.
مرآة الزعيم الملهم
المرآة لا تكذب، لكنها تطيع. نظر إليها، فأبصرت عيناه ذلك الوجه المألوف الذي ألِفته الملايين، الوجه الذي تصدّر الواجهات، والساحات، والشاشات، والكتب المدرسية. عدّل ربطة عنقه الحريرية الحمراء بدقة متناهية، ومسح بمنديل أبيض بقعة غبار وهمية استقرت على وسام الاستحقاق الوطني المعلق فوق صدره. بعد دقائق معدودات، سينفتح الباب العريض، وسيخطو نحو المنصة، لتشتعل القاعة بالتصفيق الهستيري، ولتتحرك كاميرات التلفزيون الرسمي في بث حي ومباشر تنقله الشاشات إلى كل بيت، وكوخ، ومقهى في هذه البلاد المترامية الأطراف. سينتظر بضع ثوانٍ، يرفع يده بحركة أبوية حازمة ليسكت الهتافات، ثم يبدأ في قراءة السطور التي كتبت بماء الحبر الفاخر، السطور التي ستحرك مشاعر الجموع وتدفعهم إلى البكاء والهتاف بحياته مجدداً.
ابتسم لنفسه في المرآة، وكانت ابتسامته تحمل كل معاني السخرية التي يخبئها عن العالم. ما أسهل حكم هذه الكائنات، وما أغرب قدرتها على تصديق الوهم. عاد بذاكرته إلى الخلف، إلى ذلك اليوم البعيد قبل سنوات طويلة، حين قرر الترشح للرئاسة لأول مرة. كان مجرد سياسي طموح يبحث عن الثغرة التي ينفذ منها إلى عقول العامة. كان يعرف خبث اللعبة السياسية، وكان يدرك أكثر من أي شخص آخر طبيعة الشعب الذي ينوي حكمه. إنه شعب عاطفي، يعيش على الأمجاد الغابرة، وتتحكم في سلوكه الكلمات الرنانة لا الأرقام الاقتصادية. تذكر كيف جلس مع مستشاريه المقربين يخطط لبرنامجه الانتخابي، وكان الجميع يتحدث عن خطط إصلاح التعليم، وتطوير البنية التحتية، وجلب الاستثمارات الخارجية. ضحك يومها في سره من غباء مستشاريه، وقرر أن يسلك الطريق الأقصر والأكثر تدميراً لعقول الجماهير.
لقد باع لهم الخرافة الأكبر، خرافة تحرير فلسطين والعدو الصهيوني والقدس، وشعار أن التطبيع خيانة عظمى لا تغتفر. كانت بلاده تقع في قارة أخرى، تفصلها عن فلسطين بحار وصحاري وآلاف الأميال، ولا تربطها بالقضية أي حدود جغرافية أو تشابكات جيوسياسية مباشرة، لكنه كان يعلم أن القدس هي المفتاح السحري لقلوب السذج. ركب الموجة بكل جوارحه، وصار يصرخ في الميكروفونات حتى تبح حنجرته، ويتوعد الكيان الغاصب بالويل والثبور، ويذرف الدموع المصطنعة أمام الكاميرات وهو يتحدث عن أطفال الحجارة والشرف العربي الضائع. كان يرى في عيون الجماهير المحتشدة تحت منصاته ذلك البريق البدائي، بريق العاطفة الجاهلة التي تبحث عن بطل وهمي يحقق لها انتصارات افتراضية تعوضها عن خيبات واقعها البائس. راهن على غبائهم المطلق، وكسب الرهان. نجح في الانتخابات باكتساح، وصعد إلى سدة الحكم محمولاً على أكتاف الأوهام التي نسجها لهم.
بمجرد أن أقسم اليمين الدستورية وجلس على الكرسي الوثير في القصر الرئاسي، انتهى موضوع الشعارات المعادية لإسرائيل بالنسبة إليه. لم يعد بحاجة إليها، فالطعم قد أدى غرضه واصطاد السمكة الكبيرة. تلاشت خطابات التحرير الحماسية تدريجياً، وحلت محلها خطابات من نوع آخر، خطابات تناسب مرحلة التمكين وتوطيد أركان العرش. أمضى مدتين انتخابيتين كاملتين وهو يلوك نفس الموال، ويمضغ نفس العبارات التي لا تتغير إلا في ترتيب كلماتها. تحول العدو الصهيوني البعيد في أدبياته السياسية إلى عدو أخطر وأقرب، وهو المعارضون الأشرار، وأعداء الدولة في الداخل والخارج، والمؤامرات الدنيئة التي تحاك في الغرف المظلمة لإسقاط البلاد وإفشال حكمه الرشيد السديد.
