.
.
فخ المركزية الاستعمارية: لماذا بقيت السكك الحديدية حيث توقفت خريطة المستعمر؟
تظل خارطة السكك الحديدية والطرق الكبرى في المنطقة الناطقة بالعربية واحدة من أكثر الشواهد المادية إثارة للتساؤل حول طبيعة الدولة الوطنية التي تشكلت عقب رحيل القوى الاستعمارية الأوروبية، فهي ليست مجرد خطوط حديدية صامتة، بل هي تجسيد حي لمفهوم "التنمية المشوهة" التي ولدت مشلولة منذ لحظة الاستقلال الأولى. إن المتأمل في جغرافية النقل والخدمات في هذه الدول يلحظ مفارقة جيوسياسية واقتصادية صارخة؛ فبينما كان المستعمر يمتلك رؤية وظيفية واضحة، وإن كانت نفعية، لربط منابع الثروة بالموانئ وتشييد مراكز إدارية قوية في المدن الكبرى لضمان السيطرة، فشلت الأنظمة الوطنية التي ورثت هذه الهياكل في تجاوز هذا "المخطط الاستعماري" نحو رؤية تكاملية تربط الأطراف بالمركز. لقد تحولت السكك الحديدية من أداة للتحديث والوصل إلى رمز لـ "فخ المركزية"، حيث تضخمت العواصم والمدن الساحلية على حساب ريف شاسع ظل يرزح تحت وطأة التهميش، وكأن التاريخ الجغرافي للمنطقة توقف تماماً عند اللحظة التي سحب فيها المهندس الاستعماري أدوات مسحه ومضى، تاركاً خلفه إرثاً لم تستطع النخب اللاحقة صيانته، ناهيك عن التوسع فيه برؤية وطنية شاملة.
إن الفشل الذريع لدول ما بعد الاستقلال في ربط الأرياف بالمركز يمثل جوهر الأزمة التنموية التي تعاني منها المنطقة، وهو فشل يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى عمق الفلسفة السياسية للنخب الحاكمة. فالمستعمر عندما مد السكك الحديدية في مصر أو المغرب العربي أو المشرق، كان يتحرك وفق "منطق الشفط"؛ أي سحب الثروات الخام من المناجم والحقول نحو الموانئ ليتم تصديرها إلى المركز الأوروبي، ومن ثم إعادة ضخ المنتجات المصنعة نحو المدن الكبرى التي يقطنها المعمرون والنخبة المحلية الموالية. هذه الهندسة الجغرافية خلقت ما يسمى "الدولة الرأسية" التي تنمو فيها العاصمة طولاً وتضخماً بينما تظل الأطراف مجرد خزان للبشر والموارد الخام دون أي حظ من التنمية الصناعية أو الخدمية. وعندما استلمت الأنظمة الوطنية الحكم، لم تقم بإعادة هندسة هذه الخارطة لتصبح "أفقية" وتكاملية، بل كرست نفس النمط عبر حصر الاستثمارات والخدمات والمستشفيات والجامعات في العاصمة والمدن الساحلية الكبرى، مما خلق فجوة حضارية ومادية هائلة جعلت من الانتقال من الريف إلى المدينة ليس مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة عبر الزمن من القرون الوسطى إلى العصر الحديث. هذا التهميش المنظم للأرياف لم يؤدِ فقط إلى وأد إمكانيات الزراعة والإنتاج المحلي، بل فجر أزمات النزوح العشوائي نحو المدن، لتتحول العواصم إلى كتل إسمنتية متضخمة ومنفجرة سكانياً، بينما بقيت الأرياف قلاعاً للصمت والفقر والغيبيات، وكأن السكك الحديدية لم تكن تهدف يوماً للوصول إليهم، بل للمرور فوق أراضيهم فحسب.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً مؤلماً حول العجز التقني والإداري للأنظمة الوطنية: لماذا عجزت هذه الدول، بمواردها الضخمة وميزانياتها السيادية وجيوشها العرمرم، عن خلق بنية تحتية تضاهي ما أسسه المستعمر بإمكانيات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؟ إن المتتبع لخطوط السكك الحديدية في السودان أو الجزائر أو العراق يجد أن معظم الخطوط الفاعلة هي تلك التي وضع أساسها المستعمر، بل إن كثيراً من الخطوط الفرعية قد تلاشت أو أُهملت حتى خرجت عن الخدمة. إن السر يكمن في انتقال "عقلية الإدارة" من المنطق المؤسساتي إلى المنطق الزبائني؛ فالمستعمر كان يمتلك صرامة في التنفيذ ومحاسبة تقنية دقيقة لأن المشروع بالنسبة له هو "استثمار" يجب أن يدر ربحاً ويستمر في العمل. أما الأنظمة الوطنية، فقد غرق معظمها في مستنقع "الاقتصاد الريعي" الذي دمر حافز البناء والإنتاج؛ فبدلاً من استثمار عوائد النفط أو الضرائب في بناء شبكات نقل تربط البلاد ببعضها وتخلق دورة اقتصادية وطنية، تم توجيه هذه الأموال نحو الإنفاق الاستهلاكي البذخي، وشراء الولاءات السياسية، وبناء القصور والمشاريع الاستعراضية التي تلمع صورة الحاكم دون أن تلمس حياة المواطن البسيط. إن غياب "العقل الهندسي" في التخطيط القومي، واستبداله بعقليات أمنية أو بيروقراطية جامدة، جعل من صيانة كيلومتر واحد من السكة الحديدية يمثل عبئاً تعجز عنه ميزانيات دول كبرى، في مفارقة مخجلة تكشف كيف أن الأدوات البدائية التي استخدمها المستعمر يوماً ما كانت أكثر فاعلية من التكنولوجيا الحديثة حين تفتقر إلى الإرادة والنزاهة والعقلانية الإدارية.
