Translate

تفكيك الجغرافيا التوراتية: "نهر مصر" ووادي العريش في عين النقد التاريخي (مقال)

.

.
تفكيك الجغرافيا التوراتية: "نهر مصر" ووادي العريش في عين النقد التاريخي




تمثل الجغرافيا التاريخية للشرق الأدنى القديم ساحة اشتباك معرفي وأيديولوجي فريدة من نوعها، حيث تداخلت النصوص الدينية المقدسة مع المطامح السياسية الحديثة لتنتج قراءات مشوهة للواقع الطبوغرافي الغابر. ومن بين أكثر المفاهيم الجغرافية التوراتية إثارة للجدل والتوظيف السياسي في العصر الحديث هو مفهوم الحدود الغربية للأرض الموعودة، وتحديداً ما ورد في المتون العبرية تحت مسمى نهر مصر. لقد أدى الخلط المتعمد أو الجاهل بين هذا المصطلح وبين نهر النيل العظيم إلى ولادة واحدة من أضخم الأساطير السياسية في القرن العشرين، وهي أسطورة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد حدودها من النيل إلى الفرات. إن تفكيك هذه الجغرافيا التوراتية وإعادتها إلى سياقها اللغوي والأركيولوجي والتاريخي الصارم لا يمثل مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة علمية لفصل التزييف الأيديولوجي المعاصر عن الحقائق الطبوغرافية التي عاشتها شعوب المنطقة في العصور البرونزية والحديدية، وهو ما يسعى هذا البحث المطول إلى تحقيقه من خلال منهجية النقد التاريخي المقارن.
لتفهم كيفية تشكل المصطلحات الجغرافية في الشرق الأدنى القديم، يجب أولاً إدراك أن التسميات لم تكن عبارة عن خطوط حدودية هندسية مرسومة على خرائط ورقية كما هو الحال في الدولة القومية الحديثة، بل كانت تعبيراً عن فضاءات حيوية، وموانع طبيعية، ومناطق نفوذ سياسي متغيرة بتغير موازين القوى بين الممالك والإمبراطوريات. في ذلك العصر السحيق، كانت الأنهار الكبرى والوديان الموسمية تشكل العلامات الطبوغرافية الأبرز التي يستعين بها الإنسان القديم لتحديد هويته المكانية وفصل أراضيه عن أراضي الآخرين. وكانت اللغة العبرية القديمة، كغيرها من اللغات السامية كالأكادية والأوجاريتية والآرامية، تستعير المسميات الجغرافية من البيئات الثقافية المحيطة بها، وخاصة من الحضارتين العظيمتين المهيمنتين على طرفي الهلال الخصيب: الحضارة الفرعونية في وادي النيل، وحضارات بلاد الرافدين حول دجلة والفرات. بناءً على هذا التثاقف اللغوي والجغرافي، كانت المتون التوراتية تعكس إدراكاً جغرافياً محلياً مرتبطاً بحدود الرؤية البصرية والسياسية لكَتَبة العهد القديم، والذين كانوا يتحركون في شريط جبلي ضيق محصور بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء، مما جعل فهمهم للمناطق النائية كدلتـا مصر أو أعالي الفرات محكوماً بالصورة الذهنية البلاغية والإمبراطورية السائدة في عصورهم، لا بالمسح الجغرافي الدقيق.
ينقلنا هذا الإدراك مباشرة إلى صلب التحليل اللغوي المقارن، حيث يتضح الفارق الحاسم والقطعي بين المصطلحات التي استخدمها النص التوراتي للإشارة إلى المجاري المائية المختلفة. عندما يتحدث العهد القديم عن نهر النيل تحديداً، فإنه لا يستخدم أبداً اللفظة العبرية العامة للمجرى المائي الدائم وهي نهار، بل يستعير اللفظة المصرية القديمة المحورة عبر العبرية وهي يِئُور. هذه الكلمة مشتقة تاريخياً من اللفظة الهيروغليفية إيتيرو التي تعني النهر أو المجرى العظيم، وكانت تطلق حصراً في الأدبيات المصرية على النيل وفروعه في الدلتا. يظهر هذا الاستخدام التوراتي الدقيق بوضوح كامل في سفر الخروج وسفر التكوين في القصص المرتبطة جغرافياً بمصر، مثل قصة سلال فرعون التي وجدت موسى عند حافة اليِئُور، وقصة أحلام فرعون بالبقر السمان اللواتي طلعن من اليِئُور، وكذلك في نبوءات سفر أشعياء وسفر حزقيال التي تتوعد جفاف يِئُور مصر وتحول قنواته إلى مستنقعات نتنة. هذا التخصيص اللغوي الصارم يثبت أن كتبة التوراة كانوا يملكون اسماً علماً محدداً وخاصاً بنهر النيل، ولم يكونوا بحاجة إلى استخدام تعبيرات مبهمة أو عامة لوصفه.
على الطرف المقابل تماماً من هذا التحديد اللغوي، نجد المصطلح العبري الذي أثار كل هذا اللبس التاريخي، وهو مصطلح ناحال ميتسرايم، والذي تُرجم في كثير من الأحيان بـ "نهر مصر"، بينما ترجمته الدقيقة والعلمية هي "وادي مصر". إن الكلمة العبرية ناحال لا تعني النهر الدائم الجريان والتدفق مثل النيل أو الفرات، بل تعني المجرى المائي الموسمي أو السيل الذي يمتلئ بالماء في مواسم المطر الشتوية ثم يجف تماماً في فترات الصيف، وهو ما يطابق تماماً اللفظة العربية المعاصرة وادي. إن الفحص الجغرافي والأركيولوجي المعاصر للمنطقة الفاصلة بين جنوب فلسطين وشبه جزيرة سيناء يؤكد أن المقصود التاريخي بـ ناحال ميتسرايم هو وادي العريش الحالي. هذا الوادي يمثل أكبر حوض تصريف مائي في شبه جزيرة سيناء، وينتهي مصبه عند مدينة العريش على ساحل البحر الأبيض المتوسط، مشكلاً حداً طبيعياً فاصلاً وعازلاً بين الأراضي الصالحة للزراعة والاستقرار في كنعان وبين الصحراء القاحلة التي تؤدي إلى مصر. بالتالي، فإن تعبير "نهر مصر" في الترجمات القديمة كان خطأً دلالياً فادحاً، إذ نقل المفهوم من مجرد وادي جاف وموسمي يشكل حداً حدودياً إقليمياً لعشائر كنعان، إلى نهر دائم عظيم يقع في عمق الأراضي المصرية.
يتضح هذا التمييز بصورة أكمل عند مراجعة النص التوراتي الشهير في سفر التكوين الذي يستند إليه دعاة التوسع، حيث ورد الوعد لإبراهيم بالحدود التي تمتد من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات. في هذا النص العبري المحدد، نجد مفارقة لغوية بالغة الأهمية؛ فالنص يستخدم كلمة نهار للإشارة إلى الفرات، فيقول نهار غادول نهار فرات، بينما يستخدم كلمة نهار أيضاً في الشق الأول من الآية بصيغة نهار ميتسرايم في بعض المخطوطات المتأخرة، لكن القراءة النقدية للمتون الأقدم والأكثر وثوقية، مثل نص يشوع وسفر العدد، تستخدم دائماً لفظة ناحال ميتسرايم. وحتى لو تماشينا مع القراءة التي تذكر نهار ميتسرايم، فإن علماء التفسير اليهود الكلاسيكيين، وعلى رأسهم المفسر الشهير في القرون الوسطى الرابي شلومو يتسحاقي المعروف باسم "راشي"، أكدوا في شروحاتهم أن المقصود بهذا المجرى هو وادي العريش أو ما كان يُعرف بـ "شيحور مصر"، وهو المجرى المائي المتاخم لسيناء، وليس نهر النيل بأي حال من الأحوال. إن الربط بين التسميتين يوضح أن التوراة وضعت وادي العريش كحد غربي أقصى، والفرات كحد شرقي أقصى، لترسم فضاءً جغرافياً يخص بلاد الشام التاريخية أو أرض كنعان، دون أن يتجرأ الكاتب القديم على إقحام قلب الدولة المصرية (وادي النيل) في هذا النطاق الروحي أو الجغرافي.
لفهم الخارطة السياسية التي أفرزت هذه المصطلحات، يجب أن نغوص في الجغرافيا السياسية للممالك الكنعانية والفرعونية خلال العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي المبكر، وهي الفترات التي شهدت تبلور الهوية العبرانية المبكرة ونشأة النصوص النواتية للتوراة. خلال القرن الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد، كانت مصر الفرعونية في عهد الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة (عصر الدولة الحديثة) هي القوة الإمبراطورية المهيمنة المطلقة على كامل بلاد الشام. كانت الحاميات العسكرية المصرية تنتشر في مدن كنعان مثل غزة وبيت شان ويافا، وكانت الممالك المحلية الكنعانية عبارة عن كيانات تابعة تدفع الجزية للفرعون، كما توثق ذلك رسائل تل العمارنة الشهيرة بشكل لا يقبل الشك. في هذا السياق الجيوسياسي، كانت الحدود الرسمية والإدارية للإمبراطورية المصرية تنتهي وتتحصن عند الخط الدفاعي المعروف باسم "طرق حورس العسكرية"، والتي كانت تبدأ من ثارو (بالقرب من القنطرة الحالية شرق القناة) وتمتد عبر الساحل الشمالي لسيناء حتى تصل إلى غزة. وكان وادي العريش (ناحال ميتسرايم) هو النقطة الجغرافية الطبيعية التي تلتقي فيها هذه التحصينات، حيث كان يعتبره الفراعنة والكنعانيون على حد سواء بمثابة التخوم الفاصلة بين سيناء التابعة إدارياً وعسكرياً لمصر، وبين أرض كنعان التي تشكل فضاءً جيوسياسياً مختلفاً رغم خضوعه للسيادة المصرية.
إن التواجد العبراني المبكر، سواء كقبائل رعوية بدوية تُعرف في السجلات الأكادية والمصرية باسم "العبيرو" أو ككيانات عشائرية استقرت لاحقاً في المرتفعات الجبلية لفلسطين، نشأ وتطور في ظل هذا الإدراك الجغرافي الصارم. لم يكن بإمكان هذه المجموعات المحلية الصغيرة، التي كانت تفتقر إلى التنظيم العسكري والإداري للإمبراطوريات الكبرى، أن تتخيل أو تطالب بحدود جغرافية تبتلع قلب الإمبراطورية الفرعونية التي تحكمهم. وعندما حدد سفر العدد في الفصل الرابع والثلاثين حدود أرض الاستيطان والملكية الفعلية التي دخلها يشوع بن نون، جاء الوصف الطبوغرافي متوافقاً تماماً مع الواقع السياسي والعسكري لتلك الحقبة؛ حيث ذكر النص أن الحدود الجنوبية تبدأ من برية صين، ثم تمر عبر قادش برنيع، وتتجه غرباً لتنتهي عند ناحال ميتسرايم (وادي العريش) لتكون نهاية الحدود عند البحر الأبيض المتوسط. هذه الحدود الضيقة والواقعية كانت تمثل المساحة الفعلية لأرض كنعان التاريخية المتاحة للاستقرار، وهي مساحة معزولة تماماً عن وادي النيل وصحراء سيناء الغربية، مما يؤكد أن النص التوراتي في أصوله التشريعية والجغرافية كان يعترف بوادي العريش كحد نهائي لا يمكن تجاوزه، وأن أي تمديد لهذه الحدود صوب النيل هو قفزة فوق حقائق التاريخ السياسي وعلم الآثار لشرق المتوسط.
مع انهيار العصر البرونزي وصعود الممالك المحلية في العصر الحديدي، احتفظ مصطلح وادي مصر بوظيفته كعلامة حدودية دولية معترف بها بين القوى الإقليمية. فعندما نقرأ النقوش الملكية الآشورية في القرن الثامن والسابع قبل الميلاد، نجد أن الأباطرة الآشوريين مثل سرجون الثاني وإسرحدون، عندما كانوا يسيرون بجيوشهم لإخضاع المتمردين في فلسطين والتقدم نحو مصر، كانوا يذكرون في سجلاتهم الرسمية المكتوبة بالمسمارية أنهم وصلوا إلى مدينة "ناخال مُتـْري" (وهي الصيغة الأكادية المطابقة تماماً للفظة العبرية ناحال ميتسرايم). يذكر الملك سرجون الثاني في نقوشه أنه أسس مركزاً تجارياً وحامية عسكرية عند "ناخال متري" لضبط الحدود وتأمين التجارة بين آشور ومصر. هذا التوثيق التاريخي الخارجي والمستقل عن التوراة يضع حداً حاسماً لكل التأويلات التوسعية؛ فهو يثبت أن القوى العظمى في ذلك الزمان كانت تعرف وادي العريش بهذا الاسم المحدد، وتعتبره التخوم الرسمية التي تبدأ عندها الجغرافيا المصرية، مما ينفي أي إمكانية لكون المصطلح إشارة إلى نهر النيل الذي يقع على مسافة مسيرة أيام طويلة إلى الغرب من تلك النقطة المحصنة.
إذا كان النص اللغوي والواقع التاريخي والأثري يتفقون جميعاً على أن الحدود التوراتية تقف عند العريش، فكيف تحول هذا المفهوم الجغرافي المحدد إلى أداة بروباغندا سياسية في القرن العشرين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في تتبع مسار الترجمات النصية للعهد القديم وآليات القراءة الشعبوية والأيديولوجية التي مارستها الحركات القومية الحديثة. بدأت الأزمة الدلالية عندما تُرجمت التوراة من العبرية إلى اللغات الأوروبية اليونانية واللاتينية ثم الإنجليزية والفرنسية. في الترجمة السبعينية اليونانية (القرن الثالث قبل الميلاد)، تُرجم مصطلح ناحال ميتسرايم في بعض المواضع بعبارة "خيماروس أيجيبتو" التي تعني سيل مصر، ولكن في مواضع أخرى ولأسباب بلاغية، تُرجم بكلمة "فارانكس" أو "بوتاْموس" التي تعني النهر. وعندما جاءت ترجمة "الملك جيمس" الشهيرة باللغة الإنجليزية، استقرت الترجمة على العبارة الفضفاضة "The river of Egypt" (نهر مصر). بالنسبة للقارئ الغربي، ومن ثم المستشرقين والناشطين السياسيين في القرن التاسع عشر والعشرين، كانت كلمة "River" ترتبط تلقائياً بالنهر العظيم الأوحد الموجود في مصر، وهو نهر النيل، نتيجة لغياب المعرفة الطبوغرافية الميدانية بجغرافية سيناء وفلسطين، والاعتماد على الترجمات الحرفية السطحية.
هذا الخطأ الدلالي في الترجمة الغربية تلقفته الحركة الصهيونية الحديثة عند صياغتها لمشروعها القومي والسياسي في نهاية القرن التاسع عشر. كانت الصهيونية، كحركة قومية علمانية نشأت في رحم الأجواء الاستعمارية الأوروبية، تبحث عن مسوغات تاريخية وميتافيزيقية لتبرير هجرتها واستيطانها في فلسطين. ورغم أن القادة الأوائل للحركة الصهيونية مثل ثيودور هرتزل كانوا علمانيين لا يؤمنون بالدين بالمعنى التقليدي، إلا أنهم أدركوا القوة الحاشدة والتعبوية للنصوص التوراتية في أوساط اليهود والمسيحيين الإنجيليين في الغرب على حد سواء. تم دمج الوعود التوراتية المفسرة بطريقة خاطئة (من النيل إلى الفرات) في الخطاب السياسي الصهيوني كنوع من السقف الجغرافي الأقصى للمشروع، أو كرمز لأرض الآباء والأجداد الأسطورية. ورغم أن السياسة العملياتية للحركة ركزت على حدود أصغر وقابلة للتحقيق بناءً على الديموغرافيا والقدرة العسكرية، إلا أن بقاء هذا الشعار التوراتي الفضفاض في الأدبيات الفكرية والدينية وفر مادة خصبة لصناعة صورة ذهنية لإسرائيل كدولة توسعية بطبيعتها لا تعرف حدوداً ثابتة.
