.
خواطر هائم في عالم البهائم: (36) أوهام الديمقراطية في الدول البعرانية
في عالمٍ يسعى فيه البشرُ جاهدينَ لتطويرِ أنظمتِهم السياسيةِ ونبذِ أشكالِ الاستبدادِ، تظلُّ الدولُ البعرانيةُ، أي تلكَ الدولُ الناطقةُ بالعربيةِ والموبوءةُ بسردياتِ الإسلامِ أو أيِّ دينٍ آخرَ، عالقةً في مستنقعٍ منَ الأوهامِ والتناقضاتِ التي تجعلُ أيَّ حديثٍ عنِ الديمقراطيةِ فيها مجردَ نكتةٍ ثقيلةٍ لا يضحكُ عليها إلا السذجُ والمغرورونَ. فمعَ أنَّ هذهِ الدولَ قدْ دخلتِ القرنَ الحاديَ والعشرينَ بمؤخراتِها، أيْ أنها تستعملُ كلَّ ما هوَ حداثيٌّ منْ أجهزةٍ وتقنياتٍ، لكنَّ عقلَها لا يزالُ عالقاً في شبهِ جزيرةِ العربِ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً، حيثُ لا مكانَ للفردِ ولا للحريةِ ولا للتعدديةِ، بلْ كلُّ شيءٍ يدورُ حولَ سردياتِ الأبوةِ وشيخِ القبيلةِ الذي يتخذُ منَ الدينِ غطاءً لاستبدادِه.
إنَّ الحاكمَ في هذهِ الدولِ يعتبرُ نفسَهُ "أباً" للشعبِ، لكنَّ هذا الأبَ المستبدَّ مستعدٌّ لإبادةِ شعبهِ بالكاملِ لمجردِ البقاءِ على كرسيِّه، وكأنَّ الكرسيَ ليسَ مجردَ مقعدٍ، بلْ هوَ قطعةٌ منَ الجنةِ لا يمكنُ التخليُ عنها إلا بالموتِ، ولذلكَ تجدُ أنَّ كلَّ منْ يصلُ إلى سدةِ الحكمِ يضعُ تحتَ كرسيِّه طبقةً سميكةً منَ المادةِ اللاصقةِ، بحيثُ يصبحُ فصلهُ عنِ الكرسيِّ أمراً مستحيلاً إلا بقتلهِ أو بقلبِ النظامِ بأكملهِ ورميِ الكرسيِّ والجالسِ عليهِ معاً، وهذهِ هيَ خلاصةُ التجربةِ السياسيةِ في الدولِ البعرانيةِ التي لا تعرفُ منَ الديمقراطيةِ سوى الصندوقِ الانتخابيِّ الذي يُستخدمُ مرةً كلَّ عدةِ سنواتٍ، ثمَّ يُعادُ تكسيرُه بعدَ انتهاءِ العمليةِ الانتخابيةِ، وكأنَّ الديمقراطيةَ مجردُ طقسٍ دينيٍّ يُمارسُ ثمَّ يُنسى.
الديمقراطيةُ ليستْ مجردَ صندوقٍ نضعُ فيهِ أوراقَنا، بلْ هيَ مجموعةٌ منَ الشروطِ والمقوماتِ والأفكارِ والتطبيقاتِ التي لا يستويُ الأمرُ إذا استغنينا عنْ إحداها، فالديمقراطيةُ تعني حريةَ التعبيرِ، وحريةَ التجمعِ، وحريةَ الإعلامِ، واستقلالَ القضاءِ، وتداولَ السلطةِ، ومحاسبةَ الحاكمِ قبلَ المحكومِ، وكلُّ هذهِ العناصرِ غائبةٌ تماماً في الدولِ البعرانيةِ التي تختصرُ الديمقراطيةَ في صندوقٍ خشبيٍّ فارغٍ، بينما تبقى كلُّ مفاصلِ الدولةِ خاضعةً لسيطرةِ الحاكمِ وأتباعِه وعائلتِه، وكأنَّ الديمقراطيةَ مجردُ كذبةٍ كبيرةٍ يصدقُها فقطْ أولئكَ الذينَ لمْ يفهموا بعدُ أنَّ اللعبةَ كلَّها مُفبركةٌ منَ البدايةِ.
شعوبُ هذهِ الدولِ تعيشُ في أوهامِ التفوقِ والاستعلاءِ مقابلَ واقعٍ منحطٍ، فهيَ تظنُّ أنَّها أفضلُ الشعوبِ لأنَّها تمتلكُ تاريخاً مجيداً وديناً عظيماً، لكنَّها تنسى أنَّ هذا التاريخَ وهذا الدينَ قدْ تحولا إلى أدواتِ استبدادٍ وقمعٍ في أيدي الحكامِ والعمائمِ، وأنَّ تقديسَ الآلافِ منَ الرموزِ يجعلُ مجالَ حريةِ التفكيرِ والتعبيرِ ضيقاً جداً، إنْ لمْ نقلْ منعدماً، فكلُّ محاولةٍ للنقدِ تُعتبرُ خروجاً على المقدساتِ، وكلُّ رأيٍ مختلفٍ يُعتبرُ مؤامرةً خارجيةً، وكلُّ دعوةٍ للإصلاحِ تُعتبرُ إرهاباً فكرياً، وهكذا تبقى هذهِ الشعوبُ أسيرةً لديكتاتورياتها التي تتجددُ بشكلٍ دوريٍّ، دونَ أنْ تجدَ مخرجاً منَ النفقِ المظلمِ الذي حفرتهُ لها قرونٌ منَ الاستبدادِ والتخلفِ.
في الدولِ المحترمةِ، التي تحاسبُ الحاكمَ قبلَ المحكومِ، هناكَ مساحةٌ واسعةٌ للاختيارِ بينَ خياراتٍ متعددةٍ تمتدُ منَ الجيدِ إلى السيءِ، لكنَّ المواطنَ هناكَ يملكُ حريةَ الاختيارِ ومحاسبةَ منْ يختارُه، أما في الدولِ البعرانيةِ، فإنَّ الخياراتِ تنحصرُ في الغالبِ بينَ السيءِ والأسوأِ، وكأنَّ الشعبَ يُجبرُ على الاختيارِ بينَ سمٍّ قاتلٍ وسمٍّ أبطأَ، ومعَ كلِّ تغييرٍ للنظامِ، والذيْ لا يحدثُ في أغلبِ الأحيانِ إلا بالانقلابِ أو موتِ الحاكمِ الأوحدِ، يأتي نظامٌ ديكتاتوريٌّ مثلهُ، وربما أسوأُ منه، وكأنَّ هذهِ الدولَ لا تتعلمُ منْ دروسِ ماضيها، بلْ تعيدُ إنتاجَ نفسِ الأخطاءِ في كلِّ مرةٍ، وكأنَّها عالقةٌ في حلقةٍ مفرغةٍ منَ الفشلِ والانهيارِ، ولا خلاصَ منها إلا إذا قررتْ هذهِ الشعوبُ يوماً أنْ تتخلصَ منْ كلِّ هذهِ الأوهامِ وأنْ تنظرَ إلى واقعِها بعينٍ ناقدةٍ، وتدركَ أنَّ الديمقراطيةَ ليستْ هبةً منَ السماءِ، بلْ هيَ نتاجُ صراعٍ طويلٍ معَ الاستبدادِ والجهلِ، وأنَّ بناءَ دولةٍ عصريةٍ يتطلبُ أكثرَ منْ مجردِ صندوقٍ خشبيٍّ ومظاهراتٍ في الشوارعِ.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire