Translate

تصدع اللاهوت السياسي وانكسار خرافة المدد: قراءة في غياب "الغيب" أمام واقعية الميدان (مقال)

.


.
تصدع اللاهوت السياسي وانكسار خرافة المدد: قراءة في غياب "الغيب" أمام واقعية الميدان




شكلت السردية الدينية العقائدية التي تبناها ما يُعرف بـ "محور المقاومة" على مدار عقود حجر الزاوية في بناء شرعيتهم السياسية والعسكرية، حيث استندت هذه الجماعات إلى مفهوم "الجماعة الربانية" و"الفئة المنصورة" التي تستمد قوتها لا من الحسابات المادية أو التفوق التقني، بل من "مدد غيبي" ووعد إلهي بالنصر المحتوم. غير أن الأحداث العاصفة التي تلت عملية السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، وما تبعها من رد فعل عسكري إسرائيلي حاسم ومدمر، وضعت هذه السردية في مواجهة تاريخية قاسية مع الواقع. فبينما كان القادة يخطبون عن "نصر الله" وعن "الملائكة التي تقاتل في صفوفهم"، كانت الآلة الحربية المتطورة، المعتمدة على دقة الإحداثيات والذكاء الاصطناعي والتخطيط الاستراتيجي الصارم، تمسح الأرض بتنظيماتهم وتحصد قياداتهم واحداً تلو الآخر. هذا الانكشاف الميداني المروع لم يؤدِ فقط إلى انهيار عسكري، بل أحدث زلزالاً وجودياً ولاهوتياً لدى الأتباع والمراقبين على حد سواء، حيث لم يظهر لهذا "الإله" الذي حدثونا عنه أي أثر في الميدان، ولم يتدخل لمنع سقوط "الشهداء" أو لتوفير رغيف خبز لطفل جائع في غزة، مما يفتح الباب على السؤال الأخطر: هل كان هذا الله موجوداً حقاً في حسابات الواقع، أم أنه كان مجرد "اختراع أيديولوجي" سكن عقول مغسولي الأدمغة لتبرير انتحارهم الجماعي خدمةً لأجندة الولي الفقيه في طهران؟
إن غياب "التدخل الإلهي" المزعوم في معارك غزة ولبنان الأخيرة يمثل النهاية الفعلية لزمن المعجزات السياسية التي حاول الملالي ووكلاؤهم تسويقها. فمنذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها عملية السابع من أكتوبر، والتي اتسمت بمزيج من التهور والتبعية للأوامر الإيرانية، بدت الفجوة هائلة بين الخطاب الميتافيزيقي والواقع المادي. فالقيادات التي طالما ادعت أنها محمية بحصون غيبية، وجدت نفسها مكشوفة تماماً أمام أجهزة المخابرات والمسيرات التي لا تنام. لقد تم حصاد رؤوس الهرم القيادي في حماس وحزب الله بدقة جراحية، ولم تستطع كل الأدعية أو "التحصينات" التي لُقنت للأتباع أن توقف صاروخاً واحداً أو تمنع اختراقاً سيبرانياً. هذا الغياب للقدرة الخارقة في لحظة الحقيقة يثبت أن "الله" في هذه السردية لم يكن سوى أداة للتعبئة النفسية، وسيلة لإقناع "الحمير" (بالمعنى السياسي للاستلاب) بأن موتهم هو معبر لانتصار لن يروه، بينما الحقيقة هي أنهم كانوا وقوداً لمعركة خاسرة لم تحسب حساباً لمعايير القوة البشرية والتقنية.
علاوة على ذلك، فإن المأساة الإنسانية في غزة كشفت عن الجانب الأكثر قسوة في هذا الوهم العقائدي. فبينما كان الجمهور المتعاطف مع المحور الإرهابي ينتظر "صيحة من السماء" أو زلزالاً يدمر الخصم، كان الواقع يفرض جوعاً كافراً ومساً كاملاً للأرض. إن عجز "المحور الرباني" عن تأمين رغيف خبز لبيئته الحاضنة، وهو أبسط مقومات البقاء، يطرح تساؤلاً حول طبيعة هذا "الدعم السماوي" الذي يتحدثون عنه. هل من المنطقي أن يترك "الإله" فئته المنصورة تُباد وتجوع بينما ينعم خصمهم بالأمن والتفوق والقدرة على حماية شعبه؟ إن الإجابة المنطقية التي بدأت تترسخ في وعي الكثيرين هي أن هذا الله لم يكن موجوداً أبداً في هذه المعادلة إلا كصنم فكري صنعه نظام الولي الفقيه لضمان الولاء الأعمى. إن فكرة "الموت في سبيل الله" تحولت إلى "الموت في سبيل الوهم"، حيث يُدفع بالبسطاء إلى المحرقة بوعود غيبية، بينما يجلس المخططون في طهران يراقبون انهيار وكلائهم دون أن يحركوا ساكناً، ودون أن يجرؤ "إلههم" المدعى على تغيير مسار التاريخ المكتوب بلغة القوة والعلم.
لقد سقطت أسطورة "الشهادة" كفعل انتصار، لتتحول إلى دليل على الفشل الاستراتيجي والعمى السياسي. فالموت الجماعي الذي لحق بقيادات المحور، من صفوف الصف الأول إلى القواعد، لم يكن "ابتلاءً" كما يزعمون، بل كان نتيجة حتمية للتصادم مع واقعية الآلة الحربية الإسرائيلية التي تدافع عن أرضها بمنطق العصر. إن "المنتقم لشعبه" في هذه المعركة كان هو الإنسان المسلح بالعلم والتكنولوجيا، بينما كان "الشهيد" في المفهوم الممانع هو ضحية لغسيل دماغ ممنهج أقنعه بأن الصراخ والشعارات يمكن أن تهزم الطائرات الشبحية. هذا السقوط المروع للهيبة "الربانية" أثبت أن القوانين التي تحكم الكون هي قوانين المادة والذكاء والعمل، وأن السماء لا تمطر نصراً على من يسلمون عقولهم للخرافة ومن يتبعون أوامر نظام إرهابي مافيوي يتاجر بالمقدسات لتحقيق أطماع إمبراطورية.
إن السؤال عن "موت الله" في هذه السياقات ليس سؤالاً إلحادياً بقدر ما هو صرخة في وجه الدجل الديني الذي استعبد الشعوب. إن "الله" الذي غاب عن غزة وعن الضاحية وعن طهران في لحظات سحق قياداتهم هو في الحقيقة "إلههم المصطنع" الذي لا وجود له خارج غرف البروباغندا. لقد مات هذا الإله الزائف بمجرد أن انكشفت حقيقة أن "الفئة المنصورة" هي في الواقع "الفئة المهزومة" تقنياً وأخلاقياً وسياسياً. إن التبجح بـ "النصر الإلهي" وسط الركام والجثث هو نوع من الفصام العقلي الذي لم يعد ينطلي إلا على من أُلغيت عقولهم بالكامل. الحقيقة التي فرضت نفسها هي أن الأرض تُورث للأقوى علماً والأكثر دقة في التنفيذ، وأن "التحصينات" الوحيدة التي تنفع هي تلك التي تُبنى بالهندسة وليس بالأوراد الغيبية.
في الختام، إن ما جرى منذ السابع من أكتوبر هو عملية "تطهير معرفي" كبرى من أوهام المحور الإرهابي. لقد حسمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والآلة الحربية الواعية المعركة ضد الخرافة، وأثبتت أن "المدد" الحقيقي يأتي من المختبرات ومراكز الأبحاث والتخطيط البشري المتفوق. إن سقوط قادة حماس وحزب الله وإيران بالتتابع، وغياب أي تدخل غيبي لإنقاذهم، هو الدليل القاطع على أنهم لم يكونوا أبداً "جماعة ربانية"، بل كانوا عصابات مسلحة تتبع نظاماً ديكتاتورياً غيبياً فشل في قراءة التاريخ وقوانين الواقع. إن الله، بمفهومه الحق، لا يمكن أن يكون شريكاً في إرهاب يقتل الأبرياء ويستخدم الشعوب كدروع بشرية، ومن هنا فإن غيابه عن نصرتهم هو أكبر دليل على زيف دعواهم. لقد انكسرت الأصنام الأيديولوجية، وبقي الإنسان وجهاً لوجه مع مسؤوليته عن قراراته، مؤكداً أن زمن "الاستحمار" باسم السماء قد انتهى أمام سطوع الحقيقة المادية التي لا ترحم الواهمين.




