Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (49) وعود الكذّاب والعظم والكلاب (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (49) وعود الكذّاب والعظم والكلاب




كل الأديان، بلا استثناء، مبنية على وعود كلام في كلام، سراب يتبخر كلما اقترب منه العطشان، وعود لم تتحقق يوماً ولن تتحقق أبداً. من الفردوس المفقود إلى الملكوت الآتي، ومن النصر الموعود إلى العدل الإلهي المنتظر، كلها قصص تُروى بثقة الواثق ثم تُؤجل بمهارة المحتال. وعندما يتأخر الوعد أو يفشل فشلاً ذريعاً، لا يعترف الكذابون بالفشل، بل يخترعون تبريرات معقدة كالمتاهة، ويؤجلون كل شيء إلى المستقبل البعيد أو إلى ما بعد الموت، حيث لا يستطيع أحد أن يعود ليكذبهم أو يفضح أكذوبتهم. هكذا يستمر المسرح، وهكذا تبقى الستارة مرفوعة على عرض لا ينتهي من الخداع المنظم.

من يعيشون عالة على حماقة الأتباع ينعمون برغد العيش ويتلذذون بخيرات الأرض بينما يبيعون للقطيع وعود السماء. يجلسون في قصورهم الفارهة، يركبون السيارات الفخمة، ويأكلون أطيب الطعام، وكل ذلك من عرق البسطاء الذين صدقوا أن الصبر على الجوع والفقر اليوم سيُكافأ بحور عين وقصور من ذهب غداً. يموت الأتباع واحداً تلو الآخر، يحملون معهم أوهامهم إلى القبر، ولا يعود منهم أحد ليروي ما رآه أو ليكشف أن الرواية كانت كذبة من أولها إلى آخرها. وبالتالي فإن الكذابين في أمان تام، وأكاذيبهم التي هي مصدر رزقهم في أمان أيضاً. لا شاهد يعود من الموت، ولا دليل ينقض السردية من داخلها، فيبقى الحقل خصباً للحصاد المتجدد.

والأعجب من ذلك كله أن الشعوب، رغم كل التطور والتقدم والعلم الذي وصلت إليه البشرية، ما زالت تتخبط في متاهة الأكاذيب الإلهية كخرفان تائهة في ليل بلا نجوم. العلم كشف أسرار الكون، وفسر الظواهر الطبيعية، وأطاح بكثير من الخرافات القديمة، لكن عقل القطيع يرفض أن يستيقظ. يفضل أن يبتلع الوعود المؤجلة على أن يواجه حقيقة أن لا أحد ينتظره في الأعلى، وأن الموت نهاية وليس بداية لحفلة أبدية. يفضل أن يصدق الكذاب الذي يعده بما لا يملك على أن يعترف بأن حياته الوحيدة تستحق أن تُعاش هنا والآن، لا في عالم خيالي لا دليل عليه.

هكذا تستمر اللعبة منذ آلاف السنين: وعود الكذاب، وعظام الموتى التي لا تنطق، وكلاب الحراسة الذين ينبحون في وجه كل من يجرؤ على السؤال. وكلما ازداد العلم وضوحاً، ازداد التمسك بالوهم شراسة، كأن الحقيقة نفسها أصبحت عدواً يجب قتله. لا أمل حقيقياً في أن تفيق هذه الشعوب من سباتها العميق، لأن النوم في حضن الكذبة أدفأ وأسهل من الوقوف عراة أمام واقع بلا آلهة وبلا وعود. والكذابون يعرفون ذلك جيداً، لذلك يواصلون الضحك في السر بينما يعدون القطيع بمزيد من السراب.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...