Translate

ملالي إيران، نظام من الورق (مقال)

.


.
ملالي إيران، نظام من الورق



منذ عقود، يُروَّج للنظام الإيراني كقوة إقليمية لا تُقهر، يمتد نفوذه عبر "محور المقاومة" من بيروت إلى صنعاء مروراً بدمشق وبغداد، مدعوماً ببرنامج نووي طموح وترسانة صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أوروبا الشرقية وأبعد. يتباهى قادته بالقدرة على مواجهة "الكيان الصهيوني" والولايات المتحدة، ويصورون أنفسهم كحماة للمستضعفين. لكن تحت هذا الستار الخارجي المهيب، يكمن واقع مختلف جذرياً: نظام هش، مثخن بالثغرات الأمنية، يعاني من اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق ومستمر على مدى عقود، يجعله يبدو كبناء من الورق ينتظر الريح القوية ليسقط. العمليات الإسرائيلية طويلة النفس، التي تمتد منذ أوائل الألفية الجديدة وحتى عام 2026، ليست حوادث متفرقة بل استراتيجية مدروسة تجمع بين الاستخبارات البشرية، والحرب السيبرانية، والعمليات الخاصة، والاغتيالات الدقيقة، لتكشف هشاشة بنيوية في قلب الجمهورية الإسلامية.

بدأت جذور هذا الاختراق في السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، لكنها اكتسبت زخماً نوعياً مع بداية الألفية الثانية، عندما أدركت إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً وجودياً مباشراً. في عام 2005، بدأت إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، في تطوير فيروس **ستوكسنت** ضمن عملية سرية تحمل الاسم الرمزي "الألعاب الأولمبية" (Operation Olympic Games). تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في يونيو 2010، لكنه كان قد أُدخل إلى أنظمة منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران منذ عام 2009 على الأقل. هذا البرنامج الخبيث، الذي استهدف أنظمة التحكم الصناعي Siemens Step7، كان يتلاعب بسرعة الطرد المركزي IR-1، فيجعلها تتسارع إلى مستويات مدمرة ثم تتباطأ فجأة، مما أدى إلى تدمير حوالي 1000 طرد مركزي من أصل 9000 في نطنز بحلول عام 2010. الاختراق هنا لم يكن تقنياً فقط؛ فقد تطلب إدخال الفيروس إلى شبكة معزولة عن الإنترنت، مما يشير إلى وجود مصادر بشرية داخلية أو عملاء قادرين على نقل أجهزة مصابة إلى قلب المنشأة في محافظة أصفهان. أخرت هذه العملية البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وأثبتت أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أكثر الأماكن حراسة داخل إيران.

مع تصاعد التهديد، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى سلسلة اغتيالات دقيقة لعلماء نوويين بارزين. في 15 يناير 2007، قُتل الفيزيائي أردشير حسينبور في مدينة أصفهان بتسميم غامض، واتهم النظام إسرائيل. في 12 يناير 2010، انفجر قنبلة مغناطيسية مثبتة على دراجة نارية قرب منزل أستاذ الفيزياء مسعود علي محمدي في شمال طهران، مما أسفر عن مقتله أثناء توجهه إلى جامعة طهران. في 29 نوفمبر 2010، قُتل مجيد شهرياري، أستاذ هندسة نووية في جامعة شهيد بهشتي بطهران، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته، بينما أصيب فريدون عباسي دواني، خبير فصل النظائر، في هجوم مشابه في اليوم نفسه. في 23 يوليو 2011، قُتل داريوش رضائي نجاد، مهندس نووي، برصاص مجهولين في طهران. في 11 يناير 2012، قُتل مصطفى أحمدي روشن، نائب مدير منشأة نطنز، بانفجار قنبلة مغناطيسية في سيارته في شمال طهران. بلغت الذروة في 27 نوفمبر 2020، عندما اغتيل محسن فخري زاده، الذي يُعتبر "أبو البرنامج النووي" الإيراني، قرب بلدة أب سرد شرق طهران، باستخدام سلاح رشاش آلي يعمل عن بعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي وكاميرات تحديد الموقع، في عملية تطلبت مراقبة دقيقة لروتينه اليومي وحراسته.

كل هذه العمليات تطلبت معلومات فائقة الدقة عن تحركات الأهداف، روتينهم اليومي، وحتى نقاط الضعف في حراساتهم. القدرة على تنفيذ اغتيالات داخل إيران، بعيداً عن الحدود، تكشف عن شبكة واسعة من المصادر البشرية، سواء عملاء مجندين أو إيرانيين غير راضين عن النظام يقدمون معلومات مقابل مال أو لأسباب أيديولوجية. في يونيو 2021، أدلى علي يونسي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق (1997-2005)، بتصريح صادم: "نفوذ الموساد في مختلف القطاعات واسع لدرجة أن كل مسؤول في الجمهورية الإسلامية يجب أن يخشى على حياته". وفي مقابلة أخرى عام 2021، ادعى محمود أحمدي نجاد، الرئيس السابق، أن رئيس الوحدة المكلفة بمكافحة عمليات الموساد داخل إيران كان نفسه عميلاً لإسرائيل، إلى جانب نحو 20 آخرين في الوحدة نفسها.

في 31 يناير 2018، جاءت عملية سرقة الأرشيف النووي من مستودع سري في منطقة تورقوز آباد جنوب طهران لتكشف عن بعد آخر من العمق. عملاء الموساد اقتحموا المستودع ليلاً، سرقوا أكثر من 55 ألف صفحة وثائق و183 قرصاً مدمجاً تحتوي على تفاصيل البرنامج النووي السري "مشروع عماد"، ثم نقلوهم إلى إسرائيل في عملية استغرقت ساعات قليلة. في 30 أبريل 2018، عرض بنيامين نتنياهو هذه الوثائق في مؤتمر صحفي تل أبيبي، مما أجبر إيران على الاعتراف جزئياً ببعض جوانب برنامجها السابق، وأضعف موقفها التفاوضي دولياً.

لم تتوقف العمليات عند ذلك. في 2 يوليو 2020، وقع انفجار كبير في منشأة نطنز أدى إلى تدمير جزء من خطوط التخصيب، واتهمت إيران إسرائيل بزرع قنبلة. في 11 أبريل 2021، تعرضت نطنز لانقطاع كهرباء مدبر أدى إلى تدمير آلاف الطرد المركزي، ووصف رئيس لجنة البرلمان الإيرانية أن "آلاف الطرد المركزي" دُمرت. في 2022، توفي علماء نوويون آخرون في ظروف غامضة، منهم اثنان في مدن مختلفة خلال أيام قليلة بتسميم.

مع تصاعد التوترات في 2023-2025، بلغ الاختراق ذروته في عمليات طويلة النفس أعدت لسنوات. في 13 يونيو 2025، أطلقت إسرائيل عملية "الأسد المنتصب" (Rising Lion)، التي استمرت 12 يوماً. شملت الضربات الجوية أكثر من 200 طائرة مقاتلة ضربت أكثر من 100 هدف، بما في ذلك نطنز وفوردو وأصفهان. الموساد قام بتهريب أسلحة وطائرات مسيرة وصواريخ دقيقة إلى داخل إيران على مدى سنوات، وأقام قواعد سرية لإطلاقها. في الساعات الأولى، انطلقت هذه الأسلحة من داخل الأراضي الإيرانية لتدمير أنظمة الدفاع الجوي، مما فتح المجال أمام سلاح الجو الإسرائيلي. قُتل قادة كبار مثل حسين سلامي قائد الحرس الثوري، محمد باقري رئيس هيئة الأركان، غلام علي رشيد، أمير علي حاجي زاده قائد القوة الجوية للحرس، وفريدون عباسي دواني. كما قُتل 14 عالماً نووياً على الأقل في الضربات الأولى، منهم محمد مهدي تهرانشي رئيس جامعة آزاد الإسلامية، عبد الحميد منوشهر، أحمد رضا زلفاغاري، أمير حسين فقهي، أكبر مطلبی زاده، علي بهوي كاتيريمي، منصور أصغري، وسيد أمير حسين فقهي، وسعيد بورجي. التخطيط اعتمد على اختراق كاميرات مراقبة، مراقبة حراس، وتحديد مواقع داخل الغرف.

في فبراير 2026، جاءت عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) المشتركة مع الولايات المتحدة في 28 فبراير، حيث أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاره علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وآخرين في ضربات دقيقة على طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه. الضربات استهدفت مقرات إقامة ومكاتب، معتمدة على معلومات فائقة الدقة من مصادر داخلية.

هذه العمليات لم تقتصر على العسكري؛ بل امتدت إلى الحرب النفسية والاقتصادية. هجمات سيبرانية شلت الإنترنت في مناطق واسعة، وعطلت خدمات حكومية، وأثارت شكوكاً داخل النظام. الوحدة 8200 لعبت دوراً محورياً، مستفيدة من الثغرات في البنية التحتية الإيرانية الناتجة عن العقوبات.

ما يجعل هذه النجاحات قياسية هو طبيعتها طويلة النفس: كل اغتيال يضعف الروح المعنوية، كل هجوم سيبراني يعطل التقدم، كل سرقة تكشف الأكاذيب. النظام يعاني من كراهية داخلية واسعة، مما يسهل التجنيد. المسؤولون الإيرانيون أنفسهم اعترفوا بأن "العدو داخل البيت"، وأن الثغرات تشكل خطراً وجودياً.

في النهاية، يظهر الواقع أن النظام الإيراني، رغم ضجيجه، هش يعتمد على الترهيب أكثر من القوة الحقيقية. الاختراق الإسرائيلي المستمر يكشف هذه الهشاشة، ويثبت أن القوة الحقيقية في معرفة الخصم وإصابته في نقاط ضعفه. إيران نظام من الورق: صلب من بعيد، لكنه يتمزق من الداخل، وإسرائيل تمتلك اليد الطويلة للإمساك به.


.

خرافة مظلومية آل البيت: تحليل مادي لصراع السلطة في التاريخ الإسلامي المبكر (مقال)

.


