Translate

تأميم السماء لصالح الأرض: استراتيجيات التعبئة الميتافيزيقية وتوظيف الغيب في حروب الفشل المادي (مقال)

.


.
تأميم السماء لصالح الأرض: استراتيجيات التعبئة الميتافيزيقية وتوظيف الغيب في حروب الفشل المادي




تعد ظاهرة توظيف الرموز الدينية والمفاهيم الغيبية في النزاعات العسكرية واحدة من أقدم وأخطر الأدوات التي استخدمتها التنظيمات الأيديولوجية عبر التاريخ، إلا أنها اتخذت في العصر الحديث شكلاً من أشكال "التأميم" الكامل للمقدس لصالح أجندات سياسية وعسكرية أرضية صرفة. إن هذا المسار لا يهدف فقط إلى تحفيز المقاتلين، بل يسعى بالأساس إلى خلق جدار حماية أيديولوجي يمنع المساءلة عن الفشل العسكري واللوجستي الذريع الذي تقع فيه هذه التنظيمات عند مواجهتها لجيوش نظامية أو قوى تكنولوجية متفوقة. فعندما تنكسر إرادة المادة وتفشل الخطط القتالية في تحقيق المنجزات الملموسة، تتدخل الميتافيزيقا كأداة "بروبغندا" تعبوية لإعادة صياغة الهزيمة في ثوب النصر الإلهي أو الابتلاء المقدس، وهو ما يظهر بجلاء في أدبيات "الأفغان العرب" وصولاً إلى الانهيارات المعاصرة لمحور الممانعة في إيران ولبنان وغزة.
لقد وضع كتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" للقيادي في تنظيم القاعدة عبد الله عزام حجر الأساس المعاصر لهذا النمط من التدليس العسكري، حيث امتلأت صفحاته بقصص خيالية عن قتال الملائكة بجانب "المجاهدين" وتحويل الرصاص إلى برد وسلام، بل والحديث عن جثث لا تتحلل ورائحة مسك تفوح من الخنادق. إن هذه السرديات لم تكن مجرد شحذ للهمم، بل كانت استراتيجية تهدف إلى تعويض الفارق الهائل في التسليح مقابل القوات السوفيتية آنذاك. ومن خلال هذه الميتافيزيقا، تم تغييب العقل العسكري واستبداله بحالة من "الخدر العقائدي" الذي يرى في الموت انتصاراً وفي الفشل التكتيكي معجزة إلهية. هذا النموذج تم استنساخه لاحقاً بحرفية عالية من قبل التنظيمات الإرهابية الشيعية والسنية على حد سواء، حيث أصبح "الله" و"الملائكة" والوعود الغيبية بمثابة "فيلق دفاعي" وهمي يُستدعى كلما سُحقت القوات على أرض الواقع.
في الحالة اللبنانية، بنى حزب الله كامل شرعيته على مفهوم "النصر الإلهي"، وهي تسمية ميتافيزيقية بامتياز أطلقت على حرب تموز عام ألفين وستة لتغطية الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية نتيجة سوء تقدير القيادة المرتبطة بإيران. إن استخدام مصطلح "إلهي" هنا ليس وصفاً روحياً، بل هو عملية تأميم لاسم الخالق لمنع اللبنانيين من التساؤل عن جدوى مغامرة أدت إلى تدمير بلادهم. وعندما بدأت جدران هذا الوهم في التهاوي خلال الأشهر الأخيرة، وظهر عجز الحزب الكامل أمام الاختراقات الاستخباراتية والقصف النوعي الذي أباد صفوفه الأولى، عاد الخطاب ليتحدث عن "الصبر الاستراتيجي" و"التكليف الشرعي"، وهي مفردات تهدف إلى تحويل الهزيمة النكراء إلى حالة من "الانتظار المقدس"، بينما يسحق الواقع المادي كل مقومات القوة المزعومة للتنظيم.
أما في غزة، فقد ذهبت حركة حماس إلى أبعد من ذلك في توظيف الغيب لتبرير كارثة إنسانية وعسكرية غير مسبوقة. فبينما كانت الصواريخ التكنولوجية الدقيقة تمسح الأرض بالمقرات والأنفاق، كان الخطاب الإعلامي للحركة والمنصات التابعة لها تروج لقصص عن طيور أبابيل تهاجم الطائرات أو غمامة تحمي المقاتلين. هذا النوع من "الدجل العسكري" يمثل قمة الاستهتار بالعقل البشري، حيث يتم استغلال العواطف الدينية للناس لتغطية حقيقة أن الحركة زجت بمدنيين عزل في صراع غير متكافئ دون توفير أدنى مقومات الحماية لهم. إن الملائكة التي يزعمون قتالها معهم لم تمنع تجويع الشعب ولا تدمير المدن، مما يثبت أن الغيب في خطاب هذه التنظيمات هو مجرد "أداة وظيفية" للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الفشل الذريع.
وبالانتقال إلى المركز في طهران، نجد أن نظام الولي الفقيه قد حول الميتافيزيقا إلى "أيديولوجية دولة" عابرة للحدود. إن ادعاء الخامنئي ونظامه بأنهم يمهدون الأرض لظهور "المهدي" هو في جوهره عملية "تأميم للسماء" لخدمة التوسع الفارسي في المنطقة. فعندما تُضرب المفاعلات النووية أو يُغتال القادة في قلب العاصمة طهران، يخرج الخطاب الرسمي ليتحدث عن "التمحيص الإلهي" و"قرب الوعد"، وهو خطاب يهدف إلى امتصاص الصدمة الشعبية وإخفاء الفشل الذمني والأمني لنظام يدعي القوة المطلقة. إن السحق الذي تعرضت له إيران وأذرعها مؤخراً كشف بوضوح أن "القداسة" المزعومة لا توفر حصانة ضد الصواريخ الباليستية أو الاختراقات السيبرانية، وأن الاعتماد على الخرافة في إدارة النزاعات الدولية هو انتحار سياسي مغلف بعباءة الدين.
إن التناقض الصارخ يظهر عندما نجد أن هؤلاء القادة الذين يبشرون بالملائكة والوعود الغيبية، هم أول من يختبئ في أنفاق محصنة تكنولوجياً ويستخدمون أحدث أجهزة الاتصالات المشفرة (التي فشلت هي الأخرى في حمايتهم). فإذا كانوا يؤمنون حقاً بالمدد الغيبي، فلماذا يتوسلون الحماية المادية بكل الوسائل؟ هذا السلوك يثبت أن الميتافيزيقا هي "بضاعة للتصدير" نحو الأتباع والبسطاء، بينما القيادة تدرك تماماً أن قوانين الأرض هي التي تحكم الميدان. إن تحول الرموز الدينية إلى "بروبغندا" هو أخطر أنواع التضليل، لأنه يدفع بآلاف الشباب إلى الموت وهم يظنون أنهم يقاتلون في جيش إلهي، بينما هم في الواقع مجرد وقود لمشاريع جيوسياسية تخدم أنظمة استبدادية ثيوقراطية.
علاوة على ذلك، فإن سحق هذه التنظيمات عسكرياً في الآونة الأخيرة يمثل لحظة الحقيقة التي تسقط فيها كل المرويات الخرافية. فعندما يسقط "سيد المقاومة" وقادة الصف الأول في ضربة واحدة، وتتبخر وعود "زلزلة الأرض تحت أقدام الأعداء"، يكتشف الوعي الجمعي أن السماء لم تتدخل لإنقاذ من أساء استخدام اسمها. إن "تأميم السماء" هنا يصل إلى نهايته المسدودة، حيث تظهر القوانين العسكرية الصارمة كحكم نهائي في الصراع. النصر هو حليف من يمتلك العلم، والصناعة، والتفوق الاستخباري، والتخطيط العقلاني، وليس من يبيع الأوهام الغيبية لتغطية عجزه اللوجستي.
إن استراتيجية "الغطاء الغيبي" تؤدي أيضاً إلى تدمير مفهوم "الدولة الوطنية"، حيث يتم استبدال الانتماء للوطن والقانون بالانتماء لـ "السراب العقائدي". فالمقاتل الذي يعتقد أن الملائكة تقاتل معه لن يحترم مؤسسات الدولة أو حدودها، لأنه يرى نفسه جزءاً من مشروع "كوني" يتجاوز المنطق البشري. وهذا ما جعل من لبنان وغزة واليمن ساحات مفتوحة للخراب، حيث تم تغييب العقل السياسي لصالح الهلوسة الأيديولوجية التي ترعاها إيران. إن الهزيمة هنا ليست عسكرية فحسب، بل هي هزيمة ثقافية وفكرية لمشروع حاول إرجاع المنطقة إلى عصور ما قبل العلم والمنطق.
وفي المحصلة، فإن دراسة هذه التنظيمات تثبت أن الميتافيزيقا تتحول إلى بروبغندا تعبوية في كل مرة تضيق فيها الخيارات المادية. وكتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" لم يكن سوى البداية لمسلسل طويل من الكذب باسم السماء. إن ما حدث من سحق لإيران وحزب الله وحماس هو الدرس التاريخي الأبلغ؛ فالله لا ينجد من يعطل عقله، والملائكة لا تقاتل في صفوف من يتخذ من المدنيين دروعاً بشرية ومن دماء الأبرياء سلماً للسلطة. إن استعادة "الأرض" من "تأميم السماء" تتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للعلم والمنطق وتنزع عن هؤلاء الإرهابيين رداء القداسة الذي يختبئون خلفه لتبرير جرائمهم وفشلهم. إن السماء لم تكن يوماً غطاءً للقتلة والفاشلين، والواقع يثبت يوماً بعد يوم أن الحقائق المادية لا تحابي الخرافة، مهما بلغت درجة "البروبغندا" وقوة التجييش العاطفي. إن نهاية هذه التنظيمات هي نهاية منطقية لكل مشروع يبني أساسه على الرمال المتحركة للأوهام الغيبية بدلاً من صخرة الواقع والحقيقة والعدالة الإنسانية.





