.
.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(47) الثلاثية اللبنانية الفاشلة: جيش، شعب، مقاومة
لا تزال شعارات الفلسفة العبثية تتردد في أروقة لبنان وكأنها حقيقة مطلقة، وعلى رأسها تلك المقولة المضحكة المسماة بالمعادلة الذهبية، والتي أثبتت الأيام والوقائع أنها لم تكن سوى ثلاثية من الفشل الشامل والخراب المتراكم. لقد رُفعت عبارة "جيش وشعب ومقاومة" لتكون غطاءً سياسياً وأخلاقياً لمعادلة ارتهان كاملة، وظفها النظام الإيراني وأدواته الساذجة للسيطرة على مقدرات بلد كامل، وتحويله من مركز إشعاع حضاري إلى مجرد ساحة خلفية لتمرير المخططات والإستراتيجيات العابرة للحدود، في ظل تواطؤ واضح وصمت مريب من قوى السياسة والفساد التي اقتسمت الغنائم على حساب مستقبل المواطنين.
الضلع الأول في هذه المعادلة، المتمثل في المؤسسة العسكرية، تم تسليبه بالتدريج قدرته على القرار والسيادة الفعلية، ليتحول بفعل المحاصصات والتوازنات الطائفية إلى كيان متفرج يفتقر إلى الإرادة المستقلة. بدلاً من أن يكون الجيش المدافع الوحيد والأوحد عن حدود البلاد وأمنها، جرى تقزيم دوره وفرض الوصاية عليه، لتبقى قياداته في حرج دائم أمام سلطة الأمر الواقع التي يفرضها الولي الفقيه ووكلائه. لقد أدى هذا الشلل الممنهج إلى إضعاف المؤسسة الوطنية وتجريدها من هيبتها، مما جعل الدولة برمتها مكشوفة بلا غطاء سيادي، ومجرد حارس صوري لقرارات تُتخذ في عواصم أخرى ولا تعير أي اهتمام للمصلحة اللبنانية العليا.
أما الضلع الثاني، وهو الشعب، فقد وقع ضحية أكبر عملية نهب واستغلال في التاريخ الحديث، حيث أُجبر على العيش تحت وطأة الترهيب السياسي والقضائي والمالي. تم تفكيك نسيج المجتمع اللبناني وإغراقه في أزمات معيشية واقتصادية طاحنة، ليصبح المواطن مشغولاً بلقمة عيشه اليومية بينما تخترق الأجندات الخارجية كل مفصل من مفاصل الدولة. لقد جرى تحييد الصوت الحر عبر الشحن الطائفي، وصنع شبكة من العملاء والأبواق المستفيدة التي تبرر الانحطاط وتلمّع وجه الاستبداد، مما جعل هذا الشعب المقهور يعيش في سجن كبير تُدار مفاصله بالبندقية والنفوذ الخارجي، بينما تسرق ثرواته وتصادر إرادته جهاراً نهاراً.
ويبقى الضلع الثالث والأكثر كارثية، وهو ما يُسمى بالمقاومة، والتي أثبتت الأحداث أنها ليست سوى تنظيماً مسلخياً ينفذ أجندة إقليمية لا علاقة لها بلبنان. لقد سُحبت أموال البلاد وطاقاتها لتمويل ترسانة عسكرية وأنفاق خيالية تبين لاحقاً أنها لم تجلب سوى الدمار والخراب، وتحولت تلك الأنفاق والمقرات إلى مصيدة ودفن إجباري لقيادات الحزب وعناصره، وعلى رأسهم حسن نصر الله، الذي ظل لعقود يبيع الأوهام للشعوب حتى تهاوت تلك الإمبراطورية الورقية عند أول اختبار حقيقي. إن هذه الثلاثية الفاشلة لم تنتج سوى دولة مكسورة، وشعب مسروق، ومستقبل مجهول، مؤكدة أن الأوطان لا تُبنى بالسلاح الخارج عن القانون ولا بالشعارات المستوردة، بل بالسيادة والعقل والمواطنة.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire