.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(37) طارق بن زياد، محتلّ عربي أم خائن وعميل؟
في عالم الأساطير العربية والإسلامية، يبرز طارق بن زياد كواحد من أعظم الأبطال الذين يُحتفى بهم في المغرب العربي، حيث يُعتبر رمزاً للفتوحات الإسلامية وبطلاً قومياً يُفاخر به في المناهج الدراسية والخطب الدينية، وكأنه شخصية تاريخية لا شكَّ فيها، لكن إذا ما أمعنا النظر في أصول هذه الشخصية، نجد أنفسنا أمام فرضيتين لا ثالث لهما، وكلاهما يضعان هذا "البطل" في موقف لا يحسد عليه، بل يجعله إما محتلاً غاشماً أو خائناً عميلاً، وكلاهما يسقط الأسطورة التي يروجها المغاربة اليوم عن أنفسهم.
الفرضية الأولى: أن طارق بن زياد كان عربياً من جزيرة العرب، جاء مع جيش المستعمر العربي المحتل لقتل ونهب وسلب الشعوب الأصلية الأمازيغية في شمال إفريقيا، بالتعاون مع عملاء الإحتلال العربي من الأمازيغ الذين انضموا إلى عصابة الغزو لأسباب متعددة، وهذا يعني أن من يفتخرون اليوم بطارق بن زياد يفتخرون بمستعمر محتل قتل أجدادهم الأمازيغ ونهب ثرواتهم واستباح أراضيهم، تماماً كما يفتخر الإسبان بمحتليهم أو كما يفتخر الجزائريون بالمستعمر الفرنسي لو كانوا منحرفين فكرياً إلى هذا الحد، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان الإحتلال العربي جيداً ومبرراً، فلماذا لا يكون الإحتلال الفرنسي جيداً أيضاً؟ ولماذا لا نرفع القادة الفرنسيين إلى مرتبة الرموز ونفتخر بهم كما نفتخر بعقبة بن نافع وطارق بن زياد؟ الإجابة هي أن المعايير هنا انتقائية وتخدم أجندة دينية وسياسية لا علاقة لها بالعدالة التاريخية أو الموضوعية.
الفرضية الثانية: أن طارق بن زياد كان أمازيغياً في الأصل، لكنه التحق بجيش الإحتلال العربي وقاتل أهله في سبيل العرب وخرافاتهم وأطماعهم، وهذا يجعله خائناً عميلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو ليس مختلفاً عن أي عميل خائن في التاريخ، سواء كان يعمل لصالح المحتل الفرنسي أو الإسباني أو أي محتل آخر، فخيانة الأهل والأرض تبقى خيانة، ولا يمكن تبريرها بأي غطاء ديني أو سياسي، وإذا كان المغاربة يفتخرون اليوم بعميل خائن ويرفعون من شأنه، فمن حقهم أن يفتخروا بكل عملاء الاحتلال الآخرين، لأن الخيانة إذا كانت مقبولة في حالة واحدة، فإنها تصبح مقبولة في كل الحالات.
إن التناقض الفاضح في موقف المغاربة من طارق بن زياد (وهو نفس تخبط الأكراد المسلمين مع صلاح الدين الأيوبي) يفضح مدى التخبط الفكري والتاريخي الذي يعيشه هؤلاء، فهم من جهة يقدسون شخصية تعتبر من وجهة نظر تاريخية محتلة أو خائنة، ومن جهة أخرى يلعنون أي محتل آخر يأتي إلى أراضيهم، وكأن الاحتلال العربي له شرعية خاصة لا تتوفر لغيره، وهذا هو جوهر العقدة التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي، حيث يتم تقديس الماضي دون نقد، ويتم استحضار التاريخ بشكل انتقائي لخدمة أجندات الحاضر، دون أي اعتبار للحقيقة التاريخية أو للشعوب التي عانت من هذا الاحتلال.
في نهاية الأمر، يبقى طارق بن زياد مجرد رمز للتناقض العربي، إما محتل عربي قتل واستعبد، أو خائن أمازيغي خان أهله وأرضه، وفي كلتا الحالتين، يبقى الاحتفال به وتقديسه دليلاً على التخبط الفكري والأخلاقي الذي يعيشه من يفتخرون به، وكأنهم لا يدركون أنهم يقدسون من قتل أجدادهم أو خانهم، وهذا هو جوهر المأساة التي لا تزال تلاحق المنطقة حتى اليوم.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire