Translate

من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل": حتمية الصدام المعرفي وتفكيك الاغتراب عن المنظومات الدينية التقليدية (مقال)

.


.
من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل": حتمية الصدام المعرفي وتفكيك الاغتراب عن المنظومات الدينية التقليدية




يشهد التاريخ البشري في اللحظة الراهنة تحولاً جذرياً في بنية الوعي الإنساني، حيث انتقل مركز الثقل المعرفي من "اليقين الغيبي" المسلم به سلفاً إلى "الشك المنهجي" القائم على التجربة والبرهان. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغير في أنماط التفكير، بل هو صدام معرفي حتمي وضع الإنسان الحديث في مواجهة مباشرة مع الموروثات الدينية التقليدية التي صمدت لقرون. إن حالة النفور المتزايدة من المنظومات العقدية القديمة لا تنبع من مجرد "تمرد" أو رغبة في التحلل من الالتزام، بل هي نتيجة طبيعية لاتساع الفجوة بين ما تفرضه الحداثة العلمية من شروط للمصداقية، وبين السرديات "اللامنطقية" التي تملأ كتب التراث. لقد أصبح الإنسان المعاصر يمتلك أدوات نقدية لم تكن متاحة لأسلافه، مما جعل "المعجزة" التي كانت قديماً برهاناً على الصدق، تتحول في العصر الحالي إلى عبء معرفي يثير الريبة ويدفع نحو الاغتراب عن المؤسسات الدينية التي لا تزال تصر على تقديم الخرافة كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.
تتجلى أولى ملامح هذا الصدام في الفجوة العميقة بين المنهج العلمي التجريبي والسرديات الدينية التقليدية. فالعلم المعاصر يقوم على مبدأ "القابلية للتكذيب" والتحقق المادي والنتائج المتكررة، بينما تقوم السردية الدينية على "المعجزة" كخرق لقوانين الطبيعة. بالنسبة للعقل الذي تدرب على فهم العالم من خلال الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء، تبدو قصص مثل "السيوف الملائكية" أو "ترويض الوحوش بالكلمات" أو "انشقاق القمر" كأحداث تنتمي لعالم الفانتازيا الأدبية أكثر من انتمائها للواقع التاريخي. إن هذا التصادم يخلق نوعاً من الانفصام المعرفي لدى الفرد؛ فهو في مختبره وعمله وحياته اليومية يعتمد على قوانين المادة الصارمة، ولكنه في دور العبادة يُطلب منه تعليق عقله وتصديق أحداث تضرب ببديهيات المنطق عرض الحائط. هذا التناقض الصارخ هو المحرك الأساسي لنفور الأجيال الجديدة التي لم تعد تجد في التبريرات "التأويلية" التعسفية ما يشفي غليل تساؤلاتها الوجودية، حيث يظهر "إله الفجوات" الذي يُستحضر لتفسير ما يجهله العلم كإله يتضاءل حجمه مع كل كشف علمي جديد، مما يفقد المنظومة الدينية هيبتها المعرفية.
وتتعمق هذه الأزمة عند إخضاع السير التقوية لـ "مشرط العقل" والبحث التاريخي الحديث، حيث سقطت الكثير من القصص الإعجازية التي كانت تُعتبر حقائق تاريخية لا تقبل الشك. إن المنهج التاريخي النزيه يبحث في الأصول، والنقوش، والوثائق المحايدة، وسياقات الكتابة، وغالباً ما يكشف أن هذه السير (مثل سيرة أبو سيفين أو غيره) قد كُتبت بعد قرون من وقوع الأحداث المفترضة، وتم حشوها بعناصر أسطورية مقتبسة من ميثولوجيات وثنية قديمة لتناسب الغرض الدعائي للمؤسسة الدينية في ذلك الوقت. إن "أزمة المصداقية" تنبع من شعور الإنسان الحديث بأن المؤسسة الدينية قد مارست عليه نوعاً من الخداع التاريخي المنظم؛ فحين يكتشف الباحث أن المعجزة الفلانية ليست سوى إعادة صياغة لأسطورة يونانية أو فرعونية، تسقط القداسة عن النص ويظهر الوجه البشري المصلحي خلف "القناع المقدس". هذا البحث التاريخي الجريء لم يترك حجراً في بناء "التاريخ المقدس" إلا وقلبه، مما جعل المنظومات الدينية تبدو في حالة دفاع دائم، تحاول يائسة ترميم ثقوب لا تنتهي في عباءتها التاريخية المهترئة.
في خضم هذا الصدام، يبرز التساؤل الجوهري حول إمكانية البحث عن "أخلاق بلا خرافة". لطالما روجت المؤسسات الدينية لفكرة أن الأخلاق لا يمكن أن تستقيم دون وازع غيبي أو خوف من عقاب إلهي أو طمع في مكافأة سماوية، وهي الفكرة التي يراها الفكر الإنساني الحديث إهانة للكرامة البشرية وتصويراً للإنسان ككائن قاصر لا يتحرك إلا بالعصا والجزرة. إن البحث عن نظام قيمي إنساني يعتمد على "العلم والمنطق والتعاطف البشري" هو المسار الذي تنتهجه المجتمعات الحديثة لتجاوز الأساطير. فالأخلاق المستمدة من العقل تعتمد على مبدأ "النفع العام" و"العقد الاجتماعي" و"الكرامة المتأصلة"، وهي قيم لا تحتاج لمعجزة لتثبيتها بل تحتاج لوعي إنساني ناضج يدرك أن الحفاظ على الحياة والعدل هو مصلحة بشرية عليا. إن فكرة "الأخلاق العلمانية" أو الإنسانية تكتسب زخماً لأنها تخاطب الإنسان ككائن راشد، وليس كأداة يتم التلاعب بمخاوفها الغيبية لخدمة مصالح الكهنة، وهو ما يجعل المنظومات الدينية التي تربط الأخلاق بالخرافة تبدو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لمعضلات العصر الأخلاقية المعقدة.
ويلعب التعليم الحديث دوراً حاسماً في كشف ما يمكن تسميته بـ "الخدع السينمائية" للسير التقوية القديمة. إن التعليم الذي ينمي التفكير النقدي ويعلم الطلاب كيفية تحليل النصوص وتفكيك الخطاب، يجعل من الصعب جداً تمرير قصص الخوارق كحقائق واقعية. فالطالب الذي يدرس المنهج العلمي يدرك أن "المعجزة" في النص الديني تعمل كآلية درامية لسد الفجوات المنطقية، تماماً كما تُستخدم المؤثرات البصرية في الأفلام السينمائية لإبهار المشاهد وتمرير أحداث غير منطقية. إن "نزع السحر" عن هذه القصص هو نتيجة حتمية لانتشار المعرفة؛ فحين يفهم الإنسان سيكولوجية الجماهير وكيفية صناعة الأسطورة، يتوقف عن الانبهار بـ "النور الباهر" أو "الحربة الملطخة بالدم" ويشاهدها كأدوات بروباغندا صُممت في عصور الظلام للسيطرة على العقول البسيطة. التعليم هنا يعمل كـ "مصل" واقٍ ضد غسل الأدمغة، حيث يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والنص التاريخي على أساس النقد والتمحيص بدلاً من التسليم والتقديس الأعمى.
إن هذا النفور المعاصر ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو تعبير عن "رشد بشري" يرفض الوصاية الكهنوتية التي استمرت لآلاف السنين. إن الإنسان الحديث يرى في المنظومات الدينية التقليدية مؤسسات "خارج الزمن"، تحاول فرض لغة وقواعد من القرن الثالث أو السابع على واقع القرن الحادي والعشرين. إن الصدام المعرفي هو في جوهره صراع بين إرادة "الحرية والعقل" وبين إرادة "التبعية والخرافة". والمؤسسات الدينية التي لا تزال تراهن على الجهل أو الخوف لضمان بقائها، تكتشف يوماً بعد يوم أن "سوق الخرافة" في كساد مستمر أمام تدفق المعلومات وانفتاح العقول. إن الحتمية التاريخية تشير إلى أن المجتمعات التي تتبنى العلم كمرجعية وحيدة للفهم ستبني مستقبلاً أكثر استقراراً وعدلاً، لأنها تعتمد على حقائق يمكن اختبارها، لا على أوهام تفرق بين البشر بناءً على مدى تصديقهم لمعجزات لم يرها أحد وتناقض كل ما نعرفه عن هذا الكون.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتقال من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل" لا يعني بالضرورة ضياع المعنى الروحي، بل يعني تطهير الروحانية من دنس الخرافة والاستغلال. إن "الأخلاق الإنسانية" التي تقوم على العقل والعلم هي الضمان الوحيد لعدم تكرار مآسي الحروب الدينية والصراعات الأيديولوجية القائمة على أوهام التفوق الغيبي. إننا نعيش فجر عصر جديد، حيث يُقاس صدق الفكرة بمدى خدمتها للإنسان وتوافقها مع الحقائق الموضوعية، لا بمدى قدرتها على تخدير الأتباع بقصص "الوحوش والسيوف النورانية". إن هذا المسار نحو العقلانية هو المسار الوحيد الذي يمكن أن يضمن كرامة الإنسان وحقه في حياة حرة، بعيداً عن غسل الأدمغة الذي مارسته المؤسسات الدينية لقرون تحت غطاء "إله الفجوات" ومصالحه الدنيوية المتخفية خلف جدار القداسة الزائف.




