Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (17) رافي مادايان أنموذج ذيل إيران الذمي الشيوعي الإرهابي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(17) رافي مادايان أنموذج ذيل إيران الذمي الشيوعي الإرهابي




في عالم السياسة اللبنانية العبثي، حيث تتسابق الشخصيات على التملق لأسيادها كالكلاب المدربة، يبرز الأرمني المسيحي الشيوعي الهوى رافي مادايان كنموذج فريد في فن الانبطاح السياسي والتقلب الأخلاقي، فهو ذلك الذيل الذي لا يكل ولا يمل من لعق أحذية ملالي إيران وحزب الله الإرهابي، رغم أنه ينتمي دينياً وقومياً إلى الطرف الآخر تماماً. إنها مفارقة ساخرة أن ترى مسيحياً أرمنياً يتحول إلى بوق ينعق بأوامر نظام الملالي الذي يضطهد المسيحيين والأرمن في إيران ويسحقهم تحت جنازير دولته الدينية الفاشية، وكأن مادايان قرر أن يتخلى عن كل قيمه وهوياته فقط ليحظى بابتسامة من بعض المسؤولين الإيرانيين الذين لا يعرفونه حتى باسمه.

الجميل في أمر هذا الرجل أنه يمارس السياسة كأنها لعبة فيديو قديمة، حيث يمكنه تغيير قناعاته وتقلب مواقفه بحسب مستوى الصعوبة في كل مرحلة، فهو اليوم مع 14 آذار وغداً ضدها، وهو اليوم مع المقاومة وبعد غد مع مناهضيها، وكأن الولاءات عنده مثل الملابس التي تبدل بحسب الموسم. لكن الثابت الوحيد في هذه المهزلة هو تمسكه الأعمى بشرعية حزب الله الإرهابي على أرض لبنان، وكأنه يستمد وجوده السياسي من شرعية هذا الحزب الذي لا يعترف بمنطق الدولة ولا بقوانينها ولا بحدودها، بل يعتبر نفسه دولة فوق الدولة وميليشيا فوق كل الميليشيات.

يقف مادايان اليوم ليدافع عن هزائم حزب الله ويبررها وكأنه محامي دفاع عن إرهابيين، يلتوي كالحية ليخرج من كل نكسة حزب الله رواية انتصار وهمية، ويتهرب من سؤال الشعب اللبناني الذي ينزف دمه وماله ومستقبله تحت وطأة هذه الميليشيا الإيرانية، فهو يخون كل جنسيته الأرمنية وكل ديانته المسيحية وكل انتمائه الشيوعي في سبيل البقاء تحت مظلة الملالي الذين لا يقدمون له سوى بعض الوعود الفارغة والتغطية الإعلامية الرخيصة.

ويتطاول هذا الذيل الإيراني في كل مناسبة على من يختلفون معه معتبراً إياهم خونة وعملاء وعملة رخيصة، متناسياً أنه هو نفسه كان عميلاً لسوريا في السابق، ومتناسياً أنه هو نفسه كان يكتب التقارير للمعلم رستم كما يُشاع، ومتناسياً أنه هو نفسه شخص لا يحظى بأي قبول شعبي ولا أي إرث سياسي حقيقي باستثناء تطفله على إرث جورج حاوي الذي لو كان حياً لبرئ من هذا الذيل الصغير الذي ينبش في رفات الموتى ليتاجر بها في سوق السياسة الخاسر. إنه يشبه تماماً تلك الكائنات الطفيلية التي تعيش على جسد عائلها ثم تتحول إلى سم يقتل العائل نفسه، فهو بتمسكه بحزب الله يساهم في تدمير لبنان الذي يدعي حبه له، وكأنه يمارس سياسة انتحارية جماعية باسم المقاومة المزعومة، فشتان بين مقاومة تحرر الأرض ومقاولة تحرر سيادة إيران على لبنان.

