطاع عبر موسوعته الضخمة ومنهجه "التفكيكي" المزعوم أن يبني صرحاً من الأكاذيب الفلسفية التي تهدف في جوهرها إلى تخدير العقل العربي والمسلم ومنعه من مواجهة الواقع المرير. إن المنهج الذي اتبعه المسيري ليس منهجاً علمياً يسعى لفهم الظاهرة الصهيونية أو الغربية في سياقها التاريخي والموضوعي، بل هو عملية انتقاء جراحية تهدف إلى تطويع الحقائق لتناسب قوالب ذهنية مسبقة الصنع، حيث يتم استبدال البحث المعرفي الرصين بما أطلق عليه "النماذج التفسيرية"، وهي في حقيقتها ليست سوى قيود فكرية تمنع الرؤية الشاملة وتكتفي بما يخدم السردية الإسلامية والعروبية المتآكلة.
لقد برع المسيري في استخدام لغة فلسفية معقدة ومصطلحات فضفاضة مثل "الحلولية" و"النزعة المادية" و"تجاوز الحداثة"، ليعطي لخطابه مسحة من القداسة الأكاديمية التي ترهب القارئ البسيط وتجعله يسلم بصحة النتائج دون فحص المقدمات. إن الخدعة الكبرى في منهج المسيري تكمن في قدرته على عزل الظواهر عن سياقها الإنساني الحي وتحويلها إلى أرقام أو "وظائف" في آلة كونية متخيلة. ففي رؤيته لإسرائيل، لم يرتكب المسيري خطأً في التقدير فحسب، بل مارس نوعاً من "السيكوباتية السياسية" التي تنزع الصفة الإنسانية والذاتية عن الخصم، محولاً مجتمعاً كاملاً إلى مجرد "كيان وظيفي" لا إرادة له ولا تاريخ مستقل. هذا التحليل الوظيفي هو حجر الزاوية في مشروعه التضليلي، حيث يزعم أن إسرائيل ليست دولة قومية لشعب يمتلك رؤية وتطلعات وقوة ذاتية، بل هي مجرد "أداة" استعمارية صنعها الغرب للتخلص من "الفائض البشري اليهودي" ولحماية مصالحه في المنطقة.
إن ترويج فكرة "الدولة الوظيفية" هو نوع من الاستعلاء الأخلاقي المزيف الذي يسعى لتطمين الجماهير العربية بأن عدوها ليس قوياً بذاته، بل هو "مستأجر" سينتهي دوره بمجرد انتهاء حاجة الممول الغربي له. هذه الرؤية تتجاهل عمداً وبشكل يثير الريبة التطور المجتمعي المذهل داخل إسرائيل، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والقدرة على بناء مؤسسات ديمقراطية متينة (لمجتمعها) تفوقت بها على محيطها العربي بمراحل ضوئية. المسيري في "سيكوباتيته السياسية" يرفض الاعتراف بهذه الحقائق لأنها تعني ضرورة نقد الذات العربية والإسلامية الفاشلة، وبدلاً من ذلك يبيع للقارئ مخدر "الزوال الحتمي" بناءً على متتاليات هندسية ونماذج تفسيرية لا وجود لها إلا في عقله المهووس بتأطير العالم داخل صراع "المادة والروح". إن هذا التغافل عن القوة الذاتية للآخر هو ما يجعل القارئ العربي ينتظر سقوط الثمرة دون أن يتحرك، معتقداً أن "النموذج" سيأكل نفسه من الداخل، بينما الواقع يثبت يومياً أن هذا النموذج يتمدد ويتطور بينما ينغمس أتباع المسيري في قراءات تأويلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
