Translate

العمارة الهجينة: تفكيك الجذور التوفيقية لنشأة الإسلام في ضوء المراجعات التاريخية الحديثة (مقال)

.


.
العمارة الهجينة: تفكيك الجذور التوفيقية لنشأة الإسلام في ضوء المراجعات التاريخية الحديثة



تمثل دراسة البدايات الأولى للإسلام واحدة من أكثر المناطق تعقيداً في البحث السوسيو-تاريخي المعاصر، حيث بدأت المناهج النقدية الحديثة تتجاوز السردية التقليدية التي ترى في الإسلام انفجاراً روحياً مفاجئاً ومنعزلاً في قلب الصحراء، لتطرح بدلاً من ذلك رؤية ترى فيه صيرورة تراكمية وتشكيلاً هجيناً استوعب وتناصّ مع فضاءات دينية وثقافية كانت تموج بها منطقة الشرق الأدنى في العصور القديمة المتأخرة. إن فكرة "الأصالة المطلقة" للنص الديني تتآكل أمام الشواهد التي تشير إلى أن الإسلام المبكر لم يكن سوى خليط غير متجانس، استعار لبناته الأساسية من الركام اللاهوتي لليهودية والمسيحية، ومن بطون الكتب الأبوكريفية المنحولة، ممتزجاً بالموروث الميثولوجي العربي والطقوس الوثنية التي تمت إعادة تدويرها ومنحها صبغة توحيدية جديدة. هذا البحث في الأصول يكشف عن ميكانيكا الاستعارة والتحوير التي مارسها النص التأسيسي الأول، ليس فقط تجاه الأديان الكبرى، بل حتى تجاه الحركات النبوية المنافسة التي عاصرت تلك الحقبة، والتي تم قمع سرديتها وتشويه رموزها لإثبات تفرد التجربة المحمدية.
تبدأ ملامح هذا التشكيل الهجين من الانغماس الكلي في البيئة اليهودية المسيحية التي كانت سائدة في الحجاز وفي شمال الجزيرة العربية، حيث لم يكن الإسلام سوى صدى متأخر لجدالات كريستولوجية لاهوتية لم تهدأ لقرون. يرى العديد من الباحثين في مدرسة المراجعة التاريخية أن الكثير من المضامين القرآنية ليست سوى ترجمات أو إعادات صياغة لليتورجيات سريانية وعبرية كانت تستخدمها فرق مسيحية اعتبرتها الكنيسة الرسمية هرطقية، مثل الأبيونيين والأريوسيين. هؤلاء الذين رفضوا ألوهية المسيح وتمسكوا بالتوحيد الصارم وبالشريعة الموسوية، وفروا الأرضية الخصبة التي نبتت فيها بذور الفكر الإسلامي. فالقرآن لا يقدم قصص الأنبياء كمعلومات جديدة، بل يفترض في مستمعه علماً مسبقاً بها، مما يشير إلى أن الجمهور الأول كان جزءاً من هذا الفضاء المعرفي المشترك. إن الاستعارة هنا لم تكن مجرد نقل، بل كانت عملية انتقاء واعية لما يخدم العقيدة الجديدة، حيث تم استخدام قصص الأنبياء كأدوات سياسية للتحذير والوعيد، وتحويل الشخصيات التوراتية إلى أسلاف للمبدأ المحمدي، مما يعطي الانطباع بأن الإسلام هو "النسخة المصححة" أو "الاسترداد" لديانة قديمة تم تحريفها، وهي استراتيجية تبريرية كلاسيكية تستخدمها الحركات الدينية الناشئة للاستحواذ على شرعية ما سبقها.
ولا تقف حدود الاستعارة عند النصوص الرسمية لليهودية والمسيحية، بل تمتد لتشمل مادة دسمة من الكتب الأبوكريفية والمدراشات اليهودية التي كانت متداولة كأساطير شعبية. إن وجود قصص مثل نفخ الروح في الطيور من قبل عيسى وهو طفل، أو قصة أهل الكهف، أو تفاصيل مريم ونخلتها، يجد جذوره المباشرة في أناجيل الطفولة المنحولة ورؤى بطرس وغيرها من النصوص التي رفضتها المجامع الكنسية. هذا الاعتماد على "الأبوكريفا" يكشف أن المصدر لم يكن وحياً متسامياً، بل كان الوجدان الشعبي المحتقن بالقصص الخرافية التي كانت تمثل "ثقافة العصر". ومن هنا، يمكن قراءة النص القرآني بوصفه "تجميعاً" أدبياً بارعاً قام بصهر هذه الشتات القصصي في قالب لغوي عربي مسجوع، مما أضفى عليه طابعاً محلياً أخرجه من إطاره الأعجمي إلى إطاره القومي الجديد. إن هذا "المسخ" أو التشويه للمقاصد الأصلية لتلك القصص كان ضرورياً لخلق "القطيعة" مع الآخرين؛ فبينما يأخذ الإسلام المادة الخام منهم، فإنه يعيد توجيه معناها ليضرب شرعية وجودهم كأديان مستقلة.
وفي الجانب الآخر من المشهد، نجد أن الإسلام لم يتخلص من رواسب الوثنية العربية بل قام بـ "تبييضها" ودمجها في نسيجه العقدي. الطقوس التي نراها اليوم في الحج، من الطواف حول الكعبة وتقبيل الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروة، هي في جوهرها طقوس وثنية قديمة كانت تمارسها القبائل العربية لتمجيد آلهتها المحلية. إن تحويل "الحك" أو الاحتكاك بالأحجار المقدسة إلى "حج" إبراهيمي هو واحدة من أذكى عمليات التوفيق الديني في التاريخ. لقد أدرك الإسلام المبكر أن استئصال العادات المتجذرة في الوجدان العربي أمر مستحيل، فقام بدلاً من ذلك بـ "أسلمة" هذه الوثنية عبر ربطها بشخصية إبراهيم وإسماعيل، وهي شخصيات لم يثبت تاريخياً أو أثرياً وجود أي صلة لها بالحجاز أو بالكعبة. هذا الربط القسري منح الطقس الوثني قداسة توحيدية، وحول المركز التجاري والوثني لمكة إلى مركز كوني للدين الجديد. حتى الميثولوجيا العربية المتعلقة بالجن والشياطين وجدت طريقاً مفروشاً إلى النص، حيث تم الإبقاء على كائنات "الجن" كحقيقة واقعية، بل وصُوروا كمستمعين للقرآن ومكلفين بالرسالة، وهو ما يعكس رغبة في استيعاب الخيال الشعبي العربي وضمان عدم اصطدامه مع المنظومة الجديدة.
وعند فحص الحركات النبوية المنافسة في الجزيرة العربية، تتجلى بوضوح أكبر آليات الاقتباس والسرقة الفكرية التي مارسها الإسلام المبكر. إن شخصية مسلمة بن حبيب، الذي أطلق عليه التراث الإسلامي لاحقاً لقب "مسيلمة الكذاب" لتقزيمه، يمثل حلقة مفقودة وهامة. تشير الدراسات المقارنة للنصوص المتبقية من سجع مسلمة إلى تشابهات مذهلة مع أسلوب السور المكية المبكرة. بل إن الأدلة التاريخية تلمح إلى أن مسلمة وسجاح كانا قد وضعا نظماً تعبدية متكاملة قبل أو بالتزامن مع الدعوة المحمدية. فكرة "المؤذن" التي ينسبها التراث لرؤيا منامية لأحد الصحابة لتبرير شرعيتها، كانت في الواقع ممارسة موجودة لدى أتباع مسلمة وسجاح لجمع الناس للصلاة. إن استعارة شعيرة الأذان، وتطوير مفهوم "القرآن" ككتاب مسجوع، وحتى لقب "رحمان اليمامة" الذي كان يُطلق على مسلمة، كلها عناصر تشير إلى أن محمداً لم يكن يبتكر ديناً من العدم، بل كان ينافس في "سوق للنبوة" كانت تعج بالمتنبئين الذين يستخدمون الأدوات نفسها. إن انتصار محمد العسكري والسياسي لاحقاً هو الذي سمح بمحو تاريخ هؤلاء المنافسين أو تحويله إلى مادة للسخرية، بينما تم الاحتفاظ بجوهر ابتكاراتهم التنظيمية والطقوسية ونسبتها إلى الوحي الإلهي.
إن التناقض الصارخ في الإسلام يكمن في كونه يدعي "النقاء" بينما هو في الواقع "متحف" للأفكار المستعملة. فهو يستعير التشريع من التلمود، والرهبنة (بعد تعديلها) من المسيحية، والكونيات من الزرادشتية (مثل الصراط وميزان الأعمال)، والطقوس من الوثنية العربية، ثم يدعي بعد ذلك أنه "مهيمن" عليها ومصحح لها. هذا الخلط غير المتجانس خلق بنية مليئة بالثغرات اللاهوتية والتاريخية، حيث نجد نصوصاً تمدح أهل الكتاب تارة وتلعنهم تارة أخرى، ونجد تمجيداً للكعبة في حين أنها كانت معبداً للأصنام. هذا الارتباك هو النتيجة الطبيعية لعملية "التجميع" المتسرعة التي تمت في ظروف صراعات سياسية وعسكرية مكثفة، حيث كان الهدف الأسمى هو توحيد العرب تحت راية واحدة تتجاوز الانتماء القبلي إلى انتماء "عقدي" يمتلك عمقاً تاريخياً (مستعاراً من اليهود) وقوة تبشيرية (مستعاراً من المسيحيين).
في نهاية المطاف، يكشف النقد التاريخي أن الإسلام ليس "ثورة" دينية بقدر ما هو "إعادة صياغة" قومية عربية للموروث الديني للشرق الأدنى. إن عبقرية محمد، أو الفريق الذي صاغ الإسلام لاحقاً، لم تكن في الإتيان بجديد، بل في القدرة على "توليف" هذه العناصر المتنافرة ومنحها طابعاً حماسياً قادراً على التمدد. إن اعتبار الإسلام "مسخاً" أو "سرقة أدبية" قد يبدو قاسياً من منظور لاهوتي، لكنه من منظور تاريخي محايد يمثل وصفاً دقيقاً لعملية التثاقف القسري. لقد تم هضم المعارف والطقوس السابقة وتحويلها إلى "أدوات سلطة"، وتم تغليف هذا كله بلغة إعجازية تمنع السؤال وتفرض التسليم. وبناءً عليه، فإن قراءة الإسلام كخروج من رحم "الهرطقات" اليهودية المسيحية، وكتطوير لأساطير العرب وطقوسهم، وكاقتباس من تجارب المتنبئين المنافسين، هي القراءة الوحيدة التي تفسر لنا هذا الكم الهائل من التشابهات التي لا يمكن إرجاعها للمصادفة أو للوحدة المصدرية الغيبية، بل هي نتاج بشري بامتياز، استثمر في تراث البشرية ليخلق إمبراطورية النص.