الأغرب في قصة مادايان أنه يمارس التهديد والوعيد بكل أريحية وكأنه مفوض من جهات أمنية إيرانية لحماية مصالحها في لبنان، فيخرج في الإعلام ليخوّف ويهدد من لا يعجبه خطابهم، متناسياً أنه لا يملك من القوة سوى بعض الأوراق التي يستخدمها كمدفعية دعائية رخيصة، فهو مثل ذلك الكلب صغير الحجم كثير النباح الذي يحاول أن يخيف المارة بزمجرته لكن أحداً لا يأخذه على محمل الجدّ، لكنه مستمر في نباحه لأن أسياده الإيرانيين يحتاجون إلى مثل هذه الأصوات التي تملأ الفراغ الإعلامي الذي يخلفه تراجع تأثير حزب الله يوماً بعد يوم.

مادايان هو في الحقيقة مجرد مسخ سياسي لا هو من هذا الطرف ولا من ذاك، لا هو أرمني حرّ ولا مسيحي مخلص ولا شيوعي مبدئي، بل هو مجرد ذيل إيراني يتلوى في فضاء لبنان السياسي الملوث، إلى أن يدرك يوماً أن أسياده الإيرانيين ربما يغيرون جلودهم ويبحثون عن كلاب جديدة تنبح في وجوه اللبنانيين بأصوات أخرى، وعندها سيصبح مادايان مجرد أثر تاريخي مضحك في سلسلة الذيول الإيرانية التي طالما استهلكت لبنان واستهلكت أهله دون أن تترك لهم سوى الخراب والعار.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (16) رافي مادايان: طفيلي يتاجر بالسياسة أم وريث نضال؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(16) رافي مادايان: طفيلي يتاجر بالسياسة أم وريث نضال؟





في عالم السياسة اللبنانية، حيث تختلط الدماءُ بالحساباتِ وتتداخلُ الإرثُ السياسيُّ بالمشاريعِ الشخصيةِ، يطلُّ علينا رافي مادايان كشخصيةٍ تثيرُ الجدلَ بقدرِ ما تثيرُ السخريةَ. إنه أحدُ أولئكَ الذينَ يحاولونَ ركوبَ أمواجِ التاريخِ مستغلينَ إرثَ الآخرينَ، لعلَّهم يصلونَ إلى ضفافِ السلطةِ التي طالما حلموا بها. فمنْ هوَ رافي مادايان؟ إنَّه ابنُ أردين مادايان، الأمينِ العامِّ الأسبقِ للحزبِ الشيوعيِّ اللبنانيِّ ، والذي يبدو أنَّ أبرزَ أوراقِ اعتمادِه السياسيةِ هيَ علاقتُه بجورج حاوي، إذ كانَ الأخيرُ بمثابةِ الأبِ الروحيِّ له . ورغمَ هذهِ الصلةِ، فإنَّ كثيرينَ يرونَ فيهِ مجردَ طفيليٍّ سياسيٍّ يحاولُ ركوبَ موجةِ النضالِ بلا استحقاق، فكأنَّ السياسةَ عندهُ ليستْ إيماناً بقضيةٍ بلْ محاولةٌ يائسةٌ للارتقاءِ منْ حالةِ الهامشِ إلى مركزِ الأضواءِ بأيِّ ثمنٍ كان.

إنَّ قراءةً سريعةً لمواقفِ مادايان السياسيةِ تكشفُ عنْ شخصيةٍ متقلبَةٍ لا تثبتُ على حالٍ، فهوَ مثلاً كانَ جزءاً منْ تحالفِ 14 آذار في فترةٍ ما، ثمَّ سرعانَ ما انقلبَ ليصبحَ ناقداً شرساً لهُ وللمعارضةِ على حدٍّ سواءٍ. هذا التقلُّبُ ليسَ ناتجاً عنْ قناعاتٍ راسخةٍ، بلْ هوَ انعكاسٌ لحالةِ "التاجرِ السياسيِّ" الذي يبيعُ ضميرَه لمنْ يدفعُ أكثرَ، ويرتمي في أحضانِ منْ يضمنُ لهُ بقاءً أوْ منصباً. ومَنْ يتصفحْ تصريحاتِه في وسائلِ الإعلامِ، يجدْه يتنقلُ بينَ اتهامِ خصومِه بالعمالةِ للموسادِ، تارةً، وبينَ تبريرِ جرائمِ القتلِ والاغتيالاتِ التي شهدها لبنانُ باسمِ "التوازناتِ الإقليميةِ"، وكأنَّ البلادَ ليستْ وطناً يعيشُ فيهِ الناسُ، بلْ هيَ لوحةُ شطرنجٍ يلعبُ عليها هوَ وأسيادُه.