.
خرافة مظلومية آل البيت: تحليل مادي لصراع السلطة في التاريخ الإسلامي المبكر



تُروج الرواية الشيعية التقليدية لصورة مظلومية مطلقة لآل البيت، وتحديداً علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، كأنهم ضحايا ظلم إلهي ممنهج منذ وفاة النبي محمد، يمتد من سقيفة بني ساعدة إلى مذبحة كربلاء، مع إضفاء قداسة تجعلهم معصومين ومظلومين بشكل لا يقبل النقاش. هذه الرواية، التي تُغذي الطقوس مثل اللطم والتباكي في عاشوراء، تحول الصراعات السياسية إلى دراما غيبية، حيث يُصور الخصوم كأشرار مطلقين يغتصبون حقاً إلهياً. لكن عند النظر إلى الأحداث من منظور مادي بحت، يتضح أن ما جرى كان صراعاً بشرياً عادياً على السلطة والموارد داخل النخبة القرشية، مشابه للصراعات القبلية قبل الإسلام، وأن جميع الأطراف – بما فيها آل البيت – طبقوا نفس المنهج العنيف الذي أسسه محمد في التعامل مع المعارضين والمنتقدين، سواء كانوا شعراء أو قبائل أو أفراداً. إذا كان هناك "ضحايا"، فهم ضحايا لديناميكية السلطة نفسها التي أسسها محمد، لا لظلم استثنائي موجه ضدهم وحدهم. وبالتالي، لا يوجد ظلم فريد هنا يستحق التباكي المستمر، بل صراع سياسي على السلطة، ولو تبادلت الأدوار لفعل الطرف الآخر نفس الشيء، كما فعل علي فعلياً عندما تولى الخلافة.
يبدأ التحليل من السياق التاريخي العام: بعد وفاة محمد عام 632م، لم تكن الدولة الإسلامية الناشئة دولة مركزية مستقرة، بل اتحاداً قبلياً هشاً يعتمد على الغنائم والولاءات الشخصية والقبلية. الصراع على الخلافة لم يكن دينياً بحتاً، بل سياسياً واقتصادياً: من يسيطر على الفيء (الغنائم والخراج) والجيوش يسيطر على الدولة. بنو هاشم (عائلة محمد) كانوا يمثلون فرعاً من قريش، وكان لهم مطالب تاريخية بالقيادة بسبب قرابتهم، لكن التوازن القبلي أدى إلى بيعة أبي بكر في السقيفة، ثم عمر، ثم عثمان، قبل أن يصل الأمر إلى علي بعد مقتل عثمان. هذا الصراع لم يكن جديداً؛ فقد كان تنافس بني هاشم وبني أمية موجوداً قبل الإسلام، واستمر بعده لكنه اكتسب غطاءً دينياً. الرواية الشيعية تحول هذا التنافس إلى اغتصاب حق إلهي، لكن الواقع يظهر أنه صراع على النفوذ والثروة، حيث كان الفائز يعامل الخاسر بنفس القسوة.
علي بن أبي طالب، عندما تولى الخلافة عام 656م، لم يتردد في استخدام القوة لتثبيت سلطته. في معركة الجمل، واجه عائشة وطلحة والزبير، الذين طالبوا بمحاسبة قتلة عثمان (بعضهم في جيش علي نفسه). لم يكن هناك تردد في قتال "الناكثين"، فدارت معركة أدت إلى مقتل آلاف المسلمين، بما في ذلك طلحة والزبير. ثم في صفين، واجه معاوية الذي رفض البيعة مطالبًا بدم عثمان، فاستمرت الحرب أشهراً وسقط فيها عشرات الآلاف. التحكيم الذي فرضه رفع المصاحف كان مناورة سياسية من معاوية لوقف الانهيار العسكري، وانتهى بخدعة سياسية أضعفت علياً. وعندما خرج الخوارج بعد التحكيم، قاتلهم علي في النهروان وقتل الكثير منهم بلا رحمة، معتبراً إياهم "المارقين". هذه الأحداث تثبت أن علياً طبق نفس المنهج الذي أسسه محمد: قتال من يخرج على السلطة أو يرفض الطاعة، سواء كانوا مرتدين أو معارضين سياسيين. محمد نفسه قاتل قريشاً في بدر وأحد، وقتل المعارضين شعراً مثل كعب بن الأشرف وأبو عفك وعاصم بن ثابت، وأمر بقتل المرتدين، وأعدم رجال بني قريظة بعد حصار، وهو ما يُعتبر في السياق التاريخي قمعاً للمعارضة لتثبيت السلطة. إذن، إذا كان علي ضحية، فهو ضحية لنفس القواعد التي مارسها هو وأبوه محمد.
فاطمة الزهراء تُصور في الرواية الشيعية كمظلومة درامية، مع حوادث مثل "كسر الضلع" و"سحق الجنين" ومصادرة فدك. لكن هذه الروايات تفتقر إلى توثيق محايد مبكر، وغالباً ما تأتي من مصادر متأخرة طائفية. حتى لو قبلنا خلاف فدك كميراث أو هبة، فهو خلاف مادي سياسي: فدك كانت أرضاً منتجة، ومصادرتها من أبي بكر كانت قراراً إدارياً لتوحيد الموارد تحت الدولة، لا اضطهاداً شخصياً. محمد نفسه أدار الغنائم بطريقة مركزية، ولم يترك ميراثاً مادياً كبيراً حسب بعض الروايات. الرواية الشيعية تحول فدك إلى رمز للظلم الإلهي، لكنها تبقى خلافاً على موارد اقتصادية في دولة ناشئة تعاني من فتن داخلية.
الحسن بن علي تنازل عن الخلافة لمعاوية عام 661م في صلح لم يكن فيه ظلم غيبي، بل حسابات واقعية: جيشه متفكك، الفتنة مستعرة، والشام أقوى عسكرياً واقتصادياً. الصلح ضمن له شروطاً مالية وأمنية، وهو قرار براغماتي سياسي، لا استسلام لظلم. أما الحسين، فخروجه على يزيد عام 680م كان محاولة لاستعادة النفوذ أو تحدي التوريث الأموي، مستغلاً دعوات من الكوفة. لكنه انتهى بكربلاء، حيث حاصر جيش يزيد مجموعته الصغيرة وقتلها. هذه الحادثة فظيعة، لكنها نتيجة صراع سياسي فشل فيه طرف وانتصر الآخر. لو نجح الحسين، لكان من المرجح أن يعامل الأمويين وأنصارهم بنفس القسوة التي عامل بها أسلافه خصومهم، كما فعل محمد مع قريش ويهود المدينة، وعلي مع الخوارج. التاريخ يظهر أن السلطة تحول الضحية إلى جلاد عندما تتاح الفرصة؛ الدولة الأموية نفسها سقطت لاحقاً أمام العباسيين الذين استخدموا شعار "الرضا من آل محمد" كغطاء سياسي للانقلاب.
المنهج الذي أسسه محمد في التعامل مع المعارضين كان واضحاً: لا تسامح مع من يهدد السلطة أو يسخر منها. قتل الشعراء الذين هجوه، مثل أسماء بنت مروان وكعب بن الأشرف، وإعدام رجال بني قريظة، وطرد اليهود من الجزيرة العربية، كلها أمثلة على قمع المعارضة لتثبيت الدولة. علي والحسن والحسين، كونهم جزءاً من هذا الإرث، طبقوا نفس النهج عندما سنحت الفرصة. الصراع لم يكن بين "خير مطلق" و"شر مطلق"، بل بين فصائل تسعى للسلطة والموارد، وتستخدم الدين كأداة تعبئة. الرواية الشيعية تضخم الجانب الغيبي لتبرير الهوية الطائفية ورفض السلطة السنية التاريخية، مما يحافظ على تماسك الجماعة عبر شعور الضحية المستمر.
لماذا يستمر اللطم والتباكي على هذه الأحداث كأنها ظلم كوني فريد؟ لأن هذه الطقوس تخدم وظيفة سياسية وعقائدية: تعزيز الهوية المنفصلة، وإدامة الرفض للنظام السياسي المهيمن، وتحويل الخسارة التاريخية إلى رمز مقاومة. لكن في الواقع، لا يوجد ظلم استثنائي؛ الدماء التي سُفكت كانت نتيجة طموحات سياسية مشتركة، لا ظلم إلهي موجه ضد "أهل البيت" وحدهم. محمد أسس نظاماً يعتمد على القوة لتثبيت الطاعة، وخصومه وأنصاره طبقوه. لو كان الحسين في مكان يزيد، لفعل مثله في قمع المعارضة، تماماً كما فعل علي في النهروان.
التخلص من هذه الخرافة يتطلب قراءة التاريخ بعين واقعية: الصراع كان بشرياً، على السلطة والثروة، وكل الأطراف شاركت في سفك الدماء. القداسة المزعومة لا علاقة لها بالواقع؛ إنها بناء سردي لاحق يخدم الانقسام الطائفي. اللطميات على قضية فارغة مبنية على أكاذيب وأوهام لا تعكس الحقيقة، بل تُعيد إنتاج الصراع نفسه الذي بدأ بعد وفاة محمد. الاعتراف بأن الجميع كانوا فاعلين سياسيين، لا قديسين أو شياطين، هو الخطوة نحو فهم أفضل للتاريخ، بعيداً عن التبجيل الذي يغذي الكراهية المستمرة.