.

الكراهية المُضللة: كيف ربحت الشعوب التي تخلت عن معاداة أمريكا وخسرت الدول التي تمسكت بها (مقال)

.


.
الكراهية المُضللة: كيف ربحت الشعوب التي تخلت عن معاداة أمريكا وخسرت الدول التي تمسكت بها



في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والاقتصادي بوتيرة غير مسبوقة، يظل السؤال الأبرز: لماذا نجحت بعض الدول والشعوب في اللحاق بالركب الحضاري بينما ظلت أخرى غارقة في التخلف والفشل؟ الإجابة تكمن في اختيار واحد حاسم: هل تتعاون مع القوى الرائدة في النظام العالمي، أم ترفضها وتتمسك بأيديولوجيات جامدة تحول دون التطور؟ أمريكا، كقائدة للنظام الرأسمالي المنفتح والابتكار الحر، ليست مجرد دولة، بل تمثل نموذجاً اقتصادياً وسياسياً أثبت فعاليته في رفع مستويات المعيشة وخلق فرص للتقدم. الدول التي تخلت عن كراهيتها لأمريكا، أو على الأقل عن معاداتها العقائدية، حققت طفرات تنموية مذهلة، بينما الدول التي بنت سياساتها على العداء لهذا النموذج انتهت إلى انهيار اقتصادي، ديكتاتوريات مستبدة، فساد متغلغل، ومعاناة شعبية لا تنتهي.

تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية يقدم أدلة دامغة على هذا الاختيار. اليابان، التي دمرتها الحرب تماماً في عام 1945، كانت مدينة لأمريكا بإعادة بنائها عبر خطة مارشال الموسعة وإصلاحات ماك آرثر. بدلاً من التمسك بكراهية المنتصر، اختارت اليابان التحالف الاستراتيجي والاقتصادي مع واشنطن. النتيجة كانت معجزة اقتصادية حقيقية: من اقتصاد مدمر إلى ثالث أكبر اقتصاد عالمي بحلول الثمانينيات، مع نمو سنوي تجاوز العشرة في المئة خلال عقود. اليابان استفادت من التكنولوجيا الأمريكية، من السوق الأمريكي المفتوح، ومن الحماية الأمنية التي سمحت لها بتوجيه ميزانيتها نحو التعليم والصناعة بدلاً من التسلح. اليوم، رغم تباطؤ النمو، يعيش اليابانيون مستوى رفاهية عالياً، مع دخل فردي يفوق الخمسين ألف دولار سنوياً، ونظام صحي وتعليمي من أفضل ما في العالم.

كوريا الجنوبية تقدم نموذجاً أكثر إثارة للدهشة. في الخمسينيات، بعد الحرب الكورية، كانت كوريا الجنوبية أفقر من كوريا الشمالية، مع دخل فردي لا يتجاوز المئة دولار سنوياً. اختارت سيئول التحالف مع أمريكا، تلقت مساعدات هائلة، وتبنت نموذجاً اقتصادياً يعتمد على السوق الحرة والتصدير. النتيجة: تحولت إلى عملاق تكنولوجي، مع شركات مثل سامسونج وهيونداي تغزو الأسواق العالمية. بحلول عام 2025، يقدر دخل الفرد في كوريا الجنوبية بحوالي ستة وثلاثين ألف دولار، مقارنة بدخل يقدر بألف وثلاثمئة دولار فقط في كوريا الشمالية. الفرق ليس في الموارد الطبيعية – فكوريا الشمالية غنية بالمعادن – بل في الاختيار: الجنوب انفتح على أمريكا والعالم، بينما الشمال انغلق في نظام شمولي معادٍ للغرب، مما أدى إلى مجاعات متكررة، عزلة، وتخلف تكنولوجي يعود إلى عقود مضت. هذا التباين يجسد الدرس الأساسي: التعاون مع النموذج الأمريكي يبني الرفاهية، بينما الكراهية والانغلاق يدمران الشعوب.

فيتنام تقدم درساً أحدث وأكثر إقناعاً. بعد حرب دامية مع أمريكا انتهت عام 1975، كانت فيتنام مدمرة ومعزولة تحت نظام شيوعي جامد. لكن في عام 1986، أطلقت إصلاحات الديوان موي (التجديد)، ثم وقعت اتفاقية تجارية ثنائية مع أمريكا عام 2000، وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية عام 2007. هذه الخطوات حوّلت فيتنام من دولة فقيرة إلى مصنع عالمي. النمو الاقتصادي تجاوز الستة في المئة سنوياً منذ مطلع الألفية، ووصل إلى ثمانية في المئة في عام 2025، مع ناتج محلي إجمالي يقارب خمسمئة مليار دولار. الدخل الفردي ارتفع من أقل من ألف دولار في التسعينيات إلى أكثر من خمسة آلاف دولار اليوم، مع انخفاض الفقر بشكل دراماتيكي. فيتنام استفادت من الاستثمارات الأمريكية والغربية، وأصبحت شريكاً تجارياً رئيسياً لواشنطن، رغم تاريخ الصراع. هذا التحول يثبت أن تجاوز الكراهية التاريخية والتركيز على المصالح المشتركة يفتح أبواب التقدم.

أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تقدم نموذجاً جماعياً. بولندا، التي عانت تحت الشيوعية السوفييتية، انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 بعد تحالف وثيق مع أمريكا والغرب. النتيجة كانت نمواً اقتصادياً هائلاً، مع تضاعف الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات بين 2004 و2022، وارتفاع الدخل الفردي بشكل كبير. الدول البلطيقية – إستونيا ولاتفيا وليتوانيا – حققت طفرة مشابهة بعد الاستقلال والانفتاح على الناتو والاتحاد الأوروبي. هذه الدول تخلت عن العداء للغرب، تبنت الديمقراطية والسوق الحرة، وأصبحت نماذج للنجاح في أوروبا الشرقية. في المقابل، الدول التي تمسكت بنماذج معادية للغرب، مثل بيلاروسيا تحت لوكاشينكو، غرقت في التخلف والقمع.

على النقيض، الدول التي بنت هويتها السياسية على كراهية أمريكا والغرب عانت من فشل مدوي. كوريا الشمالية، كما ذكرنا، نموذج للانهيار: نظام ديكتاتوري يعاني من مجاعات دورية، عزلة كاملة، وتخلف تكنولوجي يجعل شعبها يعيش في ظروف تشبه القرن التاسع عشر. فنزويلا، التي كانت أغنى دولة في أمريكا اللاتينية بفضل احتياطياتها النفطية، انهارت تحت حكم تشافيز ومادورو. سياسات التأميم، التحكم في الأسعار، والفساد المنهجي أدت إلى انكماش اقتصادي يفوق السبعين في المئة منذ 2013، مع تضخم مفرط تجاوز الملايين في المئة، وهجرة ملايين الفنزويليين. رغم الثروة النفطية، أصبحت فنزويلا تعاني من نقص الغذاء والدواء، مع فساد متغلغل يجعل الدولة نفسها مصدر الفقر. الكراهية لأمريكا استخدمت كغطاء لتبرير الفشل الداخلي، لكن الشعب هو من دفع الثمن.

كوبا، بعد عقود من العداء لأمريكا والانغلاق، تعاني من اقتصاد راكد، مع دخل فردي منخفض وهجرة مستمرة. إيران، التي بنت نظامها على معاداة الغرب، تواجه عقوبات وعزلة جزئية أدت إلى تضخم عالٍ، بطالة، وتدهور مستوى المعيشة، رغم ثرواتها النفطية. سوريا تحت الأسد غرقت في حرب أهلية مدمرة، مع اقتصاد منهار وفساد يسيطر على كل شيء. هذه الدول تشترك في سمة واحدة: أنظمتها الإيديولوجية الجامدة – سواء شيوعية أو إسلاموية أو قومية متطرفة – رفضت التغيير والانفتاح، فتحول الفساد إلى منهج دولة، لا مجرد خلل فردي. في الأنظمة المنفتحة، توجد مؤسسات تقاوم الفساد وتصحح الأخطاء، أما في الأنظمة الدوغمائية فالفساد يصبح جزءاً من البنية، يحمي النخبة ويدمر الشعب.

