Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (07) القول الأخير في نهيق الحمير (مقال)

.



.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(07) القول الأخير في نهيق الحمير





في عالمٍ يتسارعُ فيهِ الزمنُ وتتطورُ فيهِ التكنولوجيا بوتيرةٍ تجعلُ الإنسانَ يعجزُ عنْ مواكبتها، نجدُ أنَّ بعضَ الممارساتِ تظلُّ عالقةً في دهاليزِ القرونِ الوسطى، مُصرّةً على البقاءِ رغمَ كلِّ الإنجازاتِ التي حققها العقلُ البشري. ومنْ أبرزِ هذهِ الممارساتِ العتيقةِ التي تثيرُ الدهشةَ والسخريةَ معاً، ذلكَ النهيقُ الجماعيُ الذي يخرجُ منْ مآذنِ المساجدِ خمسَ مراتٍ في اليومِ الواحد، ليخترقَ حياةَ الناسِ في منازلهمْ ومتاجرهمْ ومستشفياتهمْ وحتى في أحلامهمْ. إنهُ "الأذان" في نسختهِ الحمقاءِ التي ترفضُ التغييرَ وتحتقرُ التطورَ وتصرُّ على فرضِ نفسها على الجميعِ وكأنَّ الفضاءَ العامَ والخاصَ هوَ ملكيةٌ خاصةٌ لهؤلاءِ الناهقينَ الذينَ لا يكفونَ عنِ التذكيرِ بوجودهمْ عبرَ مكبراتِ الصوتِ التي لا يكتفونَ بواحدٍ منها، بلْ يضعونَ اثنينِ أوْ ثلاثةً أوْ أكثرَ، ويُشغّلونها بأعلى درجةٍ ممكنةٍ كأنهمْ يخوضونَ حرباً صوتيةً ضروساً ضدَّ كلِّ منْ لا يشاركهمْ شغفهمْ بهذا النهيقِ اليوميِّ المملِّ.

المضحكُ في الأمرِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ يدّعونَ التمسكَ بالسنةِ والجماعةِ يمارسونَ التكنولوجيا الحديثةِ بكلِّ براعةٍ حينَ تتعلقُ الأمرُ بتضخيمِ أصواتهمْ وإيصالِ نهيقهمْ إلى أبعدِ المدى، بينما يتجاهلونَ كلَّ هذهِ الإمكانياتِ الرقميةِ التي بينَ أيديهمْ لتطويرِ وسائلِ النداءِ إلى الصلاةِ بما يليقُ بعصرِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والهواتفِ الذكيةِ. يمكنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يضبطَ منبهاً في هاتفهِ يذكرهُ بمواعيدِ صلاتهِ دونَ أنْ يُزعجَ جيرانَهُ أوْ يُوقظَ أطفالَهُمْ أوْ يُقلقَ مرضاهُمْ، لكنَّ العقليةَ البدويةَ التي تحكمُ هذهِ المؤسسةَ ترفضُ هذا الحلَّ البسيطَ لأنَّ جوهرَ الأمرِ ليسَ النداءَ للصلاةِ بقدرِ ما هوَ إعلانُ السيطرةِ والهيمنةِ على الفضاءِ العامِّ وتذكيرُ الآخرينَ بأنَّ هناكَ "جماعةَ نهيقٍ" تفرضُ إيقاعَ حياتِها على الجميعِ، حتى ولوْ كانَ الثمنُ هوَ إزعاجَ نصفِ المجتمعِ الذي لا يبالي بهذا النداءِ ولا يجدُ فيهِ أيَّ قيمةٍ روحيةٍ أو دنيويةٍ.

يزعمُ هؤلاءِ الناهقونَ أنَّ أصواتَهمْ جميلةٌ وأنَّها تريحُ النفوسَ وتطمئنُ القلوبَ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ أيَّ صوتٍ، مهما كانتْ درجةُ جمالهِ، يتحولُ إلى إزعاجٍ مقيتٍ حينَ يُفرضُ على الناسِ في ساعاتِ الراحةِ وفي أوقاتِ النومِ وفي لحظاتِ التركيزِ والعملِ. وحتى لوْ افترضنا جدلاً أنَّهمْ استبدلوا أصواتَ مؤذنيهمْ بأصواتِ فيروزَ أوْ أمِّ كلثومَ أوْ جورجِ وسوف، فإنَّ المشكلةَ ليستْ في جودةِ الصوتِ بلْ في فلسفةِ الفرضِ ذاتها، التي تتعاملُ معَ الناسِ كأنَّهمْ قطيعٌ منَ البهائمِ يجبُ أنْ يُساقَ بالصوتِ العالي والناهقِ ليعرفَ متى يحينُ وقتُ العلفِ أوِ الرعيِ أوِ السجودِ لأصنامِهمْ الجديدةِ والقديمةِ على السواء.

المنافقونَ في استعمالهمْ للتكنولوجيا لا يكتفونَ بالعددِ الهائلِ منَ المكبراتِ، بلْ يحرصونَ على أنْ يكونَ صوتُ النهيقِ هوَ أولُ ما يسمعهُ الطفلُ الصغيرُ عندَ ولادتِهِ في المستشفى، وآخرُ ما يسمعهُ المريضُ قبلَ أنْ يلفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ في غرفةِ العنايةِ المركزة. إنهُ احتلالٌ صوتيٌّ يوميٌّ للعقولِ والأجسادِ، وكأنَّ السماءَ لنْ تتسعَ لصلواتِهمْ دونَ أنْ يخطفو مسامعَ منْ لا يريدُ لهذا النهيقِ أنْ يصلَ إليهِ. والأغربُ أنَّهمْ يتهمونَ الآخرينَ بالتعصبِ وبالعداءِ للإسلامِ لمجردِ أنَّ هؤلاءِ يطالبونَ بضبطِ شدةِ الصوتِ أوِ الاقتصارِ على نداءٍ واحدٍ في اليومِ بدلاً منْ خمسِ مراتٍ، دونَ أنْ يدركوا أنَّ انتهاكَ حرمةِ الناسِ في منازلهمْ هوَ أصلُ المشكلةِ وليسَ الاعتراضَ على دينٍ أوْ مذهبٍ أوْ هويةٍ.

في الحقيقةِ، وبعيداً عنِ التبريراتِ الدينيةِ والروحيةِ التي تخلو منْ أيِّ منطقٍ أو عقلانيةٍ، فإنَّ الأذانَ بصورتِهِ الحاليةِ هوَ أداةٌ منْ أدواتِ العصاباتِ التي تريدُ أنْ تُذكّرَ الناسَ بوجودِها وبسطِ سيطرتِها على حياتِهمْ اليوميةِ، تماماً كما ترفعُ عصاباتُ الشوارعِ أعلامَها وترسمُ شعاراتِها على الجدرانِ لتقولَ للمارةِ: "هذهِ منطقتُنا ونحنُ منْ يقررُ متى تنامونَ ومتى تستيقظونَ". إنهُ نداءُ النفيرِ لبدايةِ غزوةٍ يوميةٍ جديدةٍ، ليسَ لنهبِ الأموالِ أوِ السلبِ والقتلِ، بلْ لنهبِ حقِّ الناسِ في السلامِ وفي الخصوصيةِ وفي اختيارِ نمطِ حياتِهمْ دونَ وصايةٍ منْ عصابةِ النهيقِ التي تتجرأُ باسمِ السماءِ على انتهاكِ أبسطِ حقوقِ البشرِ على الأرضِ، وتصرُّ على أنَّ صوتَ حمارِها المقدسِ يجبُ أنْ يعلوَ على كلِّ صوتٍ آخرَ، لأنَّ الحمارَ، كما يعتقدونَ، هوَ صاحبُ الحقِّ الأوحدِ في نهيقِهِ المزعجِ الذي لا يحتملُ أيَّ منافسٍ ولا يقبلُ أيَّ نقاشٍ.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (06) شدو الربابة في معرفة الصحابة (مقال)

.