إن هذا العجز البنيوي هو الثمرة المرة للتحول نحو الاقتصاد الريعي في مقابل الاقتصاد المنتج الذي حاول الاستعمار، رغم نفعيته، غرس بذوره الأولى كضرورة تشغيلية. فالاقتصاد المنتج يتطلب بالضرورة شبكة مواصلات كفوءة لربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك والتصنيع، مما يخلق حاجة دائمة لتطوير البنية التحتية. أما في الدولة الريعية التي تعيش على بيع الموارد الخام، فإن الحاجة لربط الأطراف تتلاشى، إذ يكفي وجود أنبوب نفط أو منجم معزول مربوط بميناء لتأمين تدفق المال إلى خزينة المركز. هذا النموذج خلق دولاً "جزيرية" داخل اليابسة؛ حيث نجد بقعاً من الرفاهية الحديثة في العواصم، تحيط بها بحار من الإهمال التام. إن غياب السكك الحديدية عن الأعماق الجغرافية لهذه الدول يعني غياب الدولة نفسها عن تلك المناطق، مما يفسر نشوء النزاعات المسلحة والحركات الانفصالية والشعور بالغبن التاريخي لدى سكان الأطراف. إن السكة الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي أداة "للدمج القومي" وصهر الهويات المحلية في هوية وطنية واحدة قائمة على المصلحة المشتركة والتبادل التجاري والاجتماعي. وعندما بقيت هذه الخطوط حيث تركها المستعمر، فإنها أرسلت رسالة صامتة ومفادها أن الدولة الوطنية لم تستطع تجاوز تعريف "المستعمرة" في جوهر ممارستها التنموية، حيث يظل البعيد عن العين والبعيد عن الميناء، بعيداً عن حسابات النهضة.
لقد تسبب "فخ المركزية" في تشويه النسيج الاجتماعي والعمراني للمنطقة بشكل قد يحتاج إلى قرون لإصلاحه. فالتضخم السرطاني للمدن الكبرى أدى إلى انهيار جودة الحياة فيها، وتحولت إلى مراكز استهلاكية ضخمة لا تنتج شيئاً سوى البيروقراطية، بينما أُفرغ الريف من طاقاته البشرية المبدعة التي هاجرت بحثاً عن فرصة عمل أو خدمة صحية لا تتوفر إلا في "المركز المقدس". إن استمرار الاعتماد على الخرائط الاستعمارية للنقل والخدمات يعكس عجزاً فكرياً قبل أن يكون عجزاً مادياً؛ إنه العجز عن تخيل "دولة المواطنة" التي تتوزع فيها الثروة والفرص بعدالة جغرافية. إن النهضة الحقيقية تبدأ من تلك اللحظة التي يقرر فيها العقل السياسي أن يمد سكة الحديد ليس إلى حيث يوجد الذهب أو النفط فقط، بل إلى حيث يوجد الإنسان، ليربط مصير القروي بمصير ابن العاصمة في دورة اقتصادية واحدة لا تعرف التهميش. إن بقاء السكك الحديدية حيث تركها المستعمر هو الإدانة الكبرى لقرن من الزمن ضاع في الشعارات القومية الجوفاء التي لم تستطع أن تضع حجراً فوق حجر في بناء جغرافية وطنية متماسكة وعقلانية.
إن الانتقال من "جغرافية النهب" التي أسسها المستعمر إلى "جغرافية التنمية" التي تنشدها الشعوب، يتطلب ثورة شاملة في أنماط التفكير الاقتصادي. يتطلب الأمر التخلي عن عقلية "المركز المتسلط" الذي يرى في الأطراف مجرد تابع، والتحول نحو نموذج "التنمية اللامركزية" الذي يعطي للأقاليم قدرتها على النمو الذاتي عبر بنية تحتية حديثة ومستقلة. إن السكك الحديدية المفقودة هي في الحقيقة الفرص الضائعة لنمو اقتصاد وطني منتج يربط المصنع بالحقل والميناء بالسوق المحلي، بدلاً من بقائنا مجرد محطات عبور لموادنا الخام نحو الخارج. إن الدرس الجيوسياسي الذي تقدمه لنا خارطة النقل الموروثة هو أن السيادة الحقيقية لا تتحقق برفع الأعلام فقط، بل بمد الجسور والخطوط الحديدية التي توحد الأرض وتخلق واقعاً مادياً جديداً يتجاوز طموحات المستعمر ويحقق كرامة المواطن في كل شبر من تراب الوطن.
.