.

"إله الفجوات" ومصالح الكهنة: هندسة تزييف الوعي وغسل الأدمغة عبر الأسطورة (مقال)

.


.
"إله الفجوات" ومصالح الكهنة: هندسة تزييف الوعي وغسل الأدمغة عبر الأسطورة




تقوم العلاقة بين الإنسان والغيب على فجوة معرفية عميقة، وهي المساحة التي لم يستطع العقل البشري المحدود، خاصة في عصوره الأولى، أن يملأها بالتفسيرات العلمية والمنطقية. في هذه الثغرة تحديداً، وُلد ما يُعرف بـ "إله الفجوات"، وهو الكيان الذي استُحضر لتفسير كل ما هو مجهول، من ظواهر الطبيعة العنيفة إلى أسرار الموت والحياة. إلا أن هذا الكيان لم يظل مجرد فكرة فلسفية أو روحية مجردة، بل تحول بمرور الزمن إلى أداة سياسية واجتماعية بالغة الخطورة في يد "طبقة الكهنة" والمؤسسات الدينية. إن دراسة "إله الفجوات" ليست مجرد دراسة في لاهوت الأديان، بل هي تشريح لعملية "غسل أدمغة" منظمة تهدف إلى تزييف الوعي الجمعي وتسهيل استغلال الأتباع. فالخرافة هنا لا تُقدم كتسلية، بل كمنظومة تحكم وإخضاع، حيث يتم استخدام "المقدس" كغطاء كثيف يحجب المصالح المادية والدنيوية الفجة للنخب الدينية والمتحالفين معها من رجال السلطة، مما يحول الدين من بحث عن الحقيقة إلى وسيلة للسيطرة على الثروات والقرار السياسي.
تبدأ أولى مراحل هذه السيطرة عبر "تعطيل الملكة النقدية" من خلال فرض ما يمكن تسميته بـ "تابو المقدس". إن الاستراتيجية الكهنوتية تقوم على قاعدة ذهبية مفادها أن "الإيمان يبدأ حيث ينتهي العقل"، وهي قاعدة صُممت خصيصاً لمنع الأتباع من التساؤل عن منطقية القصص والسير الدينية. فعندما تُطرح قصة "أبو سيفين" أو غيره من الأبطال الغيبيين، يُحاط النص بهالة من الرهبة التي تجعل التساؤل المنطقي يبدو كأنه "تجديف" أو "خطيئة كبرى". لماذا يُمنع التساؤل؟ لأن أي محاولة لإخضاع قصة "السيف الملائكي" أو "الوحوش المروضة" للمنطق السببي ستكشف فوراً عن تهافت البناء الدرامي للأسطورة. ومن هنا، يتم غرس فكرة أن "العقل البشري قاصر عن إدراك الحكمة الإلهية"، وهي عبارة ملغومة تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية "الأكذوبة المؤسسية" من الانكشاف. إن تعطيل النقد هو الخطوة الضرورية لتحويل الإنسان من كائن فاعل ومفكر إلى مجرد وعاء يتلقى الأوامر، حيث يصبح قبول الخرافة معياراً للتقوى، بينما يُصنف الشك والبحث العلمي كنوع من الكبرياء والغرور البشري الذي يجب قمعه.
هذا القمع الفكري لا يحدث في فراغ، بل هو جزء من تحالف استراتيجي تاريخي بين "رجل الدين" و"رجل السلطة". إن الخرافة توفر غطاءً أخلاقياً مثالياً للمصالح المادية والدنيوية التي يتقاسمها هذا التحالف. فرجل السلطة يحتاج إلى "شرعية غيبية" تجعل حكمه وقراراته، مهما كانت جائرة، تبدو وكأنها مرادة من الله، وهنا يأتي دور الكاهن الذي يمنحه هذه الشرعية مقابل نفوذ مادي وحماية لمؤسسته. إن الأساطير التي تمجد "الشهداء العسكريين" وتصورهم كأبطال للإمبراطورية هي في جوهرها عقود زواج بين "المذبح" و"العرش". فمن خلال تبرير الحروب التوسعية أو جباية الأموال باسم "البركة" و"إعمار بيوت الله"، يتم نهب ثروات الشعوب بعلمها ورضاها، بل وبشعور غامر بالقداسة. إن المصالح الدنيوية للكهنة، من قصور وأموال ونفوذ اجتماعي، تتطلب بقاء الأتباع في حالة من "الجهل المقدس"، لأن الوعي الحقيقي سيكشف أن هذه الطبقة لا تخدم "السماء"، بل تستخدم مفاتيحها المزعومة لفتح خزائن "الأرض".