.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(06) شدو الربابة في معرفة الصحابة





إذا أردنا أن ننظر إلى التاريخ الإسلامي بعينٍ ساخرةٍ خاليةٍ من القداسة، فسنكتشفُ أنَّ ما يُروى عن "الصحابةِ الكرام" هو في حقيقتهِ أقربُ إلى سيناريو فيلمٍ عصاباتٍ منخفضِ التكلفة، تدورُ أحداثُه حولَ صراعٍ محمومٍ على كرسيِّ السلطةِ وسرقةِ المالِ واستغلالِ البسطاءِ باسمِ الدين. القصةُ تبدأُ فورَ وفاةِ النبيِّ الذي لمْ يُدفنْ إلا بعدَ ثلاثةِ أيامٍ كاملةٍ، حينَ انتفخَ جسدُه وأنتنَ، لأنَّ أتباعَه انشغلوا بتقسيمِ الغنيمةِ الأكبرِ وهيَ الخلافة، في مشهدٍ كاريكاتيريِّ يُذكّرُ بلحظةِ انشغالِ اللصوصِ بتوزيعِ المسروقاتِ بينما الضحيةُ مازالتْ دافئةً على الأرض. سقيفةُ بني ساعدةَ لمْ تكنْ مجلسَ شورى، بلْ كانتْ سوقاً للمزايداتِ السياسيةِ والوعودِ الكاذبةِ والتهديداتِ المبطنةِ، حيثُ باعَ الحاضرونَ ضمائرهم بأبخسِ الأثمانِ مقابلَ منصبٍ لا يدومُ طويلاً، وكأنَّ الخلافةَ كانتْ جائزةً في لعبةٍ صبيانيةٍ لا تعرفُ إلا الصراخَ واللكمَ تحتَ الحزام.

ولمْ تقتصرِ المهازلُ على مشهدِ السقيفةِ وحدها، بلْ تعدتها إلى كلِّ تفاصيلِ حياةِ هذهِ العصابةِ التي حوّلتِ الدينَ إلى غطاءٍ لممارساتِ الإرهابِ والقتلِ والنهبِ المنظمِ تحتَ مسمّى "الجهادِ في سبيلِ الله". فالغنائمُ كانتْ هيَ البوصلةَ الوحيدةَ التي تتحركُ على إيقاعِها السيوفُ، والسبيُ كانَ تجارةً رابحةً تنتقلُ فيها النساءُ والأطفالُ منْ ملكٍ إلى ملكٍ باسمِ "مِلْكِ اليمين"، وكأنَّ السماءَ قدْ شرّعتْ لهم هذا العبثَ الإنسانيَ في رسالةٍ جلّتْ عنْ هذهِ التفاهاتِ. أما بيتُ مالِ المسلمينَ، فكانَ أشبهَ بصندوقِ نقودٍ في عرينِ اللصوص، يتسابقُ عليهِ الصحابةُ والتابعونَ وكأنهم في سوقِ مزادٍ علنيٍّ، حتى أصبحَ منْ يسرقُ أكثرَ هوَ الأكثرُ قداسةً في نظرِ الجماهيرِ المخدوعةِ التي ظلتْ ترددُ "رضيَ اللهُ عنهم" دونَ أنْ تسألَ نفسَها مرةً واحدةً عنْ جدوى كلِّ هذهِ الدماءِ التي سُفكتْ باسمِ صحابةٍ لا يُعرفُ عنهم سوى أنَّهم كانوا بارعينَ في فنِّ التكالبِ على الدنيا.

والمدهشُ في هذهِ الروايةِ التي لا تُشبهُ الرواياتِ، أنها لمْ تتوقفْ عندَ حدودِ الزمنِ القديمِ، بلْ تسربتْ إلى جيناتِ المسلمِ المعاصرِ وكأنَّها حمضٌ نوويٌّ لا يُمكنُ التخلصُ منه. فكلُّ منْ يقرأُ التاريخَ بتجردٍ يجدُ أنَّ الصراعَ على السلطةِ والمالِ مازالَ يُدارُ بالطرقِ نفسِها، وأنَّ استغلالَ الحمقى كوقودٍ للحروبِ مازالَ هوَ الأسلوبَ الأنجعَ لإشعالِ المعاركِ في كلِّ زاويةٍ منْ زوايا العالمِ الإسلاميِّ. الأسماءُ تغيرتْ، لكنَّ اللعبةَ بقيتْ نفسَها: شيخٌ يلوحُ بيديهِ ويملأُ الدنيا شعاراتٍ، وآخرُ يسرقُ بيتَ المالِ تحتَ غطاءِ "الجهادِ المقدسِ"، ومغفلونَ يهرولونَ وراءَ السرابِ وكأنهم لمْ يقرأوا تاريخاً ولمْ يعرفوا أنَّ آباءهم كانوا يهرولونَ وراءَ نفسِ السرابِ منذُ أربعةَ عشرَ قرناً.

