Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (42) إرهابي يحكم بالأعدام على إرهابي آخر (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(42) إرهابي يحكم بالأعدام على إرهابي آخر




في مسرح الجريمة السوري، حيث تتساقط الرؤوس وتُدفن الجثث تحت الركام وتُباع الأوطان بأبخس الأثمان، يطل علينا مشهد جديد من مسلسل العبث السياسي العربي الذي لا ينتهي، فبشار الأسد الإرهابي، الذي حول سوريا إلى مقبرة جماعية وحكمها بالحديد والنار والبراميل المتفجرة والغازات السامة، وجد نفسه فجأة أمام محكمة ثورية يترأسها إرهابي آخر هو أحمد الشرع المعروف بأبي محمد الجولاني، الذي لبس بدلة عصرية وربطة عنق وابتسامة مصطنعة، وبدأ يتحدث بلغة القانون والعدالة وكأنه لم يقطع رقاباً بيديه ولم يفجر سيارات مفخخة في الأسواق ولم يذبح أسرى في الميادين العامة أمام كاميرات التصوير.

المفارقة الساخرة هنا ليست في أن إرهابياً يحكم بالإعدام على إرهابي آخر، بل في أن العالم بأسره يتظاهر بأن هذه هي العدالة، فترامب وماكرون وغيرهما من زعماء الغرب الذين صفقوا للجولاني وصفقوا لبشار في وقت سابق، قرروا اليوم أن الجولاني هو الرجل المناسب لمرحلة جديدة في سوريا، فمُنح الشرعية الدولية والمال والسلاح، بينما بشار صار الشيطان الذي يجب محاكمته، لكن لائحة الجرائم التي وُجهت لبشار هي نفسها التي يمكن أن توّجه للجولاني، فالاثنان قتلا وشردا وفجرا وذبحا وارتبطا بتنظيمات إرهابية، فالأسد تحالف مع حزب الله الإيراني والحرس الثوري، والجولاني تحالف مع داعش والقاعدة والنصرة، وكلاهما باع سوريا لأسياد الخارج، الأول لإيران وروسيا، والثاني لتركيا وقطر والسعودية وأمريكا، وكلاهما جعل من الشعب السوري مجرد وقود لحروب عبثية لا طائل منها.

العدالة الانتقالية التي يتحدثون عنها ليست أكثر من مسرحية هزلية، فلو كانت هناك عدالة حقيقية، لوقف بشار والجولاني في نفس القفص ووجهت لهما نفس التهم، لكن العدالة في هذه المنطقة لا تعني سوى انتقام المنتصر من المهزوم، والمنتصر اليوم هو الجولاني، والمهزوم هو بشار، لكن القاعدة واحدة: الإرهابي لا يمكن أن يصبح إنساناً عاقلاً بمجرد أن يغير ملابسه ويستقبل سفراء الدول الكبرى، كما أن الفيروس لا يمكن أن يتحول إلى دواء بمجرد أن يوضع في علبة دواء أنيقة، فالأسد والجولاني كلاهما فيروسان قاتلان، والاختيار بينهما يشبه الاختيار بين الإيدز والإيدز، أو بين الطاعون والكوليرا، ولا فرق بينهما سوى في الشكل واللون والزمان والمكان.

أما الحمقى الذين يعتقدون أن الإرهابي يمكن أن يتغير للأحسن، وأن جولاني أصبح رجل دولة، فهم يمارسون نوعاً من العته السياسي الذي يجعلهم يبررون كل جريمة باسم المرحلة، وكل مذبحة باسم الضرورة، وكل تحالف مع الشيطان باسم المصلحة الوطنية. ولو كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فسيقول لنا إن الإرهابي يبقى إرهابياً حتى لو تقاعد وافتتح مقهى، وإن الرجل الذي أراق دماء السوريين أمس لا يمكن أن يصبح حامي حماهم اليوم، وإن البساط الذي يمشي عليه بشار هو نفس البساط الذي مشى عليه الجولاني، وإن المقصلة التي يضعها الجولاني اليوم في رقبة بشار هي نفسها التي يمكن أن توضع في رقبته غداً، لأن دورة العنف في هذه المنطقة لا تتوقف إلا عندما يقرر جميع الإرهابيين أنهم لا يستحقون لا الحكم ولا المحاكمة، بل يستحقون فقط الوقوف في نفس الزريبة التي خرجوا منها.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...