.

أصوات النفاق الأيديولوجي: عندما يتحول رفض الحرب إلى غطاء للإرهاب (مقال)

.


.
أصوات النفاق الأيديولوجي: عندما يتحول رفض الحرب إلى غطاء للإرهاب




شكلت الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة للنظام الإيراني محطة فارقة في صراع طال أمده بين مشروع توسعي يسعى لفرض الهيمنة على المنطقة، وبين قوى إقليمية ودولية تبحث عن أمنها واستقرارها وسط تهديد وجودي غير مسبوق. لكن المثير للدهشة لم يكن الحدث نفسه بقدر ما كانت ردود الأفعال التي تباينت بين تأييد مشروط ورفض أيديولوجي وشماتة متوقعة، لتكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية التي يعاني منها خطاب دولي يدعي التمسك بمبادئ حقوق الإنسان بينما يتغاضى عن أبشع انتهاكات نظام الملالي بحق شعبه وجيرانه والعالم بأسره. ومن بين هذه الأصوات، تبرز فئة تدّعي الانتماء إلى قيم التحرر واليسار، لتخرج علينا بخطاب أخلاقي مبتور يختزل الصراع في معادلة ثنائية واهية بين إمبريالية شريرة ومقاومة مظلومة، متجاهلةً بوعي أو بغير وعي أن النظام المستهدف هو نفسه من بدأ العدوان قبل عقود، وأنه لا يمثل شعباً بقدر ما يمثل مشروعاً ثيوقراطياً توسعياً يعيش على دماء الأبرياء وأشلاء الشعوب.

لقد خرجت أصوات من اليسار الغربي ومن تيارات عربية تردد صدى ذات الخطاب، لتدين الضربات واصفة إياها بالعدوان غير القانوني الذي يهدد الاستقرار الدولي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ يختزل هؤلاء المشهد في لحظة رد الفعل العسكري دون النظر إلى جذور الأزمة الممتدة لعقود. إنهم وهم يدينون ضربات محدودة استهدفت منشآت عسكرية وأمنية كانت تمثل قلب آلة الحرب الإيرانية، يتجاهلون ببساطة أن هذا النظام هو من صدر الثورة والإرهاب إلى جيرانه العرب، وهو من أسس ودعم وموّل وسلّح جماعات إرهابية تمتد من شواطئ الخليج العربي إلى تخوم البحر الأبيض المتوسط، وهو من حوّل سوريا إلى مقبرة جماعية بدعمه المطلق لنظام بشار الأسد، وهو من زرع خلايا نائمة في القارة الأوروبية لابتزاز الحكومات وتصفية المعارضين. إن الصمت على كل هذه الجرائم ثم الخروج لإدانة من يحاول ردع هذا الخطر ليس موقفاً سلمياً نبيلاً، بل هو تواطؤ أخلاقي وانحياز غير معلن لبقاء نظام يقتل شعبه ويهدد العالم. إن هذا النوع من الخطاب يمارس ازدواجية معايير فاضحة، حيث يتم تغليف الدفاع عن نظام دموي بغلاف حقوق الإنسان والسلام العالمي، وكأن الشعب الإيراني الذي يتعرض للقمع الوحشي ليس جزءاً من الإنسانية التي يدّعي هؤلاء الدفاع عنها.

وهناك من يتسلح بأصوات معزولة هنا وهناك، كبعض الشخصيات السياسية اليسارية في إسرائيل، ليقدمها كنموذج على الضمير الحي الرافض للحرب. لكن استحضار هذه الأصوات بشكل انتقائي يكشف عن مغالطة كبرى، فهذه الأقلية الهامشية التي لا تعكس واقع التهديد الوجودي الذي تشعر به غالبية الإسرائيليين من النظام الإيراني، يتم توظيفها لتبرئة النظام الإيراني من تهمة العدوان، والتغطية على حقيقة أن إيران تعلن صراحة عن نيتها تدمير إسرائيل وتموّل وتسّلح فصائل على حدودها الشمالية والجنوبية. إن النقد الحقيقي للسياسة الإسرائيلية يجب أن ينطلق من رفض كل أشكال القمع والتوسع، وليس من تغطية جرائم نظام إيراني يقتل السوريين واليمنيين والعراقيين، ويهدد بمسح دول بأكملها عن الخريطة. إن من يتغنى بصوت يساري إسرائيلي معزول بينما يصمت عن صواريخ الحرس الثوري التي تمطر المدن العربية، يكشف عن انتقائية مريبة في تطبيق المبادئ، وعن خلفية أيديولوجية تجعل من معاداة إسرائيل غطاءً للدفاع عن أسوأ أنظمة القمع في المنطقة.

أما في الساحة العربية، فإن هؤلاء النقاد يمارسون أشد أنواع الانفصال عن الواقع عندما يتناولون مواقف الحكومات والقوى الوطنية الرافضة للعدوان الإيراني. فهم يصفون هذه المواقف بالتبعية السياسية والتملق الدبلوماسي، متجاهلين أن هذه الأطراف تعيش ويلات حرب ظالمة فرضتها عليها مليشيات مدعومة إيرانيا بشكل مباشر. إن إدانة دول الخليج واليمن للعدوان الإيراني ليس تملقاً لأحد، بل هو دفاع عن النفس واستشراف لخطر أكبر يتهدد وجودها. فالشعب اليمني الذي يعاني من صواريخ إيرانية الصنع تطلق على مدنه وأحيائه السكنية، ويسقط آلاف الضحايا بسبب ألغام وزعت بدعم إيراني، يدرك جيداً أن إيران هي العدو الحقيقي، وأن أي موقف يدين هذا العدو هو موقف وطني أصيل. إن تحميل إيران المسؤولية عن زعزعة استقرار المنطقة ليس انحيازاً للمحور الغربي، بل هو قراءة صحيحة لواقع تتدخل فيه دولة ثيوقراطية في شؤون جيرانها بغرض تصدير ثورتها وليس بناء شراكات متكافئة. إن هؤلاء النقاد يتعاملون مع الشعوب العربية وكأنها مجرد أدوات في صراع أيديولوجي، ولا يرون فيها كيانات مستقلة لها حق الدفاع عن سيادتها وأمنها.

إن أخطر ما في هذا الخطاب الأيديولوجي هو تجاهله المطلق لطبيعة النظام الإيراني، وكأن إيران التي تتعرض للضربات هي دولة مدنية ديمقراطية مسالمة. إن النظام الإيراني ليس مجرد حكومة مختلفة في الرأي، بل هو نظام مؤسس على أيديولوجية دينية توسعية قمعية متطرفة تعلن صراحة عداءها للآخر، وتعمل على تصدير هذا العداء عبر أدوات إرهابية منظمة. لقد شهد العالم مجازر مروعة ارتكبها هذا النظام بحق شعبه، بدءاً من القمع الدموي لانتفاضات العمال والطلاب في أعوام 1999 و2009 و2017 و2019، وصولاً إلى المجازر الأخيرة بحق المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة في احتجاجات "المرأة الحياة الحرية"، حيث أطلق الحرس الثوري الرصاص الحي على المحتجين العزل، واعتقل آلاف الشباب والشابات في زنازين تحت الأرض، واغتصب المعتقلين، وأعدم المعارضين في سجون سرية دون محاكمات عادلة. هذا النظام هو نفسه الذي يهدد العالم ببرنامج نووي عسكري يهدف لكسر معادلة الردع وفرض معادلة جديدة تستطيع من خلالها طهران ابتزاز العالم وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالمية في الخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز. هذا النظام هو نفسه الذي يقف وراء محاولات اغتيال معارضيه في قلب أوروبا وأمريكا، وينشر شبكات تجسس وتخريب في كل مكان. إن الحديث عن حقوق الإنسان وسيادة الدول لا يمكن أن يمر دون التوقف ملياً عند هذه السجل الحافل بالجرائم.

ولا يمكن إغفال شبكات الفساد والجريمة المنظمة التي يديرها كبار مسؤولي النظام، من تهريب المخدرات التي تجتاح المنطقة والعالم بأسره وتحصد أرواح الآلاف وتدمر المجتمعات، وصولاً إلى علاقات مريبة بشبكات إجرامية دولية في أمريكا اللاتينية، حيث كانت إيران تتعاون مع نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا لتجاوز العقوبات الدولية ونقل الأموال والأسلحة، في مقابل دعم اقتصادي وسياسي يطيل أمد معاناة الشعبين الإيراني والفنزويلي على حد سواء. إن هذا النظام الذي يدعي مقاومة الامبريالية هو نفسه من يتاجر بمقدرات شعبه لتمويل مغامراته الخارجية، ويستخدم عائدات النفط لتمويل مليشيات طائفية في اليمن ولبنان والعراق وسوريا بدلاً من بناء اقتصاد ينهض بإيران ويحقق طموحات شبابها وشاباتها الذين يهاجرون بأعداد قياسية هرباً من بطالة وفقر وفشل ذريع للإدارة الدينية. إن الفساد المستشري في مفاصل النظام الإيراني ليس مجرد حالة فردية، بل هو منهج حكم تقوم عليه مؤسسات ما يسمى باقتصاد المقاومة الذي يثري القادة الناعقين باسم مقاومة الأعداء.

إن الرفض المبدئي للحرب يجب أن يكون نابعاً من رؤية متكاملة تضع حقوق الإنسان وسيادة الدول فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق، فإن أي دفاع عن إيران النظام هو دفاع عن نظام يقمع شعبه ويهدد جيرانه وينشر الفوضى والإرهاب في كل مكان. إن من يدافعون اليوم عن إيران بحجة معاداة الامبريالية، ينسون أو يتناسون أن إيران تمارس أبشع أنواع الهيمنة على الدول العربية الضعيفة، وتحولها إلى ساحات لصراعاتها بالوكالة، وتستنزف مواردها وتهدد أمنها القومي، وتقتل أطفالها بلا رحمة. إن الموقف الأخلاقي الحقيقي لا يتمثل في الوقوف مع النظام الإيراني ضد خصومه، بل في الوقوف مع الشعب الإيراني الذي يئن تحت وطأة دكتاتورية دينية متخلفة، ومع الشعوب العربية التي تدفع ثمن أطماع هذا النظام التوسعية، ومع كل ضحايا الإرهاب الذي تموله وتديره طهران في أنحاء العالم.