في الختام، إذا كنا سنشدو بالربابةِ في معرفةِ الصحابة، فعلينا أنْ نعترفَ بأنَّ الربابةَ التي نعزفُ عليها هيَ أداةٌ قديمةٌ مهترئةٌ لا تُنتجُ إلا نغماتٍ حزينةً متكررةً، وأنَّ الصحابةَ في كتبِ التاريخِ ليسوا سوى نماذجَ بشريةٍ لا تختلفُ كثيراً عنْ عصاباتِ اليوم، كلُّ همِّها كانَ السلطةَ والتسلطَ والمالَ والنساءَ باسمِ دينٍ بريءٍ منْ هذهِ الشوائبِ. وإنْ بقيَ شيءٌ منَ العبرةِ، فهوَ أنَّ هذهِ العصابةَ التي أسستْ لمشروعِ السطوِ التاريخيِّ لمْ تتركْ لنا إرثاً يذكرُ سوى إدمانِ العنفِ، وتقديسِ السذجِ، وتزويقِ الكذبِ، وكلُّها أمراضٌ مازالتْ تعصفُ بنا حتى اليومَ وكأنَّ الزمنَ لمْ يتقدمْ خطوةً واحدةً منذُ تلكَ السقيفةِ التي جمعتْ رجالاً يظنونَ أنَّ اللهَ ينظرُ إليهم منْ ثقبِ البابِ بينما همْ يصفقونَ على سلطةٍ لا تساوي فلساً واحداً أمامَ تاريخٍ مليءٍ بالخرابِ الذي صنعوه بأيديهم.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (05) قاع الهامور والخراب المصري (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(05) قاع الهامور والخراب المصري




في زمنٍ أصبحت فيهِ أزماتُ المصريينَ تتكدسُ كالملحِ على جروحٍ لا تندمل، وإذْ بالوطنِ يئنُّ تحتَ ثقلِ غلاءٍ معيشةٍ يكدحُ فيهِ المواطنُ ليُوفيَ نهارَهُ بطعامه، نكتشفُ فجأةً أنَّ "قاعَ الهامور" هوَ ما يشغلُ بالَ الجميع. مدينةُ سبونج بوب الخيالية التي كانَ أبطالُها يُسلّونَ أطفالَنا في التسعينيات، تحولتْ بينَ عشيةٍ وضحاها إلى ترندٍ مصريٍّ شامل، وكأنَّ السخريةَ منَ الواقعِ باتتْ هيَ السبيلَ الوحيدَ لتجنبِ البكاءِ على خرابٍ حقيقيٍّ يُحاصرُ الناسَ منْ كلِّ جانب. على فيسبوك، تأسستْ مجموعةٌ باسمِ "شكاوى أهالي قاعِ الهامور" لتجمعَ أكثرَ منْ مليونٍ ونصفِ مئةِ ألفِ عضوٍ في أيامٍ معدودة، وكأنَّ الجميعَ هجروا همومَهمُ اليوميةَ ليسكنوا في قاعِ المحيطِ معَ الإسفنجةِ الصفراءِ وأصدقائها، ليشتكوا هناكَ كما لوْ أنَّ "بسيط" و"شفيق" يعيشونَ معاناتَنا ذاتَها معَ غلاءِ الأسعارِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ .

المضحكُ حقاً أنَّ "قاعَ الهامور" تحولتْ بينَ ليلةٍ وضحاها منْ مدينةٍ كرتونيةٍ إلى كيانٍ افتراضيٍّ لهُ شوارعُ ومحلاتُ وعياداتٌ ومدارسُ، بلْ وتجدهُ يطرحُ إعلاناتٍ عنْ حفلاتٍ غنائيةٍ وإصداراتٍ فنيةٍ مستوحاةٍ منْ شخصياتِ المسلسل، وكأنَّ المصريينَ يبنونَ وطناً بديلاً في الأعماقِ لأنَّ الوطنَ الحقيقيَّ أصبحَ لا يُحتملُ . لقدْ صارتِ السخريةُ هيَ اللغةَ المشتركةَ التي تجمعُ المصريينَ على اختلافِ مشاربهم، فالجميعُ يبحثُ عنْ متنفّسٍ يهربُ بهِ منْ واقعٍ يئنُّ بالهموم، حتى باتَ التهكمُ على "قاعِ الهامور" وسيلةً للتنفيسِ عنْ غضبٍ مكتومٍ تجاهِ انهيارِ العملةِ وتآكلِ قيمةِ الجنيهِ أمامَ الدولارِ، وكأنَّ السباحةَ في قاعِ المحيطِ أسهلُ منَ السباحةِ في بحرِ أزماتِ القاهرةِ .

لكنَّ الأمورَ لمْ تمضِ على هذا النحوِ طويلاً، فسرعانَ ما استفاقَ "الواقعُ" منْ غفوتهِ وأدركَ أنَّ هذهِ المدينةَ الخياليةَ قدْ تشكلُ خطراً على أمنِ الدولةِ ذاتِها، فما إنْ بدأتِ المجموعةُ تنتشرُ وتجذبُ الملايينَ حتى ظهرتْ تحذيراتٌ أمنيةٌ عنْ وجودِ "أبعادٍ سياسيةٍ" خلفَ هذهِ الدعابةِ الجماعيةِ . فإذا كانَ المصريونَ يضحكونَ ويسخرونَ في مجموعةٍ على فيسبوك، فإنَّ هذا يعنيَ أنهمْ غيرُ راضينَ عنْ واقعهم، وإذا كانوا غيرَ راضينَ، فإنَّ السخريةَ قدْ تكونُ تمهيداً للثورةِ. ولذلك، لمْ يتأخرِ الأمرُ كثيراً حتى قيل أن  القائمينَ على المجموعةِ وهمْ مراهقونَ دونَ الثامنةِ عشرةَ، قرروا تعليقَ نشاطِها مؤقتاً "لتقييمِ الموقفِ وطردِ العناصرِ غيرِ المرغوبِ فيها"، وكأنَّ المدينةَ العائمةَ في قاعِ المحيطِ أصبحتْ خاضعةً لقوانينِ الطوارئِ المصريةِ التي لا تتوانى عنْ ملاحقةِ أيِّ تجمعٍ ولوْ كانَ بينَ كائناتٍ بحريةٍ خياليةٍ .

إنَّ قصةَ "قاعِ الهامور" ليستْ مجردَ نكتةٍ عابرةٍ، بلْ هيَ مرآةٌ صادقةٌ لحالِ مجتمعٍ يبحثُ عنْ مفرٍّ في عوالمَ افتراضيةٍ لأنَّ عوالمَهُ الحقيقيةَ أضحتْ بلا طعمٍ، حيثُ يتحولُ المواطنُ في النهايةِ إلى مجردِ ممثلٍ في مسرحيةٍ عبثيةٍ لا يعرفُ متى يسقطُ الستارُ، ولا يعرفُ إنْ كانَ الضحكُ على "قاعِ الهامور" سيعيدُ لهُ قيمتَه المفقودةَ في عالمٍ أصبحَ فيهِ كلُّ شيءٍ أغلى منْ الحياةِ ذاتها.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (04) لماذا انهزم الله الإسلامي للمرة المليون؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(04) لماذا انهزم الله الإسلامي للمرة المليون؟





في سلسلة طويلة من الهزائم التي لا تنتهي، والتي أصبحت أشبه بمسلسل كوميدي يُعرض على أكثر من قناة فضائية، يطل علينا "الله الإسلامي" في نسخته المتعددة والمتنافرة، حاملاً معه وعوداً بالنصر وخرائط للجنة ووعيداً للكافرين، لكنه في كل مرة ينتهي به المطاف مهزوماً من قبل أعدائه الذين لا يملكون لا شعارات رنانة ولا لحىً كثيفة ولا أصابع مرفوعة نحو السماء. هذه الظاهرة الغريبة التي تتكرر وكأنها حدث سنوي، تجعل المرء يتساءل بجدية: هل هذا "الله" الذي يستدعيه حزب الله وأنصار الله وآية الله وروح الله هو نفسه الإله الذي هزم في كل معركة خاضها أتباعه باسمه؟ أم أنهم يستدعون إلهاً بديلاً متخصصاً في الخسائر فقط؟