علاوة على ذلك، يظهر "الانحياز التأكيدي" في منهج المسيري بأبشع صوره حين يتعامل مع المصادر التاريخية واليهودية. فهو لا يقرأ التاريخ ليفهمه، بل "ينتفه" لينتزع منه ما يثبت نظريته مسبقة الصنع. هو يعتمد بشكل مفرط على آراء الهامش اليهودي المعادي للصهيونية أو المؤرخين الجدد الذين يخدمون سرديته، ويقدمهم للقارئ العربي على أنهم "صوت الحق" والوعي الحقيقي، متجاهلاً الأغلبية الساحقة والوعي القومي العام الذي يحرك الكيان الصهيوني. هذا الأسلوب الانتقائي هو تزييف للوعي الجمعي، حيث يوهم المسيري قراءه بأن هناك انقساماً جذرياً سيؤدي للانهيار، بينما هو يغمض عينيه عن الانقسامات الأعمق والدموية في مجتمعاتنا الإسلامية التي يبشر بنموذجها. إن "صنم التفكيك" الذي نصبه المسيري لم يكن يهدف لتفكيك الصهيونية بقدر ما كان يهدف لتفكيك قدرة العقل العربي على الرؤية الموضوعية، واستبدالها بنظارات أيديولوجية ترى في كل نجاح للآخر "مؤامرة" وفي كل فشل لنا "ابتلاء" أو "مرحلة عابرة".
إن الخطورة في خطاب المسيري تكمن في كونه قدم "الجهل المقدس" في ثوب "المعرفة المركبة". فهو يقنع القارئ بأن الفهم البسيط للواقع هو "سطحية مادية"، بينما الفهم الحقيقي هو الغوص في "ما وراء المادة" والبحث عن "النموذج الكامن". هذا النوع من الفكر هو الذي يشرعن الفشل؛ فإذا كانت إسرائيل تكنولوجيا قوية، يقول لك المسيري إن هذا "تقدم مادي خالٍ من القيمة"، وإذا كانت منتصرة عسكرياً، يقول لك إنها "قاعدة وظيفية"، وهكذا يستمر في بناء جدران من الكلمات تحمي الأنا العربية من صدمة الحقيقة. إن المسيري في جوهره لم يكن مهتماً بالعدالة أو بحقوق الإنسان، بل كان مهتماً بانتصار "المركزية الإسلامية" بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الكذب على الذات وتزييف طبيعة الصراع. لقد حول الصراع من مواجهة بين مشروعات قومية وقوى واقعية على الأرض إلى "حرب أيقونات" ونماذج تجريدية، وهو ما يجعل مشروعه يصب في مصلحة الأنظمة القمعية التي تجد في "نظريات المؤامرة" و"الأدوار الوظيفية" مبرراً لبقائها وفشلها في تحقيق أي إنجاز حقيقي لمواطنيها.
في نهاية المطاف، يجب القول إن عبد الوهاب المسيري قد خان الأمانة العلمية حين قرر أن يكون "مبشراً" بدلاً من أن يكون "باحثاً". إن صنم التفكيك الذي عبده أجيال من المثقفين العرب يجب أن يُحطم، لأن استمراره يعني بقاء العقل العربي سجيناً للأكاذيب التي تمنع الإصلاح. إن مواجهة الصهيونية أو أي تحدٍ حضاري لا تبدأ بإنكار قوة الخصم أو تحويله لـ "وظيفة" عابرة، بل تبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، وبقدرة الإنسان على الفعل والابتكار بعيداً عن الغيبيات السياسية والنماذج التفسيرية الخادعة. إن التحرر من سيكوباتية المسيري هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي بالذات وبالآخر، بعيداً عن مساحيق التجميل التي حاولت إخفاء بشاعة الفشل العربي خلف ستار كثيف من المصطلحات الفلسفية الجوفاء التي لم تفلح إلا في تعميق الهزيمة وجعلها هزيمة فكرية ونفسية شاملة.