إن المنطقة العربية والعالم بأسره أمام خيار صعب لكنه واضح. فإما الاستمرار في تغذية هذا النظام بالصمت والتبرير والتطبيل، مما يعني المزيد من الحروب بالوكالة، والمزيد من زعزعة الاستقرار، والمزيد من المعاناة للشعوب، والمزيد من اللاجئين والمشردين، والمزيد من الخطر النووي الذي يلوح في الأفق ويهدد البشرية جمعاء. وإما مواجهة شجاعة لهذا الخطر بكل الوسائل المتاحة، دعماً لحرية الشعوب واستقرار المنطقة، ودفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي. إن مستقبل الشرق الأوسط يتوقف على قدرة المجتمع الدولي على التمييز بين نظام قمعي إرهابي يختبئ خلف شعارات المقاومة الكاذبة السافلة، وبين شعوب تستحق حياة كريمة وآمنة. وكل تأخير في مواجهة هذا النظام سيكلف البشرية أثماناً باهظة، قد تكون آخر ما تبقى من أمن وسلام في عالم مضطرب تتشابك فيه المصالح وتتصارع فيه الإرادات. إن الأصوات التي تدعي اليوم مناهضة الحرب وهي تدافع عن أكثر الأنظمة عدوانية وإرهاباً في المنطقة، ليست سوى صدى لنفاق أيديولوجي قديم، يلبس عباءة الأخلاق بينما يتاجر بدماء الأبرياء.



.

رحلة الفراغ: فحص خرافة الإسراء والمعراج بمقاييس الكونية والفيزياء الحديثة (مقال)

.


.
رحلة الفراغ: فحص خرافة الإسراء والمعراج بمقاييس الكونية والفيزياء الحديثة



تعد قصة الإسراء والمعراج نموذجاً كلاسيكياً لتصادم الموروث الغيبي مع الحقائق العلمية الصلبة التي كشفها الإنسان في القرون الأخيرة. فبينما يتمسك المؤمنون بها كـ "معجزة" عابرة للقوانين، يفرض العقل والمنطق ضرورة إخضاع هذه الرواية لمحاكمة فيزيائية وفلكية، بعيداً عن تبريرات الميتافيزيقا التي تُستخدم عادة للهروب من مأزق التناقض المعرفي. إن محاولة مطابقة هذه الرحلة، بكل تفاصيلها المذكورة في الأثر، مع أبعاد الكون ومسافاته الشاسعة، تكشف لنا حجم الفجوة بين الخيال الصحراوي القديم وبين الواقع الكوني المذهل الذي نعيش فيه اليوم.
تبدأ القصة من نقطة زمنية محددة، وهي ليلة واحدة لا تتجاوز في أقصى تقدير اثنتي عشرة ساعة، وهي المدة التقريبية لأطول ليلة في شبه الجزيرة العربية. خلال هذه الساعات القليلة، يُفترض أن بطل القصة قد انتقل من مكة إلى القدس، ثم عرج إلى السماوات السبع، ووصل إلى سدرة المنتهى، والتقى بالأنبياء في كل سماء، وناقش فرض الصلاة عند عرش الإله، ثم عاد إلى فراشه وهو لا يزال دافئاً. هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا اعتمدنا أقصى سرعة مادية ممكنة في الكون، وهي سرعة الضوء التي تبلغ تقريباً ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، فأين يمكن أن يصل المسافر في غضون اثنتي عشرة ساعة؟
الحسابات الرياضية البسيطة والقطعية تخبرنا أن المسافة التي يقطعها الضوء في اثنتي عشرة ساعة تبلغ حوالي ثلاثة عشر ملياراً من الكيلومترات. هذا الرقم، رغم ضخامته في عقل الإنسان البدائي، لا يكاد يمثل شيئاً في المقياس الفلكي. فإذا انطلق "البراق" أو "جبريل" بهذه السرعة القصوى، فإنه بعد مرور نصف يوم من السفر المتواصل لن يكون قد خرج حتى من تخوم المنظومة الشمسية بشكل كامل. هو بالكاد سيتجاوز كوكب نبتون وحزام كايبر، ليجد نفسه في منطقة يملؤها الصمت والفراغ والظلام السحيق، بعيداً جداً عن أقرب نجم للمجموعة الشمسية، "بروكسيما سنتوري"، الذي يتطلب الوصول إليه أربع سنوات ونصف من السفر بسرعة الضوء، وليس بضع ساعات.
هذا يعني، من منظور فيزيائي بحت، أنه لو كان "عرش الله" أو "سدرة المنتهى" يقعان في نهاية هذه الرحلة الزمنية، فإنهما بالضرورة يقعان داخل حدود مجموعتنا الشمسية، وتحديداً في المنطقة الواقعة خلف كوكب بلوتو. هذا الاستنتاج يضع المفهوم الديني للإله في مأزق مضحك؛ فبدلاً من كونه خالق الكون اللامتناهي الذي يضم مئات المليارات من المجرات، يصبح إلهاً يسكن في "ضواحي" نظام شمسي متواضع يقع على أطراف مجرة درب التبانة. إن القول بأن محمداً قد قطع كل تلك المسافات والتقى بالأنبياء في سماوات مختلفة ثم عاد في ليلة واحدة، يتناقض جذرياً مع حقيقة أن الكون يمتد لمليارات السنين الضوئية، وأن مجرتنا وحدها عرضها مائة ألف سنة ضوئية.