عقدة الكراهية لأمريكا ليست سوى تعبير عن عقدة نقص داخلية. الشعوب التي تكره الغرب تستخدم هواتف آيفون، تشاهد نتفليكس، تدرس في جامعات أمريكية، وتستهلك منتجات غربية في كل جوانب حياتها، لكنها ترفض الاعتراف بأن هذا التقدم جاء من نظام يعتمد على الحرية والابتكار. هذه الكراهية منافقة: ترفض النموذج الذي ينتج الرفاهية، ثم تلومه على فشلها الذاتي. العدو الحقيقي ليس أمريكا، بل الإيديولوجيا الجامدة – سواء سياسية أو دينية أو مزيج منهما – التي تمنع التغيير وتحول الدولة إلى سجن كبير. الأنظمة القابلة للتطور تسمح بالإصلاح، بالنقد، بالتعددية، فتنمو وتتقدم. أما الأنظمة الدوغمائية فتجمّد في الماضي، وتدفع شعوبها إلى الفقر والقمع.

الدرس واضح: الاعتراف بريادة النموذج الأمريكي ليس تبعية، بل واقعية. التعاون مع الناجح هو أقصر طريق للنجاح. الدول التي تخلت عن كراهيتها ربحت الرفاهية، الابتكار، والحرية النسبية. أما الدول التي تمسكت بالعداء فخسرت كل شيء: اقتصادها، كرامتها، ومستقبل أجيالها. حان الوقت لتجاوز عقدة الكراهية، والتركيز على ما يبني: الانفتاح، التعلم، والاندماج في العالم الحديث. فالمستقبل لا يكتبه الشعارات، بل الواقعيون الذين يختارون التقدم على الحقد.


.

ملالي إيران، نظام من الورق (مقال)

.


.
ملالي إيران، نظام من الورق



منذ عقود، يُروَّج للنظام الإيراني كقوة إقليمية لا تُقهر، يمتد نفوذه عبر "محور المقاومة" من بيروت إلى صنعاء مروراً بدمشق وبغداد، مدعوماً ببرنامج نووي طموح وترسانة صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أوروبا الشرقية وأبعد. يتباهى قادته بالقدرة على مواجهة "الكيان الصهيوني" والولايات المتحدة، ويصورون أنفسهم كحماة للمستضعفين. لكن تحت هذا الستار الخارجي المهيب، يكمن واقع مختلف جذرياً: نظام هش، مثخن بالثغرات الأمنية، يعاني من اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق ومستمر على مدى عقود، يجعله يبدو كبناء من الورق ينتظر الريح القوية ليسقط. العمليات الإسرائيلية طويلة النفس، التي تمتد منذ أوائل الألفية الجديدة وحتى عام 2026، ليست حوادث متفرقة بل استراتيجية مدروسة تجمع بين الاستخبارات البشرية، والحرب السيبرانية، والعمليات الخاصة، والاغتيالات الدقيقة، لتكشف هشاشة بنيوية في قلب الجمهورية الإسلامية.

بدأت جذور هذا الاختراق في السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، لكنها اكتسبت زخماً نوعياً مع بداية الألفية الثانية، عندما أدركت إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً وجودياً مباشراً. في عام 2005، بدأت إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، في تطوير فيروس **ستوكسنت** ضمن عملية سرية تحمل الاسم الرمزي "الألعاب الأولمبية" (Operation Olympic Games). تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في يونيو 2010، لكنه كان قد أُدخل إلى أنظمة منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران منذ عام 2009 على الأقل. هذا البرنامج الخبيث، الذي استهدف أنظمة التحكم الصناعي Siemens Step7، كان يتلاعب بسرعة الطرد المركزي IR-1، فيجعلها تتسارع إلى مستويات مدمرة ثم تتباطأ فجأة، مما أدى إلى تدمير حوالي 1000 طرد مركزي من أصل 9000 في نطنز بحلول عام 2010. الاختراق هنا لم يكن تقنياً فقط؛ فقد تطلب إدخال الفيروس إلى شبكة معزولة عن الإنترنت، مما يشير إلى وجود مصادر بشرية داخلية أو عملاء قادرين على نقل أجهزة مصابة إلى قلب المنشأة في محافظة أصفهان. أخرت هذه العملية البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وأثبتت أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أكثر الأماكن حراسة داخل إيران.

مع تصاعد التهديد، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى سلسلة اغتيالات دقيقة لعلماء نوويين بارزين. في 15 يناير 2007، قُتل الفيزيائي أردشير حسينبور في مدينة أصفهان بتسميم غامض، واتهم النظام إسرائيل. في 12 يناير 2010، انفجر قنبلة مغناطيسية مثبتة على دراجة نارية قرب منزل أستاذ الفيزياء مسعود علي محمدي في شمال طهران، مما أسفر عن مقتله أثناء توجهه إلى جامعة طهران. في 29 نوفمبر 2010، قُتل مجيد شهرياري، أستاذ هندسة نووية في جامعة شهيد بهشتي بطهران، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته، بينما أصيب فريدون عباسي دواني، خبير فصل النظائر، في هجوم مشابه في اليوم نفسه. في 23 يوليو 2011، قُتل داريوش رضائي نجاد، مهندس نووي، برصاص مجهولين في طهران. في 11 يناير 2012، قُتل مصطفى أحمدي روشن، نائب مدير منشأة نطنز، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته في شمال طهران. بلغت الذروة في 27 نوفمبر 2020، عندما اغتيل محسن فخري زاده، الذي يُعتبر "أبو البرنامج النووي" الإيراني، قرب بلدة أب سرد شرق طهران، باستخدام سلاح رشاش آلي يعمل عن بعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي وكاميرات تحديد الموقع، في عملية تطلبت مراقبة دقيقة لروتينه اليومي وحراسته.

كل هذه العمليات تطلبت معلومات فائقة الدقة عن تحركات الأهداف، روتينهم اليومي، وحتى نقاط الضعف في حراساتهم. القدرة على تنفيذ اغتيالات داخل إيران، بعيداً عن الحدود، تكشف عن شبكة واسعة من المصادر البشرية، سواء عملاء مجندين أو إيرانيين غير راضين عن النظام يقدمون معلومات مقابل مال أو لأسباب أيديولوجية. في يونيو 2021، أدلى علي يونسي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق (1997-2005)، بتصريح صادم: "نفوذ الموساد في مختلف القطاعات واسع لدرجة أن كل مسؤول في الجمهورية الإسلامية يجب أن يخشى على حياته". وفي مقابلة أخرى عام 2021، ادعى محمود أحمدي نجاد، الرئيس السابق، أن رئيس الوحدة المكلفة بمكافحة عمليات الموساد داخل إيران كان نفسه عميلاً لإسرائيل، إلى جانب نحو 20 آخرين في الوحدة نفسها.