في المقابل، وفي إطار التفاعل الجدلي والصراعي في المنطقة، تلقف الفكر السياسي والعربي المعاصر هذه الصياغات الصهيونية التوسعية، وقام بدمجها في منظومته التفسيرية للصراع. تحولت عبارة "من النيل إلى الفرات" في الوعي الجمعي العربي والإسلامي من مجرد تأويل ديني توراتي مغلوط إلى خطة استراتيجية عسكرية محكمة ومكتوبة وموضوعة في أدراج صناع القرار في تل أبيب. وساهم في ترسيخ هذه الأسطورة السياسية غياب البحث العلمي التفكيكي الجاد للنصوص العبرية في الجامعات والمراكز البحثية العربية، والاستعاضة عنه بالخطاب العاطفي والتعبوي. صار الإعلام العربي يتعامل مع "نهر مصر" المذكور في التوراة بوصفه نهر النيل كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، مستخدماً إياها كفزاعة سياسية لشحذ الهمم وتبرير السياسات الداخلية، ومخترعاً أساطير إضافية لتأكيد هذا المخطط، مثل الشائعة المستمرة حول وجود عبارة "أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات" محفورة على مدخل مبنى الكنيست، أو الزعم بأن الخطين الأزرقين في العلم الإسرائيلي يمثلان النيل والفرات، وهي مزاعم تدحضها أبسط قواعد المعاينة البصرية والتاريخية، حيث إن العلم مستوحى من شال الصلاة اليهودي الأزرق والأبيض (الطاليت) ولا علاقة له بالطبوغرافيا المائية للمنطقة.
لكي نرى كيف تُرجمت هذه المفاهيم الجغرافية إلى مطالب سياسية واقعية على طاولة المفاوضات الدولية، يجدر بنا إجراء دراسة مسحية وثائقية للخرائط والمذكرات الرسمية التي قدمتها الحركة الصهيونية إلى مؤتمر فرساي للسلام عام 1919 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية. في الثالث من فبراير من عام 1919، قدمت المنظمة الصهيونية العالمية مذكرة رسمية إلى مجلس العشرة في مؤتمر السلام، مرفقة بخريطة مفصلة تحدد الحدود المطلوبة لإقامة الوطن القومي اليهودي تحت الانتداب البريطاني. عند فحص هذه الخريطة الرسمية والوحيدة التي تمثل المطالب الصهيونية التأسيسية، نكتشف زيف أسطورة التوسع نحو النيل والفرات؛ فالخريطة لم تشمل شبراً واحداً من الأراضي المصرية الغربية، ولم تقترب إطلاقاً من نهر النيل، بل وقفت حدودها الجنوبية الغربية بدقة عند خط الحدود الدولية المرسوم عام 1906 بين الدولة العثمانية ومصر البريديفية، وهو الخط الممتد من رفح إلى طابا، مع بقاء وادي العريش كاملاً داخل السيادة المصرية.
إن المطالب الحقيقية للحركة الصهيونية في مؤتمر فرساي كانت محكومة بمنطق اقتصادي ومائي برجماتي بحت، وليس بالهذيان التوراتي الإمبراطوري. كانت الحركة تدرك أن الدولة المستقبلية لا يمكن أن تعيش أو تنمو دون السيطرة على مصادر المياه الحيوية لضمان الزراعة الكثيفة والاستيعاب السكاني. لذلك، ركزت الخريطة الصهيونية على تضمين روافد نهر الأردن، وحوض نهر الليطاني في جنوب لبنان، ومياه جبل الشيخ (حرمون)، وهضبة الجولان، وحوض اليرموك، بالإضافة إلى خط سكة حديد الحجاز في الشرق لتأمين التواصل الجغرافي. كانت هذه الحدود المائية واللوجستية هي جوهر السعي الصهيوني الواقعي، وهي حدود تقع بالكامل في النطاق الضيق لجنوب بلاد الشام. وعندما رفضت فرنسا وبريطانيا هذه المطالب ورسمتا حدود الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان والانتداب البريطاني في فلسطين والأردن بناءً على مصالحهما الاستعمارية الخاصة (اتفاقية سايس بيكو وتعديلاتها اللاحقة مثل اتفاقية بولي-نيوكومب 1923)، قبلت الحركة الصهيونية بالحدود الجديدة وبدأت العمل في إطارها، مما يثبت أن "حدود الميثاق التوراتي الشاسعة" كانت تُستدعى فقط في الخطابات الروحية والتعبوية، بينما كانت الجغرافيا السياسية الواقعية تخضع دائماً لموازين القوى والمصالح المشتركة مع الدول العظمى.
إن هذا التباين الشاسع بين النص التوراتي في أصله العبري وجغرافيته الواقعية المحصورة عند وادي العريش، وبين تأويلاته وترجماته السياسية المعاصرة، يقودنا إلى استنتاج منهجي بالغ الأهمية حول طبيعة الصراع الحضاري في الشرق الأوسط. إن أسطورة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات هي منتج فكري مشترك، ساهمت في صناعته وتغذيته أطراف متعددة ومتباينة المصالح؛ صنعته نصوص عبرية قديمة كتبت بلغة لاهوتية وعظية تعكس أحلام ممالك صغيرة في العصر الحديدي، وترجمته لغات أوروبية بترجمات فضفاضة خلقت لبساً جغرافياً حاسماً، واستغلته حركات صهيونية كغطاء روحي وتعبوي لمشروع استيطاني محلي، ووظفته خطابات سياسية وعربية كأداة للتعبئة العاطفية والهروب من استحقاقات النقد الذاتي ومواجهة أسباب التخلف المعرفي والتكنولوجي.
إن التمسك بنظرية المؤامرة الجغرافية الكبرى والتصديق بأن إسرائيل تسعى عسكرياً لاحتلال رقعة تمتد عبر سبع دول عربية هو إلغاء كامل للمنطق الرياضي والديموغرافي والعسكري؛ فدولة ذات تعداد سكاني محدود وموارد بشرية محصورة لا يمكنها بأي حال من الأحوال إدارة أو احتلال جغرافيا شاسعة مأهولة بمئات الملايين من السكان، كما أن الشواهد التاريخية الحديثة، كالانسحاب الإسرائيلي الكامل من شبة جزيرة سيناء الشاسعة بموجب معاهدة السلام مع مصر، والانسحاب من جنوب لبنان، تؤكد أن العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية الواقعية تتمحور حول فكرة "القلعة المحصنة ذات الحدود القابلة للدفاع" في النطاق المحلي لفلسطين التاريخية، وليس حول الإمبراطورية المفتوحة التمدد. إن نقد هذه الأساطير وتفكيكها باستخدام أدوات التحقيق اللغوي والأركيولوجي والتاريخي يمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء وعي معرفي رصين وموضوعي بالمنطقة وتاريخها، وعي يتجاوز البروباغندا والشعارات الشعبوية ليرى الحقائق الطبوغرافية والسياسية كما هي في الواقع، لا كما تتمناها الأيديولوجيات المتصارعة.