.

إعادة بناء الوعي: تفكيك نفاق مصطلحات "العمالة" و"العميل" في الكيان اللبناني المخطوف (مقال)

.


.
إعادة بناء الوعي: تفكيك نفاق مصطلحات "العمالة" و"العميل" في الكيان اللبناني المخطوف




تمثل اللغة في الصراعات الوجودية المرآة التي تعكس حجم التزييف الأيديولوجي الذي تمارسه القوى المهيمنة، وفي الحالة اللبنانية المعاصرة، تحولت مفاهيم "العمالة" و"العميل" من توصيفات قانونية ووطنية صارمة إلى أدوات قمعية تُستخدم لترهيب الخصوم وتمرير أجندات استعمارية عابرة للحدود. إن ما يشهده لبنان اليوم هو "مهزلة دلالية" كبرى، حيث يخرج حسن نصر الله، الذي يلقبه الكثيرون بـ "حسن زميرة" تعبيراً عن سقوط هيبته الصوتية وفشل تهديداته الجوفاء، ليعلن بملء فيه وبكل فخر أن ميزانية حزبه وسلاحه وأكله وشربه وقراراته تأتي من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنه مجرد جندي في "جيش الولي الفقيه" يأتمر بأمر مرشد غريب ويدافع عن حدود إمبراطورية فارسية. ومع ذلك، وبكل وقاحة أيديولوجية، يجرؤ هذا الشخص وأتباعه على وصم كل من يعارض مشروعهم بالعمالة لإسرائيل أو أمريكا. إن هذا التناقض الصارخ لا يعكس فقط خللاً في التفكير، بل يمثل جريمة "تزييف وعي" جماعية تهدف إلى جعل "التبعية المطلقة" للخارج الإيراني عملاً بطولياً، بينما يُعتبر التمسك بالسيادة الوطنية والدستور اللبناني خيانة عظمى وعمالة للعدو.
إن ضبط مفهوم "العمالة" يتطلب العودة إلى الثوابت الوطنية التي تمنح الدولة وحدها حق احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. فالعميل في التعريف القانوني والسياسي الرصين هو كل فرد أو تنظيم يضع إمكانياته وقراره تحت تصرف دولة أجنبية ضد مصلحة بلده الأم وسلطاتها الشرعية. وبناءً على هذا التعريف، فإن الاعتراف العلني والافتخار بالتبعية للولي الفقيه الإيراني هو "النموذج الأكمل للعمالة"، لأنه يسقط صفة "الوطنية" عن التنظيم ويحوله إلى "لواء عسكري" يتبع الحرس الثوري الإيراني. إن الفارق الوحيد الذي يحاول الحزب تسويقه هو أن عمالته "مقدسة" لأنها موجهة ضد إسرائيل، ولكن الحقيقة الميدانية تثبت أن هذا السلاح لم يُستخدم إلا لتثبيت الهيمنة الإيرانية في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، مما يجعل من شعار "المقاومة" مجرد ستار دخاني لتبرير الارتهان الكامل لمشاريع طهران التوسعية التي لم تجلب للبنان سوى الخراب والانهيار والتبعية المذلة.
من هنا تنبع "المهزلة" التي يعيشها لبنان؛ حيث يتم تقسيم المواطنين إلى فئتين: فئة "العملاء الشرفاء" الذين يتبعون إيران ويتقاضون الرواتب بالدولار من خزانة الفقيه، وفئة "الخونة" الذين يطالبون بتطبيق الدستور وتحييد لبنان عن صراعات المحاور. إن هذا التباين المنافق في استخدام المصطلح هو نتاج عملية "غسل دماغ" ممنهجة تعرضت لها البيئة الحاضنة للحزب، حيث تم إقناعهم بأن الارتهان لإيران هو فعل إيماني، بينما التعامل مع المجتمع الدولي هو كفر بالوطن. إن هذا المنطق المعكوس هو الذي سمح لـ "حسن زميرة" أن يرفع إصبعه مهدداً اللبنانيين بالخيانة، في حين أنه هو نفسه من صادر سيادة بلده وقدمها قرباناً على مذبح المصالح الإيرانية. إن العمالة لا تتجزأ، ومن يقبل بأن يكون "برغياً" في آلة عسكرية أجنبية ليس له أي حق أخلاقي أو وطني في توزيع شهادات الوطنية على الآخرين، بل هو أول من يجب أن يُحاكم بتهمة الارتهان للخارج وتقويض أركان الدولة.
لقد استطاع الحزب عبر سنوات من التضليل الإعلامي والتربوي أن يخلق "لغة موازية" تلغي المعنى الحقيقي للسيادة. فعندما يرسل الحزب شبابه ليموتوا في سوريا دفاعاً عن نظام دكتاتوري يخدم إيران، فإنه يسمي ذلك "واجباً جهادياً"، بينما هو في الحقيقة "ارتزاق عقائدي" عابر للحدود. وعندما يسيطر على مطار بيروت ومرفئها ويحولها إلى معابر لتهريب السلاح والكبتاغون، فإنه يسمي ذلك "حماية لظهر المقاومة"، بينما هو في الواقع "احتلال ميليشياوي" لمرافق الدولة. هذا النفاق في المصطلحات هو الذي أدى إلى تدمير مفهوم "المواطنة" في لبنان؛ فالمواطن في عرف الحزب هو من يسبح بحمد الولي الفقيه، وكل من يخرج عن هذا الخط هو عميل محتمل. إنها استراتيجية "الإرهاب الفكري" التي تسعى لإسكات كل صوت عقلاني يحاول كشف الحقة المرة: وهي أن لبنان بات مستعمرة إيرانية تدار بواسطة وكلاء محليين يرتدون بزات حزبية لبنانية ولكن بقلوب وعقول فارسية تماماً.