لقد تعودنا على مشهد المهزلة المتجدد، حيث يخرج علينا قائد من هؤلاء القادة المدججين بالشعارات، ليعلن أن "النصر قريب" وأن "جيش الله لا يُقهر"، وبعد أيام قليلة نجد أن جيشه قد تبخر كما يتبخر الندى تحت أشعة شمس الصحراء، وأن أعداءه قد دخلوا إلى عقر داره وقلبوا موازين القوى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الاستعانة بقوى خارقة أو معجزات إلهية. إنها معادلة بسيطة: كلما زادت الشعارات الدينية في خطاباتهم، كلما زادت خسائرهم على الأرض. وكأن هناك علاقة عكسية طردية بين التكفير والتدمير، وبين الوعيد والهزيمة. لو كان هناك إله حقاً يحارب مع هؤلاء، لكان قد غيّر استراتيجيته منذ زمن بعيد، أو على الأقل لكان غيّر فريقه الذي يخسر دوماً بالنتيجة نفسها.

المضحك في الأمر أن هؤلاء لا يتعلمون من دروس الماضي أبداً، وكأنهم يعيشون في حلقة مفرغة من النسيان الجماعي. كلما انهزم حزب الله في مواجهة مع إسرائيل، يخرج علينا أنصار الله في اليمن ليعلنوا أنهم سيهزمون أمريكا والتحالف العربي، ثم يخرج آية الله في إيران ليؤكد أن النصر حليفهم الدائم، وفي النهاية يكتشف الجميع أن هذا "الله" الذي يستدعونه في كل خطاب هو مجرد كلمة براقة تصلح لتزيين الجدران لا أكثر. ثم يأتي دور "روح الله" في بعض التراتيل الروحية، ليؤكد أن المعركة مع الشيطان الأكبر مستمرة، وأن النصر سيكون حليفهم في الجولة القادمة، وهي جولة لا تأتي أبداً.

السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه بقوة الآن: لماذا يصر هؤلاء على نسب هزائمهم إلى هذا الإله الذي يتخلى عنهم في كل مرة؟ أليس من الأجدر بهم أن يعترفوا بأنهم يخسرون لأنهم يخوضون حروبا لا يملكون لها أدوات النصر الأساسية، لأنهم يتبنون عقائد لا تقوم على أساس علمي أو عقلاني، لأنهم يرفضون الاعتراف بأن العدو قد يكون أقوى منهم بفضل تكنولوجيته وليس بفضل إله آخر؟ لكنهم يستمرون في لعبة "لوم الله" التي أصبحت مملة ومكررة إلى درجة أن الجمهور بدأ يغادر القاعة قبل انتهاء العرض المسرحي.

الأكثر إثارة للضحك هو أن كل هؤلاء القادة الذين يرفعون أصواتهم باسم الله، هم أنفسهم أول من يختبئون في المجاري والأنفاق عندما تشتد المعركة، وهم أول من يبحثون عن ممرات آمنة للهروب بينما يتركون أتباعهم المساكين يواجهون القصف والموت. هؤلاء الأتباع الذين صدقوا الشعارات وضحوا بأرواحهم وأموالهم، يكتشفون في النهاية أنهم كانوا مجرد وقود لحروب خاسرة، وأن "الله" الذي وعدهم بالنصر كان مجرد كلمة جميلة اختارها قادتهم لتحفيزهم على الموت من أجل مشاريع لا تعنيهم في شيء.