أما فيما يخص مفهوم "السماوات السبع" التي تصفها الأحاديث كطبقات مادية لها أبواب وحراس، فإن علم الفلك المعاصر لا يجد لها أي أثر في الواقع. الفضاء الذي يحيط بالأرض هو فراغ كوني متصل، يتكون من غازات متخلخلة ومادة مظلمة وإشعاعات، ولا توجد فيه أي حواجز مادية أو "سقوف" كما تخيلها قدماء العرب. النجوم التي وصفها النص الديني بأنها "مصابيح" تزين السماء الدنيا، نعلم اليوم أن بعضها يبعد عنا ملايين السنين الضوئية. فإذا كانت السماء الأولى تحتوي على هذه النجوم، فهذا يعني أن السماء الأولى بحد ذاتها هي كل الكون المرئي الشاسع. فأين هي السماوات الست الأخرى؟ وأين يمكن أن يختبئ العرش خلف هذا المدى الذي لا يحده بصر؟
تنتقل المعضلة من السماء إلى الأرض عند فحص تفاصيل رحلة "الإسراء". الرواية تقول إن محمداً أُسري به إلى "المسجد الأقصى". ولكن الحقيقة التاريخية والأثرية تؤكد أن ما يعرف اليوم بالمسجد الأقصى في القدس لم يكن موجوداً في زمن محمد. المبنى القائم حالياً بدأ بناؤه في عهد عبد الملك بن مروان، أي بعد وفاة محمد بعقود طويلة. في ذلك الوقت، كانت القدس (إيليا) مدينة بيزنطية مسيحية، ولم يكن فيها بناء يسمى "المسجد الأقصى". إن استخدام هذا الاسم في النص القرآني كان يشير غالباً إلى مكان معنوي أو ربما موقع آخر، لكن الأحاديث اللاحقة أسقطت الاسم على بناء لم يظهر إلا في العصر الأموي لأغراض سياسية ودعائية، مما يعزز فرضية أن القصة برمتها هي نسج متأخر من الخيال الأدبي والديني الذي لم يراعِ تسلسل الأحداث التاريخية.
إن الإصرار على تصديق هذه الخرافات في القرن الحادي والعشرين يمثل تراجعاً ذهنياً وانتحاراً معرفياً. نحن نعيش في عصر تمكن فيه الإنسان من إرسال مسبارات وصلت إلى حافة المجموعة الشمسية بعد رحلات استغرقت عقوداً، ونعلم يقيناً أن جسم الإنسان لا يمكنه تحمل التسارع الهائل الذي تتطلبه سرعات قريبة من سرعة الضوء، ناهيك عن تجاوزها. جسم الإنسان المكون من مادة ولحم ودم سيتحول إلى طاقة أو يتفكك إلى ذرات عند أول ثانية من التسارع الذي يفترض أن "البراق" قام به. إن محاولة تبرير ذلك بأنها "قدرة إلهية" هي مجرد ركون للجهل وهروب من استحقاقات العقل العلمي الذي يطالب بالدليل والبرهان القابل للقياس.
المنطق يفرض علينا أن نتساءل: لماذا يحتاج خالق الكون، إذا وجد، إلى "دابة" تشبه الحصان لنقل نبيه؟ ولماذا يحتاج إلى رحلة مكانية في فضاء مادي للالتقاء بعبده، بينما يفترض أنه "محيط بكل شيء"؟ إن هذه الصورة الفلكلورية تعكس بوضوح محدودية الخيال البشري في العصور الوسطى، حيث كان التصور عن الكون لا يتعدى بضعة آلاف من الكيلومترات، وكانت الأرض هي مركز كل شيء، والسماء مجرد قبة زرقاء قريبة يمكن ثقبها أو الصعود فوقها بسلم أو دابة طائرة.
في الختام، يظهر فحص "الإسراء والمعراج" من منظور فيزيائي وفلكي أنها ليست أكثر من أسطورة محلية تمت صياغتها لتثبيت سلطة دينية ومنح شرعية قدسية لمدينة القدس لأسباب سياسية لاحقاً. إن الاعتقاد بأن شخصاً ما قد طار على ظهر كائن مجنح وتجاوز حدود الزمان والمكان في ليلة واحدة هو إهانة للذكاء البشري الذي فك شفرات الوراثة، وهبط على القمر، ورصد ولادة النجوم في أعماق السدم. التمسك بهذه الخزعبلات تحت مسمى الإيمان هو تعطيل لأسمى ما يملكه الإنسان: العقل النقدي الذي يميز بين الحقيقة المثبتة وبين خيالات الصحراء الغابرة. إن الكون الذي كشفه لنا العلم أجمل وأعظم وأكثر تعقيداً من تلك الروايات الطفولية، والارتقاء إلى مستوى هذا الكون يتطلب أولاً التخلص من أثقال الخرافات التي لم تعد تقنع طفلاً يدرس مبادئ الفيزياء في مدرسته.