إن التبجح بالتبعية لإيران ليس مجرد اعتراف سياسي، بل هو إعلان عن نهاية "الكيان اللبناني" في وعي هؤلاء التابعين. فالولاء للفقيه يتجاوز حدود الجغرافيا والقانون، مما يجعل "العميل الإيراني" يرى في دمار بيروت ثمناً بسيطاً لانتصار مشروع طهران النووي أو الإقليمي. هذه هي القمة في نكران الجميل للوطن، وهي التي تجعل من اتهاماتهم للآخرين بالعمالة لإسرائيل مجرد "إسقاط نفسي" يهدف لتغطية حجم ارتهانهم هم للخارج. إن اللبناني الذي يطالب بعلاقات طبيعية مع العالم وبدولة قوية لا يمكن وصفه بالعميل، بينما من يعطل انتخاب رئيس للجمهورية ومن يفجر القضاء اللبناني حماية لمجرمين ومن يهرب الأموال إلى الخارج الإيراني هو العميل الحقيقي الذي ينخر في جسد الأمة. لقد سقط القناع عن "حسن زميرة" وأتباعه، ولم يعد خطاب "التخوين" ينطلي على الشعوب الناطقة بالعربية التي رأت في "سبعة أكتوبر" وما تلاها كيف أن هذا المحور يتاجر بالدماء وبالقضايا لتحقيق مآرب إمبراطورية لا صلة لها بالحرية أو الكرامة.
إن تصحيح مفهوم "العمالة" يبدأ من التأكيد على أن أي ولاء خارج حدود الدولة هو عمالة، سواء كان لإيران أو لغيرها. ولكن الخصوصية الإيرانية في لبنان تكمن في أنها "استعمار استيطاني عقائدي" يستخدم الدين أداة للاستعباد. فالإيرانيون لا يتدخلون في لبنان كدولة صديقة، بل كمستعمر يفرض ثقافته وسياسته واقتصاده الموازي. والذين يفتخرون بهذه التبعية هم في الواقع "وكلاء استعمار" وليسوا مقاومين. إن السخرية والاستهزاء اللذين يواجه بهما أطياف واسعة من اللبنانيين والعرب سرديات الحزب اليوم هي دليل على انكسار "جدار القداسة" الزائف؛ فالنكتة التي تستهدف "جرذان المقاومة" وسردياتهم المتخلفة هي سلاح الوعي ضد التضليل. لقد أصبح مفهوماً للجميع أن "المقاومة" التي تدعي محاربة إسرائيل لم تقتل من الإسرائيليين عُشر ما قتلته من السوريين واللبنانيين، مما يثبت أن بوصلتها كانت دائماً تشير نحو طهران وليس نحو القدس.
علاوة على ذلك، فإن نفاق الحزب يتجلى في تعامله مع "العملاء الفعليين" لإسرائيل داخل صفوفه؛ حيث يتم التستر عليهم أو تصفيتهم بصمت، بينما تُقام المحاكم العرفية والإعلامية للمثقفين والأحرار الذين يرفضون الهيمنة الإيرانية. إن هذا "المعيار المزدوج" يثبت أن تهمة العمالة هي تهمة سياسية جاهزة لضرب المعارضة وليست حرصاً على الأمن القومي. فالحزب الذي اخترقته إسرائيل في أجهزة اتصاله (البيجر) وفي غرف اجتماعاته الأكثر سرية، والذي أثبت الذكاء الاصطناعي والدقة البشرية هشاشة تحصيناته "الإلهية" المزعومة، ليس في موقع يسمح له بإعطاء دروس في الأمن أو الوطنية. إن سقوط أسطورة "التحصينات" و"النصر من عند الله" أمام الواقع التقني والسياسي المر، جعل من اتهام الآخرين بالعمالة وسيلة أخيرة للهروب من واقع الهزيمة النكراء التي حلت بمشروع الممانعة منذ تشرين الأول عام ألفين وثلاثة وعشرين.
يجب أن نكون واضحين في تشخيص الداء: العميل هو من يرهن سيادة وطنه، والعمالة هي اتباع أوامر الخارج ضد مصلحة الداخل. وبما أن "حسن زميرة" أقر بلسانه بأنه تابع للولي الفقيه، فقد أسقط عن نفسه وعن حزبه صفة الوطنية بشكل قطعي لا يقبل التأويل. إن مطالبة السياديين اللبنانيين بدولة تمتلك السلاح وتطبق القانون وتتعاون مع المجتمع الدولي هي قمة الوطنية، والادعاء بأن هذا "عمالة لأمريكا" هو قلب للحقائق ومحاولة يائسة لشيطنة العقل. إن العالم العربي لم يعد يصدق هذه المسرحيات الهزلية، والسخرية التي تطال قادة هذا المحور الفاشل اليوم هي دليل على أن الشعوب بدأت تستعيد وعيها المصادر، وترفض أن تكون وقوداً لمحور إرهابي يدار بعقلية المافيا الإيرانية. إن العمالة لإيران هي "خيانة عظمى" مغلفة بالدين، وكشف هذا النفاق هو الخطوة الأولى نحو تحرير لبنان واستعادته من براثن المستعمر الفارسي ووكيله المحلي الذي باع كرامته الوطنية مقابل "رواتب الولي الفقيه" وأوهام السلطة الزائفة.
إن التواطؤ مع هذا المنهج التخويني هو اشتراك في الجريمة، وعلى المثقفين والأحرار أن يستمروا في كسر جدار الخوف وفي ضبط المصطلحات. يجب أن نسمي التبعية لإيران "عمالة"، ونسمي السلاح غير الشرعي "أداة إرهاب"، ونسمي اقتصاد الحزب "تبييضاً للأموال ونهباً". إن الحقيقة لا تُجزأ، والوطنية لا تُشترى بالمال الإيراني. لقد حسمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المعركة الميدانية ضد قادة هذا المحور، والدور الآن على "الوعي الوطني" ليحسم المعركة السياسية واللغوية عبر استعادة المصطلحات من مختطفيها. إن فجر لبنان الجديد لن يبزغ إلا عندما يسقط مفهوم "العملاء الشرفاء" ويُعامل كل من ارتهن للخارج كخائن للتراب الوطني، بعيداً عن غسيل الدماغ الذي حاول تحويل "التبعية المذلة" إلى "مقاومة مقدسة". إن المهزلة قد انتهت، والحقيقة العارية تقول إن من يفتخر بأوامر الولي الفقيه هو العميل الأول، وكل من يطالب بالدولة هو الوطني الأصيل الذي يحفظ كرامة لبنان ومستقبل أجياله الناشئة بعيداً عن سموم "تمويل الدم" واستعمار الملالي الإرهابي.