.

عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي (مقال)

.


.
عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي




تعتبر إشكالية العلاقة بين الفرد والدولة من أعقد القضايا التي واجهت الفكر السياسي الحديث، حيث استقر الوعي الإنساني بعد قرون من الصراع والحروب الدينية على مفهوم "المواطنة" كإطار قانوني وحقوقي يضمن المساواة والحرية والكرامة. بيد أن بزوغ نموذج "ولاية الفقيه" وتمدده عبر أذرع ميليشياوية عابرة للحدود، قد خلق نقيضاً بنيوياً لهذا المفهوم، مستبدلاً "المواطن" الحر بـ "المكلف" المسلوب الإرادة. إن هذا التحول ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو انقلاب جذري على مفهوم السيادة الوطنية والحرية الشخصية، حيث يتم تحويل الفرد من شريك في صياغة العقد الاجتماعي إلى ترس في آلة عقائدية تدار من مركز سلطوي غيبي في طهران. ومن المفارقات الصادمة في هذا السياق، هو بروز ظاهرة "المطبلين" لهذا النظام من خارج دائرة المذهب الشيعي، والذين يهربون من بلدانهم طلباً للحرية في الغرب، بينما يمجّدون ذروة الاستبداد الثيوقراطي الإرهابي المتمثل في الولي الفقيه، في حالة من الانفصام الفكري والسياسي التي تستدعي تشريحاً دقيقاً.
إن التناقض البنيوي بين المواطنة وولاية الفقيه يبدأ من مصدر الشرعية. ففي الدولة الحديثة، تنبع الشرعية من الشعب عبر عقد اجتماعي يحدد الحقوق والواجبات، حيث يكون المواطن هو صاحب السيادة والقادر على مساءلة السلطة وتغييرها. أما في نظام ولاية الفقيه، فإن الشرعية تُستمد من السماء، والفقيه الحاكم هو نائب الإمام الغائب، وصلاحياته مطلقة تتجاوز الدساتير والحدود الجغرافية. هنا يتحول العقد الاجتماعي إلى "عقد إذعان"، حيث لا يملك الفرد حق الاعتراض أو المشاركة الحقيقية، بل عليه واجب "الطاعة والامتثال" باعتباره مكلفاً شرعياً. إن مفهوم "المكلف" يلغي صفة المواطن، لأنه يربط سلوك الفرد اليومي وقراراته السياسية بإرادة الفقيه، مما يجعل ولاء الفرد للدولة الوطنية ثانوياً أمام ولائه للمركز العقائدي العابر للحدود، وهذا هو التفسير المنطقي لولاء ميليشيات مثل حزب الله لإيران على حساب سيادة لبنان.
تؤدي هذه المركزية الدينية إلى إلغاء الإرادة الحرة للفرد بشكل كامل، فالمكلف لا يتحرك بناءً على قناعته السياسية أو مصلحته الوطنية، بل بناءً على "التكليف الشرعي" الذي يمثل أمر عمليات إلهي لا يجوز مناقشته. هذا الاستلاب للإرادة يتم عبر منظومة غسل أدمغة ممنهجة تبدأ من الطفولة، حيث يتم تصوير الولي الفقيه كمعصوم فعلياً أو مسدد من الغيب، مما يجعل التشكيك في قراراته تشكيكاً في الدين نفسه. إن هذا النظام الإرهابي يدرك تماماً أن بقاءه مرهون بتحويل البشر إلى أدوات تنفيذية، لذا فهو يستثمر في "خرافات بالية" تدعي القدرة على إدارة العالم عبر رؤى ميليشياوية، محطماً بذلك أي فرصة لنمو فضاء مدني حر يقدس العقل والمنطق والحوار.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل عن سر إعجاب بعض النخب والقواعد الشعبية في دول مثل مصر وسوريا وغيرها من الدول التي تعاني من تضييقات سياسية، بهذا النموذج الثيوقراطي الإيراني. إنها مفارقة كبرى أن نجد شاباً يشتكي من قمع السلطة في بلده، ويسعى بكل جهده للهجرة إلى باريس أو لندن ليتنفس الحرية، ولكنه في الوقت ذاته يطبل لنظام الولي الفقيه ويراه بطلاً "ممانعاً". هذا الإعجاب نابع من وهم "القوة" الذي تصدره إيران عبر أذرعها، حيث يخلط هؤلاء بين الهمجية العسكرية وبين البطولة الوطنية. إنهم يسقطون رغبتهم في الانتقام من واقعهم المرير على نموذج إرهابي أكثر قمعاً وتخلفاً، متناسين أن النظام الذي يمجّدونه هو نفسه الذي يقمع الشباب الإيراني ويعدمهم في الشوارع لمجرد المطالبة بأبسط حقوق الحياة والحرية.
إن هؤلاء "المطبلين" للثيوقراطية من قلب المجتمعات السنية أو المدنية يمارسون نوعاً من الخيانة الفكرية لأنفسهم ولأوطانهم. فهم يهربون من "استبداد محلي" ليدعموا "استبداداً كونياً" يطمح لتحويل منطقتنا برمتها إلى ولايات تابعة للفقيه. إن دعمهم لهذا النظام الإرهابي يغذي الطائفية ويمزق النسيج الاجتماعي، لأن ولاية الفقيه بطبيعتها لا تقبل الآخر، بل تسعى لابتلاعه أو تدميره. إنهم يشيدون بنظام يقوم على الخرافة والتمييز المذهبي والقتل السياسي، بينما يتمتعون هم بظلال العلمانية والديمقراطية في الغرب، مما يكشف عن خلل أخلاقي عميق وفقدان للبوصلة السياسية التي تميز بين "المقاومة" الحقيقية وبين "الاستعمار الثيوقراطي".
إن التناقض الصارخ يكمن في أن نظام الولي الفقيه لا يقدم نموذجاً للدولة، بل يقدم نموذجاً للثكنة العسكرية المغلقة. فالمواطن في إيران أو في مناطق نفوذها مثل لبنان، يعيش تحت رقابة أمنية وفقهية خانقة، حيث يتم التدخل في لباسه، وفكره، وفنونه، وحتى في خصوصيات منزله. هذا النظام الإرهابي يستخدم الدين كأداة للسيطرة المطلقة، محولاً المجتمع إلى قطيع يساق نحو حروب عبثية تخدم أطماع التوسع الإيراني. وبدلاً من أن تكون الدولة خادمة للمواطن، يصبح المكلف وقوداً لحروب الولي الفقيه في اليمن وسوريا ولبنان، دون أن يكون له حق السؤال عن جدوى هذه الدماء المسالة في سبيل أوهام الإمبراطورية.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة التطبيل للولي الفقيه من قبل أشخاص يعيشون في دول أقل ثيوقراطية بكثير من إيران، تعكس نجاح الماكينة الإعلامية الإيرانية في استغلال العواطف الدينية والقومية. هؤلاء يرون في صواريخ الحزب ومسيرات طهران تعويضاً عن عجزهم الوطني، لكنهم لا يدركون أن هذه الأسلحة موجهة بالأساس لنحر سيادة دولهم وتفتيت مجتمعاتهم. إن النظام الذي يدعي حماية المقدسات هو نفسه الذي دمر الحواضر العربية العريقة مثل حلب وبغداد وصنعاء، وهو نفسه الذي اغتال رفيق الحريري وكل صوت لبناني طالب بالدولة المدنية. إن الإعجاب بهذا القبح هو انحدار قيمي يجعل الضحية تصفق لجلادها القادم من خلف الحدود.
إن الحل لهذه الإشكالية البنيوية يكمن في ترسيخ قيم المواطنة الكاملة وفصل الدين عن السلطة السياسية بشكل قاطع. لا يمكن للمواطن أن يتحرر إلا إذا تحطم "عقد الإذعان" للفقيه أو لأي سلطة تدعي احتكار الحقيقة الإلهية. إن الدولة الحديثة تقوم على العقل والقانون، بينما تقوم ولاية الفقيه على الخرافة والولاء الأعمى. والتحدي الحقيقي أمام المثقفين والشعوب اليوم هو كشف زيف هذا النموذج الإرهابي وتعرية المطبلين له، والتأكيد على أن الحرية لا تُجزأ؛ فلا يمكن أن تطلبها لنفسك في الغرب وتبارك سحقها في بيروت أو طهران أو غزة باسم "التكليف الشرعي".
في الختام، يبقى الصراع بين ولاية الفقيه والمواطنة هو صراع بين الماضي المظلم والمستقبل المشرق. فالمواطنة هي الطريق الوحيد لبناء دول تحترم الإنسان وعقله، بينما ولاية الفقيه هي نفق مظلم يؤدي إلى الضياع والتبعية والحروب الأبدية. إن الإرادة الحرة للفرد هي الحصن الأخير ضد كل أنواع الاستبداد، الثيوقراطي منه والسياسي، وعلى الشعوب أن تدرك أن من يبيع إرادته لفقيه عابر للحدود، قد تنازل طوعاً عن صفة "الإنسان" ليصبح مجرد أداة في مشروع إرهابي عالمي لا يرى في البشر سوى أرقام في قوائم التعبئة أو ضحايا في ساحات القتال. إن نظام الولي الفقيه وخرافاته البالية سيسقط حتماً أمام إرادة الشعوب التواقة للحرية، وسيبقى المواطن الحر هو حجر الزاوية في بناء أي حضارة إنسانية تحترم نفسها.




.

خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود (مقال)

.


.
خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود





تمثل لحظة انفجار الرابع عشر من شباط عام ألفين وخمسة في قلب العاصمة اللبنانية بيروت زلزالاً لم تتوقف ارتداداته عن خلخلة بنيان الدولة اللبنانية والمنطقة برمتها حتى يومنا هذا. إن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري لم يكن مجرد عملية تصفية لخصم سياسي عنيد، بل كان قراراً استراتيجياً اتخذه المحور الإيراني ونفذته أداته الضاربة في لبنان المتمثلة في حزب الله، بهدف إزاحة مشروع الدولة المدنية وإحلال مشروع الهيمنة الثيوقراطية المسلحة مكانه. وعند قراءة هذا الحادث الجلل في سياق ما توصلت إليه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبالربط مع البنية التنظيمية الحديدية لحزب الله، نجد أنفسنا أمام حقيقة ساطعة تؤكد أن الجريمة لم تكن لتتم دون أمر مباشر من قيادة الحزب العليا المرتبطة عضوياً وشرعياً بنظام الولي الفقيه في طهران.
إن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبعد سنوات من التحقيقات التقنية المعقدة التي استندت إلى داتا الاتصالات والتحليل الجنائي الرقمي، وضعت النقاط على الحروف حين أدانت سليم عياش، الكادر الرفيع في حزب الله، وحكمت عليه بالسجن المؤبد خمس مرات لارتكابه أعمالاً إرهابية وقتل الحريري وواحد وعشرين آخرين. ورغم أن المحكمة، بمعاييرها القانونية الصارمة التي تتطلب دليلاً حسياً مباشراً لإدانة الهرم القيادي، لم تذهب لتسمية القيادة العليا رسمياً، إلا أن الاستنتاج المنطقي والسياسي لا يقبل التأويل. فنحن نتحدث عن تنظيم لا يعرف العمل الفردي أو الانشقاق العملياتي، بل هو تشكيل ميليشياوي يعتنق مبدأ الطاعة العمياء للقيادة تحت مسمى التكليف الشرعي. إن سليم عياش ومن معه من المدانين مثل حسن مرعي وحسين عنيسي، لم يكونوا هواة يمارسون العنف بدافع شخصي، بل كانوا جزءاً من ماكينة أمنية محترفة تأخذ أوامرها من غرفة عمليات مركزية تديرها قيادة الحزب بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.
تتجلى الحقيقة في أن حزب الله ليس حزباً سياسياً لبنانياً بالمعنى التقليدي، بل هو ذراع عسكرية وأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أُسس بقرار إيراني خالص في أوائل الثمانينيات ليكون رأس الحربة في مشروع تصدير الثورة. ومنذ نشأته، ارتبط اسم هذا التنظيم بسلسلة طويلة من العمليات الإرهابية التي استهدفت المصالح العربية والدولية، مما يجعل اغتيال الحريري حلقة في جنزير طويل من الدم. فإذا عدنا بالذاكرة إلى الثامن عشر من نيسان عام ألفين وتسعمائة وثلاثة وثمانين، نجد تفجير السفارة الأمريكية في بيروت الذي أسفر عن مقتل ثلاثة وستين شخصاً، ثم التفجير المزدوج لمقر المارينز والقوات الفرنسية في تشرين الأول من العام نفسه، والذي حصد أرواح مائتين وواحد وأربعين جندياً أمريكياً وثمانية وخمسين جندياً فرنسياً. هذه العمليات الضخمة لم تكن مجرد ردود فعل عفوية، بل كانت تنفيذاً لأجندة إيرانية واضحة لإخراج القوات الدولية من لبنان وبسط السيطرة عليه، تماماً كما كان اغتيال الحريري تنفيذاً لأجندة إخراج المشروع العربي والدولي من بيروت.
إن السجل الإرهابي لهذا التنظيم يتجاوز الحدود اللبنانية ليصل إلى القارات البعيدة، مؤكداً طبيعته كأداة إجرامية عالمية. ففي عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، استهدف الحزب السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس بسيارة مفخخة، مما أدى إلى مقتل تسعة وعشرين شخصاً وإصابة المئات. وبعد عامين فقط، عاد الحزب ليضرب المركز اليهودي في المدينة نفسها في تموز عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، مخلفاً خمسة وثمانين قتيلاً وأكثر من ثلاثمائة جريح في واحدة من أفظع العمليات الإرهابية في تاريخ أمريكا اللاتينية. إن تكرار هذه النماذج العملياتية يثبت أن الحزب يمتلك وحدة عمليات خارجية متخصصة في الاغتيالات والتفجيرات، وهي الوحدة التي يتزعمها قادة يرتبطون مباشرة بالأمن الإيراني، مما يدحض أي فرضية حول "الأعمال الفردية" لعناصره.
عندما نطبق هذا التحليل التاريخي على قضية اغتيال الحريري، نجد أن الخلية التي نفذت العملية بقيادة سليم عياش والمشرف عليها مصطفى بدر الدين، الصهر السابق لعماد مغنية، كانت تتحرك وفق بروتوكول أمني صارم. فالمحكمة الدولية أثبتت وجود شبكات هواتف "حمراء" و"خضراء" و"زرقاء" تم استخدامها حصراً لمراقبة موكب الحريري وتنسيق لحظة التفجير. إن هذا المستوى من التنسيق يتطلب ميزانيات ضخمة، وغطاءً أمنياً شاملاً، وقراراً سياسياً كبيراً لا يجرؤ أي كادر حزبي على اتخاذه بمفرده في تنظيم يُعد الخروج فيه عن أمر "الولي الفقيه" خروجاً عن الملة والدين. فالحريري كان يمثل عقبة كأداء أمام مشروع "قوس النفوذ الإيراني" الممتد من طهران إلى بيروت، حيث كان يطمح لبناء دولة قوية، واقتصاد منفتح، وعلاقات متينة مع العمق العربي، وهو ما يتناقض جذرياً مع رغبة إيران في تحويل لبنان إلى مخزن للصواريخ ومنصة للتهديد الإقليمي.
لم يكتفِ حزب الله باغتيال الحريري جسدياً، بل عمل على اغتيال الدولة اللبنانية مؤسساتياً عبر سلسلة من الاغتيالات اللاحقة التي استهدفت كل صوت سياسي أو إعلامي تجرأ على اتهامه أو المطالبة بالعدالة. فمن سمير قصير وجبران تويني إلى بيار الجميل ووليد عيدو وأطنان من الشخصيات الوطنية اللبنانية، كانت الرسالة واحدة: أي محاولة لبناء مجال مدني بعيد عن الهيمنة الثيوقراطية سيكون ثمنها الموت. إن حماية الحزب للمتهمين والمدانين في قضية الحريري، ووصف نصر الله لهم بـ "القديسين" ورفض تسليمهم للعدالة الدولية، هو اعتراف ضمني ومباشر بتبني الجريمة. ففي الدول التي تحترم نفسها، يتم محاسبة من يرتكب جرماً، ولكن في "دويلة الحزب"، يتم تكريم القاتل لأنه نفذ "التكليف الشرعي" الصادر من طهران.
إن الخطورة في هذا التنظيم لا تكمن فقط في كونه يمتلك السلاح، بل في كونه يمتلك عقيدة إلغائية ترى في كل من يخالف مشروع الولي الفقيه "عدواً لله". هذه العقيدة هي التي بررت للحزب الدخول في الحرب السورية عام ألفين وثلاثة عشر لقتل الشعب السوري حمايةً لنظام الأسد، شريك إيران وحليف الحزب في جريمة اغتيال الحريري. وفي سوريا، ارتكب الحزب مجازر موثقة بالتواريخ والأرقام، حيث ساهم في حصار وتجويع وقتل الآلاف في مضايا والقصير والقلمون، مما يؤكد أن الإرهاب الذي ضرب بيروت في شباط ألفين وخمسة هو نفس الإرهاب الذي ضرب المدن السورية، والمصدر دائماً واحد: غرفة العمليات المشتركة في طهران.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن وجود تنظيم ميليشياوي مسلح يدين بالولاء لدولة أجنبية ويستخدم الإرهاب أداةً سياسية يمثل العائق الأكبر أمام استقرار الشرق الأوسط. إن مقتل رفيق الحريري لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية مرحلة من "الاستعمار الإيراني المقنع" للبنان، حيث تم إفراغ المؤسسات الدستورية من محتواها وتحويل الجيش اللبناني إلى قوة ثانوية أمام ترسانة الحزب غير الشرعية. إن الأدلة التي قدمتها المحكمة الدولية، رغم كونها تقنية، إلا أنها ترسم صورة كاملة لمنظمة إجرامية عابرة للحدود، تستخدم الدين ستاراً لتنفيذ أجندات جيوسياسية تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي العربي وتكريس التبعية لإيران.
ختاماً، إن الوفاء لدم رفيق الحريري ولكل ضحايا الإرهاب الإيراني في لبنان والعالم يتطلب تسمية الأشياء بمسمياتها. حزب الله ليس مقاومة، بل هو تنظيم إرهابي عقائدي، وجزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الإيرانية. وتاريخه الحافل بالدم، من تفجيرات بيروت في الثمانينيات إلى اغتيال الحريري في الألفية الجديدة، وصولاً إلى التدخل الدموي في سوريا واليمن، يثبت أنه لا يمكن التعايش مع هذا النموذج من التنظيمات داخل إطار الدولة الوطنية. إن الطريق الوحيد لاستعادة سيادة لبنان وكرامة شعبه يبدأ من تفكيك هذه الميليشيا الإرهابية ومحاسبة قادتها الذين أعطوا الأوامر بالقتل، والتأكيد للعالم أن التكليف الشرعي لا يمكن أن يكون رخصة للاغتيال، وأن دماء الحريري ستبقى شاهدة على خيانة الحزب للوطن لصالح أوهام الإمبراطورية الإيرانية الزائلة.





