Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (46) أحلام البهائم بين الخلافة الإسلامية ودولة الولي الفقيه (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (46) أحلام البهائم بين الخلافة الإسلامية ودولة الولي الفقيه



يبدو أن قدر هذه المنطقة التعيسة أن تظل رهينة مخيلة مريضة لا تنتج سوى الأوهام، مخيلة تعيش في أزمنة الغبار والتاريخ المنتهي، بينما يمضي بقية العالم نحو المستقبل بخطى واثقة. على طرفي النزاع المذهبي والسياسي القائم، يبرز مشروعان يتنافسان في السذاجة والرجعية: حلم البعث لإقامة "الخلافة الإسلامية" بالمنظور السني المتشدد، وحلم التمدد لبناء "إمبراطورية الولي الفقيه" بالمنظور الشيعي المؤدلج. كلاهما وجهان لعملة واحدة من الشطط الفكري الذي يفترض أن الحل الوحيد لمشاكل القرن الحادي والعشرين يكمن في استحضار صراعات القرون الوسطى وإسقاطها على واقع اليوم.
إن المناداة بإعادة نظام الحكم الإمبراطوري القديم تحت مسمى "الخلافة" تتجاهل تماماً كيف تطورت البشرية في مفهوم الدولة والسيادة وحقوق الإنسان. هذا النموذج الذي يروج له البعض باعتباره الحل السحري لكل أزمات الشعوب، ينطلق من فرضية قاصرة ترى في إلغاء الحدود الوطنية العصرية وتقسيم العالم إلى فسطاطين هدفاً أسمى. والمثير للشفقة أن الحنين لهذا المفهوم يستند إلى رؤية رومانسية انتقائية للتاريخ، تتغافل عن الصراعات الداخلية والاقتتال والحروب الأهلية التي شهدتها غالبية الحقبات التاريخية بتلك العصور. إن اختزال التطور الإنساني في الشعار الديني والمناداة بالحكم المباشر باسم التفويض الإلهي يمثلان نكوصاً صريحاً عن مفهوم المواطنة الحديثة والدولة المدنية، وعودة متأخرة إلى زمن الإقطاع والشمولية المطلقة.
في المقابل، يقف مشروع "الولي الفقيه" كنموذج آخر للاستبداد الثيوقراطي الذي يستغل المشاعر المذهبية لتشييد إمبراطورية توسعية تحت عباءة الدين. يعتمد هذا الطرح على سلب إرادة الشعوب وتجيير الشعارات العاطفية لصالح سلطة مطلقة لا تقبل النقاش ولا التشكيك، باعتبارها ممثلاً للشرعية الإلهية على الأرض. وما نراه اليوم من محاولات لفرض هذا النفوذ عبر وكلاء جماعات مسلحين ليس سوى وصفة مثالية لتدمير مجتمعات كاملة وتفكيك نسيجها الاجتماعي. يستبدل هذا المشروع مفهوم الدولة الوطنية المستقلة بتبعية أيديولوجية أعمى، ويحول المؤسسات إلى أجهزة طائعية تنفذ تعليمات مركز واحد، في مشهد يكرس الانحطاط التنموي والسياسي باسم الواجب المقدس.
الواضح والمؤكد أن هذه المشاريع المؤدلجة، بيمينها ويسارها ومذاهبها المتصارعة، محكوم عليها بالفشل الذري والصدمة بجدار الواقع. إن أسباب هذا الفشل ليست مجرد عقبات سياسية أو عسكرية طارئة، بل تمتد لتكون بنوية وحتمية؛ فالنماذج التي تقوم على نفي الآخر، ومحاربة الحداثة، ومصادرة الحريات الفردية، وإقصاء العلم والتفكير النقدي لصالح النقل والتلقين، لا يمكنها البقاء في عالم اليوم. العالم المعاصر يقوم على التنافس الاقتصادي، والتطور التكنولوجي، وتكريس سيادة القانون، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، وليس على استجرار معارك السقيفة أو كربلاء وإسقاطها على صراعات جيوسياسية معاصرة.
إن الاستمرار في الجري وراء هذه السرابات يمثل استنزافاً طويلاً لطاقات الشعوب، وتأجيجاً لخراب لا ينتج سوى المزيد من الفقر والشتات والتخلف. لن ينهض أي مجتمع طالما ظلرهيناً لأوهام الهيمنة المطلقة باسم الدين، ولن تنشأ أمة قوية إلا على أسس من العقلانية، والمواطنة السليمة، والوعي بأن زمن الخلافات والإمبراطوريات الثيوقراطية قد انتهى إلى غير رجعة، ليبقى مجرد صفحات في كتب التاريخ لا صلوحية لها لبناء المستقبل.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...