.

تصحيح المفاهيم وبناء السيادة: إشكالية "العدو" و"الاستعمار" في المشهد اللبناني تحت وطأة النفوذ الإيراني (مقال)

.


.
تصحيح المفاهيم وبناء السيادة: إشكالية "العدو" و"الاستعمار" في المشهد اللبناني تحت وطأة النفوذ الإيراني





تعتبر اللغة في جوهرها أداة للتواصل ونقل المعاني، غير أنها في الساحة السياسية اللبنانية تحولت إلى سلاح لتزييف الوعي وترسيخ الهيمنة، حيث تعرضت المصطلحات الكبرى مثل "العدو" و"الاستعمار" لعملية تجريف دلالي ممنهجة جعلت من التفاهم الوطني أمراً مستحيلاً. إن الأزمة اللبنانية المعاصرة ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل هي في عمقها أزمة تعريفات، حيث يبرز النموذج اللبناني كأوضح مثال على الممارسات الاستعمارية الحديثة التي تمارسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظام الملالي عبر أذرعها العقائدية. ومع ذلك، نجد انقساماً حاداً في المجتمع اللبناني حول توصيف هذا الوجود؛ فبينما يراه فريق استعماراً كامل الأركان يسلب الدولة سيادتها وقرارها، يراه فريق آخر، تعرض لعمليات غسيل دماغ طويلة الأمد وممنهجة، "تحالفاً مقدساً" وضرورة وجودية. هذا التباين الحاد في المصطلحات لا يترك مجالاً للحوار الوطني السليم، لأن كل فريق يتحدث من داخل فقاعة معرفية وأيديولوجية محكومة بالتمويلات الخارجي والدعم العسكري، مما يجعل من ضبط هذه المصطلحات وتصحيح مفاهيمها الخطوة الأولى والإلزامية نحو استعادة الدولة والكرامة الوطنية.
إن مفهوم "العدو" في الوعي السياسي اللبناني قد تم اختطافه وتوجيهه لخدمة أجندة إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية العليا. ففي الوقت الذي يتم فيه التركيز حصراً على إسرائيل كعدو وحيد ومطلق، يتم التغاضي عن "العدو الداخلي" الذي ينهب الدولة ويصادر قرار الحرب والسلم ويحول البلاد إلى ساحة لتصفية حسابات طهران. إن العدو في التعريف السياسي الرصين هو كل كيان أو نظام يسعى لإلغاء وجود الدولة الوطنية، أو يرتهن قرارها لمركز خارجي، أو يستخدم العنف والإرهاب لفرض خياراته على المجتمع. وبناءً على هذا التعريف، فإن نظام الملالي في إيران، الذي يمول ويسلح ميليشيا تتجاوز سلطة الدولة، يمارس دور العدو بامتياز، لأنه يفكك عرى العقد الاجتماعي اللبناني ويحول المواطن من شريك في الوطن إلى جندي في جيش "الولي الفقيه". إن قصر صفة العداء على الخارج الجغرافي وتجاهل الاستعمار العقائدى هو قمة التزييف الذي مورس على العقل اللبناني لعقود، مما جعل الكثيرين يرحبون بالمستعمر الإيراني بصفته "مخلصاً" بينما هو في الحقيقة يغرس سكيناً في قلب السيادة اللبنانية.
أما مصطلح "الاستعمار"، فقد تم حصر دلالته في القوالب الكلاسيكية المرتبطة بالاحتلال العسكري المباشر ورفع الأعلام الأجنبية فوق المباني الحكومية، وهذا قصور معرفي خدم المشروع الإيراني بشكل كبير. إن الاستعمار في القرن الحادي والعشرين، وخاصة في النموذج الإيراني، هو "استعمار بالوكالة" يعمل عبر نخر المؤسسات من الداخل وتفريغها من محتواها السيادي. عندما تسيطر طهران على المرافئ والمطارات والمعابر عبر ميليشياتها، وعندما تفرض سياستها المالية عبر اقتصاد موازٍ يتهرب من الضرائب والرقابة، وعندما تعين القادة وتوجه الرصاص نحو صدور المعارضين في الداخل، فإننا نكون أمام حالة استعمارية مكتملة الأوصاف، بل هي أسوأ من الاستعمار التقليدي لأنها تستخدم "أبناء الأرض" لقمع إخوتهم في الوطن. إن التباين في فهم الاستعمار يرجع بالأساس إلى التمويل الضخم الذي يضخه نظام الملالي لصناعة طبقة من "المرتزقة الأيديولوجيين" الذين يصورون التبعية لإيران كفعل مقاومة، بينما هي في الواقع أقصى درجات الارتهان للاستعمار الخارجي.
لا يمكن فهم هذا التباين دون العودة إلى عملية غسيل الدماغ الممنهجة التي تعرضت لها بيئة حزب الله والدوائر المحيطة به. لقد تم استبدال الهوية اللبنانية الجامعة بهوية "أممية إسلامية" تحت عباءة الولي الفقيه، حيث يتم تعليم الأجيال الناشئة أن الولاء للدين (بمفهومه الإيراني) يسبق الولاء للوطن. هذا التشويه التربوي والفكري خلق فجوة دلالية هائلة؛ فما يراه اللبناني السيادي "خيانة عظمى" وعمالة لدولة أجنبية، يراه المؤدلج "تكليفاً شرعياً" ووفاءً للمقدس. هذا الانفصام في المصطلحات هو ما يمنع التفاهم، لأن "الخيانة" في قاموسهم تصبح "جهاداً"، و"التبعية" تصبح "تحالفاً". وبدون ضبط هذه المصطلحات وإعادتها إلى سياقها القانوني والوطني، سيبقى اللبنانيون يتحدثون لغات مختلفة رغم استخدامهم لنفس الكلمات، وسيبقى نظام الملالي يستثمر في هذا الضياع اللغوي لتثبيت أقدامه كقوة استعمارية مقنعة خلف شعارات المقاومة الزائفة.
إن نظام الملالي الإرهابي يدرك جيداً أن سيطرته على لبنان تعتمد على بقاء حالة "السيولة المصطلحية"؛ أي غياب تعريفات واضحة لما هو وطني وما هو عمالة. لذلك، نجد أن الحزب وأبواقه الإعلامية يشنون حروباً شعواء ضد كل من يحاول تصحيح هذه المفاهيم، متهمين إياهم بالعمالة للغرب أو إسرائيل. هذه "البروباغندا" هي السلاح الأول للاستعمار الإيراني، فهي تهدف إلى تحصين التبعية الإيرانية ضد أي نقد وطني عبر وصم الناقد بصفات العدو. إن تصحيح المصطلحات يقتضي الجرأة في القول إن من يأتمر بأمر جنرال في الحرس الثوري هو عميل، وإن من يحصل على ميزانيته من خزانة دولة أجنبية هو أداة استعمارية، وإن من يحمي تجارة المخدرات والكبتاغون لتمويل حربه هو زعيم عصابة وليس قائد مقاومة. إن وضوح هذه التعريفات هو الذي يكسر هيبة "القداسة" المصطنعة التي يحاول الحزب إضفاءها على عمالته لإيران.
إن النموذج اللبناني يكشف بوضوح كيف تحولت إيران من دولة تدعي دعم المظلومين إلى قوة إمبريالية تستخدم المذهب كأداة للتوسع الاستعماري. الاستعمار الإيراني لا يسعى لتنمية لبنان أو ازدهاره، بل يسعى لتحويله إلى "أرض محروقة" أو "ساحة عمليات" لخدمة طموحات طهران النووية والإقليمية. وعندما يفهم اللبنانيون أن "العدو" ليس فقط من يقف خلف الحدود، بل هو أيضاً من يمنع قيام دولتهم ويصادر ودائعهم ويفجر مرفأهم ويغتال مثقفيهم، حينها فقط يمكن الحديث عن بداية التحرر. إن العدو الإيراني يستهدف "الروح اللبنانية"؛ التعددية، الحرية، والانفتاح، ليحل محلها ثقافة الموت والسواد والتبعية العمياء للفقيه. وهذا الاستهداف هو أرقى أنواع الممارسات الإستعمارية التي تهدف لتبديل هوية الشعوب المستعمرة ليسهل قيادها.
علاوة على ذلك، فإن تباين المصطلحات يغذي حالة "الإنكار" لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يستفيدون من "تمويلات الدم" الإيرانية. بالنسبة لهؤلاء، الاستعمار هو مصدر رزق، والتبعية هي مصدر قوة. ومن هنا، يصبح الدفاع عن إيران دفاعاً عن الذات والمصالح الضيقة، ويتم توظيف "غسيل الدماغ" لتبرير هذا السلوك أخلاقياً. إنهم يعيشون في حالة "سندورم ستوكهولم" سياسية، حيث يدافع المخطوف (لبنان) عن الخاطف (إيران) ضد من يحاول تحريره. إن فك هذا الارتباط يتطلب أولاً تعرية المصطلحات؛ فما يسمى "دعم المحور" هو في الحقيقة "تأجير وطن"، وما يسمى "تنسيق أمني" هو "تبادل معلومات استخباراتية" يخدم مصلحة المستعمر الإيراني ويضر بالأمن القومي اللبناني.
إن بناء السيادة يبدأ من "تحرير اللغة"؛ أي تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون خوف من "إرهاب التخوين". يجب التأكيد على أن الدولة اللبنانية هي المرجع الوحيد والنهائي، وأن أي سلاح خارج إطارها هو سلاح استعماري أو ميليشياوي، وأن أي ولاء يتجاوز حدود الوطن هو خيانة موصوفة. إن ضبط المصطلحات سيؤدي بالضرورة إلى كشف زيف ادعاءات "المحور"؛ فكيف يمكن لمن يدعي محاربة الاستعمار الغربي أن يكون هو نفسه أداة لاستعمار فارسي أكثر تخلفاً وقمعاً؟ وكيف يمكن لمن يدعي السيادة أن يقبل بأن يكون تعيين قادته وقرار حربه بيد مرشد يقبع في طهران؟ إن كشف هذه التناقضات هو المدخل لتصحيح المسار الوطني ووضع حد للممارسات الإرهابية لنظام الملالي الذي وجد في لبنان أرضاً خصبة لنشر سمومه وأوهامه التوسعية.
لقد استطاع الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي في الآونة الأخيرة كشف هشاشة هذا المحور وتعرية قادته، مما ساعد في "السقوط المعنوي" لهيبة الاستعمار الإيراني. هذا السقوط يجب أن يواكبه "سقوط اصطلاحي"؛ فالمصطلحات التي كانت تُرهب الناس وتصنع هالة من القداسة حول "سيد المقاومة" أو "المجاهدين" أصبحت اليوم محل تندر وسخرية. الشعوب الناطقة بالعربية بدأت تدرك أن "المقاومة" التي تدمر دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء هي في الحقيقة "مقاولات" إجرامية لصالح الاستعمار الإيراني. إن تصحيح المصطلحات هو بمثابة "تطهير للوعي" من رواسب غسيل الدماغ، وهو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الوطن والسيادة بعيداً عن أهواء الملالي وخرافاتهم المتخلفة التي لا تجلب سوى الموت والخراب.
في الختام، إن الأزمة اللبنانية مع الاستعمار الإيراني هي معركة على "المعنى" بقدر ما هي معركة على "الأرض". إن ضبط مصطلحات "العدو" و"الاستعمار" هو الواجب الأول لكل مثقف وسياسي لبناني حر. لا يمكن بناء وطن مع فريق يرى في المستعمر أخاً، وفي الشريك في الوطن عدواً. إن مواجهة النظام الإيراني الإرهابي تبدأ من رفض لغته، وتفكيك سرديته، والتأكيد على أن لبنان لا يمكن أن يكون إلا سيداً، حراً، ومستقلاً، بعيداً عن أي وصاية خارجية، سواء كانت قريبة أو بعيدة. إن الحقيقة التاريخية والقانونية واضحة: إيران هي قوة استعمارية في لبنان، وأذرعها هي أدوات إرهابية، وكل من يبرر هذا الوجود تحت أي مسمى هو شريك في استعمار بلده وتدمير مستقبل أجياله. إن فجر التحرير يبدأ عندما نتوقف عن تسمية الاحتلال "مقاومة"، والتبعية "كرامة"، والعمالة "وفاءً"، ونعود جميعاً إلى لغة الوطن الواحدة والواضحة التي لا لبس فيها.