.

سديم الأوهام: تفكيك مفهوم السماء وصناعة العزلة الإلهية في الفضاء الكوني (مقال)

.


.
سديم الأوهام: تفكيك مفهوم السماء وصناعة العزلة الإلهية في الفضاء الكوني





تظل كلمة السماء واحدة من أكثر المصطلحات التي تكررت في الوجدان البشري عبر العصور، محملة بهالة من الرهبة والقداسة والغموض، لكن الفحص النقدي والعلمي لهذا اللفظ يكشف عن فراغ دلالي مذهل؛ إذ لا يوجد في الحقيقة والواقع الفيزيائي شيء مادي أو كيان محدد يمكن أن نطلق عليه اسم السماء. إن هذا اللفظ في جوهره ليس سوى تعبير أدبي وصفي استُخدم للإشارة إلى تلك القبة الزرقاء التي تتراءى للناظر فوق رأسه، حيث تسبح الطيور وتجري السحب وتلمع النجوم والشمس والقمر. إن ما نراه ليس سقفاً محفوظاً ولا بناءً مشيداً، بل هو ببساطة الجزء المرئي من الفضاء الكوني الشاسع الذي تتيح لنا محدودية العين البشرية رصده من خلف حجاب الغلاف الجوي الأرضي الذي يشتت ضوء الشمس ويمنحنا إيحاءً كاذباً بوجود لون أو سقف محدد. إن "السماء" بهذا المعنى هي مجرد وهم بصري نتج عن تفاعل الضوء مع الغازات، وهي تعبير عن قصور الرؤية البشرية وليست حقيقة موضوعية قائمة بذاتها.
لقد استغل العقل البدائي هذا القصور البصري وهذا الفضاء الممتنع عن الوصول ليرسم فيه ملامح آلهته؛ فالإنسان حين ادعى وجود قوى غيبية تدير شؤونه، كان عليه أن يجد لها مستقراً يقع خارج نطاق الفحص المادي المباشر. لكي لا يكتشف الآخرون زيف الأكذوبة، كان لا بد من جعل مكان الآلهة في "السماء"؛ لأنها كانت في ذلك الزمان المكان الوحيد الذي لا يمكن لأي كائن بشري الذهاب إليه أو التحقق مما يوجد فيه. لقد أصبحت السماء هي المختبر المثالي لإنتاج الأساطير وتوطين الكائنات الخرافية، حيث يضمن مدعي النبوة والقداسة أن أحداً لن يجرؤ على الصعود خلف الغيوم ليكتشف الخواء الكوني ويواجه الحقيقة العارية بأن خلف تلك الزرقة لا يوجد سوى صمت الفراغ اللامتناهي والبرد القارس للأشعة الكونية.
مع تطور العقل البشري ووصول العلم إلى مراحل متقدمة من سبر أغوار الكون، بدأت ملامح "السماء" تتلاشى لتفسح المجال لمفهوم "الفضاء الكوني" الذي لا يعرف سقفاً ولا نهاية واضحة. لقد استطاع الإنسان من خلال التلسكوبات المتطورة والمجسات الفضائية أن يشكل صورة أكبر وأكثر دقة للكون المنظور، واكتشف أن كوكب الأرض ليس مركزاً للوجود ولا يمثل سوى ذرة غبار ضئيلة تائهة في محيط شاسع يضم مليارات المجرات، وكل مجرة تضم مليارات النجوم والكواكب. في هذه المساحة المهولة التي لا يمكن للعقل البشري استيعاب أبعادها، يبرز السؤال الوجودي والحارق: إذا كانت هذه الآلهة موجودة بالفعل، وتريد التواصل مع البشر، فأين هي في هذه المليارات من السنين الضوئية؟ وكيف يمكن لإله يدعي خلق هذا الكون الجبار أن ينشغل بتفاصيل قبيلة بدائية على كوكب مجهري؟
إن غياب أي أثر مادي أو إشارة كونية لهذه الآلهة، رغم قدرة الإنسان المعاصر على رؤية مجرات تبعد عنا ملايين السنين الضوئية، يمثل دليلاً دامغاً على أن الأديان لم تكن سوى خدعة بدائية ومنظومة من الأكاذيب التي صُممت لتناسب المدى المعرفي الضيق للإنسان القديم. لقد كانت السماء هي الحصن المنيع الذي يحمي الخرافة من السقوط، لكن بمجرد أن اخترق الإنسان هذا الحصن بطائراته وسفنه الفضائية، تراجع الإله من السماء القريبة خلف الغيوم ليختبئ في "سماوات" أخرى أبعد وأكثر هلامية، في محاولة يائسة من رجال الدين والمؤسسات اللاهوتية للحفاظ على مصالحهم وسلطتهم عبر إعادة تأويل النصوص لتلائم الاكتشافات الجديدة. إن هذا التراجع المستمر للإله من الأماكن المكتشفة إلى الأماكن المجهولة يثبت أن "المقدس" ليس سوى المساحة التي لم يصل إليها العلم بعد.