في 31 يناير 2018، جاءت عملية سرقة الأرشيف النووي من مستودع سري في منطقة تورقوز آباد جنوب طهران لتكشف عن بعد آخر من العمق. عملاء الموساد اقتحموا المستودع ليلاً، سرقوا أكثر من 55 ألف صفحة وثائق و183 قرصاً مدمجاً تحتوي على تفاصيل البرنامج النووي السري "مشروع عماد"، ثم نقلوهم إلى إسرائيل في عملية استغرقت ساعات قليلة. في 30 أبريل 2018، عرض بنيامين نتنياهو هذه الوثائق في مؤتمر صحفي تل أبيبي، مما أجبر إيران على الاعتراف جزئياً ببعض جوانب برنامجها السابق، وأضعف موقفها التفاوضي دولياً.

لم تتوقف العمليات عند ذلك. في 2 يوليو 2020، وقع انفجار كبير في منشأة نطنز أدى إلى تدمير جزء من خطوط التخصيب، واتهمت إيران إسرائيل بزرع قنبلة. في 11 أبريل 2021، تعرضت نطنز لانقطاع كهرباء مدبر أدى إلى تدمير آلاف الطرد المركزي، ووصف رئيس لجنة البرلمان الإيرانية أن "آلاف الطرد المركزي" دُمرت. في 2022، توفي علماء نوويون آخرون في ظروف غامضة، منهم اثنان في مدن مختلفة خلال أيام قليلة بتسميم.

مع تصاعد التوترات في 2023-2025، بلغ الاختراق ذروته في عمليات طويلة النفس أعدت لسنوات. في 13 يونيو 2025، أطلقت إسرائيل عملية "الأسد المنتصب" (Rising Lion)، التي استمرت 12 يوماً. شملت الضربات الجوية أكثر من 200 طائرة مقاتلة ضربت أكثر من 100 هدف، بما في ذلك نطنز وفوردو وأصفهان. الموساد قام بتهريب أسلحة وطائرات مسيرة وصواريخ دقيقة إلى داخل إيران على مدى سنوات، وأقام قواعد سرية لإطلاقها. في الساعات الأولى، انطلقت هذه الأسلحة من داخل الأراضي الإيرانية لتدمير أنظمة الدفاع الجوي، مما فتح المجال أمام سلاح الجو الإسرائيلي. قُتل قادة كبار مثل حسين سلامي قائد الحرس الثوري، محمد باقري رئيس هيئة الأركان، غلام علي رشيد، أمير علي حاجي زاده قائد القوة الجوية للحرس، وفريدون عباسي دواني. كما قُتل 14 عالماً نووياً على الأقل في الضربات الأولى، منهم محمد مهدي تهرانشي رئيس جامعة آزاد الإسلامية، عبد الحميد منوشهر، أحمد رضا زلفاغاري، أمير حسين فقهي، أكبر مطلبی زاده، علي بهوي كاتيريمي، منصور أصغري، وسيد أمير حسين فقهي، وسعيد بورجي. التخطيط اعتمد على اختراق كاميرات مراقبة، مراقبة حراس، وتحديد مواقع داخل الغرف.

في فبراير 2026، جاءت عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) المشتركة مع الولايات المتحدة في 28 فبراير، حيث أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاره علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وآخرين في ضربات دقيقة على طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه. الضربات استهدفت مقرات إقامة ومكاتب، معتمدة على معلومات فائقة الدقة من مصادر داخلية.

هذه العمليات لم تقتصر على العسكري؛ بل امتدت إلى الحرب النفسية والاقتصادية. هجمات سيبرانية شلت الإنترنت في مناطق واسعة، وعطلت خدمات حكومية، وأثارت شكوكاً داخل النظام. الوحدة 8200 لعبت دوراً محورياً، مستفيدة من الثغرات في البنية التحتية الإيرانية الناتجة عن العقوبات.

ما يجعل هذه النجاحات قياسية هو طبيعتها طويلة النفس: كل اغتيال يضعف الروح المعنوية، كل هجوم سيبراني يعطل التقدم، كل سرقة تكشف الأكاذيب. النظام يعاني من كراهية داخلية واسعة، مما يسهل التجنيد. المسؤولون الإيرانيون أنفسهم اعترفوا بأن "العدو داخل البيت"، وأن الثغرات تشكل خطراً وجودياً.

في النهاية، يظهر الواقع أن النظام الإيراني، رغم ضجيجه، هش يعتمد على الترهيب أكثر من القوة الحقيقية. الاختراق الإسرائيلي المستمر يكشف هذه الهشاشة، ويثبت أن القوة الحقيقية في معرفة الخصم وإصابته في نقاط ضعفه. إيران نظام من الورق: صلب من بعيد، لكنه يتمزق من الداخل، وإسرائيل تمتلك اليد الطويلة للإمساك به.


.

خرافة مظلومية آل البيت: تحليل مادي لصراع السلطة في التاريخ الإسلامي المبكر (مقال)

.