.

سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية (مقال)

.


.
سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية




تمثل قصة دولة برغواطة التي قامت في بلاد المغرب الأقصى، وتحديداً في منطقة تامسنا ما بين القرن الثاني والسادس الهجري، واحدة من أكثر التجارب التاريخية إثارة للجدل والدهشة في آن واحد، فهي ليست مجرد حركة سياسية عابرة، بل هي مشروع ثقافي وديني متكامل قام على أنقاض التهميش والظلم الأموي، محاولاً صياغة هوية وطنية أمازيغية من خلال "كتاب مقدس" بديل عُرف بقرآن برغواطة. إن حقيقة هذا الكتاب وظروف نشأته تكشف لنا بوضوح عن الآلية البشرية البحتة التي تُصنع بها الأديان والكتب التي توصف بالسماوية، حيث يتم استلهام الهياكل القائمة وإعادة ملئها بمضامين تتناسب مع البيئة المحلية والمصالح السياسية للحاكم الجديد. إن التجربة البرغواطية هي مختبر تاريخي يثبت أن "السماء" لم تكن يوماً مصدراً لهذه النصوص، بل إن الحاجة البشرية الماسة لامتلاك "مقدس" خاص هو الذي يدفع القادة العباقرة مثل صالح بن طريف إلى محاكاة النماذج الناجحة لصناعة شرعية تتجاوز منطق القوة العسكرية.
بدأت قصة هذا القرآن مع صالح بن طريف، الشخصية الكاريزمية التي جمعت بين المعرفة اللغوية والذكاء السياسي والخبرة العسكرية، حيث أدرك صالح أن الأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام كدين للمساواة صُدموا بممارسات الولاة العرب الذين عاملوهم كمواطنين من الدرجة الثانية وفرضوا عليهم الجزية رغم إسلامهم. من هذا الاحتقان ولد المشروع البرغواطي؛ فإذا كان العرب يفتخرون بأن القرآن نزل بلسانهم، فلماذا لا يكون للأمازيغ قرآن بلسانهم أيضاً؟ كانت الغاية الأساسية من كتابة هذا النص هي تحقيق الاستقلال التام والقطيعة المعرفية مع الخلافة المشرقية، وتحويل المجتمع البرغواطي من مجتمع تابع لغوياً وروحياً لدمشق أو بغداد إلى مركز إمبراطوري يمتلك "وحيه" الخاص وقوانينه التي تعبر عن بيئته المحلية وظروفه الاجتماعية والبيئية في شمال أفريقيا.
لقد كتب صالح بن طريف قرآنه باللغة الأمازيغية القديمة، واستخدم في كتابته الحروف العربية التي كانت لغة الإدارة والعلم في ذلك العصر، ليكون النص مفهوماً ومقروءاً لنخبته. تذكر الشواهد التاريخية، وعلى رأسها ما نقله المؤرخ البكري في كتابه المسالك والممالك، أن هذا الكتاب كان يتكون من ثمانين سورة، سُميت بأسماء كائنات وظواهر طبيعية كانت تشكل جزءاً من الوعي اليومي للأمازيغ، مثل سورة الديك وسورة الجراد وسورة الكلب وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس. إن هذه التسميات بحد ذاتها تكشف عن "بيئية" النص؛ فهو نص لا يتحدث عن الإبل والرمال وصراعات قريش، بل يتحدث عن الكائنات التي تحيط بالفلاح الأمازيغي، مما يجعله أكثر قرباً وقبولاً لدى العامة الذين وجدوا فيه ديناً يشبههم ويخاطب واقعهم بلغتهم الأم.
أما بالنسبة لنقاط التشابه والاختلاف بين قرآن برغواطة والقرآن العربي، فهي تكشف عن "هندسة المحاكاة" التي اتبعها صالح بن طريف. من حيث الهيكل، التزم صالح بنموذج السورة والآية، وبدأ فصول كتابه بعبارات افتتاحية تشبه البسملة مثل "باسم الله الذي أرسل هذا الكتاب إلى الناس"، وهو ما يؤكد أن النص لم يكن ابتكاراً من العدم، بل كان "إعادة تدوير" للهيكل الإسلامي بصبغة قومية. في المقابل، تكمن الاختلافات في التشريعات والطقوس؛ فقد غير صالح أوقات الصلاة وصيغتها، وحرّم أكل رأس الحيوان، واعتبر صيام شهر رجب بدلاً من رمضان فريضة، وأجاز تعدد الزوجات بلا حدود، مما يعكس رغبة في التميز الهوياتي. هذه الاختلافات لم تكن وحياً، بل كانت قرارات سياسية بامتياز تهدف لصناعة "شخصية وطنية" برغواطية تختلف في سلوكها اليومي عن المسلمين العرب، لضمان تماسك الجبهة الداخلية ضد أي غزو خارجي.
فيما يخص الشواهد التاريخية، فإن ما وصلنا من قرآن برغواطة هو شذرات قليلة جداً نقلها المؤرخون الذين عاصروا الدولة في أواخر عهدها أو قرأوا عنها في كتب مفقودة. لا توجد اليوم نسخة كاملة وموجودة من هذا القرآن، والسبب في ذلك هو سياسة "المحو المعرفي" التي انتهجها المرابطون ثم الموحدون بعد سقوط دولة برغواطة عسكرياً. لقد أدرك الفقهاء المنتصرون أن بقاء هذا النص يمثل خطراً مستمراً على "وحدة العقيدة" التي يفرضونها، فقاموا بحرق كل النسخ المتاحة وملاحقة كل من يحفظ شيئاً من هذا السجع. إن اختفاء قرآن برغواطة ليس دليلاً على زيفه مقابل صدق غيره، بل هو دليل على أن "التاريخ يكتبه المنتصر" وأن بقاء الكتب لا يعود لأصلها السماوي، بل لقوة الجيوش التي تحميها والمؤسسات التي تؤبد وجودها.
إن تجربة برغواطة تقدم لنا أحسن دليل على أن السماء لا ترسل كتباً، بل إن البشر هم الذين يكتبون الكتب وينسبونها للسماء. لو كانت الكتب سماوية، لكانت حقائقها عابرة للزمان والمكان واللغات، ولما احتجنا لصالح بن طريف ليترجم مراد الله للأمازيغ بلغتهم. إن حقيقة أن كل كتاب مقدس يعبر بدقة متناهية عن بيئة كاتبه، واهتماماته السياسية، ومحدوديته المعرفية، تثبت أننا أمام ظاهرة ثقافية بشرية. فقرآن برغواطة الذي يتحدث عن الديك والجراد هو صنو للقرآن العربي الذي يتحدث عن الإبل والخيام، وكلاهما يعبر عن لحظة تاريخية حاول فيها الإنسان أن يمنح قوانينه الأرضية طابعاً أزلياً لضمان الطاعة والاستمرارية.
إن تعدد هذه الكتب التي تدعي المصدر الإلهي، وسخرية أتباع كل كتاب من الكتب الأخرى، هو الفضيحة الكبرى لفكرة الوحي. فالمسلم يسخر من قرآن برغواطة ويعتبره دجلاً وسجعاً ركيكاً، بينما يرى البرغواطي في كتابه "الحق الذي أنقذه من هيمنة العرب". هذه النسبية في التقديس تظهر أن "المقدس" ليس صفة ذاتية في النص، بل هو قرار جماعي تتخذه القبيلة أو الدولة. إن السماء صامتة تماماً، والضجيج الذي نسمعه في الكتب هو ضجيج الصراعات البشرية على السلطة والجاه وتأكيد الذات في مواجهة الآخر. لقد كان قرآن برغواطة أداة لتحرير الأمازيغ من التبعية السياسية، واستخدم الخرافة سلاحاً في معركة الوجود، تماماً كما استخدمت قريش وغيرها نصوصها لصناعة إمبراطورياتها.
في الختام، يظل قرآن برغواطة شهادة تاريخية حية على عبقرية الإنسان في اختراع "الآلهة" وتدوين "كلماتها". إنه يذكرنا بأن الأديان هي مشاريع وطنية وقومية في جوهرها، تتدثر بعباءة الغيب لتمارس السيادة على العقول. إن ضياع النسخة المادية لهذا القرآن لا يقلل من قيمته المعرفية كدليل على بشرية النصوص؛ فكل ما قيل عن "إعجاز" و"وحي" في هذا الكتاب أو غيره هو من نتاج غسيل الأدمغة المتواصل الذي تمارسه السلطة. السيادة الحقيقية اليوم هي سيادة العقل الذي يرى في هذه الكتب أرشيفاً للجهد البشري في البحث عن الهوية والقوة، ويدرك أن السماء لم ولن تكتب حرفاً واحداً، بل نحن من نكتب ونحن من نقدس ونحن من نصدق الأكذوبة التي صنعناها بأيدينا لنهرب من صمت الكون اللامتناهي. الحقيقة هي أن برغواطة سقطت لأن جيشها هُزم، وليس لأن "وحيها" كان كاذباً، فالحق التاريخي دائماً هو رفيق المنتصر ولسانه.




.

تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود (مقال)

.


.
تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود




في سجلات التاريخ المعاصر، قلما نجد قضية استنزفت من الموارد العاطفية والمادية ما استنزفته القضية الفلسطينية، لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا النزيف لم يكن يوماً في مصلحة بناء دولة أو تأمين مستقبل شعب، بقدر ما كان وقوداً لبناء ثروات فلكية لنخبة سياسية وعسكرية أدمنت العيش على جراح البسطاء. إن توصيف الحالة الفلسطينية بأنها سرطان يستشري في جسد المنطقة ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تشخيص لواقع وظيفي تقتات فيه قيادات منظمة التحرير ومن بعدها حماس على استدامة الصراع. هؤلاء المتربحون نجحوا في تحويل "المظلومية" إلى منتج تجاري يُباع في المحافل الدولية، وصناعة قائمة بذاتها تعتمد على تصدير الموت والخراب مقابل أرصدة بنكية تتضخم في ملاذات آمنة بعيدة عن غبار المعارك التي يدفع ثمنها المغفلون والمغسولة أدمغتهم بالشعارات القومية والدينية الزائفة.
لقد بدأت فصول هذه التجارة الكبرى مع ياسر عرفات، الذي وضع حجر الأساس لمنظومة "الارتزاق السياسي". عرفات لم يكن مجرد قائد فدائي كما صورته السينما الثورية، بل كان مديراً لشبكة مالية معقدة حولت المساعدات الدولية والمنح العربية إلى ملكية خاصة تحت تصرفه الشخصي. التقارير الاستخباراتية والمحاسبية الدولية، ومنها ما كشفته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومجلة فوربس، قدرت ثروة عرفات عند وفاته بمليارات الدولارات، وهي أموال لم تذهب لبناء مستشفى أو مدرسة في رام الله، بل وُزعت في حسابات سرية في سويسرا وتونس وباريس، واستُخدمت لشراء الولاءات وضمان بقاء "الزعامة" مستقرة فوق أنقاض تطلعات الشعب. هذا النموذج من الثراء الفاحش لم يكن معزولاً عن بيع الذمم السياسية، حيث كان عرفات يرقص على حبال التناقضات الإقليمية، تارة يبيع الولاء لجمال عبد الناصر ليساعده في محاولات زعزعة استقرار الملكية في الأردن، وتارة أخرى يرتمي في أحضان صدام حسين مباركاً غزو الكويت، ضارباً بعرض الحائط مصالح آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الخليج، وذلك مقابل حفنة من الدولارات والدعم العسكري الذي يضمن استمرار سلطته القمعية.
هذا الميراث من السرقة المنظمة انتقل بسلاسة إلى خلفائه في السلطة الفلسطينية، حيث يبرز اسم محمود عباس وعائلته كنموذج لدمج السلطة المطلقة بالثراء الاحتكاري. بينما يتسول عباس المساعدات من الدول الأوروبية والخليجية بدعوى الانهيار الاقتصادي، يدير أبناؤه، ياسر وطارق، إمبراطوريات تجارية تحتكر قطاعات التبغ والإعلانات والمقاولات، مستفيدين من نفوذ والدهم ومن أموال المانحين التي تتدفق تحت مسمى "دعم الصمود". إن الرفاهية التي يعيشها أحفاد عباس في عواصم العالم، والقصور التي يمتلكونها، تمثل طعنة في خاصرة كل فلسطيني يصدق خطاب "الثبات" الذي يلقيه جدهم من على منابر الأمم المتحدة. إنها عملية نهب ممنهج لمقدرات قضية تحولت في عهدهم إلى مجرد "تعلة" لجمع المال، حيث يتم توظيف دماء المدنيين في كل مواجهة لتوليد موجات جديدة من التبرعات والمساعدات التي تجد طريقها في النهاية إلى جيوب النخبة المحيطة بالرئيس.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، لم تكن حركة حماس أقل براعة في فنون المتاجرة بالدين والدم. ففي الوقت الذي يُساق فيه سكان قطاع غزة إلى محارق الحروب العبثية، يعيش قادة الحركة من أمثال خالد مشعل وإسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق حياة السلاطين في فنادق الدوحة واسطنبول. ثروات هؤلاء القادة، التي تقدر بالمليارات، لم تأتِ من العمل الصناعي أو الابتكار العلمي، بل هي نتاج مباشر لسرقة المساعدات الإنسانية، وفروض "الخوات" على البضائع التي تدخل عبر المعابر، والتبعية الكاملة لأجندة النظام الإيراني. لقد باع قادة حماس ذممهم لطهران، محولين غزة إلى ساحة تجارب للصواريخ الإيرانية ومنصة لخدمة طموحات التوسع الفارسي في المنطقة، مقابل تأمين ثرواتهم الشخصية وضمان حياة البذخ لأبنائهم الذين يرتادون أفخم الجامعات والمولات في الخارج، بينما يقتات شباب غزة على الفتات والوعود الجوفاء بالشهادة والجنة. إن هذا التباين الصارخ بين حياة القادة "المجاهدين" في الخارج وبين بؤس القاعدة الشعبية في الداخل هو الدليل الدامغ على أن القضية ليست سوى ستار لمشروع استثماري ضخم.