وفي هذا السياق، تلعب "سيكولوجية القطيع" دوراً محورياً في استكمال عملية السيطرة. يعاني الإنسان من حاجة فطرية للأمان في مواجهة عالم موحش ومجهول، وهي الحاجة التي يستغلها الكهنة ببراعة للسيطرة على القرار السياسي والمالي. يتم تصوير العالم كساحة صراع بين قوى النور والظلام، ويُقدم "البطل الغيبي" كحامٍ وحيد للقطيع المؤمن. هذا الشعور بالانتماء للجماعة "المختارة" التي تحظى بالرعاية الإلهية يجعل الأفراد مستعدين للتضحية بحقوقهم المادية وحرياتهم الشخصية في سبيل نيل الرضا الغيبي. إن السيطرة على الثروات تبدأ من "غسل دماغ" التابع ليعتقد أن إنفاق ماله في سبيل المؤسسة هو "قرض لله"، بينما هو في الحقيقة وقود لاستمرار ماكينة السيطرة الكهنوتية. إن القرار السياسي في المجتمعات التي تسود فيها الخرافة لا يُتخذ بناءً على المصالح الوطنية أو العقلانية، بل بناءً على "رؤى" و"نبوءات" و"أحلام" يفسرها الكهنة بما يخدم تحالفاتهم مع القوى الحاكمة، مما يحول الجماهير إلى مجرد أرقام في معادلة النفوذ الخاصة بالنخبة.
ولعل خير نموذج لترهيب الخصوم السياسييين وتوظيف الخرافة في الصراعات السلطوية هو قصة "الانتقام من يوليانوس الجاحد". إن هذه القصة، التي تدعي خروج القديس مرقوريوس من أيقونته ليقتل الإمبراطور في معركته ببلاد الفرس، تمثل قمة التوظيف السياسي للأسطورة. يوليانوس كان إمبراطوراً حاول استعادة العقلانية والوثنية الفلسفية وتقليص نفوذ الكنيسة، فكان لا بد من "اغتياله معنوياً" عبر قصة خارقة تُظهر للجميع أن "يد الغيب" ستنال من كل من يجرؤ على المساس بمصالح المؤسسة الدينية. إن الحربة الملطخة بالدماء في الأيقونة ليست معجزة، بل هي "رسالة تهديد" واضحة وصريحة لكل حاكم مستقبلي: "إذا لم تخضع لسلطاننا، فإن قديسينا سيخرجون من اللوحات ليقتلوك". هذا النوع من "الإرهاب الغيبي" هو الذي كفل للمؤسسة الدينية بقاءها فوق القانون وفوق النقد لقرون طويلة، حيث تحول القديس من رمز روحي إلى "قاتل مأجور" يخدم أجندات الكهنة في تصفية خصومهم الفكريين والسياسيين.
إن استمرار "إله الفجوات" في العصر الحديث يعكس فشل المنظومات التعليمية في تحرير الإنسان من رواسب العصور الوسطى. فما دام الإنسان يخشى الموت ويجهل القوانين التي تحكم مجتمعه، سيظل يبحث عن "الخرافة" لتعطيه إجابات سهلة ومريحة. إن الدين، عندما يُختطف من قبل طبقة المنتفعين، يصبح أخطر أنواع "المخدرات الجماعية" لأنه لا يكتفي بتسكين الألم، بل يزيف الواقع ويجعل الإنسان يتقبل العبودية باسم الحرية الروحية. إن "غسل الأدمغة" الذي مارسته المؤسسات الدينية عبر التاريخ لم يكن يهدف لإيصال الناس إلى الله، بل كان يهدف لإيصالهم إلى حالة من الاستسلام الكامل لسلطة الكاهن. وتفكيك هذه المنظومة يتطلب شجاعة في مواجهة "تابو المقدس" وإعادة الاعتبار للعقل كمرجعية وحيدة لفهم العالم وإدارة شؤون البشر. فالحقيقة التي يخشاها الكهنة هي أن الإنسان قادر على بناء نظام أخلاقي واجتماعي عادل دون الحاجة لتهديدات "الوحوش" أو سيوف "الملائكة"، وأن القداسة الحقيقية تكمن في احترام عقل الإنسان وكرامته، لا في إخضاعه لخرافات صُممت لنهب جيبه وتغييب وعيه.
وفي الختام، يتبين أن "إله الفجوات" ليس مجرد فكرة دينية، بل هو حجر الزاوية في بناء سلطوي يقتات على الجهل والخوف. إن التحالف بين الكهنة والحكام هو الذي صنع هذه الأساطير وحماها من النقد، محولاً الدين إلى أداة لغسل الأدمغة وتأمين المصالح المادية والدنيوية. إن التحرر من سطوة الخرافة هو المدخل الوحيد لبناء مجتمعات حرة، حيث يُقاس الحق بالدليل والمنطق، لا بمدى قدم القصة أو رهبة رواتها. إن كشف آليات "تزييف الوعي" هو المعركة الحقيقية لكل من يؤمن بقيمة الإنسان، لأن استعادة العقل من قبضة "إله الفجوات" هي البداية الحقيقية لكل نهضة إنسانية تسعى لخدمة "الحياة" بدلاً من تمجيد "الموت" والغيبيات التي لا تخدم سوى من يتاجرون بها.




.

التناقض الأخلاقي: صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" وقراءة نقدية في عسكرة العقيدة (مقال)

.


