Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (50) شعار الأغبياء والسراق والإرهابيين: أنا دمي فلسطيني (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(50) شعار الأغبياء والسراق والإرهابيين: أنا دمي فلسطيني




تثير القضية الفلسطينية وما يدور حولها من خطابات وإملاءات أخلاقية جدلاً واسعاً يتعلق بحدود الالتزام الفردي، وحرية الاختيار في تحديد الأولويات الشخصية بعيداً عن أشكال الابتزاز العاطفي والوصم الاجتماعي. لقد أصبحت الشعارات الرنانة، التي تُرفع في كل محفل، تُستخدم في كثير من الأحيان كأداة للضغط وفرض نمط محدد من التفكير؛ حيث يُحشر الفرد في زاوية ضيقة تخيّره بين التبني الكامل والمطلق لموقف معين، أو الوصم بالخيانة والتجرد من الإنسانية والتآمر. إن هذا أسلوب يصادر حق الإنسان في تحديد قضاياه الوطنية والذاتية، ويفرض أجندات خارجية على حساب أولوياته المباشرة وحياته اليومية.
إن التعاطف الإنساني في أصله فعل طوعي وينبع من قناعات الفرد الحرة، ولا يمكن أن يُفرض بقوة الخطاب الترهيبي أو المناودات الإعلامية. فمن حق كل فرد أن يضع ظروفه، واستقراره، ومصلحة مجتمعه في مقدمة اهتماماته، دون أن يُطالَب بالاهتمام بجهات أو صراعات أخرى أثبتت العقود الممتدة أنها تُدار بأساليب وسياسات أدت إلى نكبات متتالية. إن تحميل الأفراد والمجتمعات كلفة قرارات سياسية وعسكرية اتخذتها أطراف وفصائل دون الرجوع لأحد، يمثل خروجاً عن منطق المساءلة، إذ يُطلب من العالم تحمل تبعات خيارات فاشلة وقرارات غير محسوبة قادت أصحابها إلى نتائج كارثية.
علاوة على ذلك، أدى استغلال هذه القضية العقائدية والسياسية على مدى عقود إلى تشكيل منظومة يستفيد منها البعض للاسترزاق وجمع المساعدات وتوظيفها في حسابات خاصة بدلاً من تنمية المجتمعات وتحسين ظروف المعيشة. إن المتاجرة بمعاناة الناس وتحويل المأساة إلى شعارات تُستورد وتُصدر لابتزاز الدول والشعوب لم تعد خافية على أحد. هذا الاستغلال الممنهج جعل القضايا التي تُوصَف بـ "المقدسة" مصدراً دؤوباً للنزاعات والاضطرابات، حيث يُطلب من الآخرين التضحية بمصالحهم واستقرار بلدانهم والاندفاع نحو صراعات صفربة نيابة عن طرف لم يستطع إدارة شؤونه أو حماية حقوقه.
في نهاية المطاف، تعود المعادلة الأساسية إلى الفرد وحقه الإنساني والأخلاقي في تقديم حياته وأمنه ومستقبله على أي قضايا شعاراتية أو صراعات تاريخية مجردة. إن السعي وراء الحفاظ على الاستقرار الشخصي والوطني ليس تجرداً من الإنسانية، بل هو أعلى درجات العقلانية والمواطنة السليمة. إن حماية المجتمعات من الانجرار خلف صراعات خارجية تستنزف الطاقات وتجلب الدمار، هي الأولوية التي يجب أن تقدم على كل الشعارات، بعيداً عن وهم التضامن الإجباري والابتزاز الأخلاقي الذي لم ينتج سوى المزيد من الأزمات والتخلف.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...