التفت نحو الطاولة الجانبية، وتناول كأساً من الماء المفلتر، وارتشف منه رشفة صغيرة ليحافظ على رطوبة حباله الصوتية. تذكر تلك الجهات المجهولة التي يتحدث عنها في كل خطاب. إنه لا يذكرها باسمها أبداً، ليس خوفاً منها، بل لأنها ببساطة غير موجودة إلا في مخيلته المريضة، وفي مسرحيته التي يخرجها للشعب. إن إبقاء هوية العدو غامضة هو التكتيك الأذكى على الإطلاق، فالعدو المجهول يمكن أن يكون أي شخص، ويمكن لصقه بأي معارض، ويمكن استخدامه لتبرير أي فشل حكومي. إذا انقطع التيار الكهربائي، فهي مؤامرة من أطراف مشبوهة. وإذا ارتفعت أسعار المواد الغذائية، فهي أيدي خبيثة تحاول ضرب السلم الاجتماعي وتأليب الشعب ضد قائده الملهم. وفي كل مرة، يقف خلف منبره ليتوعد هذه الجهات الخفية بالويل والثبور، ولينذرها بأن قطار المحاسبة قد انطلق ولن يتوقف، وهو يعلم في قرارة نفسه أن القطار الوحيد الذي انطلق هو قطار ثروته الشخصية التي تتضخم يوماً بعد يوم.
لقد نجح، بفضل هذا الرعب المصطنع، في القضاء على أي صوت يعارض سياساته. تذكر الوجوه التي كانت تجرؤ على انتقاده في بدايات حكمه، الصحفيين الأحرار، والسياسيين المستقلين، والحقوقيين الذين صدقوا كذبة الديمقراطية. أين هم الآن. معظمهم يرسفون في غياهب السجون المظلمة، يتقاسمون الرطوبة والنسيان، بتهم جاهزة ومعلبة تتراوح بين التآمر على أمن الدولة، وتلقي أموال من جهات أجنبية، وإحباط معنويات الجيش. لقد رفع شعاره المقدس الذي لا يجرؤ أحد على مناقشته: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. ولما كان يخوض معركة وجودية ضد قوى الشر الوهمية، فإن أي انتقاد لسياساته، أو تساؤل عن ميزانية الدولة، أو شكوى من تدهور الخدمات، يعتبر خيانة عظمى وتشويشاً على القائد في وسط المعركة. وضع نفسه في منزلة فوق النقد، وصار اسمه خطاً أحمر، ومن يقترب منه يحترق.
نظر إلى السقف المزخرف بالذهب، وشعر بنشوة عارمة تتملك كيانه. إنه ليس مجرد رئيس عادي جاءت به صناديق الاقتراع، بل هو المبعوث الإلهي الذي اختارته العناية الربانية لإنقاذ هذه البلاد من الفساد والخراب. هكذا يرى نفسه، وهكذا يجب على الجميع أن يروه. إنها رسالة مقدسة يحملها على عاتقه، والرسل لا يحاسبهم البشر، بل تحاسبهم السماء فقط. لذلك، لا يشعر بأي تأنيب ضمير تجاه الانهيار الاقتصادي الحاد الذي تعيشه البلاد. لقد تهاوت العملة الوطنية إلى الحضيض، وأصبحت القدرة الشرائية للمواطنين نكتة سمجة، وطوابير الخبز والزيت والوقود باتت المشهد اليومي المعتاد في كل مدينة وقرية. يرى صور الناس في التقارير السرية وهم يقتتلون على كيس من الطحين، لكن ذلك لا يحرك فيه شعرة واحدة. فالشعوب العظيمة، في نظره، يجب أن تتحمل الجوع من أجل الحفاظ على كرامتها وسيادتها الوطنية في وجه المؤامرات المستمرة.