أما عنْ "نضالِه" المزعومِ، فيكفينا أنْ ننظرَ إلى نتائجِه العمليةِ. إنَّ مادايانَ الذي يتشدقُ باسمِ جورج حاوي ويستدعي إرثَه، هوَ نفسُه منْ كانَ يكتبُ التقاريرَ لـ"المعلمِ رستم" ، كما يشاعُ، أيْ أنهُ لمْ يكنْ سوى عينٍ سوريةٍ في جسدِ الحركةِ الوطنيةِ اللبنانيةِ. والأطرفُ منْ ذلكَ أنَّه يروي كيفَ أنَّ البطريركَ صفيرَ استبعدهُ منْ اجتماعاتِ قرنة شهوان، وكأنَّ في هذا الاستبعادِ إدانةً لهُ وفضحاً لازدواجيةِ ولائِه بينَ بني جلدته وأسيادِه. فمنْ هوَ رافي مادايان إذن؟ إنَّه ذلكَ الممثلُ البائسُ الذي يلعبُ دورَ المناضلِ، بينما الحقيقةُ أنَّه مجردُ صعلوكٍ سياسيٍّ، لا يمتُّ إلى أيِّ مشروعٍ وطنيٍّ لبناني بصلةٍ، بلْ هوَ شخصيةٌ ملتبسةٌ تتغذى على الجثثِ والدماءِ السياسيةِ لتبقى في دائرةِ الضوءِ، وكأنَّ السياسةَ عندهُ ليستْ وسيلةً لخدمةِ الوطنِ، بلْ غايةً في خدمةِ الذاتِ المتضخمةِ التي لا تشبعُ منَ الشهرةِ والتخوينِ.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (15) الثابت والمتحوّل في عشق الآلهة للتسوّل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(15) الثابت والمتحوّل في عشق الآلهة للتسوّل




في عالمٍ مليءٍ بالتناقضاتِ الصاخبةِ، تبرزُ ظاهرةٌ دينيةٌ طريفةٌ تستحقُ أنْ تُحفرَ في موسوعةِ الغرائبِ الإنسانيةِ تحتَ بابِ "سيكولوجيا التسولِ الإلهيِّ". فمنْ جهةٍ، تملأُ الكتبُ المقدسةُ الدنيا ضجيجاً بصفاتِ الآلهةِ المطلقةِ وقدرتِها اللامتناهيةِ، وتزعمُ أنَّ هذهِ الآلهةَ غنيَّةٌ عنِ العالمينَ، لا تحتاجُ إلى طعامٍ ولا شرابٍ ولا مالٍ ولا مسكنٍ، وأنَّ البشرَ همَ الفقراءُ المحتاجونَ إليها، وأنَّها كريمةٌ جوادٌ تُفيضُ على عبادِها منْ فيضِ رحمتِها الواسعةِ التي لا تنضبُ أبداً. لكنْ إذا انتقلتَ منْ عالمِ النصوصِ المقدسةِ إلى أرضِ الواقعِ الملموسِ، ستكتشفُ أنَّ هذهِ الآلهةَ المُنَزَّهةَ عنِ الحاجةِ تعيشُ حالةً منَ التسولِ الممنهجِ لا تُضاهيها فيها أيُّ مؤسسةٍ بشريةٍ، فهيَ تطالبُ أتباعَها بالتبرعِ لها لبناءِ هياكلِها ومعابدِها ومساجدِها، وتجهيزِها بالفرشِ والستائرِ والثرياتِ، وخلاصِ أجورِ القساوسةِ والأئمّةِ والمؤذنينَ، ودفعِ فواتيرِ الكهرباءِ والماءِ والإنترنتِ، وكأنَّ هذا الإلهَ المتعاليَ لا يستطيعُ أنْ يُوقدَ مصباحاً واحداً في مسجدِه دونَ أنْ يمدَّ يدَهُ لجيوبِ المؤمنينَ الفقراءِ الذينَ لا يجدونَ قوتَ يومِهم.