.

Dévoilées (nouvelle)

.


.
Dévoilées




Najet avait vingt-deux ans, un voile blanc immaculé, et une certitude qui vacillait chaque jour un peu plus.
Kawther en avait vingt-trois, un voile noir qu'elle ajustait sans y penser, et des questions plein la tête qu'elle n'osait poser à personne.
Elles s'étaient rencontrées en deuxième année de sociologie à l'Université de Tunis, dans un cours sur « Genre et religion dans le monde arabe ». L'ironie du sort n'avait échappé ni à l'une ni à l'autre.
Najet venait d'une famille religieuse conservatrice de La Marsa. Son père était imam dans une mosquée du quartier, sa mère portait le niqab jusqu'à récemment. Elle avait été élevée dans la crainte de Dieu et le respect absolu des textes. Pourtant, plus elle étudiait, plus elle découvrait les contradictions, les interprétations, les manipulations.
Kawther, elle, venait d'une famille plus libérale de Lafayette. Ses parents étaient médecins, peu pratiquants, mais elle avait choisi le voile à seize ans, par conviction spirituelle. Ou du moins, le croyait-elle. Aujourd'hui, elle n'était plus sûre de rien.
Le cours qui les avait réunies était enseigné par une femme, le professeur Ben Mahmoud, une universitaire connue pour ses positions féministes. Elle leur parlait de l'histoire du voile, de ses origines pré-islamiques, de son utilisation politique à travers les siècles, des femmes qui l'avaient porté par choix et de celles qui l'avaient subi par force.
« Le voile, disait-elle, n'est pas qu'un tissu. C'est un symbole. Et comme tous les symboles, il peut être libérateur ou oppresseur selon qui le porte et pourquoi. »
Najet buvait ses paroles. Kawther prenait des notes frénétiquement. Leurs regards se croisaient souvent, chargés de la même interrogation : et nous, pourquoi le portons-nous, nous ?
Les travaux de groupe les rapprochèrent. Il fallait préparer une présentation sur « Les femmes et l'espace public dans la Tunisie post-révolutionnaire ». Elles passèrent des après-midi entières à la bibliothèque universitaire, puis dans les cafés du centre-ville, puis chez l'une ou chez l'autre quand les parents n'étaient pas là.
L'amitié vint naturellement. La complicité aussi. Trop de complicité, peut-être.
Najet remarqua la façon dont Kawther mordillait son stylo en réfléchissant, la courbe de son cou quand elle se penchait sur les livres, l'éclat de ses yeux quand elle défendait une idée. Elle chassait ces pensées, se les interdisait, les retrouvait toujours.
Kawther, elle, observait Najet avec une attention qui la troublait. La manière dont elle écartait une mèche de cheveux sous son voile, son rire timide quand elle était gênée, l'intensité de son regard quand elle parlait de justice sociale. Elle se surprenait à imaginer sa vie sans voile, sans contraintes, sans mensonges. Elle se surprenait à imaginer Najet dans cette vie.


Un soir de février, la pluie battante les surprit à la sortie de la fac. Elles coururent se réfugier dans un petit café près de la place Halfaouine, un endroit où personne ne les connaissait. Installées dans un coin discret, elles commandèrent deux thés à la menthe.
La conversation dévia, comme souvent, vers leurs doutes.
« Parfois, je me demande si tout ça a un sens, » dit Kawther en touchant son voile. « Si je le porte pour moi ou pour les autres. »
Najet hocha la tête. « Moi aussi. Mon père dit que c'est un commandement divin. Mais plus j'étudie, plus je vois que les commandements divins ont été écrits par des hommes. Des hommes d'une autre époque. »
« Tu crois que Dieu nous voit comme inférieures ? »
« Non. Je crois que les hommes ont décidé que oui, pour leur propre bénéfice. »
Le silence s'installa, chargé de tout ce qu'elles n'osaient pas dire. Dehors, la pluie redoublait. Dedans, la chaleur du thé et la proximité de leurs corps créaient une intimité nouvelle.
Kawther posa sa main sur celle de Najet. Un geste de réconfort, rien de plus. Mais la main resta.
« Najet, » murmura-t-elle.
Najet leva les yeux. Dans le regard de Kawther, il y avait une question qu'elle comprit immédiatement. Une question qu'elle se posait aussi, en secret, depuis des semaines.
Elle ne retira pas sa main.
Ce soir-là, elles parlèrent longtemps, longtemps, de tout sauf de l'essentiel. Mais quand elles se séparèrent sous la pluie, leurs doigts s'attardèrent une seconde de trop.
Les semaines suivantes, la tension monta. Chaque regard devenait plus long, chaque geste plus chargé. Les après-midi d'étude devenaient des prétextes à être ensemble, à se frôler, à tester les limites de ce qu'elles pouvaient s'avouer.


Un jour, en préparant leur exposé sur l'espace public, Kawther dit soudain :
« L'espace public, c'est intéressant. Mais l'espace privé, personne n'en parle. Ce qu'on fait quand personne ne nous voit. »
Najet sentit son cœur s'emballer. « Qu'est-ce qu'on fait, nous, quand personne ne nous voit ? »
Kawther la regarda droit dans les yeux. « On se pose des questions. On ose pas. On a peur. »
« De quoi ? »
« De ce qu'on ressent. »
Le silence qui suivit fut plus bruyant que tous les mots.
Najet se leva, fit quelques pas dans la chambre de Kawther – ses parents étaient en déplacement pour la semaine. Elle s'arrêta devant la fenêtre, regardant la rue sans la voir.
« Je ressens des choses, » dit-elle d'une voix à peine audible. « Depuis longtemps. Des choses que je ne devrais pas ressentir. »
Kawther vint derrière elle, tout près. « Moi aussi. »
« Pour une femme. »
« Moi aussi. »
Najet se retourna. Elles étaient si proches que leur souffle se mêlait. Kawther leva la main, très lentement, vers le voile de Najet.
« Je peux ? »
Najet ferma les yeux. « Oui. »
Le voile glissa. Puis le foulard en dessous. Les cheveux de Najet, coupés court, bruns, apparurent. Elle les toucha, gênée – elle ne les montrait à personne, pas même à ses sœurs.
« Ils sont magnifiques, » souffla Kawther.
Puis ce fut son tour. Najet défit son voile avec des gestes tremblants. Les cheveux de Kawther, plus longs, plus foncés, coulèrent sur ses épaules comme une cascade libérée.
Elles se regardèrent, deux jeunes femmes, les cheveux défaits, les yeux brillants, plus nues que nues.
« On est folles, » murmura Najet.
« Oui. » Kawther sourit. « Complètement folles. Et libres, pour la première fois. »
Le baiser, quand il vint, fut une délivrance. Il avait le goût de la liberté, de la transgression, de la vérité enfin dite. Les lèvres de Kawther étaient douces, incroyablement douces. Najet y découvrit tout ce qu'elle avait cherché sans le savoir.
Leurs mains s'égarèrent, caressant les bras, la taille, la nuque. Les vêtements devinrent une prison. Elles se dévêtirent mutuellement, avec une lenteur appliquée, comme pour célébrer chaque parcelle de peau qui se révélait.
Quand elles furent nues, l'une contre l'autre, Najet pleura.
« Pourquoi tu pleures ? » demanda Kawther, inquiète.
« Parce que je n'ai jamais été aussi vivante. Aussi moi-même. »
Kawther l'embrassa encore, plus fort, plus profond. Elles basculèrent sur le lit, enlacées, et commencèrent à explorer ce territoire interdit.
Le plaisir qu'elles découvrirent ce jour-là était d'une intensité que ni l'une ni l'autre n'avait imaginée. Les mains de Kawther semblaient connaître instinctivement les endroits sensibles. La bouche de Najet trouvait des chemins que son corps lui-même ignorait.
Ce fut rapide – l'urgence de deux désirs trop longtemps réprimés. Un quickie, dans le sens le plus pur du terme, volé à leurs vies, à leurs peurs, à leurs mensonges. Quand Najet jouit pour la première fois entre les mains d'une femme, elle cria – un cri libérateur, sans honte, sans retenue.
Puis ce fut le tour de Kawther, et Najet découvrit l'ivresse de donner, de voir l'être aimé se dissoudre de plaisir sous ses doigts.
Après, elles restèrent enlacées, tremblantes, riant et pleurant à la fois.
« Ça y est, » dit Kawther. « On a franchi le pas. »
« On a franchi tout. » Najet rit. « Nos familles, notre religion, notre société. Tout. »
L'humour noir de la situation les frappa soudain. Elles étaient là, nues, dans le lit d'une étudiante tunisienne, après avoir fait l'amour comme deux femmes libres, pendant que dehors, la ville conservatrice continuait son train-train, ignorant tout de cette petite révolution.
« Tu réalises ? » dit Kawther. « Si quelqu'un nous voyait, on serait lapidées. Socialement, au moins. »
« Pire. On serait "guéries". Envoyées chez le psychiatre. Mariées de force à des cousins. »
« Et pourtant, regarde-nous. On n'a jamais été aussi saines d'esprit. »
Elles rirent, un rire un peu amer, un peu joyeux. Le rire de celles qui ont choisi la vérité plutôt que le confort du mensonge.
Les semaines suivantes furent une explosion de liberté. Elles se voyaient dès que possible, inventaient des prétextes, volaient des heures à leurs familles, à leurs études, à leurs obligations. Chaque étreinte était une affirmation, chaque baiser une déclaration d'indépendance.
Mais la liberté a un prix. Et ce prix, elles durent le payer.


Un soir, le père de Najet, l'imam, la surprit en train d'envoyer un message à Kawther. Rien de compromettant – un simple « à demain, ma belle ». Mais le ton, la fréquence des messages, les sorties incessantes... Il commença à poser des questions.
« Cette Kawther, vous êtes très proches, toutes les deux. »
Najet sentit le danger. « C'est ma meilleure amie, papa. On travaille ensemble. »
« Hum. »
Le doute était semé. Il surveilla ses allées et venues, ses horaires, ses téléphones. La pression monta.
Kawther, de son côté, subissait les assauts de sa mère qui lui présentait des « partis intéressants » – des garçons bien sous tous rapports, ingénieurs, médecins, « de bonnes familles ».
« Tu n'es pas obligée d'accepter, mais au moins rencontre-les, » disait sa mère. « Tu ne vas pas rester célibataire toute ta vie. »
Elle se sentait prise au piège. Leurs moments volés devenaient leur seule bouffée d'oxygène.


Un après-midi, dans leur café habituel, Najet prit une décision.
« Je ne peux plus mentir, » dit-elle. « À mon père. À moi-même. Je vais lui dire. »
Kawther blêmit. « T'es folle ? Il va te tuer. »
« Peut-être. Mais au moins, je serai morte en étant moi-même. »
« Ne dis pas ça. On va trouver une solution. Ensemble. »
Mais quelle solution ? Dans une société où l'homosexualité est criminalisée, où la religion est utilisée pour justifier l'oppression, où les familles préfèrent un enfant mort qu'un enfant « déviant » – quelle solution, sinon la fuite ?
Elles commencèrent à envisager l'exil. La France, le Canada, n'importe où ailleurs. Mais il fallait de l'argent, des papiers, du temps. Du temps qu'elles n'avaient peut-être pas.


La crise éclata un vendredi, jour de prière.
Le père de Najet avait fouillé sa chambre en son absence. Il avait trouvé un carnet intime. Rien de sexuellement explicite, mais assez de déclarations d'amour pour comprendre.
Quand Najet rentra, il l'attendait dans le salon, le carnet à la main, le visage fermé.
« Qu'est-ce que c'est que ça ? »
Elle aurait pu mentir, nier, minimiser. Elle regarda son père, cet homme qui avait passé sa vie à prêcher la parole de Dieu, à dire aux fidèles comment vivre, quoi penser, qui aimer. Elle pensa à toutes ces femmes voilées dans sa mosquée, obéissantes, silencieuses, invisibles. Elle pensa à sa mère, qui n'avait jamais choisi son niqab, qui le portait parce que son mari le lui demandait.
Elle pensa à Kawther, à sa peau contre la sienne, à ses yeux quand elle disait « je t'aime », à la liberté qu'elles avaient goûtée ensemble.
« C'est mon journal, papa. »
« Je vois bien. Et ces phrases ? "Je t'aime Kawther, plus que tout au monde." Qu'est-ce que ça signifie ? »
Elle prit une grande inspiration. « Ça signifie exactement ce que ça dit. Je l'aime. Je suis amoureuse d'elle. »
Le soufflet la cueillit en pleine joue. Elle vacilla, se rattrapa au mur. Sa mère, dans la cuisine, avait tout entendu et pleurait sans intervenir.
« Tu es une malade, » cracha son père. « Une pécheresse. Tu vas brûler en enfer. »
Najet se redressa, la joue rouge, les yeux secs. « Si aimer est un péché, alors je préfère l'enfer à ton paradis. »
Elle sortit de la maison en courant, sans voile, sans rien. Elle courut jusqu'à chez Kawther, sonna, s'effondra dans ses bras.
Kawther la fit entrer, la berça, écouta son récit. Puis elle prit une décision.
« On part. Maintenant. »
« Comment ? »
« J'ai des économies. Mes parents sont en voyage. On prend un taxi, on va à l'aéroport, on prend le premier vol pour Paris. On verra après. »
« Mais nos études, nos familles... »
« Najet, regarde-moi. Tu veux passer ta vie à obéir à des mythes, à des mensonges, à des exigences qui ne sont pas les tiennes ? Tu veux retourner là-bas, te repentir, épouser un cousin, faire des enfants en cachetant ton cœur ? »
Najet pleurait, perdue. « Je ne sais pas... »
« Moi, je sais. Je t'aime. Et je refuse de vivre dans le mensonge. Si tu veux venir, viens. Si tu veux rester, je comprendrai. Mais moi, je pars. »
Elle se leva, prit un sac, commença à y jeter quelques affaires. Najet la regarda faire, le cœur déchiré.
Puis elle se leva aussi.


À l'aéroport, elles achetèrent deux billets pour Paris avec les économies de Kawther. Dans la salle d'embarquement, Najet regarda autour d'elle. Des femmes voilées, des hommes en costume, des enfants, des familles. Toute cette vie organisée selon des règles qu'elle n'avait pas choisies.
Elle se tourna vers Kawther. « Enlève ton voile. »
Kawther la regarda, surprise. « Ici ? »
« Ici. Maintenant. Pour que la première fois que tu le fais, ce soit avec moi. »
Kawther défit lentement son voile. Ses cheveux tombèrent sur ses épaules. Elle était belle, libre, vivante.
Puis ce fut le tour de Najet. Elle ôta le sien, le tint dans ses mains un instant, ce morceau de tissu qui avait défini sa vie si longtemps. Puis elle le laissa tomber sur le siège.
Elles se regardèrent, cheveux au vent, souriant à travers leurs larmes.
« On est nues, » rit Kawther.
« Presque. Plus que nous l'avons jamais été. »


Dans l'avion, installées côte à côte, elles se tinrent la main. Najet regarda par le hublot Tunis qui s'éloignait, ses lumières, sa médina, ses mosquées.
« Je laisse tout derrière moi, » murmura-t-elle.
« Tu laisses des chaînes. Tu emportes ta liberté. »
L'humour noir, une fois de plus, les rattrapa.
« Ma mère va être folle d'inquiétude, » dit Najet.
« Mon père va appeler toutes les ambassades. »
« On va être deux filles sans rien à Paris. »
« On va être deux filles libres à Paris. »
Elles rirent, un peu hystériques, un peu terrifiées, complètement vivantes.
L'avion décolla. Tunis rapetissa, devint un point, disparut dans les nuages. Najet sentit une main serrer la sienne. Elle se tourna vers Kawther.
« Je t'aime, » dit-elle.
« Je t'aime aussi. Et on va y arriver. »
« Comment tu le sais ? »
Kawther sourit, un sourire éclatant, sans voile, sans peur, sans limite. « Parce qu'on a déjà fait le plus dur. On s'est trouvées. Le reste, c'est des détails. »
Paris les attendait, froide, chère, inconnue. Mais pour la première fois de leur vie, Najet et Kawther n'attendaient plus rien. Elles allaient construire, elles-mêmes, leur propre chemin.
Sans mythes. Sans mensonges. Sans exigences imposées par d'autres.
Juste elles deux, et l'immensité du possible.


Des mois plus tard, installées dans un petit appartement de Belleville, travaillant l'une comme serveuse, l'autre comme nounou, elles repensaient parfois à leur vie d'avant. Aux voiles qu'elles portaient, aux prières qu'elles récitaient sans y croire vraiment, aux regards des hommes dans la rue.


Un soir, Najet sortit les voiles qu'elles avaient gardés – par hasard, par nostalgie, par besoin de se souvenir.
« Tu te rends compte ? » dit-elle en les regardant. « On a cru que c'était Dieu qui nous demandait ça. »
Kawther vint s'asseoir près d'elle. « Ce n'était pas Dieu. C'était la peur. La peur des hommes de perdre le contrôle. »
« Et on a obéi si longtemps. »
« Mais on n'obéit plus. »
Elle prit les voiles, les regarda un instant, puis les jeta à la poubelle.
Najet la regarda faire, un sourire aux lèvres. « C'est symbolique. »
« C'est réel. C'est fini. »


Ce soir-là, elles firent l'amour dans leur petit appartement parisien, sans peur, sans honte, sans aucun interdit. Les murs étaient minces, les voisins bruyants, le lit trop petit. Mais elles étaient chez elles, libres, vivantes.
Après, allongées nues dans les draps froissés, Najet dit :
« Tu crois qu'un jour on retournera là-bas ? »
Kawther réfléchit. « Peut-être. Quand on sera fortes. Quand on pourra aider d'autres filles comme nous. »
« En attendant ? »
« En attendant, on vit. On aime. On est heureuses. C'est déjà énorme. »
Dehors, Paris brillait de mille lumières. Dedans, deux Tunisiennes réinventaient leur vie, loin des dogmes, loin des regards, loin des chaînes.
C'était leur plus belle prière.


.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...