.
التناقض الأخلاقي: صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" وقراءة نقدية في عسكرة العقيدة




يمثل التاريخ البشري في جوهره صراعاً مريراً بين المبادئ الأخلاقية الطوباوية وبين المصالح المادية الفجة التي تفرضها موازين القوى على أرض الواقع، ولعل أكثر هذه الصراعات تعقيداً وجدلاً هو ذلك التناقض الصارخ الذي وسم علاقة المسيحية المبكرة بالمؤسسة العسكرية الرومانية. إن البحث في إشكالية انخراط المسيحيين الأوائل في الجيش الإمبراطوري الاستعماري لا يمثل مجرد نبش في طيات الماضي، بل هو تفكيك لعملية تحول جذري في الوعي الإنساني، حيث تمت محاولة الجمع بين نقائض لا تجتمع منطقياً: فلسفة "أحبوا أعداءكم" السلمية، و"سيف القيصر" التوسعي الغاشم. هذا التناقض لم يكن مجرد هفوة تاريخية أو ضرورة اجتماعية عابرة، بل كان النواة التي انبثقت منها عملية "أدلجة الدين" وتحويله من رسالة روحية تدعو للزهد والخضوع للإله وحده، إلى أداة سياسية وعسكرية تخدم توسع الإمبراطوريات وتشرعن بقاء النخب الدينية والمتحالفين معها من أصحاب السلطة الزمنية.
تبدأ المفارقة الأخلاقية عند النظر في رتب عسكرية مثل "عميد الجيوش" أو "رئيس الفيالق" التي نُسبت لقديسين مثل مرقوريوس (أبو سيفين) وجرجس (مارجرجس). من الناحية الفلسفية البحتة، تقوم المسيحية في أصلها الجوهري، كما وردت في العظة على الجبل، على مبدأ المقاومة السلبية واللاعنف المطلق، حيث كان التصريح الواضح بـ "رد سيفك إلى غمده لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" يمثل قطيعة تامة مع عقلية الانتقام والحرب. فكيف يمكن لعقل سوي أن يوفق بين هذه الوصايا الراديكالية في سلميتها وبين المهام الوظيفية لجندي في الجيش الروماني؟ إن الجندي الروماني في القرن الثالث لم يكن "حارس حدود" وديعاً، بل كان أداة القمع الرئيسية في إمبراطورية تعيش على استعباد الشعوب وفرض الضرائب الباهظة ونهب ثروات الأمم المغلوبة. إن انخراط مسيحي في هذا الهيكل العسكري يعني بالضرورة مشاركته في طقوس الولاء للقيصر كإله، وممارسته للقتل المنهجي تنفيذاً لأوامر توسعية، وهو ما يضعنا أمام نفاق عقائدي مغلف بالبطولة الزائفة، حيث يتم القفز فوق الدماء المسفوكة بأيدي هؤلاء "الأبطال" لتسليط الضوء فقط على لحظة موتهم كشهداء، وكأن فعل "الاستشهاد" يمحو تاريخاً من القتل تحت لواء الاستعمار الروماني.
لقد لعبت قصص القديسين العسكريين دوراً محورياً في شرعنة تحالف الكنيسة لاحقاً مع السلطة الزمنية، خاصة بعد مرسوم ميلانو وتحول الإمبراطورية للمسيحية. هذه السير التي مُلئت بالخوارق والمعجزات لم تُكتب لتوثيق حقائق، بل صِيغت كأدوات "بروباغندا" تهدف إلى الجسر بين العقيدة الرافضة للعالم وبين حاجتها للحماية السياسية. من خلال تصوير "أبو سيفين" كبطل يحصل على سيف إلهي من السماء ليحارب البربر، كانت الكنيسة ترسل رسالة مضمرة للأباطرة والجنود مفادها أن المسيحية ليست ديناً "يُضعف" الدولة، بل هي قوة غيبية يمكنها أن تمنح الجيش نصراً إعجازياً. هذا التحول الاستراتيجي في الخطاب الديني حوّل القديس من "شاهد على الحق" إلى "جندي للحق"، مما مهد الطريق لظهور طبقة من الكهنة الذين يباركون السيوف ويصلون من أجل انتصار الجيوش. وبدلاً من أن تكون الكنيسة صوتاً للفقراء والمضطهدين ضد جبروت روما، أصبحت شريكاً في الحكم، مستخدمة هؤلاء الأبطال العسكريين كغطاء أخلاقي لتبرير وجود جيش مسيحي يمارس ذات العنف الذي مارسه الوثنيون، ولكن باسم "الإله الواحد" هذه المرة.