.

Le Miroir des Apparences (nouvelle)

.


.
Le Miroir des Apparences




Les baies vitrées de l’espace de coworking s’ouvraient sur une ligne d’horizon où les immeubles modernes de Beyrouth défiaient le bleu immuable de la mer. Dans ce lieu au design épuré, où le béton ciré croisait le marbre et les structures de métal brossé, le silence n’était troublé que par le tapotement discret des claviers et le ronronnement des machines à expresso haut de gamme. Clara, jeune femme de trente ans au charme magnétique, passait ses journées assise devant ses écrans, traduisant des manuscrits littéraires et des essais philosophiques. Ses longs cheveux bruns, parfois relevés en un chignon lâche qui laissait poindre des mèches blondes, encadraient un visage d'une douceur angélique, illuminé par de grands yeux sombres et des lèvres rehaussées d'un rouge discret. Elle portait souvent des tenues simples mais élégantes, comme cette petite robe d’été fleurie bleue et blanche qui soulignait la finesse de sa taille et la délicatesse de sa silhouette.
Depuis plusieurs semaines, l’attention de Clara était captivée par un homme qui fréquentait le même espace. Marc était un cadre supérieur d’une cinquantaine d’années, à la carrure imposante et aux tempes grisonnantes qui lui conféraient une autorité naturelle et rassurante. Sur le papier, la vie de Marc semblait parfaite : une carrière au sommet, une épouse élégante que l’on devinait sur les photos de son profil professionnel, et une existence réglée comme du papier à musique. Pourtant, Clara décelait dans son regard une lassitude secrète, une soif d'absolu que la routine bourgeoise ne parvenait plus à étancher.
Leurs réseaux de communication étaient purement visuels. Le soir, dans la salle de sport vitrée attenante au complexe, leurs regards se croisaient et se piégeaient à travers le grand miroir mural alors qu’ils s’entraînaient. Clara, observant le reflet des bras puissants de Marc, sentait un frisson l'envahir, tandis que Marc, fasciné par la grâce fluide de la jeune femme, ralentissait ses mouvements pour contempler sa silhouette. C’était un jeu de miroirs muet, une correspondance clandestine faite d'intensités électriques et de promesses silencieuses.
Le point de rupture survint un jeudi en fin d’après-midi. Alors que Clara rangeait ses affaires sur sa table de travail isolée, Marc s’approcha d’elle, un document à la main. Son cœur manqua un battement lorsqu’il s'arrêta à sa hauteur, dégageant un parfum subtil de cèdre et de cuir.
— Excusez-moi de vous déranger, dit-il d’une voix grave et posée qui fit vibrer le bas-ventre de la traductrice. Je sais que vous retravaillez des textes complexes. J'ai cette note de synthèse internationale dont les nuances m'échappent. Auriez-vous quelques minutes à me accorder ?
Clara leva les yeux, plongeant dans le regard d'acier de l'homme mûr. L'attraction fut immédiate, viscérale, si forte que l'air entre eux sembla se raréfier.
— Bien sûr, répondit-elle d'une voix rendue légèrement rauque par l'émotion. Installez-vous.
Le prétexte professionnel ne tint pas dix minutes. Très vite, les phrases techniques s'effacèrent devant une conversation bien plus intime. Marc avoua, avec une franchise qui désarma Clara, qu'il l'observait depuis le premier jour. Il lui parla de sa fascination pour la douceur de son visage, pour cette démarche de biche qui tranchait avec l'agressivité de la faune urbaine beyrouthine. Clara, intimidée mais profondément éprise, sentit le piège de l'amour se refermer sur elle. Mais avec l'amour venait la peur. Celle du rejet, de l'incompréhension face à sa vérité la plus intime. Elle prit une profonde inspiration, décidant de tout risquer plutôt que de bâtir une relation sur un mensonge.
— Marc... il y a quelque chose que vous devez savoir avant que nous n'allions plus loin, commença-t-elle, ses doigts triturant le bord de sa robe. Mon apparence... je suis une femme transsexuelle. Mon corps a une histoire, et je n'ai pas subi d'opération chirurgicale complète.
Elle baissa la tête, s'attendant au recul, à la gêne, ou au départ précipité de cet homme issu d'un milieu si traditionnel. Mais rien de tout cela n'arriva. Marc resta immobile, son regard rivé sur elle. Loin de s'éloigner, il tendit sa main lourde et recouvrit celle de Clara. Son visage s'était adouci, empreint d'une émotion sincère. La vulnérabilité de la jeune femme venait de briser la dernière armure du cadre supérieur.
— Tu es la plus belle femme que j'ai vue, Sabine — non, Clara, murmura-t-il, corrigeant son propre souffle dans un élan de tendresse. Ce que tu me dis ne change rien à ce que je ressens. Au contraire, cela te rend encore plus précieuse à mes yeux.
Le pacte était scellé. Deux jours plus tard, profitant de l'absence de son épouse pour le week-end, Marc organisa leur première rencontre secrète. Un ami artiste lui avait prêté son studio, un vaste loft situé dans un quartier bohème de Beyrouth, où les toiles inachevées et les sculptures de plâtre créaient une atmosphère de liberté absolue, loin du miroir des apparences de leur quotidien.
Lorsque Clara pénétra dans le studio, la lumière dorée du couchant filtrait à travers les grandes verrières, baignant la pièce d'une lueur chaude. Marc l'attendait, debout près d'un grand divan recouvert de velours sombre. Clara avait choisi de porter sa robe d'été fleurie, un vêtement qui s'enlevait facilement, symbole de son abandon total à venir. L'érotisme de cette soirée allait se concentre entièrement sur sa soumission au désir de cet homme qui l'intimidait autant qu'il la magnétisait.
Marc s'avança sans un mot, prenant le visage de Clara entre ses paumes pour y déposer un baiser d'une lenteur exquise. Leurs langues se frôlèrent, s'apprivoisèrent, tandis que les mains de l'homme descendaient le long de son cou pour ouvrir la fermeture éclair de sa robe. Le tissu glissa sur le sol de parquet, révélant la nudité totale de Clara.
Marc laissa échapper un soupir d'admiration pure en contemplant ce corps qu'il avait tant fantasmé. Clara était entièrement épilée, sa peau d'une blancheur de nacre offrant une douceur infinie au toucher. Sa poitrine était menue, presque plate, avec de petits mamelons roses qui se dressèrent immédiatement sous l'effet de la fraîcheur du loft et de l'excitation. Sa cambrure de reins, vertigineuse, accentuait l'arrondi ferme de ses fesses. Mais ce qui retint l'attention de Marc, avec une infinie délicatesse, fut la particularité de son anatomie intime. Entre ses cuisses douces reposait son petit sexe endormi et passif, incapable d'érection, flanqué de ses petites testicules rétractées par l'émotion. C'était une zone de pure réceptivité, un bourgeon de chair délicat qui ne demandait aucune performance masculine, mais uniquement de l'amour.
Cette singularité devint instantanément le centre d'une tendresse infinie de la part de Marc. Loin de la brutalité des rapports ordinaires, l'homme mûr s'agenouilla devant elle, comme on s'approche d'un autel sacré. Ses grands doigts explorèrent d'abord la cambrure de ses cuisses avant de venir effleurer le petit membre passif de Clara. Sa main enveloppa doucement les petites testicules, ressentant leur chaleur et leur fragilité.
— Tu es si parfaite, Clara, souffla-t-il, approchant ses lèvres de son bas-ventre. Chaque parcelle de ta peau est un chef-d'œuvre.
Il commença à déposer des baisers légers, des caresses de langue d'une douceur infinie sur cette zone si sensible. Sa langue traça des cercles autour de son petit sexe endormi, titillant la peau fine avec une dévotion de prêtresse. Clara, les mains appuyées sur les épaules de Marc, gémissait doucement, ses yeux fermés alors qu'elle se laissait envahir par cette vague de pure réceptivité féminine. Elle n'avait rien à prouver, rien à ériger ; elle n'avait qu'à recevoir l'hommage de cet homme puissant qui célébrait sa nature double.
Après de longues minutes de cette communion tactile, Marc se redressa, son propre sexe tendu à s'en rompre sous son pantalon de toile qu'il fit glisser d'un geste brusque. Sa virilité d'homme d'une cinquantaine d'années était massive, sombre, palpitante d'un sang chaud qui exigeait son tribut. Il s'allongea sur le divan de velours et tira Clara vers lui, l'invitant à le chevaucher, à imposer sa cambrure sur son corps de mâle dominant.
Clara s'exécuta avec une soumission joyeuse. Elle s'installa à genoux au-dessus de lui, guidant la verge brûlante de Marc vers son entrée anale, restée vierge de tout assaut depuis si longtemps. Marc saisit ses hanches fines, ses pouces s'enfonçant dans la chair ferme de son cul pour l'aider à descendre.
L'intrusion fut un choc thermique et physique. Le cri de Clara se perdit dans les hauteurs du plafond du studio alors que Marc s'enfonçait en elle avec une vigueur qui balayait d'un coup toute la douceur précédente. La joute charnelle changea de rythme, devenant sauvage, brute, à l'image de la frustration qu'ils avaient accumulée à s'observer derrière les vitres du coworking.
— Prends-moi, Marc... nique-moi, je suis ta femme, gémissait Clara, son visage enfoui dans le cou de son amant, tandis que ses longs cheveux se répandaient sur le torse velu de l'homme.
Marc accéléra la cadence, ses coups de reins vigoureux faisant grincer la structure du divan. Sa force de cinquantenaire, intacte et nourrie par le fantasme enfin réalisé, se déchaînait sur le corps délicat de la jeune femme. À chaque impact, la poitrine presque plate de Clara oscillait, et son petit sexe passif battait mollement contre le bas-ventre de Marc, une sensation d'une perversité délicieuse qui poussait l'homme aux confins de la folie érotique. Il adorait cette soumission totale de Clara, cette manière qu'elle avait de s'offrir tout entière, acceptant sa violence et sa passion sans retenue.
La nymphomanie de Clara, attisée par l'amour qu'elle portait à Marc, s'exprimait dans ses cambrures extrêmes, ses reins se soulevant pour accueillir chaque centimètre de la verge qui la remplissait. Le loft de Beyrouth n'était plus un atelier d'artiste, c'était le théâtre d'une réécriture de leurs vies. Marc oubliait son mariage de convenance, ses obligations sociales, sa respectabilité ; il n'était plus qu'un mâle prenant possession de son royaume charnel.
Il la retourna sur le ventre, l'écrasant contre le velours sombre pour la prendre par-derrière, une position qui mettait en valeur la perfection de sa cambrure et l'étroitesse de son canal anal. Ses mains agrippèrent ses petits seins menus, ses doigts pinçant ses mamelons durcis tandis qu'il la niquait avec une rage désespérée, comme s'il craignait que le rêve ne s'évanouisse au matin.
— Tu es à moi, Clara... pour toujours, haletait-il, sa sueur venant perler sur le dos blanc de la jeune femme.
Le plaisir atteignait des hauteurs insoupçonnées. Le petit sexe de Clara, bien que dormant, expulsait par vagues une petite quantité de liquide transparent, preuve de son extase purement nerveuse et cérébrale. Tarek — non, Marc — sentit la fin approcher, une déferlante de feu qui montait depuis ses testicules pour envahir tout son être. Il accéléra encore le mouvement, ses poussées devenant plus courtes, plus sauvages, enfonçant sa virilité jusqu'à la garde dans les entrailles de sa compagne.
Dans un spasme final qui sembla durer une éternité, Marc expulsa sa semence. Une éjaculation chaude, profonde et abondante inonda le corps de Clara, remplissant son rectum de ce flot de vie qui scellait leur pacte amoureux. Clara laissa échapper un long cri de délivrance, son corps se tordant sous l'impact du plaisir de son amant, ses muscles se contractant autour de la verge de Marc pour en exprimer la moindre goutte.
Ils restèrent ainsi, soudés l'un à l'autre dans le silence retrouvé du studio, alors que les premières ombres de la nuit beyrouthine envahissaient la pièce. Marc s'allongea à ses côtés, ramenant le corps de Clara contre le sien, sa main caressant de nouveau, avec une infinie douceur, son bas-ventre et son petit membre passif désormais apaisé.
— C’est ici que notre vraie vie commence, murmura-t-elle, sa tête posée sur l'épaule solide de Marc.
Elle sentait la substance chaude et visqueuse de l'éjaculation de Marc s'échapper doucement de son corps, coulant lentement le long de ses cuisses nues et épilées, une fuite de vie qui la faisait se sentir plus femme et plus aimée que jamais. Le miroir des apparences s'était brisé pour de bon ; dans ce huis clos de soie et de pierre, ils avaient trouvé leur unique vérité, celle de la chair et de l'esprit réunis dans l'interdit de leur amour.





.

Ruines (nouvelle)

.