إنَّها مفارقةٌ تصلُ إلى حدِّ الفضيحةِ الأخلاقيةِ: إلهٌ يوصفُ بأنَّه "الغنيُّ الحميدُ" و"القويُّ المتينُ" و"المنعمُ المتفضِّلُ"، وفي الوقتِ نفسِه نراهُ يتسوّلُ ببجاحةٍ في كلِّ مناسبةٍ، ولا يتركُ فرصةً واحدةً سانحةً إلا وانتهزَها لسلبِ أموالِ أتباعِه تحتَ عناوينَ براقةٍ مثلَ "الزكاةِ" و"الصدقةِ" و"العشورِ" و"القرابينِ" و"النذورِ" و"الكفاراتِ". بلْ إنَّ بعضَ رجالِ الدينِ يذهبونَ إلى أبعدِ منْ ذلكَ فيُخبرونَ المؤمنينَ بأنَّ اللهَ سيُضاعفُ لهمُ الأجرَ والثوابَ مقابلَ تبرعاتِهم، وكأنَّ اللهَ يديرُ بنكاً استثمارياً يمنحُ فوائدَ ربويةً على الودائعِ الإيمانيةِ. لكنْ إذا نظرتَ إلى النتائجِ العمليةِ لهذهِ الإعلاناتِ الإلهيةِ، ستجدُ أنَّ الفقراءَ يزدادونَ فقراً والجائعينَ يزدادونَ جوعاً والأغنياءَ منْ رجالِ الدينِ يزدادونَ ثراءً ورفاهيةً، وكأنَّ التسولَ الإلهيَّ هوَ آلةُ تحويلٍ عجيبةٌ تنقلُ الأموالَ منْ جيوبِ المحتاجينَ إلى خزائنِ المعابدِ التي لا تملأُ جوفَ أحدٍ ولا تَسْقِي عطشاناً ولا تَكْسُو عارياً.

ما يزيدُ الأمورَ سخريةً هوَ أنَّ هذهِ الآلهةَ التي تزعمُ أنها خلقتِ الكونَ منْ لا شيءٍ، وتتحكمُ في حركةِ الكواكبِ ومجرَّاتِها، وتُجرِي الرياحَ وتُنزِلُ المطرَ وتُخرجُ النباتَ، عاجزةٌ تماماً عنْ إسقاطِ رغيفِ خبزٍ واحدٍ على رأسِ إنسانٍ جائعٍ، أوْ رميِ قطعةِ نقودٍ واحدةٍ في جيبِ طفلٍ مفلسٍ يحتاجُ إلى دواءٍ. فهيَ تتركُ عبيدَها يتضورونَ جوعاً ومرضاً وفقراً، بينما تلهثُ خلفَ تبرعاتِهم لتزيينِ قبابِها ومآذنِها، وكأنَّ أولوياتِها هيَ "الديكورُ المقدسُ" لا "البطنُ الجائعُ". إنَّها صورةٌ كاريكاتوريةٌ لإلهٍ مريضٍ بالعُجبِ، يريدُ أنْ يبنِيَ لنفسِه قصوراً فخمةً منْ أموالِ الفقراءِ، ثمَّ يطلبُ منْ هؤلاءِ الفقراءِ أنْ يحمدوهُ على هذهِ النعمةِ العظيمةِ التي أنعمَ بها عليهم، وهيَ فرصةُ المساهمةِ في بناءِ قصرِه الإلهيِّ المتواضعِ الذي لا يليقُ بعظمتِه!