عند إخضاع مفهوم "الاستشهاد" للنقد العقلاني، نجد أنفسنا أمام تساؤل مرير: هل كان هذا الفعل تضحية حقيقية من أجل مبدأ، أم أنه كان "انتحاراً أيديولوجياً" تمت هندسته لخدمة مصالح النخب الدينية؟ إن تمجيد الموت ورفع شأنه فوق قيمة الحياة والإنتاج يمثل خللاً فطرياً في المنظومة الأخلاقية. فالمؤسسة الدينية التي كانت تجد نفسها في صراع نفوذ مع الدولة، كانت بحاجة لـ "دماء الشهداء" لترسيخ هويتها وصناعة "مظلومية" تاريخية تضمن ولاء الأتباع المطلق. إن دفع الشاب القوي والكفء مثل مرقوريوس لرفض تقديم البخور للأوثان والمطالبة بقطع رأسه، هو في الحقيقة عملية "هدر للموارد البشرية" يتم استغلالها إعلامياً لترهيب الخصوم وإثارة عواطف العوام. الكهنة الذين كتبوا هذه السير وحثوا الناس على السعي نحو الشهادة، كانوا في مأمن بعيداً عن ساحات التعذيب، يجمعون "البركات" والمكاسب المادية والسياسية التي تدرها قصص هؤلاء الضحايا. إن الاستشهاد هنا يتحول من فعل إيماني إلى "أداة انتحارية" تهدف لزعزعة استقرار النظام القديم ووضع حجر الأساس لنظام ثيوقراطي جديد يحل فيه "السيف الكنسي" محل "السيف القيصري".
من رحم هذه الملاحم البطولية المشوبة بالدم، تطورت فكرة "الحرب العادلة" التي تغلغلت في الفكر المسيحي اللاحق وتسببت في كوارث إنسانية كبرى. لقد استلهم المنظرون الدينيون من قصص القديسين العسكريين مبرراً أخلاقياً للقتل، فإذا كان الملاك قد أعطى مرقوريوس سيفاً ليحارب به "البربر"، فهذا يعني أن هناك أعداء "يستحقون" القتل بمباركة إلهية. هذا المنطق هو الذي شرعن لاحقاً الحروب الصليبية وحروب الاستعمار، حيث أصبح "السيف المسيحي" أداة لتطهير الأرض من "الكفار" أو "الجاحدين". إن ملاحم الشهداء العسكريين غسلت أدمغة الأجيال المتعاقبة، وجعلتها تتقبل فكرة أن "الدين" و"الدم" يمكن أن يسيران في خط واحد ما دام الهدف هو إعلاء كلمة المؤسسة الدينية. وبذلك، تم دفن وصايا المسيح السلمية تحت ركام السير البطولية التي تمجد القوة والبطش، وتحول الدين من ثورة روحية على الظلم إلى شريك رسمي في ممارسته وتبريره عبر "لاهوت الحرب" الذي لا يزال يلقي بظلاله على النزاعات المعاصرة.
إن النقد الجذري لهذه السرديات يكشف لنا عن "غسل أدمغة" منظم، يهدف لتسهيل استغلال الأتباع ومنعهم من التساؤل عن التناقضات الصارخة في عقيدتهم. فالتساؤل عن كيفية كون القديس عسكرياً في جيش استعماري وثني هو تساؤل يُقمع باسم "الإيمان الأعمى" و"المعجزة التي لا تُناقش". هذا التعطيل للعقل هو الذي يغطي على المصالح الدنيوية الواضحة للكهنة والمتحالفين معهم، الذين أدركوا أن صناعة "البطل الميت" أكثر نفعاً لهم من "الإنسان الحي المتسائل". فالميت لا يتكلم ولا يعترض ولا يغير مواقفه، بل يصبح "أيقونة" صامتة يمكن للمؤسسة أن تنطقها بما تشاء من أوامر وتشريعات تضمن بقاء سطوتها المالية والروحية على الجماهير. إننا أمام عملية تزييف كبرى للوعي الإنساني، حيث تم تحويل "الموت المجاني" إلى "انتصار إلهي"، وتم استبدال العيش السوي والمنتج بتمجيد الفناء والدمار، وكل ذلك في سبيل الحفاظ على مكاسب فئة قليلة تقتات على أوهام العامة وقصصهم الخرافية.
وفي الختام، يظل صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" شاهداً على قدرة المؤسسات السلطوية على مسخ أسمى المبادئ الإنسانية وتحويلها إلى نقيضها تماماً. إن انخراط المسيحيين الأوائل في الجيش الروماني لم يكن بطولة، بل كان فشلاً أخلاقياً واضطراراً اجتماعياً تمت صياغته لاحقاً في قالب أسطوري لتغطية قبحه. إن تحرير الوعي البشري من سطوة هذه الأساطير يتطلب شجاعة في مواجهة "قداسة الدم" وكشف الزيف القابع في ثنايا قصص الشهداء العسكريين. فالحياة الحقيقية لا تُبنى بالسيوف التي تهبط من السماء، بل بالعقول التي ترفض الانسياق وراء الخرافة، وبالقلوب التي تدرك أن السلام لا يمكن أن يتحقق عبر الانخراط في آلات القتل الاستعمارية مهما تغطت بعباءة الدين. إن نقد "عقيدة الاستشهاد العسكرية" هو في جوهره انتصار لغريزة البقاء السوية ورفض لعمليات الاستغلال الكهنوتي التي حولت الإنسان من كائن مبدع وحر إلى أداة انتحارية في صراع إرادات القوة والمال.




.

صناعة "البطل الغيبي": سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى وتفكيك آليات البروباغندا الدينية (مقال)

.
.
صناعة "البطل الغيبي": سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى وتفكيك آليات البروباغندا الدينية




تمثل الأسطورة في جوهرها محاولة إنسانية بدائية لتفسير الظواهر التي استعصت على الإدراك الحسي والعقلي في مراحل فجر الحضارة، إلا أنها ومع تطور المؤسسات السلطوية تحولت من مجرد حكايات شعبية إلى أدوات منهجية لصياغة الوعي الجمعي وتوجيهه. إن دراسة سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى، وتحديداً في سياق سير القديسين والشهداء، تكشف لنا عن عملية معقدة من "هندسة القداسة" حيث يتم تجريد الشخصيات من بشريتها العادية وتحويلها إلى كائنات "ميتا-فيزيقية" تمتلك قدرات خارقة للعادة. هذه الصناعة لم تكن عبثية أو نتاج خيال عاطفي ساذج فحسب، بل كانت ضرورة اجتماعية وسياسية أملتها حاجة المؤسسة الدينية الناشئة لترسيخ شرعيتها أمام سلطات زمنية غاشمة أو جماعات وثنية منافسة. من خلال تفكيك هذه السرديات، نكتشف أن "البطل الغيبي" ليس سوى انعكاس للمصالح الدنيوية التي تتدثر بثوب الطهارة السماوية، حيث تعمل الأسطورة هنا كآلية لتعطيل السؤال المنطقي واستبداله بالدهشة الإعجازية التي تسهل انقياد الأتباع.
تبدأ عملية صناعة البطل الغيبي من خلال توظيف الرموز البصرية والمادية وتحويلها إلى أدوات "بروباغندا" مبكرة تتجاوز حاجز اللغة لتخاطب الوجدان الجمعي مباشرة. في قصة القديس مرقوريوس، الملقب بأبي سيفين، نجد أن رمز "السيفين" يمثل قمة التوظيف الرمزي للازدواجية السلطوية. السيف الأول هو سيف الجندي الروماني، وهو رمز السلطة الزمنية والقدرة العسكرية، أما السيف الثاني الذي يهبط من السماء بيد رئيس الملائكة، فهو يمثل تفويضاً إلهياً يتجاوز شريعة الأرض. هذا السيف "النوراني" لا يُعطى للبطل ليحقق به سلاماً روحياً، بل يُمنح له ليهلك به أعداء الإمبراطورية من "البربر"، وهنا نلمس التناقض الجوهري بين رسالة السلام المزعومة وبين واقع البروباغندا التي تسعى لصبغ العنف والحروب التوسعية بصبغة مقدسة. إن السيف الإضافي في هذه الأسطورة هو "سر القوة" الذي ينزع عن البطل صفة الضعف البشري ويجعله أداة في يد الإرادة الإلهية، مما يمنح المؤسسة الدينية التي تروي القصة حق احتكار "العنف المقدس". هذه الرموز لم تكن مجرد زينة فنية في الأيقونات، بل كانت رسائل سياسية مشفرة تخبر العامة بأن القوة الحقيقية ليست في يد الإمبراطور الوثني، بل في يد الإله الذي يمنح السيوف لأتباعه المخلصين، مما يؤدي بالتبعية إلى نقل الولاء من الدولة إلى المؤسسة الدينية.
علاوة على ذلك، تعتمد صناعة الأسطورة في العصور الوسطى على مبدأ "الصدمة والترهيب" من خلال توظيف المعجزات العنيفة لفرض الطاعة وتبرير التحولات المفاجئة في السلوك الإنساني. إن مشهد "الوحوش" التي تفترس الجد "فيروس" أمام عيني ابنه "يادروس" يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية توظيف الرعب النفسي في السرد الديني. في هذه القصة، لا نجد إلهاً ينقذ الجميع بالرحمة، بل نجد "سيناريو" تراجيدياً يتم فيه التضحية بالجد ليكون موته وسيلة لإرعاب الأب ودفعه نحو الإيمان. هذا النوع من المعجزات يرسخ في وعي التابع فكرة أن الإله كيان "منتقم" أو "مروع" لا يتردد في التضحية بالأرواح لكي يثبت قوته. هذا التوظيف للوحشية في القصص الدينية يهدف بالدرجة الأولى إلى كسر الملكة النقدية لدى المتلقي؛ فحين يرى الإنسان أن الرب يسمح بافتراس الجد لكي "ينقذ" الأب روحياً، فإنه يتوقف عن السؤال عن العدالة الإلهية ويبدأ في الشعور بضآلته أمام هذه القوة الغامضة. إنها آلية لغسل الأدمغة تقوم على تدمير المنطق السببي واستبداله بخوف وجودي، حيث يصبح الإيمان هنا ليس اختياراً حراً، بل هو "طوق نجاة" من وحوش متربصة، وهو ما يسهل استغلال الأتباع لاحقاً عبر الكهنة الذين يصورون أنفسهم كوسطاء وحيدين لتهدئة هذا الإله الغاضب.
وعند مقارنة "البطل الملحمي الوثني" بـ "الشهيد العسكري المسيحي"، نكتشف تداخلاً مذهلاً في الصفات يثبت أن المؤسسة الدينية لم تخترع شيئاً جديداً تماماً، بل قامت بـ "تعميد" الأساطير الوثنية القديمة وإعادة تدويرها. الأبطال في الميثولوجيا الإغريقية، مثل أخيليس أو هرقل، كانوا دائماً يحصلون على أسلحة سحرية من الآلهة (كما حصل مرقوريوس على سيفه من الملاك) وكانوا يمتلكون قوة جسدية استثنائية وبراعة في القتل. المؤسسة الدينية في العصور الوسطى أدركت أن العقل الجمعي المرتبط بالثقافة الرومانية واليونانية لن ينجذب لشخصية "الزاهد الضعيف" الذي يُقتل دون مقاومة، فكان لا بد من خلق نموذج "الجندي المسيحي" الذي يجمع بين القوة القتالية الفائقة وبين التقوى الدينية. هذا التداخل جعل الشهيد المسيحي "بطلاً ملحمياً" بامتياز، يحارب البربر وينتصر في المعارك الأرضية بفضل الدعم الغيبي. هذا التحول كان حيوياً لاخراق المؤسسة العسكرية الرومانية؛ فبدلاً من أن يشعر الجندي الروماني بأن المسيحية تضعف رجولته أو جنديته، جاءت هذه الأساطير لتخبره أن المسيحية ستجعله جندياً أقوى بـ "سيفين" بدلاً من سيف واحد. وبذلك، تحول الشهيد من ضحية سلبية إلى محارب أسطوري، وهو ما خدم مصالح الكنيسة في جذب القادة العسكريين والنبلاء إلى صفوفها، محولةً العقيدة من رسالة أخلاقية إلى "أيديولوجيا قوة".