.
Ruines




Le vent d'ouest balayait les hauteurs de la colline, faisant siffler l’herbe folle qui avait colonisé les moindres interstices des vieilles pierres calcaires. Le château fort, ou ce qu’il en restait, dressait ses silhouettes crénelées et ses pans de murs éventrés contre un ciel lourd d'un gris d'étain, typique des fins d'après-midi d'octobre où la pluie hésite encore à tomber. C’était un lieu hors du temps, une relique médiévale isolée au milieu d'une campagne silencieuse qui s'étendait à perte de vue en contrebas. Anne et Juliette marchaient côte à côte sur le sentier de terre battue qui serpentait au milieu des vestiges. Le contraste entre la solennité des ruines séculaires et la modernité vibrante des deux jeunes femmes était saisissant. Anne portait une veste en jean vert olive ajustée sur un top blanc qui laissait deviner la fermeté de ses abdos, un jean noir moulant rentré dans des bottines en cuir bordeaux usées par la marche. Ses cheveux bruns, coupés au carré, arboraient un dégradé orange vif sur les pointes, comme un rappel des couleurs de l'automne. Juliette, quant à elle, affichait un style plus grunge, enveloppée dans une chemise à carreaux noirs et gris ouverte sur un débardeur sombre, un jean anthracite et des rangers noires massives. Ses cheveux d'un bleu nuit profond encadraient un visage aux traits fins, presque aristocratiques, dont la pâleur était rehaussée par la fraîcheur de l'atmosphère.
Elles s’arrêtèrent au pied de la haute tour de guet, là où le mur d’enceinte offrait un abri relatif contre les rafales. Juliette se tourna vers Anne, ses yeux sombres plongeant instantanément dans le regard ambré de sa compagne. Sans un mot, portées par l’isolement sauvage du lieu et la tension accumulée tout au long de leur randonnée, elles se rapprochèrent. La main d'Anne vint se poser naturellement sur la taille de Juliette, sentant la chaleur de son corps à travers le tissu de sa chemise. Leurs lèvres se rencontrèrent. Ce fut d’abord un baiser doux, presque timide, un échange de souffles tièdes dans l'air frais, avant que la passion ne les submerge complètement. Leurs bouches s’ouvrirent, leurs langues se cherchèrent avec une urgence fébrile, scellant leurs retrouvailles dans ce décor de pierres mortes. Le contraste entre le froid extérieur et la chaleur qui naissait entre elles agit comme un déclencheur.
— Je n'en peux plus d'attendre, murmura Juliette contre les lèvres d'Anne, son souffle court dessinant une légère buée. Viens, entrons là-dedans.
Elle désigna du regard une ouverture voûtée dans la base de la tour, une ancienne salle d'armes dont le plafond de pierre avait survécu aux assauts du temps et des hommes. L’intérieur était sombre, secret, tapissé de mousse sèche et protégé des caprices du vent. C’était le parfait huis clos pour leur fureur. Dès qu'elles eurent franchi le seuil, l'obscurité relative de la voûte amplifia leurs sens. Anne poussa Juliette contre le mur de pierre rugueux. Le contact du dos de Juliette contre la roche séculaire arracha un petit frisson à la jeune femme aux cheveux bleus, un frisson que la bouche d'Anne s'empressa d'étouffer sous un nouveau baiser, plus profond, plus autoritaire cette fois.
Les mains d'Anne devinrent exploratrices, impatientes. Elle déboutonna la veste vert olive et la laissa tomber au sol, imitée par Juliette qui se débarrassa de sa chemise à carreaux. Leurs corps, désormais simplement vêtus de leurs hauts légers, se pressèrent l'un contre l'autre. Anne passa ses mains sous le débardeur noir de Juliette, remontant le long de ses côtes pour englober ses seins fermes. Les mamelons de Juliette durcirent instantanément sous la caresse de ses doigts chauds. Juliette laissa échapper un gémissement rauque qui résonna doucement contre les voûtes de la vieille tour.
— Anne... s’il te plaît... déshabille-moi, haleta-t-elle, ses mains s'accrochant aux épaules de sa compagne.
Anne s'exécuta avec une hâte fébrile qui témoignait de sa propre nymphomanie latente. Elle s'attaqua au bouton du jean anthracite de Juliette, faisant glisser la fermeture éclair dans un crissement métallique qui parut anormalement fort dans le silence des ruines. Elle fit descendre le pantalon le long des jambes fines de Juliette, révélant ses cuisses blanches et galbées, puis un string en dentelle noire qui dessinait parfaitement la cambrure de ses hanches. Juliette se laissa faire, complètement soumise au désir de son amante, le dos toujours appuyé contre la pierre millénaire qui semblait absorber leur chaleur.
Anne s'agenouilla sur le tapis de mousse et d'herbe sèche qui jonchait le sol de la salle d'armes. Ses yeux admirèrent un instant la perfection du corps de Juliette, cette silhouette de nymphe moderne perdue dans un vestige du passé. Sans plus attendre, elle écarta doucement les jambes de Juliette et approcha son visage de son intimité. À travers la dentelle fine du string, une humidité naturelle s'était déjà installée, exhalant un parfum musqué et sauvage qui rendit Anne folle de désir. D'un geste précis, elle écarta le tissu pour libérer le sexe de Juliette, dont les lèvres charnues étaient déjà gonflées de sang, perlant d'une sève transparente.
La langue d'Anne s'abattit sur le clitoris de Juliette avec la régularité et la force d'un piston. Juliette arqua immédiatement le dos, ses mains trouvant refuge dans les cheveux bruns et orange d'Anne, agrippant les mèches pour guider le mouvement de sa bouche. Anne léchait, aspirait, alternant les pressions larges et les titillements pointus avec une science érotique consommée. Juliette hurlait son plaisir sous la voûte, ses cris se perdant dans l'immensité des ruines environnantes, portés par le vent du dehors. Le contraste entre la mort de ces pierres et la vie brute qui explosait entre les cuisses de Juliette était total.
— Oh mon Dieu, Anne... tu me tues... continue, continue ! suppliait Juliette, ses cuisses tremblant sous l'intensité des décharges électriques qui commençaient à parcourir son bas-ventre.
Anne augmenta la cadence, introduisant simultanément deux doigts longs et agiles dans le vagin inondé de sa partenaire. Le va-et-vient de ses doigts, combiné aux assauts de sa langue sur le bouton de chair, poussa Juliette vers son premier paroxysme. Dans un spasme violent qui lui fit griffer les pierres du mur, Juliette jouit, son sexe se contractant puissamment autour des doigts d'Anne tandis qu'un flot de cyprine tiède venait inonder la main de la brune. Elle resta un instant suspendue à bout de souffle, les jambes flageolantes, les yeux révulsés de plaisir.
Mais Anne n'avait pas l'intention de s'arrêter là. Sa propre excitation était à son comble. Elle se redressa, déboutonna son jean noir et le fit glisser au sol avec ses bottines bordeaux. Elle se retrouva entièrement nue devant Juliette, sa silhouette athlétique brillant légèrement de sueur dans la pénombre de la tour. Juliette, reprenant ses esprits, fut saisie par la vision de sa compagne. Elle s'allongea sur le dos sur le lit improvisé de mousse et de vêtements abandonnés, invitant Anne à la rejoindre.
— Prends-moi encore, Anne. Viens sur moi, murmura-t-elle, sa voix descendue d'un octave, chargée d'une promesse de luxure infinie.
Anne s'allongea de tout son poids sur Juliette, la sensation de leurs peaux nues se percutant provoquant un frisson simultané. Leurs seins se écrasèrent les uns contre les autres, leurs tétons se cherchant et se frottant avec une fureur animale. La joute érotique changea de forme. Juliette, adoptant une posture plus active, passa ses jambes autour de la taille d'Anne et utilisa ses doigts enduits de leurs fluides mêlés pour caresser le sexe d'Anne. Le clitoris d'Anne était durci au maximum, une petite perle de feu qui réclamait son tribut de plaisir.
Juliette commença à frotter son propre sexe contre celui d'Anne, une technique de tribadisme sauvage que les deux femmes maîtrisaient à la perfection. Le frottement de leurs vulves inondées de cyprine créait un clapotis humide et excitant qui résonnait dans la salle d'armes. Leurs bassins bougeaient en un rythme de va-et-vient frénétique, une danse tribale et charnelle où chaque coup de rein augmentait la tension. Leurs bouches se cherchaient à nouveau, échangeant des baisers profonds et baveux, leurs salives se mélangeant à l'odeur de leur amour qui saturait l'air confiné de la tour de pierre.
La fureur des sens balaya toute notion de temps et d'espace. Pour Anne et Juliette, l'univers s'était réduit à cette pièce de quelques mètres carrés, à cette mousse verte et à la friction brûlante de leurs chairs. Anne sentait la vague monter en elle, une marée incontrôlable qui menaçait de la consumer. Elle intensifia ses mouvements de va-et-vient, ses mains enserrant les fesses rebondies de Juliette pour la presser contre elle avec une force de titan.
— Juliette... je vais venir... je viens ! cria Anne, son visage se crispant sous l'effet de l'orgasme imminent.
— Oui, viens en même temps que moi ! hurla Juliette en retour, accélérant le mouvement de ses hanches.
Dans une déferlante finale, les deux femmes explosèrent ensemble. Un orgasme d'une violence inouïe les foudroya simultanément, les clouant l'une à l'autre dans un spasme prolongé. Leurs sexes se contractèrent en une série de vagues successives, expulsant leurs fluides intimes qui se mélangèrent pour couler le long de leurs cuisses et maculer le tapis de mousse sous elles. Leurs cris de jouissance absolue s'élevèrent sous la voûte médiévale, un hymne à la vie et au plaisir qui sembla redonner une âme à ces ruines séculaires.
Elles restèrent ainsi pendant de longues minutes, essoufflées, leurs corps encore parcourus de légers tremblements, couchées l'une sur l'autre dans la pénombre protectrice de la vieille tour. Le vent du dehors continuait de souffler, mais la chaleur de leur étreinte les protégeait du froid de l'automne. Anne passa doucement sa main dans les cheveux bleus de Juliette, déposant un baiser tendre sur son front mouillé de sueur.
— C’était incroyable, murmura Juliette, un sourire radieux illuminant son visage fatigué. Ces ruines s'en souviendront longtemps.
Anne sourit en retour, savourant la lourdeur délicieuse qui habitait son bas-ventre. Elle se redressa lentement, sentant le mélange chaud de leurs fluides s'échapper doucement d'elle pour couler le long de sa cuisse, une fuite de plaisir qui la confortait dans la réalité de ce qu'elles venaient de vivre. Le huis clos de la forteresse délaissée avait été le théâtre de leur libération totale, un espace hors du temps où leur amour s'était exprimé sans fard et sans retenue.
Elles commencèrent à se rhabiller avec une lenteur de gourmets, savourant chaque geste, la peau encore sensible au contact des vêtements. Le jean noir d'Anne et le jean anthracite de Juliette portaient désormais les marques de leur passion, des traînées d'humidité et de mousse qui témoignaient de l'intensité de leurs ébats. Lorsqu'elles sortirent enfin de la tour d'armes, le soleil avait presque entièrement disparu derrière l'horizon, embrasant le ciel d'une dernière lueur pourpre et orangée qui rappelait les pointes des cheveux d'Anne.
Elles reprirent le sentier de terre, se tenant cette fois par la main, leurs doigts fermement entrelacés. Les ruines du château fort se dressaient derrière elles comme des géants de pierre endormis, gardiens silencieux du secret de leur joute érotique. La randonnée touchait à sa fin, mais pour Anne et Juliette, le souvenir de cette après-midi de fureur et de romantisme sauvage resterait gravé dans leur mémoire comme les fondations inébranlables de leur désir partagé, une promesse que d'autres ruines, d'autres châteaux et d'autres paysages verraient naître l'incendie de leurs corps.