الأهم من ذلك كله، هو أن ثروته الشخصية في حسابات البنوك الخارجية تنمو وتزدهر، وأمواله وعقاراته تتضاعف بأمان. الشعب مسكين، أو بالأحرى مغفل، فقد انتخبه وجدد له الولاء بناءً على صفة واحدة روجتها آلته الإعلامية بكثافة، وهي أنه رئيس "نظيف اليدين". تذكر هذه العبارة وانفجر ضاحكاً بصوت خافت تردد صداه في أرجاء الغرفة الفخمة. نعم، إنه نظيف اليدين بالمعنى الحرفي للكلمة. إنه يغسلهما دائماً بالماء والصابون المعطر الفاخر، ويطهرهما بالكحول الطبي بعد مصافحة أي شخص من العامة خوفاً من التقاط العدوى أو الأوساخ. أما عن أموال الدولة وعقود النفط والغاز والمشاريع الوهمية، فإن يديه لم تتسخا بها قط، لأن لديه شبكة معقدة من المساعدين والمستشارين والأقارب الذين يقومون بالأعمال القذرة نيابة عنه، ويودعون الأرباح في الحسابات السرية دون أن يتركوا خلفهم أي أثر يربطه بها. النظافة مبدأ، وهو رجل يحب النظافة والترتيب.
دق جرس الساعة المعلقة على الحائط، مشيراً إلى اقتراب موعد الخطاب. اقترب من المرآة مرة أخرى ليلقي النظرة الأخيرة. تفحص ملامحه بعناية، ورأى في عينيه بريق الزعيم الملهم والقائد البطل الذي لا يخطئ. اليوم، سيتحدث إليهم مجدداً. اليوم، يحتاج إلى جرعة جديدة من التخدير السياسي لكي ينسوا جوعهم وفقرهم وأزماتهم المتلاحقة. لقد أعدّ كلماته بعناية فائقة، وسيركز في خطابه هذا على مؤامرات جديدة تماماً، أشد خطورة من سابقاتها، تحاك خلف الكواليس لإفشال مشروع البناء والتشييد والنهوض بالبلاد. سيتحدث بنبرة غاضبة ومتوعدة، سيشير بإصبعه نحو المجهول، ويهدد الأطراف المشبوهة والأيدي الخبيثة التي تريد التلاعب بأمن البلاد واستقرارها، والتي تحاول جاهدة يائسة ضرب المسيرة المظفرة لنظامه الرشيد.
شعر بتدفق الأدرينالين في عروقه، فالوقوف أمام الحشود وإلقاء الخطابات هو اللحظة التي يشعر فيها بوجوده الكامل، اللحظة التي يمارس فيها سحره ونرجسيته على عقول الملايين. سيبكون عندما يظهر علامات التأثر، وسيصرخون غضباً عندما يتوعد الأعداء، وسيهتفون باسمه حتى تنقطع أنفاسهم عندما يختم خطابه بالشعارات الوطنية الجوفاء. إنهم يعشقون الجلاد الذي يتقن صناعة الخوف، وهو قد تخصص في هذه الصناعة وبلغ فيها مرتبة العالمية.
تحركت يد المقبض الذهبي للباب الكبير، وانفتح ببطء ليظهر رئيس ديوانه واجماً، منحنياً باحترام شديد، وهو يهمس بنبرة تقديس خاضعة قائلاً إن كل شيء جاهز، والجماهير المنتقاة بعناية تملأ القاعة، وكاميرات البث المباشر تنتظر إشارته. أومأ الرئيس برأسه بكبرياء متعالٍ، ولم ينطق بكلمة واحدة. أخذ نفساً عميقاً، واستجمع كل مهاراته في التمثيل والخطابة والمنافقات السياسية، ورسم على وجهه ذلك القناع الصارم والمهيب الذي يجمع بين القسوة الأبوية والحكمة الإلهية. خطا خطواته الأولى نحو الممر الطويل المؤدي إلى المنصة، وسار بخطى ثابتة واثقة، يسمع في نهاية الممر دقات الطبول وهتافات الحشود التي بدأت ترتفع وتتداخل مع اقتراب ظهوره. ابتسم في سره للمرة الأخيرة قبل أن تلتهمه أضواء الكاميرات، وتأكد أن العرش سيبقى ثابتاً، ما دام الغباء البشري مستمراً في التدفق كالنهر الذي لا يجف.
.