لعبت العجائب أيضاً دوراً حيوياً في ملء "الفجوات المنطقية" للتاريخ الرسمي وتغطية التناقضات الصارخة التي لا يمكن للعقل قبولها. على سبيل المثال، كيف يمكن لجندي مسيحي أن يترقى إلى رتبة "عميد الجيوش" في عهد إمبراطور مثل ديسيوس المعروف باضطهاده الشرس للمسيحيين؟ هنا تتدخل المعجزة لترميم هذا الخلل المنطقي، فتدعي السردية أن الرب هو من أعطاه النصرة وأعمى أعين الإمبراطور عنه لفترة، أو أن قوته العسكرية كانت من العظمة بحيث لم يجرؤ أحد على مساسه. إن "المعجزة" في هذه النصوص تعمل كـ "صمغ معرفي" يربط بين أحداث متنافرة؛ فهي تعفي المؤلف من ضرورة تقديم أدلة تاريخية أو تفسيرات سياسية منطقية. وبدلاً من أن يتساءل الأتباع عن مصالح هذا الجندي في جيش استعماري توسعي، يتم توجيه انتباههم نحو "النور الباهر" الذي ظهر له أو "رئيس الملائكة" الذي خاطبه. هذا التغييب المتعمد للواقع لصالح الخيال الإعجازي هو وسيلة فعالة لمنع التساؤل حول المصالح الدنيوية للكهنة والتحالفات التي يعقدونها مع السلطة. إن التاريخ في هذه الحالة يتحول من سجل للأفعال الإنسانية إلى "مسرح إلهي" لا دور فيه للبشر سوى المشاهدة والتسليم، مما يكرس حالة الاستلاب الفكري ويجعل التابع لقمة سائغة للاستغلال المادي والمعنوي تحت مسمى البركة والقداسة.
وفي ختام هذا التحليل، يتبين أن صناعة "البطل الغيبي" كانت عملية استثمارية بامتياز في سوق العقول والمشاعر. لقد استغلت المؤسسة الدينية في العصور الوسطى الجهل بالقوانين الطبيعية والخوف من المجهول لتبني قلاعاً من الأساطير التي تحمي مصالحها الدنيوية. إن تحويل الشخصية التاريخية إلى أيقونة خارقة لم يكن تكريماً للفرد، بل كان تعزيزاً لسلطة "المؤسسة" التي تملك حق رواية القصة وتفسيرها. إن الرموز مثل السيوف الملائكية والوحوش الضارية كانت بمثابة أدوات إعلانية بدائية تهدف لغسل أدمغة الجماهير وتدجينهم، محولةً إياهم من مواطنين فاعلين إلى أتباع منقادين ينتظرون المعجزة بدلاً من العمل على تغيير واقعهم. إن تفكيك سوسيولوجيا هذه الأسطورة يكشف لنا أن الكثير مما نعتبره "تراثاً مقدساً" هو في الحقيقة نتاج صراعات سياسية ومصالح طبقية قديمة، أرادت أن تخلد نفسها من خلال تزييف الوعي وتغييب العقل، وهو ما يجعل النقد العقلاني لهذه السرديات ضرورة ملحة لاستعادة كرامة الإنسان وحقه في فهم تاريخه بعيداً عن غبار الخرافة.
لقد استمرت هذه الآلية في العمل عبر القرون لأنها تخاطب في الإنسان حاجته النفسية العميقة لوجود "مخلص" أو "بطل" يعوض نقصه الشخصي وعجزه أمام قسوة الحياة. المؤسسة الدينية أدركت هذه الحاجة بذكاء، فوفرت للأتباع "أبطالاً" يمكنهم التماهي معهم، لكنها في ذات الوقت قيدت هذا التماهي بشروط الطاعة العمياء للمؤسسة نفسها. إن سيرة مرقوريوس ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الشخصيات التي تم "اختطافها" من سياقها التاريخي البشري وإعادة صياغتها كأدوات سياسية. عندما نرى قديساً يخرج من "أيقونة" ليقتل إمبراطوراً بحربة حقيقية، فنحن لا نرى معجزة، بل نرى "رسالة تهديد" من المؤسسة الدينية إلى كل من يحاول الخروج عن طوعها أو مراجعة سلطتها. إن هذا النوع من "الفانتازيا التاريخية" هو الذي أدى بمرور الزمن إلى نفور العقول النقدية من المنظومات الدينية التقليدية، بعد أن أصبحت الفجوة بين "خرافة القرون الوسطى" و"منطق العصر الحديث" غير قابلة للردم. إن الانتقال من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل" يتطلب جرأة في مواجهة هذه الأساطير وكشف الزيف القابع في ثناياها، لإدراك أن العظمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في سيوف نورانية يهبط بها الملائكة، بل في قدرته على استخدام عقله وبناء قيمه الأخلاقية على أساس العدل والحقيقة والواقع الملموس.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه أمام هذا التفكيك العقلاني هو: لماذا لا تزال هذه الأساطير تحظى بالقداسة والقبول لدى الملايين في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ إن الإجابة لا تكمن في قوة النص الأسطوري بحد ذاته، بل في "الهشاشة النفسية" للإنسان الذي يبحث دوماً عن مرساة في بحر من عدم اليقين. المؤسسة الدينية، بذكاء فطري تراكم عبر القرون، أدركت أن العقل البشري يميل غريزياً لتصديق ما يمنحه شعوراً بالأمان والتميز، فقصة "أبو سيفين" لا تُقرأ اليوم كحدث تاريخي، بل كـ "مخدر وجداني" يوهم الأتباع بأنهم ليسوا وحيدين في صراعهم مع قسوة الحياة، وأن هناك "قوى غيبية" تتدخل لإنصافهم كما أنصفت يادروس في الغابة أو مرقوريوس في ساحة المعركة. هذا التعلق النفسي هو الثغرة التي ينفذ منها المستغلون؛ فمن خلال إبقاء الإنسان في حالة "الطفولة المعرفية" التي تنتظر المعجزة، يتم شل قدرته على التغيير الواقعي وتوجيه طاقته نحو الطقوس والتبرعات وتكريس سلطة الكهنة الذين يقتاتون على هذه المخاوف.
إن الوعي الجمعي الذي لا يزال يحتفي بخروج قديس من "أيقونة" ليغرس حربة في صدر عدو، هو وعي تم تدريبه على كراهية "الآخر" والتلذذ بالانتقام الغيبي منه، مما يحول الدين من رسالة سمو أخلاقي إلى أداة تصفية حسابات نفسية وسياسية. إننا أمام عملية "استلاب" ممنهجة تجعل الإنسان يتخلى عن أثمن ما يملك، وهو عقله، مقابل وعود وهمية ببطولات خيالية. إن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يكون بالهجوم على الأشخاص، بل بتعريت الآليات التي يُدار بها "غسل الأدمغة" الجماعي، والتأكيد على أن البطولة الحقيقية ليست في حمل سيوف ملائكية، بل في امتلاك الشجاعة لمواجهة الواقع كما هو، دون حاجة لوسطاء أو خرافات. إن التحرر من سطوة "البطل الغيبي" هو الخطوة الأولى نحو استعادة الإنسان لسيادته على حياته ومصيره، وبناء مجتمع يقوم على "صدق المسؤولية الفردية" بدلاً من "زيف الاتكال الغيبي" الذي يخدم في النهاية عروش القائمين على حراسة الوهم ومصالحهم الدنيوية الواضحة.