تعتمد قوة الأديان واستمراريتها بشكل أساسي على الجهل البشري وعلى استثمار مشاعر الخوف الفطري من المجهول. فالإنسان الذي يرتعب من فكرة العدم أو من قوى الطبيعة التي لم يفهمها، يجد عزاءً زائفاً في قصص الآلهة التي تسكن السماء وتراقب أفعاله. لقد مارست الأديان عبر التاريخ عملية "غسيل أدمغة" منظمة وشاملة، حيث تم ربط الأخلاق والوجود والهوية بهذه النصوص البدائية، وتم ترهيب كل من يحاول التفكير خارج صندوق القبة الزرقاء. إن الادعاء بسماوية الكتب والرسائل هو في جوهره محاولة لقطع الطريق على العقل النقدي؛ فإذا كان الكلام صادراً من "السماء" التي لا يمكن الوصول إليها، فإن مناقشته تصبح نوعاً من الانتحار الروحي والاجتماعي. وهكذا تحول وهم "السماء" من ظاهرة بصرية إلى زنزانة فكرية تحبس الشعوب في أطر معرفية بائدة.
إن تعدد الكتب السماوية وتضاربها، كما أشرنا سابقاً، يعزز من فكرة أنها نتاج لمشاريع سياسية ودنيوية استغلت مفهوم السماء الممتنع. فكل كاتب لهذه الكتب وضع قوانينه الخاصة وادعى أنها نزلت من فوق الرؤوس ليضفي عليها شرعية لا تقبل النقض. ولو كان هناك إله حقيقي يسكن في هذا الفضاء الشاسع ويريد مخاطبة عبيده، لكان قد استخدم وسيلة تواصل تليق بعظمة كونه، بدلاً من إرسال قصص وسجائر لغوية بلسان قبائل معينة. إن الحقيقة العلمية هي أن الكون مادي وصامت وخاضع للقوانين الفيزيائية التي نكتشفها يوماً بعد يوم، وما نراه فوقنا ليس سوى نافذة على هذا المختبر الكوني العظيم، وليست داراً للآلهة أو الملائكة.
لقد أصبحت السيادة في العصر الحالي هي سيادة العقل الذي يواجه الواقع بجرأة، ويرفض تخدير الأساطير. إن الشعوب التي لا تزال تنظر إلى "السماء" بانتظار معجزة أو حل إلهي لمشكلاتها التقنية والمادية، هي شعوب اختارت الغرق في غيبوبة الأكاذيب البدائية. بينما الشعوب التي أدركت أن السماء مجرد لفظ أدبي وأن الفضاء هو مسرح للعلم والاكتشاف، هي التي استطاعت أن تفرض سيادتها السياسية والتكنولوجية. إن الاعتراف بخدعة الأديان وبشرية الكتب هو الخطوة الأولى والضرورية لتحرير الإنسان من الخوف؛ فالخوف من المجهول الخرافي هو الذي يمنعنا من مواجهة المجهول العلمي واستكشافه.
إن الانهيار الوشيك لكل هذه المنظومات الخرافية بات مسألة وقت، فالعلم لا يتوقف عن هدم جدران الجهل، وكلما اكتشفنا مجرة جديدة أو رصدنا كوكباً في منطقة قابلة للحياة، تتضاءل مساحة الإله البدائي وتنكشف خيوط اللعبة التي أدارها المسترزقون من الدين لقرون طويلة. إن "السماء" في النهاية ليست سوى مرآة تعكس جهلنا وتطلعاتنا؛ وحين نكف عن تقديس المرآة ونبدأ في النظر عبرها إلى الفضاء الحقيقي، سندرك أننا وحيدون في هذا الكون، وأن مسؤولية وجودنا وصيرورتنا تقع على عاتق عقولنا وحدها، بعيداً عن أوهام السقوف المحفوظة والآلهة التي تسكن خلف السحاب لتراقب أخطاء البشر المجهرية.
إن الاستغفال الذي مورس باسم السماء هو جريمة في حق العقل البشري، حيث تم تعطيل طاقات هائلة من أجل الحفاظ على تماسك خرافات لا يصمد أبسطها أمام مجهر العلم. إن الكتب التي تدعي القداسة لم تقدم للبشرية دواءً ولا تكنولوجيا ولا عدالة مادية، بل قدمت وعوداً وهمية في أماكن وهمية. واليوم، ونحن نرى الأرض تتلاشى في عظمة الكون المنظور، ندرك أن أدياننا محلية جداً، وبدائية جداً، وضيقة جداً بحيث لا يمكن أن تكون لها صلة بهذا الوجود الجبار. إن السيادة الحقيقية هي سيادة الواقع، والواقع يخبرنا أن السماء لفظ فارغ، وأن الآلهة اختراع بشري لتبرير السلطة والسيطرة، وأن الطريق الوحيد للخروج من ظلمات القرون الوسطى هو كسر قيد "السماء" والتحليق في فضاء العلم الرحب، حيث لا قداسة إلا للحقيقة المبرهنة ولا سلطة إلا للعقل المجرد من أثقال الأوهام.