.
خرافة مظلومية آل البيت: تحليل مادي لصراع السلطة في التاريخ الإسلامي المبكر



تُروج الرواية الشيعية التقليدية لصورة مظلومية مطلقة لآل البيت، وتحديداً علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، كأنهم ضحايا ظلم إلهي ممنهج منذ وفاة النبي محمد، يمتد من سقيفة بني ساعدة إلى مذبحة كربلاء، مع إضفاء قداسة تجعلهم معصومين ومظلومين بشكل لا يقبل النقاش. هذه الرواية، التي تُغذي الطقوس مثل اللطم والتباكي في عاشوراء، تحول الصراعات السياسية إلى دراما غيبية، حيث يُصور الخصوم كأشرار مطلقين يغتصبون حقاً إلهياً. لكن عند النظر إلى الأحداث من منظور مادي بحت، يتضح أن ما جرى كان صراعاً بشرياً عادياً على السلطة والموارد داخل النخبة القرشية، مشابه للصراعات القبلية قبل الإسلام، وأن جميع الأطراف – بما فيها آل البيت – طبقوا نفس المنهج العنيف الذي أسسه محمد في التعامل مع المعارضين والمنتقدين، سواء كانوا شعراء أو قبائل أو أفراداً. إذا كان هناك "ضحايا"، فهم ضحايا لديناميكية السلطة نفسها التي أسسها محمد، لا لظلم استثنائي موجه ضدهم وحدهم. وبالتالي، لا يوجد ظلم فريد هنا يستحق التباكي المستمر، بل صراع سياسي على السلطة، ولو تبادلت الأدوار لفعل الطرف الآخر نفس الشيء، كما فعل علي فعلياً عندما تولى الخلافة.
يبدأ التحليل من السياق التاريخي العام: بعد وفاة محمد عام 632م، لم تكن الدولة الإسلامية الناشئة دولة مركزية مستقرة، بل اتحاداً قبلياً هشاً يعتمد على الغنائم والولاءات الشخصية والقبلية. الصراع على الخلافة لم يكن دينياً بحتاً، بل سياسياً واقتصادياً: من يسيطر على الفيء (الغنائم والخراج) والجيوش يسيطر على الدولة. بنو هاشم (عائلة محمد) كانوا يمثلون فرعاً من قريش، وكان لهم مطالب تاريخية بالقيادة بسبب قرابتهم، لكن التوازن القبلي أدى إلى بيعة أبي بكر في السقيفة، ثم عمر، ثم عثمان، قبل أن يصل الأمر إلى علي بعد مقتل عثمان. هذا الصراع لم يكن جديداً؛ فقد كان تنافس بني هاشم وبني أمية موجوداً قبل الإسلام، واستمر بعده لكنه اكتسب غطاءً دينياً. الرواية الشيعية تحول هذا التنافس إلى اغتصاب حق إلهي، لكن الواقع يظهر أنه صراع على النفوذ والثروة، حيث كان الفائز يعامل الخاسر بنفس القسوة.
علي بن أبي طالب، عندما تولى الخلافة عام 656م، لم يتردد في استخدام القوة لتثبيت سلطته. في معركة الجمل، واجه عائشة وطلحة والزبير، الذين طالبوا بمحاسبة قتلة عثمان (بعضهم في جيش علي نفسه). لم يكن هناك تردد في قتال "الناكثين"، فدارت معركة أدت إلى مقتل آلاف المسلمين، بما في ذلك طلحة والزبير. ثم في صفين، واجه معاوية الذي رفض البيعة مطالبًا بدم عثمان، فاستمرت الحرب أشهراً وسقط فيها عشرات الآلاف. التحكيم الذي فرضه رفع المصاحف كان مناورة سياسية من معاوية لوقف الانهيار العسكري، وانتهى بخدعة سياسية أضعفت علياً. وعندما خرج الخوارج بعد التحكيم، قاتلهم علي في النهروان وقتل الكثير منهم بلا رحمة، معتبراً إياهم "المارقين". هذه الأحداث تثبت أن علياً طبق نفس المنهج الذي أسسه محمد: قتال من يخرج على السلطة أو يرفض الطاعة، سواء كانوا مرتدين أو معارضين سياسيين. محمد نفسه قاتل قريشاً في بدر وأحد، وقتل المعارضين شعراً مثل كعب بن الأشرف وأبو عفك وعاصم بن ثابت، وأمر بقتل المرتدين، وأعدم رجال بني قريظة بعد حصار، وهو ما يُعتبر في السياق التاريخي قمعاً للمعارضة لتثبيت السلطة. إذن، إذا كان علي ضحية، فهو ضحية لنفس القواعد التي مارسها هو وأبوه محمد.
فاطمة الزهراء تُصور في الرواية الشيعية كمظلومة درامية، مع حوادث مثل "كسر الضلع" و"سحق الجنين" ومصادرة فدك. لكن هذه الروايات تفتقر إلى توثيق محايد مبكر، وغالباً ما تأتي من مصادر متأخرة طائفية. حتى لو قبلنا خلاف فدك كميراث أو هبة، فهو خلاف مادي سياسي: فدك كانت أرضاً منتجة، ومصادرتها من أبي بكر كانت قراراً إدارياً لتوحيد الموارد تحت الدولة، لا اضطهاداً شخصياً. محمد نفسه أدار الغنائم بطريقة مركزية، ولم يترك ميراثاً مادياً كبيراً حسب بعض الروايات. الرواية الشيعية تحول فدك إلى رمز للظلم الإلهي، لكنها تبقى خلافاً على موارد اقتصادية في دولة ناشئة تعاني من فتن داخلية.
الحسن بن علي تنازل عن الخلافة لمعاوية عام 661م في صلح لم يكن فيه ظلم غيبي، بل حسابات واقعية: جيشه متفكك، الفتنة مستعرة، والشام أقوى عسكرياً واقتصادياً. الصلح ضمن له شروطاً مالية وأمنية، وهو قرار براغماتي سياسي، لا استسلام لظلم. أما الحسين، فخروجه على يزيد عام 680م كان محاولة لاستعادة النفوذ أو تحدي التوريث الأموي، مستغلاً دعوات من الكوفة. لكنه انتهى بكربلاء، حيث حاصر جيش يزيد مجموعته الصغيرة وقتلها. هذه الحادثة فظيعة، لكنها نتيجة صراع سياسي فشل فيه طرف وانتصر الآخر. لو نجح الحسين، لكان من المرجح أن يعامل الأمويين وأنصارهم بنفس القسوة التي عامل بها أسلافه خصومهم، كما فعل محمد مع قريش ويهود المدينة، وعلي مع الخوارج. التاريخ يظهر أن السلطة تحول الضحية إلى جلاد عندما تتاح الفرصة؛ الدولة الأموية نفسها سقطت لاحقاً أمام العباسيين الذين استخدموا شعار "الرضا من آل محمد" كغطاء سياسي للانقلاب.
المنهج الذي أسسه محمد في التعامل مع المعارضين كان واضحاً: لا تسامح مع من يهدد السلطة أو يسخر منها. قتل الشعراء الذين هجوه، مثل أسماء بنت مروان وكعب بن الأشرف، وإعدام رجال بني قريظة، وطرد اليهود من الجزيرة العربية، كلها أمثلة على قمع المعارضة لتثبيت الدولة. علي والحسن والحسين، كونهم جزءاً من هذا الإرث، طبقوا نفس النهج عندما سنحت الفرصة. الصراع لم يكن بين "خير مطلق" و"شر مطلق"، بل بين فصائل تسعى للسلطة والموارد، وتستخدم الدين كأداة تعبئة. الرواية الشيعية تضخم الجانب الغيبي لتبرير الهوية الطائفية ورفض السلطة السنية التاريخية، مما يحافظ على تماسك الجماعة عبر شعور الضحية المستمر.
لماذا يستمر اللطم والتباكي على هذه الأحداث كأنها ظلم كوني فريد؟ لأن هذه الطقوس تخدم وظيفة سياسية وعقائدية: تعزيز الهوية المنفصلة، وإدامة الرفض للنظام السياسي المهيمن، وتحويل الخسارة التاريخية إلى رمز مقاومة. لكن في الواقع، لا يوجد ظلم استثنائي؛ الدماء التي سُفكت كانت نتيجة طموحات سياسية مشتركة، لا ظلم إلهي موجه ضد "أهل البيت" وحدهم. محمد أسس نظاماً يعتمد على القوة لتثبيت الطاعة، وخصومه وأنصاره طبقوه. لو كان الحسين في مكان يزيد، لفعل مثله في قمع المعارضة، تماماً كما فعل علي في النهروان.
التخلص من هذه الخرافة يتطلب قراءة التاريخ بعين واقعية: الصراع كان بشرياً، على السلطة والثروة، وكل الأطراف شاركت في سفك الدماء. القداسة المزعومة لا علاقة لها بالواقع؛ إنها بناء سردي لاحق يخدم الانقسام الطائفي. اللطميات على قضية فارغة مبنية على أكاذيب وأوهام لا تعكس الحقيقة، بل تُعيد إنتاج الصراع نفسه الذي بدأ بعد وفاة محمد. الاعتراف بأن الجميع كانوا فاعلين سياسيين، لا قديسين أو شياطين، هو الخطوة نحو فهم أفضل للتاريخ، بعيداً عن التبجيل الذي يغذي الكراهية المستمرة.