.

الواقعية الجيوسياسية ضد الطوباوية الأيديولوجية: صعود الدولة القلعة وسقوط سرديات النزع الشرعي (مقال)

.


.
الواقعية الجيوسياسية ضد الطوباوية الأيديولوجية: صعود الدولة القلعة وسقوط سرديات النزع الشرعي




تقوم الفلسفة السياسية المعاصرة، وبشكل أخص المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، على فرضية جوهرية مفادها أن الفضاء الدولي هو فضاء فوضوي تحكمه في النهاية موازين القوة المادية والقدرة على البقاء، وليس التمنيات الأخلاقية أو الخطابات العاطفية المجرّدة. وفي هذا السياق، يعاد طرح سؤال شرعية الدولة في عالمنا المعاصر، ليتجاوز الأوراق الدبلوماسية والقرارات الأممية المنحازة، صعوداً نحو مفهوم أكثر عمقاً وراديكالية؛ هل تُستمد الشرعية الحقيقية للدول من أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة والتصويت العددي التلقائي، أم أنها تُنتزع وتُصقل عبر القدرة المادية الصرفة على فرض الوجود، وحماية الحدود، وضمان البقاء الحيوي في أكثر أقاليم العالم خطورة وتعقيداً وجاذبية للصراعات؟ إن المتأمل في مسار التاريخ الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط يدرك أن دولة إسرائيل تمثل النموذج الأبرز لتطبيق هذه النظرية الواقعية، حيث شيدت شرعيتها الوجودية لا على القبول الطوعي من محيطها، بل على ركائز صلبة من التفوق النوعي الشامل الذي جعل من بقائها حتمية تاريخية ومادية لا يمكن تجاوزها، متفوقة بذلك على كل أوهام وسرديات النزع الشرعي والطوباوية الأيديولوجية التي تتبناها القوى المناوئة لها عبر العالم.
ولعل من أكثر الظواهر المعاصرة مدعاة للدراسة والتحليل السوسيولوجي والسياسي هي ظاهرة تفكيك التحالف الهجين الذي نشأ في العقود الأخيرة بين اليسار الراديكالي الغربي والتيارات الإسلاموية بمختلف تشعباتها، وهو التحالف الذي يجد أرضيته المشتركة الوحيدة في محاولة الشيطنة الممنهجة لدولة إسرائيل ونزع الشرعية عن وجودها. وقد تجسد هذا التحالف في صعود ما بات يُعرف في الأوساط الأكاديمية والسياسية بـمعاداة السامية الجديدة التي تفشت في كبريات الجامعات والعواصم الغربية، حيث جرى استبدال العداء التقليدي القديم لليهود المبني على أسس عرقية أو دينية، بعداء سياسي وحضاري مستتر وموجه ضد الدولة اليهودية ككيان مجموعي. ويلتقي في هذا الفضاء الفكري الفكر اليساري المتطرف، الذي لا يزال أسيراً لأدبيات الحرب الباردة ومناهضة الإمبريالية والرأسمالية، حيث يصنف إسرائيل تارة كـمخفر أمامي للهيمنة الغربية والأمريكية وتارة أخرى كـمشروع استعماري إحلالي، بالمال والأيديولوجيا الإسلامية المدعومة من شبكات الإخوان المسلمين والتنظيمات الراديكالية العابرة للقارات. ويتجلى هذا التخادم الجيوسياسي بشكل صارخ في تنظيم وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات المعروفة اختصاراً بحملات البي دي إس، والتي تستخدم أدوات النضال الحقوقي الغربي الليبرالي لخدمة أهداف أيديولوجية وإقصائية تسعى في جوهرها إلى الخنق الاقتصادي والثقافي لدولة بأكملها وتطبيق معايير مزدوجة لا تُطبق على أي نظام سياسي آخر في العالم، مما يثبت أن هذه الحركات ليست سوى تعبير عن عجز بنيوي وطوباوية فكرية تفشل في استيعاب حقائق القوة والتفوق وتلجأ بدلاً من ذلك إلى بروباغندا الشيطنة التي تعيد إنتاج كراهية النازية وقوالبها الإقصائية تحت مسميات حقوقية معاصرة وزائفة.
إن هذا الرفض العالمي والإقليمي المستميت للاعتراف بشرعية دولة إسرائيل ونجاحها لا يمكن فصله عن دراسة السيكولوجية الجمعية وتحليل عقدة النقص الحضارية التي تعاني منها البيئة الإقليمية المحيطة بها. فمن منظور تاريخي وحضاري، يستفز النجاح الإسرائيلي الاستثنائي في مجالات التكنولوجيا والعلوم والاقتصاد والديمقراطية والعسكرية العقلية التقليدية السائدة في المنطقة، والتي ترزح تحت وطأة تعثرات بنيوية، وفشل تنموي، واستبداد سياسي مزمن، وأمية معرفية متفشية. عندما ينظر المحيط الإقليمي إلى دولة صغيرة المساحة، تفتقر تاريخياً للموارد الطبيعية والنفطية، ومحاطة بجغرافيا معادية بالكامل، ويرى كيف استطاعت في غضون عقود قليلة أن تبني نظاماً ديمقراطياً برلمانياً راسخاً، وتتجاوز الفجوات الحضارية لتصبح مركزاً عالمياً للابتكار وتدفق رؤوس الأموال، وتتفوق عسكرياً على جيوش مجتمعة، فإن هذا الواقع المادي يخلق صدمة نفسية وجرحاً نرجسياً غائراً لدى النخب والشعوب التي تربت على أدبيات التفوق الديني أو القومي التاريخي الشوفيني. وبدلاً من أن يدفع هذا الفارق الحضاري الشاسع العقلية الجمعية الإقليمية إلى مراجعة الذات، ونقد الذات، والبحث عن أسباب التخلف الذاتي ومحاولة اللحاق بالركب العلمي والمعرفي، يتحول العجز المادي عن المنافسة إلى كراهية عقائدية مطلقة وميتافيزيقية، تترجم من خلال شيطنة الآخر وتصوير تفوقه كـمؤامرة كونية مدعومة من القوى الخفية، وهي ذات الاستراتيجية النفسية والدعائية التي استخدمتها الأدبيات النازية في أوروبا القرن العشرين لتبرير اضطهاد اليهود وتفسير نجاحاتهم المتميزة في المجتمعات الأوروبية كخطر تآامري يجب استئصاله.
وفي مواجهة هذا المحيط الجغرافي المأزوم والشحنات العقائدية العدائية، طورت إسرائيل عبر تاريخها استراتيجية وجودية عبقرية يمكن وصفها بـالدولة القلعة أو إسبرطة التكنولوجية، حيث نجحت بامتياز في تحويل كل المهددات الجغرافية والحصار الاقتصادي الشامل والرفض الإقليمي إلى وقود حيوي يدفع نحو الابتكار المادي والاستقلال الاستراتيجي الفائق. وتقوم هذه الاستراتيجية على ركنين أساسيين؛ أولهما هو مفهوم الردع الحاسم والتفوق النوعي العسكري، وهو المبدأ الاستراتيجي الصارم الذي يضمن بقاء القوات الدفاعية الإسرائيلية في مرتبة أعلى من الناحية التكنولوجية والاستخباراتية والتكتيكية مقارنة بجميع التهديدات المحتملة في المنطقة مجتمعة، مما يجعل من أي محاولة لشن حرب تقليدية أو غير تقليدية ضدها مغامرة انتحارية محتومة الفشل تعود بالدمار الشامل على من يبدأها. أما الركن الثاني فهو عملية التحول البنيوي العميقة التي جعلت من إسرائيل أمة الشركات الناشئة، حيث تمكنت الدولة من عولمة اقتصادها وربطه بالقطاعات المعرفية والسيبرانية الأكثر حيوية في العالم، مطورةً حلولاً ثورية في مجالات الأمن الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الزراعية المتقدمة وتحلية المياه التي تغلبت بها على شح الطبيعة وجفاف الجغرافيا، لتتحول هذه التكنولوجيا الفائقة ليس فقط إلى رافعة لاقتصاد وطني عملاق يتمتع بأعلى مستويات دخل الفرد عالمياً، بل أيضاً إلى أداة نفوذ دبلوماسي وجيوسياسي خارق يجبر الدول العظمى والناشئة على خطب ود إسرائيل والاستفادة من عقلها العلمي، مكرسة بذلك واقعاً مادياً مفاده أن الدولة القلعة لا تحمي حدودها بالسلاح الفتاك والتحالفات المتينة فحسب، بل تحصن وجودها عبر الاندماج العضوي والحيوي في الشرايين الأساسية للاقتصاد المعرفي العالمي الجديد.
إن هذا الصعود المادي الكاسح والاستقرار البنيوي للدولة الإسرائيلية يكشف بوضوح حدود القانون الدولي ويوضح أسباب الفشل الذريع لآلاف القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات المتخصصة التي تستهدف إسرائيل بانتظام وبوتيرة مهولة منذ نشأتها. ومن منظور التحليل السياسي الواقعي، تفتقر هذه القرارات والإدانات الدورية إلى أي قيمة مادية أو تأثير عملي على أرض الواقع، لأنها ليست نتاجاً لمعايير قانونية موضوعية ومحايدة، بل هي انعكاس مباشر لهوس مؤسسي وتحالفات عددية تلقائية تقودها كتل ديمغرافي وسياسية معروفة، مثل مجموعة دول عدم الانحياز والمعسكر الإسلامي والعربي، والتي تملك الأغلبية التصويتية العددية داخل هذه المنظمات الأممية وتستخدمها لتمرير قرارات إدانة جاهزة ومعدة سلفاً دون أي اعتبار للحقائق على الأرض أو للدوافع الأمنية الحيوية والدفاعية لإسرائيل. وتثبت التجربة التاريخية المعاصرة أن منطق البقاء والسيادة المادية يعلو دائماً وأبداً على دبلوماسية الغرف المغلقة والشعارات البلاغية الصادرة عن لجان أممية عاجزة ومسيسة؛ فالدول لا تكتسب حقها في الحياة والاستمرار من شهادات حسن السلوك الدولية، بل من قدرتها الملموسة على حماية شعبها وتأمين فضائها الحيوي وفرض احترام وجودها كأمر واقع لا يمكن شطبه بجرة قلم أو بتصويت تكتل عددي لشركاء الفشل التنموي، ومما يجعل كل هذه الترسانة من القرارات السلبية مجرد حبر على ورق عاجز عن تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي والتكنولوجي الصلب الذي شيدته إسرائيل بجهدها الذاتي وتفوقها المعرفي.
وتقودنا هذه المعطيات الاستراتيجية الموثقة، بعيداً عن الخرافات الدينية والخزعبلات الدعائية سواء كانت إسلاموية أو يسارية، إلى خاتمة عقلانية واضحة تؤكد حتمية الاعتراف الإقليمي الكامل والشامل بدولة إسرائيل كشرط أساسي وغير قابل للتفاوض لتحقيق أي استقرار أو سلام حقيقي في منطقة الشرق الأوسط. إن التاريخ المعاصر والوقائع المادية الملموسة قد أسقطا إلى الأبد الأوهام الطوباوية القديمة بـإزالة إسرائيل أو رمي اليهود في البحر، مثلما أثبتا أن السلام والأمن لن يتحققا عبر فرض تنازلات أمنية وجغرافية تضعف القدرات الدفاعية للدولة القلعة أو تعرض شعبها للأخطار الوجودية مرة أخرى لتلبية رغبات أطراف أيديولوجية فاسدة تقتات على تجارة الحروب. وبناءً على ذلك، فإن المخرج الوحيد للمنطقة من دوامة الصراعات واللاتنمية والانهيار الحضاري يكمن في إجبار المحيط الإقليمي، شعوباً وحكومات وأحزاباً، على مغادرة مربع الأيديولوجيات الغيبية والشعارات الوجدانية الزائفة، وقبول حقيقة وشرعية وتفوق الدولة الإسرائيلية كأمر واقع دائم وراسخ. إن الاعتراف بإسرائيل لا يجب أن يُنظر إليه كمنحة أو كفعل دبلوماسي مجرد، بل كضرورة حضارية واعتراف حتمي بشريك استراتيجي متميز وقائد في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، يمكن من خلال التكامل معه وقبول قيادته المعرفية بناء شرق أوسط جديد ومستقر وقائم على الواقعية السياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة وتجاوز إرث الكراهية الموروثة، لتتحول المنطقة من ساحة لتفريغ الأزمات النفسية وعقد النقص الحضارية إلى فضاء عملي يحترم القوة السائدة ويعمل تحت ظلال تفوقها لحفظ السلم الإقليمي وتأمين مستقبل الأجيال القادمة بعيداً عن أوهام السقوط وخرافات النزع الشرعي التي داستها عجلة التاريخ المادية المتسارعة.