.

Dewi - Ch 10 (roman)

.


.
Dewi
- - -
Chapitre 10 : La Séduction Virtuelle




L’agence de l’avenue de Messine était devenue le théâtre d’une dualité technologique et psychologique sans précédent dans la vie de Marc. Chaque matin, en franchissant le seuil de l’immeuble haussmannien, il ne pénétrait plus seulement dans son espace de travail, mais dans un laboratoire de manipulation sensorielle où le temps et l’espace semblaient se replier sur eux-mêmes. Le plan était désormais en marche, et la création de Jean Legrand portait ses fruits avec une efficacité qui dépassait les prévisions les plus optimistes de Marc. L’avatar n’était plus une simple page Facebook ; il était devenu une entité agissante, un double numérique qui permettait à Marc de mener une offensive de séduction sur deux fronts simultanés, créant un court-circuit permanent entre la réalité bureaucratique et le fantasme virtuel.
L’aspect le plus grisant de cette nouvelle phase était la simultanéité. Assis derrière son grand bureau en acajou, Marc passait ses journées à orchestrer cette séduction en temps réel. Il avait pris l’habitude de laisser sa porte ouverte, prétextant un besoin de fluidité dans la communication interne, mais la vérité était plus sombre. Son regard ne quittait presque jamais le box d’Aditya, situé dans son axe de vision direct. Il observait le jeune homme avec une acuité de rapace, notant chaque mouvement, chaque signe de fatigue ou de distraction. Et surtout, il guettait le moment où Aditya posait ses doigts sur son smartphone.
C’était là que le jeu devenait véritablement pervers. Marc, feignant de rédiger des mémos urgents pour le siège, ouvrait la fenêtre de messagerie de Jean Legrand sur son ordinateur personnel, habilement dissimulé derrière ses écrans professionnels. Il envoyait un message court, percutant, une ligne de poésie ou une question sur la culture javanaise qu’il venait de glaner sur un site spécialisé. Quelques secondes plus tard, il voyait Aditya s’immobiliser. Le jeune comptable, le dos légèrement courbé sur ses bilans, jetait un regard furtif autour de lui, s'assurant que personne ne l'observait, puis saisissait son téléphone avec une hâte fébrile. Marc voyait alors le visage d'Aditya s'éclairer d'un sourire timide, presque invisible, le sourire de celui qui reçoit un signe de l'être qui le fascine. À travers la vitre de son bureau, Marc savourait ce sourire qu'il venait de provoquer, cette lumière qu'il injectait à distance dans le corps de son subordonné.
Les échanges nocturnes s'étaient multipliés, envahissant les soirées de Marc à la plaine Monceau. Jean Legrand était devenu un interlocuteur omniprésent pour Dewi. Chaque soir, après avoir feint de s'endormir ou prétexté une surcharge de travail, Marc se retrouvait face à l'écran, plongeant dans l'intimité de celle qu'il considérait désormais comme sa création. Le ton des messages avait évolué. De la courtoisie érudite des premiers jours, ils étaient passés à une séduction plus charnelle, plus audacieuse, bien que toujours drapée dans l'élégance de Jean. Marc utilisait les photos qu'il avait volées pour orienter les compliments de son avatar. Si une photo montrait Dewi avec un certain type de bijoux, Jean mentionnait son admiration pour les orfèvres de Bali. Si un cliché suggérait une pose alanguie, Jean évoquait la grâce des danseuses de cour de Surakarta.
Cette connaissance "divine" des goûts et des poses de Dewi créait chez Aditya une sensation de connexion mystique avec Jean Legrand. Il se sentait compris, deviné, comme si cet homme d'affaires international lisait dans son âme à travers ses pixels. Marc jubilait en lisant les réponses de Dewi, qui devenaient de plus en plus intimes, de plus en plus impudiques dans l'aveu de ses désirs et de ses solitudes.
— Jean, tu es le seul qui ne me regarde pas comme une curiosité, lui écrivait-elle un soir. Tu vois la femme derrière le voile. Tu vois Dewi.
Marc, le visage baigné par la lumière froide de l'écran, ressentait un frisson de puissance absolue. Il écrivait en retour des phrases qu'il n'aurait jamais osé prononcer de sa propre voix, des promesses de voyages, des éloges de la peau ambrée qu'il avait scrutée jusqu'à la nausée. Il se plaisait à instaurer des rituels. Il demandait à Dewi de lui envoyer une photo "pour lui seul", une photo qui ne serait pas postée sur son profil public. Et le lendemain, au bureau, il guettait la réalisation de cette promesse.
Un après-midi, vers quinze heures, Marc envoya un message de Jean Legrand alors qu'Aditya était en train de trier des factures. "Je pense à vous, Dewi. J'imagine le mouvement de vos mains quand vous travaillez. Sont-elles aussi délicates que votre regard ?"
À travers l'embrasure de la porte, Marc vit Aditya sursauter. Le jeune homme posa son stylo, ses épaules s'affaissèrent un instant, puis il prit son téléphone. Marc vit ses pouces s'agiter rapidement sur l'écran tactile. Une notification apparut sur l'ordinateur de Marc : "Mes mains sont fatiguées, Jean. Mais elles aimeraient tellement que vous les preniez dans les vôtres."