والأدهى منْ ذلكَ أنَّ رجالَ الدينِ، وكلاءَ هذهِ الآلهةِ على الأرضِ، يتفننونَ في ابتكارِ طرقٍ جديدةٍ لابتزازِ المؤمنينَ عاطفياً ودينياً، فيذكرونهمْ بأنَّ أموالَهمْ ليستْ ملكاً لهمْ أصلاً، بلْ هيَ "وديعةٌ" عندهمْ منَ اللهِ، وأنَّ عليهمْ أنْ يردُّوها إليهِ وإلاّ أصابهمْ العذابُ في الدنيا والآخرةِ. وهكذا، يتحولُ الإلهُ المتسوّلُ إلى شريكٍ في ممتلكاتِ الناسِ، وكأنَّهُ شريكُ مضاربةٍ معهمْ في صفقاتِهم العقاريةِ والتجاريةِ، لكنَّهُ لا يشاركُهمْ الخسائرَ بلْ يأخذُ أرباحَه مُقدماً وبالقسطِ الفوريِّ. إنَّهُ نموذجُ ربِّ المالِ المستبدِّ الذي لا يفوِّتُ أيَّ فرصةٍ لانتزاعِ ما في جيوبِ الآخرينَ، ثمَّ يُروّجُ لنفسِه على أنَّه "الرزَّاقُ الكريمُ" و"الغنيُّ الحميدُ"، في تناقضٍ لا يخفى على عاقلٍ ولا يمرُّ على ذي بصيرةٍ دونَ أنْ يضحكَ أوْ يبكي حسبَ مزاجِه.

في المحصلةِ النهائيةِ، يبدو أنَّ الآلهةَ جميعها، يهوهَ واللهَ والثالوثَ، تشتركانِ في متلازمةٍ نفسيةٍ واحدةٍ هيَ "التسولُ المقدسُ"، التي تفرضُ عليها أنْ تدَّعيَ الغنى المطلقَ بينما تتسوّلُ بكلِّ ما أوتيتْ منْ قوةٍ إلهيةٍ. وإذا كانَ هناكَ إلهٌ حقاً، فليُظهرْ لنا قدرتَه مرةً واحدةً بأنْ يَسْقِيَ أتباعَه الجائعينَ خبزاً منَ السماءِ دونَ أنْ يطلبَ منهمْ مقابلاً نقدياً، وليتركْ لهمْ أموالَهمْ التي يُعذبونَ في جمعِها طوالَ حياتِهم. أما إذا استمرَّتِ الآلهةُ على عشْقِها للتسولِ، فليقلْ لنا رجالُ الدينِ بصراحةٍ: يا قومُ، نحنُ فقراءُ مثلكمْ، وإلهُنا مسكينٌ أيضاً لا يملكُ ريالاً واحداً، وهيا بنا جميعاً نتضامنُ في التسولِ، فالفقيرُ يتسوّلُ للغنيِّ، والإلهُ يتسوّلُ للفقيرِ، وهكذا تدورُ عجلةُ التسولِ الإلهيِّ إلى ما لا نهاية.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟




في عالمٍ مليءٍ بالشخصياتِ الدينيةِ التي تُقدَّسُ وتُعظَّمُ دونَ أنْ يجرؤَ أحدٌ على فحصِ سيرتِها بعينٍ ناقدةٍ، يبرزُ "أبو الأنبياء" إبراهيمُ كأعظمِ نموذجٍ على هذهِ الظاهرةِ الغريبةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ صفةً إلهيةً إنْ صدرتْ عنِ الشخصيةِ المقدسةِ المطلوبةِ. فالرجلُ الذي اختارهُ اللهُ، أو يهوه، ليكونَ خليلاً له، أي صديقاً حميماً، نجدهُ في نصوصِ التناخِ والتلمودِ والقرآنِ والحديثِ يمارسُ الكذبَ باحترافٍ لا يُستهانُ بهِ، وكأنَّ الكذبَ كانَ شرطاً أساسياً في عقدِ الصداقةِ معَ الخالقِ. فإذا كانَ الخليلُ نفسه، وهوَ رمزُ الصدقِ والأمانةِ في التصورِ الدينيِّ الشعبيِّ، يمارسُ التضليلَ والخداعَ علناً ودونَ خجلٍ، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ قدوةً؟ إنها معادلةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ: كلما ارتفعَ مستوى المقدسِ، ازدادَ مستوى الكذبِ المقبولِ اجتماعياً باسمِ "التقوى" و"الحكمةِ الإلهيةِ".