.

أصوات النفاق الأيديولوجي: عندما يتحول رفض الحرب إلى غطاء للإرهاب (مقال)

.


.
أصوات النفاق الأيديولوجي: عندما يتحول رفض الحرب إلى غطاء للإرهاب




شكلت الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة للنظام الإيراني محطة فارقة في صراع طال أمده بين مشروع توسعي يسعى لفرض الهيمنة على المنطقة، وبين قوى إقليمية ودولية تبحث عن أمنها واستقرارها وسط تهديد وجودي غير مسبوق. لكن المثير للدهشة لم يكن الحدث نفسه بقدر ما كانت ردود الأفعال التي تباينت بين تأييد مشروط ورفض أيديولوجي وشماتة متوقعة، لتكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية التي يعاني منها خطاب دولي يدعي التمسك بمبادئ حقوق الإنسان بينما يتغاضى عن أبشع انتهاكات نظام الملالي بحق شعبه وجيرانه والعالم بأسره. ومن بين هذه الأصوات، تبرز فئة تدّعي الانتماء إلى قيم التحرر واليسار، لتخرج علينا بخطاب أخلاقي مبتور يختزل الصراع في معادلة ثنائية واهية بين إمبريالية شريرة ومقاومة مظلومة، متجاهلةً بوعي أو بغير وعي أن النظام المستهدف هو نفسه من بدأ العدوان قبل عقود، وأنه لا يمثل شعباً بقدر ما يمثل مشروعاً ثيوقراطياً توسعياً يعيش على دماء الأبرياء وأشلاء الشعوب.

لقد خرجت أصوات من اليسار الغربي ومن تيارات عربية تردد صدى ذات الخطاب، لتدين الضربات واصفة إياها بالعدوان غير القانوني الذي يهدد الاستقرار الدولي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ يختزل هؤلاء المشهد في لحظة رد الفعل العسكري دون النظر إلى جذور الأزمة الممتدة لعقود. إنهم وهم يدينون ضربات محدودة استهدفت منشآت عسكرية وأمنية كانت تمثل قلب آلة الحرب الإيرانية، يتجاهلون ببساطة أن هذا النظام هو من صدر الثورة والإرهاب إلى جيرانه العرب، وهو من أسس ودعم وموّل وسلّح جماعات إرهابية تمتد من شواطئ الخليج العربي إلى تخوم البحر الأبيض المتوسط، وهو من حوّل سوريا إلى مقبرة جماعية بدعمه المطلق لنظام بشار الأسد، وهو من زرع خلايا نائمة في القارة الأوروبية لابتزاز الحكومات وتصفية المعارضين. إن الصمت على كل هذه الجرائم ثم الخروج لإدانة من يحاول ردع هذا الخطر ليس موقفاً سلمياً نبيلاً، بل هو تواطؤ أخلاقي وانحياز غير معلن لبقاء نظام يقتل شعبه ويهدد العالم. إن هذا النوع من الخطاب يمارس ازدواجية معايير فاضحة، حيث يتم تغليف الدفاع عن نظام دموي بغلاف حقوق الإنسان والسلام العالمي، وكأن الشعب الإيراني الذي يتعرض للقمع الوحشي ليس جزءاً من الإنسانية التي يدّعي هؤلاء الدفاع عنها.

وهناك من يتسلح بأصوات معزولة هنا وهناك، كبعض الشخصيات السياسية اليسارية في إسرائيل، ليقدمها كنموذج على الضمير الحي الرافض للحرب. لكن استحضار هذه الأصوات بشكل انتقائي يكشف عن مغالطة كبرى، فهذه الأقلية الهامشية التي لا تعكس واقع التهديد الوجودي الذي تشعر به غالبية الإسرائيليين من النظام الإيراني، يتم توظيفها لتبرئة النظام الإيراني من تهمة العدوان، والتغطية على حقيقة أن إيران تعلن صراحة عن نيتها تدمير إسرائيل وتموّل وتسّلح فصائل على حدودها الشمالية والجنوبية. إن النقد الحقيقي للسياسة الإسرائيلية يجب أن ينطلق من رفض كل أشكال القمع والتوسع، وليس من تغطية جرائم نظام إيراني يقتل السوريين واليمنيين والعراقيين، ويهدد بمسح دول بأكملها عن الخريطة. إن من يتغنى بصوت يساري إسرائيلي معزول بينما يصمت عن صواريخ الحرس الثوري التي تمطر المدن العربية، يكشف عن انتقائية مريبة في تطبيق المبادئ، وعن خلفية أيديولوجية تجعل من معاداة إسرائيل غطاءً للدفاع عن أسوأ أنظمة القمع في المنطقة.