.

فجر الكفّار. ف01 (رواية)

.


.
فجر الكفّار

الفصل الأول: أنفاس الجحيم

لم يكن الدويّ مجرد ضجيج عابر؛ بل كان تمزقاً في نسيج الواقع المادي. في طهران، عادة ما يمتلك الصوت ملمس القطران الحار، وأبواق السيارات البعيدة، والهمسات المكتومة، لكن ما انفك يمزق الهواء للتو بالقرب من حي "ساحة الحرية" كان ينتمي إلى بُعد آخر. كان عويل المعدن وهو يصطدم بالخرسانة، صاعقة تنهال على أساسات عالم لا ينتهي احتضاره. جعلت موجة الارتداد زجاج المبنى ذي الآجر الأصفر يهتز بعنف شديد، حتى أن إطار الباب أنَّ كعظمة تتهشم. الغبار، ذلك المسحوق الرمادي الدقيق المتراكم عبر عقود من التلوث والإهمال، انسلخ عن الأسقف ليرقص في حزم الضوء الآفلة.
كان "رضا" في الداخل بالفعل. لم يكن يتنفس، بل كان يغربل الفوضى. في الثامنة والأربعين من عمره، كان جسده أرشيفاً للبقاء. كان يعلم أن الخلاص في هذه المدينة لا ينزل أبداً من السماء، إلا إذا كان على هيئة حطام معدني متوهج. وقف في منتصف الغرفة، عضلاته مشدودة، ونظراته مثبتة على باب المدخل الذي لا يزال خشبه الرخيص يرتجف. كانت رائحة الكبريت والزفت المحترق تتدفق عبر الشقوق، طاردةً رائحة الورق القديم والشاي البارد التي تعبق بها مخبأه عادةً.
انفتح الباب بصرير يشبه إغلاق تابوت أخفق صانعه. اندفعت "ليلى" إلى الغرفة، محمولة على عاصفة من الرماد الساخن والذعر. لم تضيع وقتاً لتتحقق مما إذا كان هناك من يطاردها؛ لم تعد تملك القوة لذلك. كانت لفتتها الأولى، عفوية وحيوانية تقريباً، هي وضع يديها على حلقها. تشابكت أصابعها في النسيج الاصطناعي القاتم لـ "الحجاب"، ذلك الكفن الإلزامي الذي كانت ترتديه كأنه وسم من حديد محمى، إهانة دائمة لعقلها كامرأة حرة.
بحركة خاطفة، وبتمزيق للقماش رنّ صداه في صمت الشقة المفاجئ، انتزعته. لم تخلعه برقة امرأة تعود إلى بيتها؛ بل تحررت منه كما يُنتزع جلد مُتعفن. ألقته على الأرض باشمئزاز غريزي، وداسه بحذائها الملطخ بطين شوارع طهران الجاف. تحرر شعرها الأسود الفحمي أخيراً، ملتصقاً بصدغيها وعنقها بفعل العرق، متساقطاً في شلالات فوضوية على كتفيها. كانت تلهث، وصدرها يعلو ويهبط بغضب لا يمت للروحانية بصلة؛ كان غضباً مادياً محضاً لكائن حي يطالب بحقه في الأوكسجين، بعيداً عن مراسيم الحشمة ومظاهر الفضيلة الزائفة.
ـ "أولاد الزنى..." بصقت الكلمة أخيراً. كان صوتها مبحوحاً بفعل الدخان والصرخة التي كتمتها طوال الطريق في الشارع. "لقد ضربوا مركز قيادة الحرس. الجحيم في الخارج يا رضا. ’الباسيج‘ يطلقون النار في الهواء، يضربون الناس الذين لا يركضون بسرعة كافية، يبحثون عن كبش فداء في كل نظرة."
لم يجب رضا على الفور. كان يراقبها بحدة باردة. كان في هذا العري المفاجئ لوجه ليلى وشعرها شيء أكثر تمردًا، وأكثر خطورة على النظام القائم، من ذاك الصاروخ الذي حول للتو مبنىً حكومياً إلى مقبرة جماعية من الخرسانة. كان تدنيساً رائعاً. كان يكره هذا النظام بسبب آلهته الغائبة، نعم، ولكن قبل كل شيء لقدرته على تحويل الفرد إلى ظل قابل للاستبدال، صورة ظلية مجردة من الرغبات الخاصة. في تلك اللحظة، وتحت الضوء الشاحب لمصباح عارٍ، لم تكن ليلى ظلاً. كانت لحماً، ودماً، وإرادة إلحادية يُبهرُه لمعانُها.
ـ "أغلقي الباب وادفعي المزلاج المزدوج يا ليلى،" قال أخيراً بصوت خفيض. "لم نعد ننتظر أحداً. لا الأصدقاء ولا الأعداء."
أطاعت ويداها ترتجفان بفعل شحنة الأدرينالين التي لم تهدأ. كانت الشقة مخبأً متقشفاً، بقايا حقبة كان فيها إيران لا يزال يحلم بالحداثة، واليوم استحال إلى هيكل خرساني. طاولة معدنية باردة، كرسيان غير متطابقين، مرتبة بسيطة ملقاة في زاوية، ويتصدر المشهد فوق خزانة متآكلة جهاز تلفاز قديم يبدو أنه ينتظر ساعته ليقيء جرعته اليومية من السم.
لم يكن التلامس بينهما جسدياً بعد، لكنه كان كهربائياً بالفعل. الغبار الذي يطفو بين جسديهما بدا مشحوناً بجزيئات متأينة. التفتت ليلى نحوه، وعيناها تحترقان ببريق محموم. كانت ناشطة، امرأة قضت شبابها في المراوغة مع الأجهزة الأمنية، ترتدي الحجاب فقط لتجنب جلدات السياط أو سجن "إيفين"، بينما كانت تزتري كل ذرة من ذلك الورع المفروض. كان إلحادها درعها، ونظافتها العقلية الوحيدة في مدينة تفوح منها رائحة الخرافة والموت.
ـ "نحن وحدنا يا رضا،" همست وهي تتقدم نحوه. "ليس هناك ’مهندس أعظم‘ ليخرجنا من هنا. السموات فارغة، ولطالما كانت كذلك. لا يوجد سوى الحديد الذي يسقط ونحن الذين نبقى واقفين."
أومأ رضا برأسه، وعلى طرف شفتيه ابتسامة مريرة.
ـ "السموات فارغة، لكن الأرض مليئة بالحمقى الذين يعتقدون أنهم يملؤونها بصرخاتهم. نحن آخر الكفرة في مصحة عقلية تحت الهواء الطلق."
اقترب منها. كانت رائحة ليلى، مزيج من الأوزون والعرق الحامض وتلك النوتة المستمرة من الصابون الخام، تعمل عليه كمحفز. وضع يده على كتفها، حيث كان قماش قميصها لا يزال دافئاً من شمس الرصاص التي هربت منها للتو. تحت أصابعه، شعر بارتعاش وحش مطارد يرفض الاستسلام، اهتزاز يسري في هيكلها العظمي بالكامل.
ـ "لقد عدتِ، وهذا كل ما يهم،" أضاف.
كان التلامس الأول كالتماس كهربائي. بحثت أيديهما عن بعضهما في العتمة، ليس لعناق مواساة، بل لتعارف قتالي. تمسكت ليلى بذراعيه، وانغرست أصابعها في جلد سترته، تبحث عن صلابة عضلاته لتتأكد أنها ليست مجرد طيف في هذه المدينة التي تتهاوى.
دوي انفجار ثانٍ، أبعد هذه المرة، جعل الأرض تهتز تحت أقدامهما. أصدر التلفاز، رغم كونه مطفأً، طقطقة استاتيكية صغيرة، كما لو كان يتغذى على التوتر المحيط. في هذا الفضاء الضيق، المشبع بالغبار والكراهية للعقيدة، أدرك رضا وليلى أن ثورتهما الخاصة تبدأ هنا. ثورة لن تمر عبر الشعارات أو المتاريس الجماعية، بل عبر استعادة حواسهما الخاصة، وجلدهما الخاص، ضد كل أولئك الذين أرادوا تقديسهما أو التضحية بهما.
الحجاب، الملقى على الأرض كجلد ثعبان مهجور، كان يرمز بالفعل إلى نهاية عهد. رفعت ليلى رأسها نحو رضا، وجهها مغمور بضوء مزرق آتٍ من النافذة. لم تطلب شيئاً، ولم تنتظر أي إذن. كانت نظرتها تحدياً موجهاً في آن واحد إلى الملالي، والقنابل، والعدم.
ـ "لن ينالوا منا يا رضا. لا أمواتاً ولا أحياء، لن يملكوا أبداً حقيقتنا."
ضمها رضا إليه، شاعراً بضربات قلبها المتسارعة ضد صدره. في تلك اللحظة بالذات، وسط حطام طهران، كانا الكائنين الوحيدين الأحياء حقاً، لأنهما الوحيدان اللذان لم يعودا يأملان شيئاً من أحد، سوى من نفسيهما.



(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...