لنبدأْ بجولةٍ سريعةٍ في سجلِّ إبراهيمَ الحافلِ بالكذباتِ التي تتناقضُ معَ أيِّ منطقٍ أخلاقيٍّ بشريٍّ. في التناخ، يحدثنا سفرُ التكوينِ عنْ مرتينِ منفصلتينِ يلجأُ فيهما إبراهيمُ إلى حيلةٍ وضيعةٍ: حينَ يخافُ على حياتِه منْ ملوكِ الأرضِ، يطلبُ منْ زوجتِه سارةَ أنْ تقولَ إنها أختهُ، فيعرضُها بذلكَ للخطرِ، ويتنازلُ عنْ كرامتِه وكرامتِها في سبيلِ بقائِه على قيدِ الحياةِ. وفي المرتينِ، ينكشفُ أمرُه على يدِ الملكِ الوثنيِّ الذي يوبخُه ويعاتبهُ، وكأنَّ الوثنيينَ كانوا أكثرَ أخلاقاً منْ نبيِّ اللهِ وخليلِه. حتى التلمودُ لمْ يكتفِ بالمرتينِ، بلْ أضافَ كذبةً ثالثةً حينَ قالَ إبراهيمُ عنِ الأصنامِ "إنّي سقيمٌ"، وكذبةً رابعةً حينَ قالَ عنِ الأصنامِ التي حطمها "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا"، وكأنَّ اللهَ نفسه يُشرفُ على هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ فناً دينياً رفيعَ المستوى.

أما القرآنُ والحديثُ، فقدْ حاولا بشتى الطرقِ تبريرَ هذهِ الأكاذيبِ تحتَ شعارِ "الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ"، فجاءَ المفسرونَ ليقولوا إنَّ قولَ إبراهيمَ "إني سقيمٌ" لمْ يكنْ يعني المرضَ الجسديَّ، بلْ كانَ يعني سقمَهُ منْ عبادةِ الأصنامِ، وإنَّ قولَهُ "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا" لمْ يكنْ كذباً، بلْ كانَ استفهاماً تعليمياًّ لفضحِ عبثيةِ عبادةِ الأصنامِ. وهنا تتجلى ذروةُ السخريةِ، فالمسلمونَ يرفضونَ الاعترافَ بأنَّ أبا الأنبياءِ كذبَ ولوْ مرةً واحدةً، في الوقتِ الذي يصرُّ فيهِ التراثُ الإسلاميُّ نفسه، عبرَ صحيحِ البخاري، على أنَّ إبراهيمَ لمْ يكذبْ إلا ثلاثَ مراتٍ، اثنتانِ في ذاتِ اللهِ وواحدةٌ في شأنِ زوجتِه. إنهُ تناقضٌ يفضحُ نفسه بنفسِه، وكأنَّ الكذبَ يصبحُ فضيلةً إذا مارسهُ الأنبياءُ، ورذيلةً إذا مارسهُ عامةُ الناسِ.

لكنَّ الأغربَ منْ كلِّ هذا هوَ مشهدُ إبراهيمَ وهوَ يقدِّمُ زوجتَه سارةَ كـ"أختِهِ" للملوكِ الجبابرةِ، ليسَ مرةً واحدةً بلْ مراراً، وكأنَّهُ قوّادٌ محترفٌ يستخدمُ جسدَ زوجتِه ورحمَها كبطاقةِ مرورٍ آمنةٍ في رحلاتِه الخطرةِ. إنهُ يضعُها في موقفٍ لا تطيقُه أيُّ امرأةٍ، ويعرضُها للاغتصابِ أوِ الأسرِ، وكأنَّ كرامتَها لا تساوي شيئاً أمامَ خوفِه منَ الموتِ. وفي كلِّ مرةٍ، يكتشفُ الملكُ الوثنيُّ الحقيقةَ، فيوبخُ إبراهيمَ ويسألهُ: "ماذا صنعتَ بي؟"، وكأنَّ الوثنيينَ في هذهِ القصصِ همَ الضحايا الأبرياءُ الذينَ استُغِلَّتْ سذاجتُهم منْ قبلِ نبيِّ التوحيدِ الذي يمارسُ الخداعَ باسمِ السماءِ.

إذا كانَ هذا هوَ "خليلُ اللهِ"، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ أسوةً وقدوةً؟ الحديثُ النبويُّ يقولُ: "المرءُ على دينِ خليلِه"، أيْ أنَّ المرءَ يكتسبُ أخلاقَ منْ يصاحبُه ويختارهُ صديقاً. فإذا كانَ اللهُ نفسه قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليصبحَ خليلهُ، فهذا يعني أنَّ الكذبَ جزءٌ منْ طبيعةِ العلاقةِ معَ الإلهِ، وأنَّ الصدقَ ليسَ قيمةً مطلقةً في الدينِ بقدرِ ما هوَ أداةٌ مرنةٌ تتشكلُ حسبَ الحاجةِ والمصلحةِ. اليهودُ والمسيحيونَ يعتبرونَ إبراهيمَ أباً روحيَّاً فقط، ولا يسبغونَ عليهِ أيَّ نوعٍ منَ العصمةِ، بلْ يعترفونَ بأخطائِه ويُدرسونَها في مدارسِهم كنموذجٍ للبشريةِ الضعيفةِ. أما المسلمونَ، فيصرونَ على تطهيرِه منْ أيِّ شائبةٍ، ويُحاولونَ تبريرَ كذباتِه بأغربِ التأويلاتِ، وكأنَّ النصَّ الذي بينَ أيديهم ليسَ نصوصاً بشريةً قابلةً للنقدِ، بلْ هوَ وحيٌ إلهيٌّ لا يُخطئُ ولا يُغني عنِ الحقيقةِ.

في النهايةِ، يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: إذا كانَ اللهُ قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليكونَ صديقَهُ وخليلَهُ، فهلْ هذا عيبٌ في إبراهيمَ أمْ عيبٌ في اللهِ نفسِه الذي اختارَ هذا الكذابَ ليكونَ رمزاً للصدقِ والأمانةِ في الأرضِ؟ إنهُ تناقضٌ محيرٌ يفضحُ هشاشةَ البناءِ الأخلاقيِّ للدينِ التوحيديِّ برمتهِ، ويجعلنا نتساءلُ إنْ كانَ الصدقُ قيمةً إنسانيةً عليا، أمْ مجردُ شعارٍ يُرفعُ حينَ ينفعُ ويتم إخفاؤه حينَ يضرُّ، تماماً كما فعلَ أبو الأنبياءِ الذي ضحّى بزوجتِه وكذبَ على ملوكِ الأرضِ، ثمَّ صارَ رمزاً للتقوى والطهارةِ بأعجوبةٍ إلهيةٍ لا تفسيرَ لها سوى أنَّ اللهَ يحبُّ الكذابينَ أيضاً.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب واختلال العقل في سفر أعمال الرسل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب  واختلال العقل في سفر أعمال الرسل





في مشهدٍ يليق بأفلام الرعب النفسي أكثر منه بكتابٍ مقدس، يطل علينا الإصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل بقصة حنانيا وسفيرة، تلك التحفة الفنية في فن الابتزاز الروحي والقتل المعنوي باسم السماء. القصة ببساطة تروي كيف أن رجلاً وامرأته قررا أن يتبرعا بجزء من مالهما للجماعة المسيحية الناشئة، فإذا بقديسهم الكبير بطرس، ذلك العاطل المتسول الذي كان يعيش على فضلات موائد النساء قبل أن يخترع لنفسه مهنة "رئيس الرسل"، ينقلب عليهما كالذئب الجائع، لا ليشكرهما على تبرعهما، بل ليتهمهما بـ"الكذب على الروح القدس" ثم يعلن موتهما الفوري كأنهما ارتكبا جريمة إبادة جماعية. إنها قصة تفضح بدقة متناهية كيف يستخدم الدين كغطاء للسطو على أموال الناس وقتلهم إن هم تجرأوا على التصرف بممتلكاتهم الشخصية دون استئذان الكنيسة.

لنبدأ من البداية: حنانيا وسفيرة كانا يملكان حقلاً، فباعاه وقررا أن يتبرعا بجزء من ثمنه للجماعة المسيحية. هنا يبرز السؤال الأكثر بداهة الذي يتجاهله النص المقدس: هل كانا ملزمين بالتبرع أصلاً؟ وهل كان أي شخص في الجماعة يملك الحق في معرفة قيمة البيع بالضبط؟ الإجابة بكل وضوح هي لا، فالمال كان ملكاً لهما، والتصرف به حق شخصي بحت، ولا ذنب لهما إن احتفظا بجزء منه أو تبرعا به كاملاً. لكن بطرس، ذلك المحترف في لعبة الترهيب، يأتي بمنطق عبثي قائلاً: "أليس وهو باق كان يبقى لك؟ ولما بيع، ألم يكن في سلطانك؟"، ثم يقلب المعادلة ويتهمهما بـ"الكذب على الله" لأنهم لم يتبرعوا بكل المال. إنه منطق أشبه بمن يقول لصديقه: "أنت حر في ألا تهديني شيئاً، لكن إن أهديتني نصف مبلغ هدية، فأنت لص وسارق". إنها لعبة خداع نفسي تهدف لجعل الضحية تشعر بالذنب حتى وهي تمارس حقها المشروع.

أما ذروة السخرية فهي عندما نقرأ وصف بطرس لهذا التبرع الجزئي بأنه "اختلاس"، أي سرقة. وهنا تتجلى عبقرية اللفظ الديني في تحويل الحق الطبيعي إلى جريمة، وتحويل العطاء الطوعي إلى إدانة أخلاقية، وتحويل الأبرياء إلى مجرمين. بطرس يستخدم كلمة "اختلس" ليجعل القارئ يعادي حنانيا وسفيرة وكأنهما سارقا مال يتيم، بينما الحقيقة أنهما مارسا حقهما في التصرف بمالهما بكل حرية. ولو افترضنا جدلاً أنهما قالا إن هذا هو كل المال، فما المشكلة؟ أليس المال مالهما؟ وهل صار التبرع للكنيسة فرضاً كضريبة الدخل؟ بطرس وجماعته لم يكونوا سوى مجموعة من الصعاليك المتسولين الذين وجدوا في خرافة المسيح وسيلة سهلة للعيش على حساب الآخرين دون أن يعملوا ساعة واحدة في حياتهم.

وهنا نصل إلى الجوهر الحقيقي لهذه القصة المخيفة: هدفها الأساسي ليس تقديس "الروح القدس" أو تعليم درس في الصدق، بل بث الرعب في قلوب الأتباع المسيحيين الأوائل، لضمان أن يتبرعوا بكل ممتلكاتهم للكنيسة دون أي تحفظ، وإلا فسيواجهون مصير حنانيا وسفيرة. إنها عملية ابتزاز جماعي باسم السماء، حيث يُستخدم الموت كسلاح رادع لضمان تدفق الأموال إلى جيوب الفقراء الكسالى من رجال الدين الذين لا يعرفون إلا التكفير والتخويف والقتل باسم الإله الفاشل الذي لا يستطيع توفير المال لأتباعه دون أن يسلبوه من الناس باسم العشور والقرابين.

الروح القدس الذي يتحدث عنه بطرس يبدو إلهاً ضعيفاً وعاجزاً، لا يستطيع أن يدير جماعة دينية دون أن يقتل أعضاءها، ولا يستطيع أن يوفر المال لتلك الجماعة دون أن يمارس الإرهاب على أتباعه. إنه إله محتاج لدماء أتباعه وبطونهم، إله لا يختلف عن الأصنام التي كانوا يزعمون أنها تطلب القرابين البشرية. وأما بطرس فهو مجرد مدير مشروع إرهابي ناجح، حوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، والموت إلى وسيلة للثراء، والكنيسة إلى مؤسسة للقتل الممنهج باسم المسيح الفقير المتسوّل الذي لم يملك بيتاً يؤويه كما يقولون وكان يعيش على عرق النساء، لكن أتباعه من بعده صاروا أثرياء وديكتاتوريين يملكون بيوت الناس وأموالهم وأرواحهم أيضاً.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...