.

تشريح البروباغندا: كيف تحولت فلسطين إلى أداة لشرعنة الاستبداد وقمع الشعوب في الشرق الأوسط (مقال)

.


.
تشريح البروباغندا: كيف تحولت فلسطين إلى أداة لشرعنة الاستبداد وقمع الشعوب في الشرق الأوسط




تعد دراسة الآليات التي توظفها الأنظمة الشمولية لترسيخ سلطتها أحد الأركان الأساسية في سوسيولوجيا السياسة، وتبرز في هذا السياق تجربة الشرق الأوسط المعاصر كنموذج فج لكيفية تحويل النزاعات الإقليمية والحدودية إلى أدوات ميتافيزيقية ومقدسات سياسية عابرة للحدود والزمن، حيث نجحت النخب العسكرية والقومية والشبكات الدينية التي تعاقبت على حكم المنطقة في تحويل المسألة الفلسطينية من نزاع سياسي وقانوني ذي أبعاد مادية واضحة إلى شعار شمولي مطلق يُلغي العقل والمنطق ويهيمن على الفضاء العام. إن هذا التوظيف الاستراتيجي لم يكن يهدف يوماً إلى إيجاد حلول عملية للأزمة أو نصرة الضحايا على الأرض بقدر ما كان يستهدف بناء جدار سميك من البروباغندا الموجهة لحجب الأنظار عن العجز البنيوي والفشل الحضاري والتنموي داخل هذه الدول، ولقد شكل الشعار الشهير المتمثل في كليشيه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة المظلة الفكرية والأخلاقية التي اختبأت خلفها الديكتاتوريات العربية المتعاقبة منذ منتصف القرن العشرين لتبرير احتكار السلطة والثروة وتأسيس نظم بوليسية تبتلع المجتمعات المدنية وتخنق الحريات الأساسية، وبفضل هذا الشعار تحول نزاع جيوسياسي تقليدي إلى شيك على بياض تمنحه السلطة لنفسها لإعفاء مؤسساتها من أي مسألة أو محاسبة قانونية، وإرجاء استحقاقات التحديث والعدالة والمواطنة إلى أجل غير مسمى بحجة أن التفرغ لبناء دولة القانون والرفاه يعد ترفاً فكرياً وخيانة قومية في زمن المواجهة المصيرية مع الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية الكامنة وراءه.
لقد تجلى الاستبداد المغلف بالشعارات في أبشع صوره من خلال الطريقة التي وظف بها الديكتاتور العربي الفرد هذا المقدس السياسي المصنوع لترسيخ عبادة الشخصية وإبادة المعارضة، وحيث تشابهت الاستراتيجيات وتطابقت النتائج من بغداد إلى دمشق ومن طرابلس الغرب إلى القاهرة، فلم يكن صدام حسين في العراق يرى في فلسطين سوى منصة خطابية يستمد منها شرعية هجومية تبرر مغامراته العسكرية الكارثية وحروبه العبثية المدمرة ضد جيرانه وضد شعبه، وكان يصور مغامراته واندفاعاته القاتلة على أنها ممر حتمي لتحرير القدس بينما كانت النتائج الفعلية على الأرض هي تدمير البنية التحتية للعراق وتجويع شعبه وتبديد ثرواته الهائلة، وفي المقابل قدم نظام حافظ الأسد في سوريا نموذجاً متكاملاً في البراغماتية الاستبدادية عبر مفهوم الصمود والتصدي الذي تحول عملياً إلى غطاء محكم لاحتلال لبنان وقمع الحركات الديمقراطية السورية الداخلية وتحويل ميزانية الدولة نحو بناء أجهزة مخابراتية قمعية تتجسد مهمتها الأساسية في حماية الكرسي الحاكم وليس تحويل رصاصة واحدة نحو الجبهة المحتلة، أما معمر القذافي في ليبيا فقد جعل من فلسطين ملهاة أيديولوجية وشعاراً كونياً يوظفه لتصفية حساباته السياسية وتبرير فوضى اللجان الشعبية وتدمير مؤسسات الدولة الليبية الحديثة وتحويل شعب غني بالموارد النفطية إلى رهينة لأفكاره الغريبة ومغامراته الخارجية العبثية، ولقد استخدم هؤلاء الطغاة القضية الفلسطينية لتأجيل الديمقراطية وحقوق الإنسان بحجة أن التعددية السياسية وحرية التعبير تضعف الجبهة الداخلية وتفتح الباب للاختراق الصهيوني، مما جعل من قمع الفرد ومصادرة رأيه واجباً وطنياً لضمان النصر الموهوم.
ولم يقف التوظيف عند حدود الخطاب السياسي بل امتد ليشمل مأسسة القمع وبناء ترسانة قانونية وقضائية مرعبة أطاحت بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، حيث أصبحت تهمة التواطؤ مع العدو أو الخيانة العظمى أو وهن نفسية الأمة السلاح القضائي الفتاك الذي تشهره محاكم التفتيش العسكرية وقوانين الطوارئ التي استمرت لعقود طويلة ضد أي مفكر أو ناشط يجرؤ على المطالبة بالإصلاح أو كشف ملفات الفساد، واستغلت الأنظمة الشمولية حالة الحرب المستمرة ظاهرياً والمجمدة فعلياً لشرعنة الاعتقال التعسفي، والتعذيب الممنهج في السجون المظلمة، والإخفاء القسري، ومصادرة الصحف، وحظر الأحزاب السياسية، حيث كان يُنظر إلى كل مطالبة بالحقوق المدنية والاقتصادية كنوع من الطابور الخامس الذي يعمل لصالح إسرائيل، ولقد أدى هذا الخلط المتعمد والمستمر بين معارضة النظام السياسي والتآمر مع الكيان الصهيوني إلى تدمير الوعي القانوني والسياسي لدى الشعوب، وجعل من أجهزة الأمن والمخابرات سلطة مطلقة فوق القانون لا يمكن تداول أسمائها أو نقد ميزانياتها الضخمة التي كانت تُقتطع من قوت المواطن البسيط وصحته وتعليمه بذريعة تدعيم المجهود الحربي وبناء القوة الرادعة التي لم تُستخدم قط إلا لقمع الانتفاضات الشعبية المحلية وإرساء قيم الخوف والتبعية المطلقة للحاكم الفرد.
ومع الفشل الذريع والانهيار التاريخي للمشروع القومي العربي والأنظمة العسكرية في أعقاب الهزائم المتلاحقة وفشلها التنموي الفاضح، لم تتوقف الآلة الشمولية عن العمل بل جرى تسليم شعلة البروباغندا واستغلال فلسطين إلى فاعل جديد لا يقل راديكالية ولا استبداداً وهو تيار الإسلام السياسي بمختلف تشعباته، من جماعة الإخوان المسلمين إلى التيارات الخمينية والمليشيات الطائفية التابعة لها، حيث تلقف هؤلاء الشعار وأعادوا صياغته ضمن قالب أيديولوجي وديني متطرف، محولين الصراع من أبعاده القانونية والسياسية المتعلقة بالأرض والحدود والقرارات الدولية إلى حرب دينية كونية ومواجهة حتمية بين الإسلام واليهودية كأديان، وسمح هذا التحول العقائدي ببث سموم الكراهية الموروثة والمنهجية ضد اليهود كعرق ودين بغض النظر عن مواقفهم الفردية أو السياسية، وإعادة إنتاج أدبيات الإقصاء والتكفير وتأليب المشاعر الجماهيرية الغريزية، مما أدى بدوره إلى إغلاق الباب تماماً أمام أي إمكانية للتفكير العقلاني أو تبني الحلول السلمية والبراغماتية المبنية على المصالح المتبادلة والتعايش المشترك، ووظف الإسلام السياسي هذا الشحن الديني لتعطيل مسارات التحديث الاجتماعي والفكري في المجتمعات العربية عبر تكريس ثقافة الغيبية والشهادة والانتظار والعداء المطلق للحضارة الغربية وقيمها الليبرالية، معتبرين أن أي نقد للفكر الديني التقليدي أو أي محاولة لإرساء العلمانية وحقوق المرأة والحرية الفردية هو جزء من الغزو الثقافي المؤامراتي الذي يهدف إلى تدمير الأمة وتسهيل سيطرة الصهيونية العالمية عليها، لتتحول فلسطين مرة أخرى من قضية شعب يبحث عن دولة إلى وقود مستمر لإنتاج التعصب الأعمى وشل الفكر النقدي ومصادرة العقل.