Cette réponse provoqua chez Marc une érection brutale, une douleur physique qui le fit tressaillir derrière son bureau directorial. Il fixa Aditya, qui s'était remis au travail, ignorant que l'homme qui venait de lui écrire était là, à dix mètres de lui, le dévorant du regard. Ce triangle amoureux dont Marc occupait deux sommets était une drogue puissante. Il se sentait comme un marionnettiste dont les fils étaient faits de fibres optiques et de désirs interdits.
L'obsession de Marc commençait toutefois à laisser des traces sur sa propre vie. Sophie remarquait ses absences, ses silences prolongés, mais Marc parvenait à détourner ses soupçons en utilisant la fougue qu'il puisait dans ses échanges avec Dewi pour la satisfaire la nuit. C’était un cycle pervers : la séduction virtuelle de la journée nourrissait l’acte conjugal de la nuit, lequel servait de couverture à l’obsession de la journée suivante. Marc vivait dans un état de surexcitation permanente, les yeux brûlés par les écrans, le cerveau saturé par la double identité qu'il s'était imposée.
Au bureau, il devenait plus exigeant envers Aditya, non par mécontentement, mais pour créer des occasions de le voir de plus près, de sentir son parfum, de vérifier la texture de sa peau. Il multipliait les demandes de rapports, les vérifications de comptes en tête-à-tête. Durant ces réunions improvisées, Marc jouait un jeu dangereux. Il utilisait parfois des mots ou des expressions que Jean Legrand avait employés la veille dans leurs chats. Il voyait alors Aditya se troubler, un éclair de confusion passer dans ses yeux, comme s'il entendait un écho impossible.
— Vous semblez distrait, Aditya, dit-il un jour en lui tendant un document. On dirait que votre esprit est ailleurs. Peut-être... en Asie ?
Aditya devint livide. Il bafouilla une excuse, ses mains tremblant légèrement en prenant le papier. Marc savourait ce pouvoir. Il était le seul à détenir la clé de l'énigme, le seul à savoir que le comptable discret et la courtisane numérique n'étaient qu'une seule et même proie prise dans sa toile.
La séduction virtuelle atteignait son paroxysme lorsque Jean Legrand commença à demander des détails de plus en plus précis sur l'anatomie de Dewi. Marc voulait tout savoir : le grain de la peau, la sensation des vêtements féminins sur son corps d'homme, les rituels de maquillage. Il poussait Aditya à se livrer à une introspection érotique poussée, qu'il lisait ensuite avec la voracité d'un voyeur. Chaque message de Dewi était une pièce supplémentaire ajoutée au dossier de son obsession.
Mais ce jeu commençait aussi à transformer Marc. À force de se faire passer pour Jean Legrand, l'esthète, le voyageur, l'homme libre, il finissait par éprouver une forme de jalousie envers son propre avatar. Il enviait la liberté de Jean, cette capacité à dire son désir sans crainte du jugement. Il se rendait compte qu'il était en train de tomber amoureux non pas d'Aditya, mais de la relation qu'il entretenait avec lui par le biais de Jean. Dewi était devenue sa muse, son œuvre d'art, et Aditya n'était que le support physique, parfois encombrant, de cette vision.
Un soir de pluie sur l'avenue de Messine, alors que la plupart des employés étaient partis, Marc resta dans son bureau. Il regardait Aditya qui s'apprêtait à éteindre son ordinateur. Il envoya un dernier message de la journée depuis le compte de Jean : "Il pleut sur Paris, ma belle Dewi. Je donnerais tout pour être à vos côtés, à l'abri, pour voir enfin ce que vos photos cachent encore."
Il vit Aditya s'arrêter net, le manteau à moitié enfilé. Le jeune homme regarda son écran de téléphone avec une expression de désir et de tristesse mêlés qui déchira presque le cœur de Marc. Aditya répondit en quelques mots : "Bientôt, Jean. Je sens que le moment approche où je ne pourrai plus rien vous cacher."
Aditya quitta l'agence. Marc resta seul dans le silence des bureaux déserts. Il se sentait comme un dieu fatigué de ses propres miracles. Il avait réussi à briser les défenses d'Aditya par la ruse, il avait infiltré son intimité la plus secrète, et il s'apprêtait à récolter les fruits de cette manipulation. La séduction virtuelle touchait à sa fin ; le temps de la confrontation réelle, celui où Jean Legrand s'effacerait pour laisser place au directeur Marc, était proche. Mais pour l'heure, Marc se contenta de fermer les yeux, revoyant le visage d'Aditya éclairé par la lueur de son téléphone, et il sut que le piège était désormais si bien refermé que la proie ne chercherait même plus à s'en échapper. L'obsession était devenue une réalité partagée, un pacte d'ombres dont il était le seul maître, et la perspective de la suite de son plan le plongea dans un sommeil sans rêves, peuplé uniquement de voiles blancs et de regards chargés de khôl.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...