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في لصوصية القادة، بل في تلك "الشعبية" التي لا يزالون يتمتعون بها لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية التي وصفها الواقع بأنها مغفلة. هؤلاء الذين يصفقون لخطابات المقاومة الجوفاء لا يدركون أنهم يمولون قتلة وسارقين يحتقرون شعوبهم خلف الكواليس. لقد نجحت الماكينة الإعلامية الفلسطينية، مدعومة بإعلام قطري وإيراني، في غسل أدمغة الملايين، وتصوير هؤلاء اللصوص على أنهم أبطال قوميون ورموز دينية. هذا التغييب للوعي جعل من انتقاد فساد القيادات الفلسطينية "خيانة"، ومن كشف تجارتهم بدماء المدنيين "عمالة"، مما وفر غطاءً مثالياً لهؤلاء المجرمين للاستمرار في غيهم. إن الشعب الفلسطيني نفسه، الذي تعرض لغسيل دماغ جماعي عبر عقود من المناهج التعليمية والخطب الدينية المحرضة، بات يعشق جلاديه، ويرفض رؤية الحقيقة المتمثلة في أن قياداته هي العائق الأول أمام أي استقرار أو رفاه، لأن الحل السلمي وبناء الدولة يعني ببساطة نهاية "موسم الأرباح" وإغلاق حنفيات المال السائب.
تاريخياً، كانت هذه القيادات دائماً ما تختار الجانب الخاطئ من التاريخ طالما كان هناك ثمن مدفوع. فدعمهم لعبد الناصر في تدخله الكارثي في اليمن ومحاولاته لتقويض العروش العربية، ثم ولاؤهم المطلق لصدام حسين أثناء تدميره للكويت، وصولاً إلى ارتمائهم اليوم في أحضان الولي الفقيه، كلها محطات تثبت أن "البوصلة الفلسطينية" لا تتجه نحو القدس، بل نحو مصدر التمويل الأكثر سخاءً. إنهم يبيعون مواقفهم لمن يدفع أكثر، ويستخدمون قضيتهم كأداة ابتزاز ضد الدول الخليجية التي لم تتوقف يوماً عن دعمهم، ليقابلوا هذا الدعم بالخيانة والتآمر بمجرد ظهور ممول جديد. هذا السلوك الميكافيلي أدى إلى تخريب علاقات الفلسطينيين بجيرانهم العرب، وجلب الخراب لكل دولة استضافتهم، من الأردن التي كادوا أن يختطفوا عرشها، إلى لبنان الذي حولوه من سويسرا الشرق إلى ساحة دمار وحروب أهلية لا تنتهي.
إن الاستفحال السرطاني لهذه القضية يعتمد على بقائها بلا حل، فالحل يعني تحول القيادات إلى موظفين حكوميين يخضعون للرقابة، بينما استمرار الصراع يبقيهم "قادة ثورة" فوق القانون. إنهم يتاجرون بصور الأطفال القتلى والبيوت المهدمة لاستدرار عطف العالم وجمع المليارات، ثم يقومون بتدوير هذه الأموال في استثمارات عقارية وسياحية في ماليزيا وتركيا وأوروبا. الأرقام لا تكذب، وحجم ممتلكات قادة الفصائل في عواصم العالم يكفي لبناء مدن كاملة وتوفير حياة كريمة لكل لاجئ، لكنهم يفضلون بقاء اللاجئ في خيمته ليبقى "شاهداً على المظلومية" التي تدر عليهم الذهب. إنها دورة خبيثة من الفساد والإرهاب، يتواطأ فيها القائد السارق مع التابع المغيب، لتظل المنطقة رهينة لخرافة سياسية لم تجلب سوى الفقر والتخلف والدم.
في الختام، يظهر بوضوح أن القضية الفلسطينية قد تخلت عن جوهرها الإنساني والوطني لتصبح أكبر عملية احتيال في التاريخ الحديث. المتربحون من هذا السرطان ليسوا مجرد أفراد، بل هي طبقة كاملة تغلغلت في مفاصل المؤسسات الدولية والإقليمية، وتعيش على أنات المخدوعين بشعاراتها. إن كشف ثروات هؤلاء المجرمين وتعرية ولائاتهم المتقلبة هو الخطوة الأولى لكسر هذه الدائرة من الفشل والفساد. وبدون يقظة حقيقية للشعوب العربية والإسلامية، وتوقفها عن دور "الممول المغفل" لهذا السيرك الدموي، سيبقى هؤلاء التجار يتنعمون بأموال السحت، بينما تستمر المنطقة في دفع ثمن خرافة صممت خصيصاً ليبقى القادة في القصور والشعوب في القبور. إن الوقت قد حان للتوقف عن تقديس اللصوص، والاعتراف بأن العدو الحقيقي لمستقبل المنطقة هو هذا التحالف القذر بين الإرهاب المأجور والفساد العابر للحدود الذي يتخذ من فلسطين قناعاً له.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...