إن تفكيك هذه البروباغندا الشمولية يكشف أيضاً عن جانب بنيوي ومادي غاية في الخطورة وهو الفساد المالي الأسطوري والسرقة المنظمة التي تمت تحت غطاء القضية الفلسطينية وشعارات التحرير والمقاومة، حيث تحولت فصائل ومنظمات وشخصيات عديدة ترفع لافتات النضال إلى كارتيلات مالية ضخمة ومافيات اقتصادية عابرة للحدود تعيش وتزدهر على حساب معاناة شعوبها وبؤسهم اليومي، وجرى توظيف المساعدات الدولية الطائلة والتبرعات الشعبية المليونية والإعانات المقتطعة من دافعي الضرائب في الدول العربية والغربية لبناء ثروات شخصية خيالية لقيادات هذه الفصائل وأبنائهم وعائلاتهم الذين يستقرون في الفنادق الفاخرة والعواصم الإقليمية والدولية الآمنة، ويمتلكون الاستثمارات العقارية والشركات القابضة والحسابات البنكية السرية، بينما يتركون الجماهير البائسة في مخيمات اللجوء وأتون الحروب تواجه الحصار والدمار والفقر المدقع، واستثمرت هذه النخب الطفيلية في تأبيد الوضع القائم واستمرار حالة الصراع واللاتنمية لأن السلام والاستقرار أو حتى الحل السياسي العقلاني يعني زوال مبرر وجودها المالي والسياسي ونهاية تدفق الأموال وتجارة الحروب التي تقتات عليها، وأصبحت شعارات التحرير والموت لأمريكا وإسرائيل مجرد بضاعة إعلامية وتسويقية تهدف إلى حشد المقاتلين البسطاء والشباب المغيب لتقديمهم كقربان في معارك وهمية لا تخدم سوى بقاء هذه القيادات الفاسدة وحلفائها الإقليميين في مراكز القوة والنفوذ، مما يمثل خيانة أخلاقية كبرى وتجريداً كاملاً للقضية من أي بعد إنساني أو حقوقي نبيل.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم من الفشل والنهب والاستبداد المحيط بالقضية، تبرز المفارقة التنموية والحضارية الصادمة عند إجراء مقارنة عملية ومادية بين دولة إسرائيل ومحيطها الإقليمي، حيث واجهت إسرائيل منذ اليوم الأول لتأسيسها تحديات أمنية وعسكرية وجودية وحروباً مستمرة وحصاراً كاملاً من جيرانها ومحيطها الجغرافي، فضلاً عن افتقارها للأراضي الزراعية الخصبة والموارد الطبيعية والنفطية في بداياتها، ومع ذلك لم يتخذ النظام السياسي الإسرائيلي من هذه الأخطار الوجودية الدائمة ذريعة لتعطيل الحياة الديمقراطية أو إلغاء التعددية الحزبية أو تدمير القضاء المستقل ومصادرة حريات الأفراد، بل على العكس تماماً نجحت إسرائيل في تحويل هذه الضغوط والحصار إلى حافز بنيوي للابتكار والإنتاج وبناء اقتصاد معرفي وتكنولوجي فائق ومتفوق عالمياً، واستثمرت في العقل البشري والتعليم والبحث العلمي لتصبح أمة الشركات الناشئة وعملاقاً دولياً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات الطبية والزراعية المتقدمة والعسكرية، محققة أرقاماً قياسية في معدلات النمو الاقتصادي ومستوى دخل الفرد وجودة الحياة، وفي المقابل تذرعت الأنظمة والطبقات السياسية العربية بحالة الحرب الافتراضية مع إسرائيل لتبرير التخلف الصناعي المريع، وانتشار الأمية، والانهيار الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، واستشراء الفساد، وتحويل مجتمعاتها المستهلكة إلى عالة على المساعدات والقروض الخارجية، معتبرين أن التنمية الاقتصادية وبناء الإنسان يمكن تأجيلهما حتى إشعار آخر، مما يثبت بالدليل المادي القاطع أن المشكلة لم تكن يوماً في وجود إسرائيل كعامل خارجي بل في العجز البنيوي والاستبداد الداخلي الذي اتخذ من إسرائيل شماعة لتعليق إخفاقاته الحضارية الشاملة وفشله في بناء دولة مواطنة حديثة قادرة على الإنتاج والمنافسة.
إن التمعن في هذه المسارات التاريخية والسياسية يقود بالضرورة إلى نتيجة عقلانية وحتمية واحدة وهي أن إنهاء الخرافة السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية وفك الارتباط بينها وبين شرعية الحكم والاستبداد في الشرق الأوسط يعد الشرط الأساسي والأول والوحيد لتحرر الشعوب العربية وخروجها من نفق التخلف الحضاري والتبعية، فلن تبدأ هذه الدول في بناء مسارات ديمقراطية حقيقية وتأسيس نظم تنموية وصناعية ومؤسسات قانونية تحترم حقوق الإنسان وتضمن كرامته إلا إذا أسقطت هذه النخب والتيارات شماعة فلسطين من خطاباتها وتوقفت عن استخدامها كأداة للابتزاز السياسي وقمع المعارضين وسرقة مقدرات الشعوب، ويجب على الوعي الجمعي في المنطقة أن يتجاوز الشعارات الأيديولوجية والبروباغندا الناصرية والبعثية والإسلاموية الراديكالية، وينظر إلى الواقع بمنظار المصالح الوطنية المادية والجافة، والاعتراف بأن دولة إسرائيل حقيقة واقعة وكيان ناجح ومتفوق حضارياً لا يمكن إزالته بالشعارات الطوباوية أو الحروب الدينية، بل يجب التعامل معه كشريك إقليمي محتمل عبر قنوات السلام الواقعي والتكامل الاقتصادي والمعرفي، ومما يتطلب بالضرورة تركيز الجهود الوطنية لكل دولة على ملفات التنمية الداخلية وإصلاح التعليم وبناء الاقتصاد المستدام وضمان الحريات العامة، بدلاً من استهلاك طاقات الأجيال القادمة وتبديد ثروات الأوطان في صراع وهمي ومصنوع ومستدام لا يستفيد منه في النهاية سوى الطغاة وتجار الحروب وسماسرة الشعارات الشمولية الذين بنوا قصورهم وثرواتهم وسلطتهم على أنقاض وعي شعوبهم المستلبة والمغيبة خلف ستار فلسطين الزائف.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...