.

ハメネイ、その一族、そして政権指導者たちの終焉:暗黒時代の終わりとイラン国民への歴史的機会

.


.
ハメネイ、その一族、そして政権指導者たちの終焉:暗黒時代の終わりとイラン国民への歴史的機会



2026年2月28日の朝、世界は現代中東史上、前例のない歴史的事件を目の当たりにした。1989年からイラン・イスラム共和国の最高指導者を務めてきたアヤトラ・アリ・ハメネイが、その家族の多くや政権の主要指導者らとともに、米・イスラエル連合軍による精密かつ大規模な空爆によって殺害されたのである。「ライオンの咆哮(Operation Lion’s Roar)」あるいは「エピック・フューリー(Epic Fury)」と名付けられたこの作戦は、数十年にわたり地域と世界を汚染してきたテロの蛇の頭を切り落とすものであった。これは単なる軍事行動ではない。自国民を弾圧し、国境を越えてテロを輸出してきた腐敗した政権へのとどめの一撃であった。ついに、待ち望んでいた結果が訪れた。ハメネイとその王朝、そして政権指導者たちの終焉である。40年以上にわたるイスラム・ファシズムの重圧に喘いできた国民に、新たな希望の扉が開かれた。
事の発端は、ドナルド・トランプ米大統領が「トゥルース・ソーシャル」上でハメネイの死を確認し、彼を「史上最も邪悪な人物の一人」と表現した声明から始まった。トランプ氏は率直にこう記した。「これはイラン国民にとっての正義であるだけでなく、ハメネイとその血に飢えたギャングによって殺害、あるいは傷つけられたすべての偉大なアメリカ人と多くの国の国民にとっても正義である」。トランプ氏は、この作戦がイスラエルとの緊密な連携のもと、逃亡を不可能にする高度なインテリジェンスと追跡システムを駆使して実行されたことを強調した。さらに、これは「イラン国民が国を取り戻すための最大かつ唯一の機会」であるとし、中東と世界の平和を実現するために必要な限り、あるいは「一週間中休みなく」激しい爆撃を継続すると警告した。
一方、イスラエルのベンヤミン・ネタニヤフ首相はテレビ声明を出し、テヘラン中心部にあるハメネイの居住施設を破壊したことを確認し、「暴君がもはや我々の間にはいないという多くの兆候」があると指摘した。ネタニヤフ首相は、この作戦をイラン政権による存亡の危機を取り除くための「奇襲攻撃」と呼び、イラン国民に対し「専制政治のくびきを脱ぎ捨て」、自由で平和なイランを樹立するよう呼びかけた。トランプとネタニヤフのこの作戦における成功は偶然ではなく、長年の民衆の抗議、経済・軍事的崩壊によって弱体化した政権の隙を突いた緻密な計画の結果であった。
損失はハメネイ自身にとどまらなかった。イラン国営メディアは、当初数時間の否定を経て、ハメネイ直系の家族(娘、義理の息子、孫など)の死亡を確認した。また、アリ・シャムハニ(前国家安全保障最高会議事務局長)やモハマド・パクプール(革命防衛隊陸軍司令官)など、政権の主要な軍事・治安当局者も殺害された。米イスラエルの報告によれば、最初の攻撃だけで約40人の高官が死亡したとされており、これは政権が「頭部」だけでなく主要な「指揮系統」をも失ったことを意味する。イランは40日間の公式喪に服し、1週間の公休日を宣言したが、詳細は伏せられたままであり、内部の混乱と崩壊を露呈している。
イラン国内の民衆の反応は、驚くべきものであり、かつ即座であった。政権が公式な喪に服させようとしたにもかかわらず、テヘラン、シラーズ、カラジ、マシュハドなどの都市の通りでは喜びが爆発した。屋上や窓からは拍手や口笛、大音量の音楽が聞こえ、車のクラクションが自然発生的な祝祭の中で鳴り響いた。一部の地域では「イスラム共和国に死を」「シャー(国王)万歳」といった唱和が沸き起こり、インターネットの部分的な遮断にもかかわらず、通りで踊り歌う動画が拡散された。カラジのベサット・タウンのような郊外でさえ、人々は「暴君」の死を祝うために集まった。海外でも、ロサンゼルス(通称「テヘランジェルス」)やベルリンなどの亡命イラン人たちが祝杯をあげ、革命前のイラン国旗をアメリカやイスラエルの国旗とともに掲げ、「サンキュー、トランプ」「サンキュー、ビビ(ネタニヤフ)」と叫んだ。
この喜びは驚くべきことではない。これは、特に数千人の命を奪った2022年の抗議活動とその後の血生臭い弾圧を含む、長年の残虐な抑圧の果てに訪れたものである。イラン人にとってハメネイは不公正、腐敗、テロの象徴であり、彼の死は長い悪夢の終わりを意味した。イスラムの正義を約束して始まった政権は、処刑、拷問、極度の貧困に依存するファシズム体制として終わりを迎え、レバノン、シリア、イエメン、イラクの代理勢力を通じて地域にテロを輸出してきた。米イスラエルの攻撃は、イラン国民への攻撃ではなく、国家を占拠し国民を窒息させてきた政権からの「解放」であった。
ここに真の歴史的機会がある。ハメネイ、その一族、そして政権指導者たちの没落により、イランはイスラム・ファシズムから離れた新たな段階の入り口に立っている。トランプ氏はイラン軍と革命防衛隊に対し、「愛国者」に加わり、国を再建するために協力するよう呼びかけ、「今なら免責を得られるが、後になれば死しか得られないだろう」と警告した。この呼びかけは現実的なビジョンを反映している。繰り返される抗議活動で勇気を証明してきたイラン国民は、自らの手で新たな始まりを記す能力を持っている。イランは、神権政治やテロから遠ざかり、自由な民主主義国家、経済的に繁栄した国家、そして地域の平和への前向きな貢献者となることができる。
しかし、国内外で反対の声が皆無だったわけではない。特に亡命中のイラン左派の一部は、今回の攻撃を主権を脅かす「帝国主義による侵略」や「不当な介入」と見なした。彼らは「進歩主義」を掲げながら、通りで喜ぶイラン国民の現実を完全に無視し、政権を「帝国主義に対する抵抗勢力」と見なし続けている。日々の弾圧に苦しむ国民の現実よりも、硬直したイデオロギーに固執することを選んだのである。この立場は真の無能さを露呈している。政権に代わる真の選択肢を提示できず、たとえ国民が解放されるとしても、外部からの解決策を拒絶し続ける、政治的に「骨抜き」にされたイラン左派である。彼らは、自国民に対する独裁者の犯罪には沈黙しながら「反帝国主義」の名のもとに独裁を擁護する世界の多くの左派と同様に、まさに敗北者である。
対照的に、イラン国民の現実は、アメリカとイスラエルが提供した機会が侵略ではなく「救済」であることの決定的な証拠となっている。街に出て祝った人々は、「組織化された左派」を待っていたのではなく、解放の瞬間を待っていたのである。今、政権のリーダーシップに空白が生じたことで、イラン人は自由を尊重し、繁栄を取り戻し、テロの輸出を止める近代国家を建設することができる。これは容易なことではないだろう。軍事的なエスカレーションは続いており、ミサイルやドローンによるイラン側の反撃は、政権の残党が抵抗を試みることを示している。しかし、とどめの一撃は下された。数十年の忍耐と犠牲を経て、イラン国民は自らの手で新しい歴史を刻む権利を有している。
ハメネイの死は物語の終わりではなく、新しい章の始まりである。それは、国民の決意と国際的な意志が重なるとき、どんなに長く続いた暴政も崩壊しうるという証拠である。トランプとネタニヤフは、多くの者が失敗した「蛇の首を撥ねる」ことに成功した。今や、この瞬間をイスラム・ファシズムから離れた、自由と尊厳ある未来への真の歴史的転換に変えられるかどうかは、イラン国民の手に委ねられている。
この記事について、さらに詳しく知りたい点や、特定の箇所の分析が必要な場合は、いつでもお知らせください。



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...