أما في الساحة العربية، فإن هؤلاء النقاد يمارسون أشد أنواع الانفصال عن الواقع عندما يتناولون مواقف الحكومات والقوى الوطنية الرافضة للعدوان الإيراني. فهم يصفون هذه المواقف بالتبعية السياسية والتملق الدبلوماسي، متجاهلين أن هذه الأطراف تعيش ويلات حرب ظالمة فرضتها عليها مليشيات مدعومة إيرانيا بشكل مباشر. إن إدانة دول الخليج واليمن للعدوان الإيراني ليس تملقاً لأحد، بل هو دفاع عن النفس واستشراف لخطر أكبر يتهدد وجودها. فالشعب اليمني الذي يعاني من صواريخ إيرانية الصنع تطلق على مدنه وأحيائه السكنية، ويسقط آلاف الضحايا بسبب ألغام وزعت بدعم إيراني، يدرك جيداً أن إيران هي العدو الحقيقي، وأن أي موقف يدين هذا العدو هو موقف وطني أصيل. إن تحميل إيران المسؤولية عن زعزعة استقرار المنطقة ليس انحيازاً للمحور الغربي، بل هو قراءة صحيحة لواقع تتدخل فيه دولة ثيوقراطية في شؤون جيرانها بغرض تصدير ثورتها وليس بناء شراكات متكافئة. إن هؤلاء النقاد يتعاملون مع الشعوب العربية وكأنها مجرد أدوات في صراع أيديولوجي، ولا يرون فيها كيانات مستقلة لها حق الدفاع عن سيادتها وأمنها.

إن أخطر ما في هذا الخطاب الأيديولوجي هو تجاهله المطلق لطبيعة النظام الإيراني، وكأن إيران التي تتعرض للضربات هي دولة مدنية ديمقراطية مسالمة. إن النظام الإيراني ليس مجرد حكومة مختلفة في الرأي، بل هو نظام مؤسس على أيديولوجية دينية توسعية قمعية متطرفة تعلن صراحة عداءها للآخر، وتعمل على تصدير هذا العداء عبر أدوات إرهابية منظمة. لقد شهد العالم مجازر مروعة ارتكبها هذا النظام بحق شعبه، بدءاً من القمع الدموي لانتفاضات العمال والطلاب في أعوام 1999 و2009 و2017 و2019، وصولاً إلى المجازر الأخيرة بحق المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة في احتجاجات "المرأة الحياة الحرية"، حيث أطلق الحرس الثوري الرصاص الحي على المحتجين العزل، واعتقل آلاف الشباب والشابات في زنازين تحت الأرض، واغتصب المعتقلين، وأعدم المعارضين في سجون سرية دون محاكمات عادلة. هذا النظام هو نفسه الذي يهدد العالم ببرنامج نووي عسكري يهدف لكسر معادلة الردع وفرض معادلة جديدة تستطيع من خلالها طهران ابتزاز العالم وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالمية في الخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز. هذا النظام هو نفسه الذي يقف وراء محاولات اغتيال معارضيه في قلب أوروبا وأمريكا، وينشر شبكات تجسس وتخريب في كل مكان. إن الحديث عن حقوق الإنسان وسيادة الدول لا يمكن أن يمر دون التوقف ملياً عند هذه السجل الحافل بالجرائم.

ولا يمكن إغفال شبكات الفساد والجريمة المنظمة التي يديرها كبار مسؤولي النظام، من تهريب المخدرات التي تجتاح المنطقة والعالم بأسره وتحصد أرواح الآلاف وتدمر المجتمعات، وصولاً إلى علاقات مريبة بشبكات إجرامية دولية في أمريكا اللاتينية، حيث كانت إيران تتعاون مع نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا لتجاوز العقوبات الدولية ونقل الأموال والأسلحة، في مقابل دعم اقتصادي وسياسي يطيل أمد معاناة الشعبين الإيراني والفنزويلي على حد سواء. إن هذا النظام الذي يدعي مقاومة الامبريالية هو نفسه من يتاجر بمقدرات شعبه لتمويل مغامراته الخارجية، ويستخدم عائدات النفط لتمويل مليشيات طائفية في اليمن ولبنان والعراق وسوريا بدلاً من بناء اقتصاد ينهض بإيران ويحقق طموحات شبابها وشاباتها الذين يهاجرون بأعداد قياسية هرباً من بطالة وفقر وفشل ذريع للإدارة الدينية. إن الفساد المستشري في مفاصل النظام الإيراني ليس مجرد حالة فردية، بل هو منهج حكم تقوم عليه مؤسسات ما يسمى باقتصاد المقاومة الذي يثري القادة الناعقين باسم مقاومة الأعداء.

إن الرفض المبدئي للحرب يجب أن يكون نابعاً من رؤية متكاملة تضع حقوق الإنسان وسيادة الدول فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق، فإن أي دفاع عن إيران النظام هو دفاع عن نظام يقمع شعبه ويهدد جيرانه وينشر الفوضى والإرهاب في كل مكان. إن من يدافعون اليوم عن إيران بحجة معاداة الامبريالية، ينسون أو يتناسون أن إيران تمارس أبشع أنواع الهيمنة على الدول العربية الضعيفة، وتحولها إلى ساحات لصراعاتها بالوكالة، وتستنزف مواردها وتهدد أمنها القومي، وتقتل أطفالها بلا رحمة. إن الموقف الأخلاقي الحقيقي لا يتمثل في الوقوف مع النظام الإيراني ضد خصومه، بل في الوقوف مع الشعب الإيراني الذي يئن تحت وطأة دكتاتورية دينية متخلفة، ومع الشعوب العربية التي تدفع ثمن أطماع هذا النظام التوسعية، ومع كل ضحايا الإرهاب الذي تموله وتديره طهران في أنحاء العالم.

إن المنطقة العربية والعالم بأسره أمام خيار صعب لكنه واضح. فإما الاستمرار في تغذية هذا النظام بالصمت والتبرير والتطبيل، مما يعني المزيد من الحروب بالوكالة، والمزيد من زعزعة الاستقرار، والمزيد من المعاناة للشعوب، والمزيد من اللاجئين والمشردين، والمزيد من الخطر النووي الذي يلوح في الأفق ويهدد البشرية جمعاء. وإما مواجهة شجاعة لهذا الخطر بكل الوسائل المتاحة، دعماً لحرية الشعوب واستقرار المنطقة، ودفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي. إن مستقبل الشرق الأوسط يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على التمييز بين نظام قمعي إرهابي يختبئ خلف شعارات المقاومة الكاذبة السافلة، وبين شعوب تستحق حياة كريمة وآمنة. وكل تأخير في مواجهة هذا النظام سيكلف البشرية أثماناً باهظة، قد تكون آخر ما تبقى من أمن وسلام في عالم مضطرب تتشابك فيه المصالح وتتصارع فيه الإرادات. إن الأصوات التي تدعي اليوم مناهضة الحرب وهي تدافع عن أكثر الأنظمة عدوانية وإرهاباً في المنطقة، ليست سوى صدى لنفاق أيديولوجي قديم، يلبس عباءة الأخلاق بينما يتاجر بدماء الأبرياء.



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...