لقد آن الأوان لنقول بصوت عالٍ وواضح: هذه الشعارات التافهة والسرديات الحمقاء التي تكرر على مسامعنا منذ عقود، لم تعد تنطلي على أحد. فالإله الذي يتخلى عن أتباعه في كل معركة، والذي يتركهم ينهزمون أمام عدوهم في كل مرة، إما أنه غير موجود أصلا، وإما أنه يعمل بالفعل مع العدو الذي يهزمهم، وهو ما يفسر انتصارات أمريكا وإسرائيل المستمرة على من يزعمون أنهم الجنود المخلصون لهذا الإله. لقد حان الوقت لأن يرمي هؤلاء شعاراتهم الفارغة وأن يدركوا أن العالم لا يُحكم بالتكفير والتخويف، بل بالعلم والتكنولوجيا والإرادة الصادقة، وليس بإله يختار دائماً الوقوف في الجانب الخاسر.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (03) سنضرط في القدس قريبا (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(03) سنضرط في القدس قريبا




في زمنٍ يزخرُ بالاختراعاتِ التكنولوجيةِ التي تختزلُ المسافاتِ وتجعلُ منَ الأرضِ قريةً صغيرةً، لا يزالُ بعضُ العربِ والمسلمينَ يعيشونَ في كهوفِ الماضي السحيق، يرددونَ شعاراتٍ خلقتْ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً، وكأنَّ الزمنَ توقفَ عندَ لحظةِ نزولِ الوحيِ أو عندَ معركةِ بدرٍ وأحدٍ. "سنصلي في القدس قريباً"، "القدس عروسُ عروبتنا"، "فلسطينُ قضيتنا المركزية".. هذهِ العباراتُ الرنانةُ التي تملأُ الفضاءَ الإعلاميَّ، لا تعدو أنْ تكونَ سوى فقاعاتٍ صابونيةٍ تتبخرُ بمجردِ أنْ يلمسها منطقُ العصرِ أو حتى أدنى حسِّ واقعيةٍ. إنها شعاراتٌ جوفاءُ، بل سافلةٌ في تضليلِها للعقولِ التي باتتْ ترددُها كالببغاواتِ دونَ أنْ تسألَ نفسَها سؤالاً واحداً: بماذا ينفعني القدسُ في حياتي اليوميةِ التعيسةِ التي تعجُّ بالفقرِ والجهلِ والتخلفِ؟ بماذا يغنيَني حجرٌ في بلادٍ بعيدةٍ عنِّي عنْ وجبةِ طعامٍ أو فرصةِ عملٍ أو حتى كرامةٍ آدميةٍ أساسيةٍ؟

إذا توقفنا لحظةً وتجرأنا على خلعِ نظارةِ العاطفةِ المريضةِ التي يرتدينها منذُ الطفولةِ، سنكتشفُ أنَّ كلَّ هذهِ السردياتِ الكبرى ما هيَ إلا غطاءٌ كثيفٌ منَ الدخانِ يخفي فشلاً ذريعاً في إدارةِ الذاتِ والمجتمعِ. الشخصُ الذي يهتفُ بـ"القدسِ عروسٍ" هوَ نفسُهُ الذي قدْ يعيشُ في عشوائيةٍ بلا ماءٍ ولا كهرباءٍ، وقدْ لا يجدُ دواءً لمرضٍ عضالٍ، وقدْ يدفعُ آخرَ قرشٍ في جيبِه لشراءِ خبزٍ لا يشبعُ. لكنَّه يجدُ في التغني بالقدسِ نوعاً منَ التخديرِ الجماعيِّ، وكأنَّ التفكيرَ بحجرٍ في فلسطينَ سيعوضُ عنْ فشلِه الذريعِ في بناءِ دولةٍ عصريةٍ قادرةٍ على منافسةِ الأممِ لا على استجداءِ عطفِها. العقلُ العربيُّ الذي يلهثُ وراءَ القدسِ وهوَ غارقٌ في القملِ والأوساخِ، هوَ نفسُ العقلِ الذي كانَ يعيشُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً على هامشِ الحضاراتِ، عاقداً العزمَ على الغزوِ والنهبِ وسلبِ الآخرينَ كحلٍ وحيدٍ للخروجِ منْ عنقِ الزجاجةِ التاريخيةِ الضيقةِ التي خنقتْ إبداعَه وأفكارَه.

والأغربُ منْ ذلكَ كلِّه أنَّ الفلسطينيَّ نفسَهُ، الذي يُفترضُ أنَّه محورُ هذهِ القضيةِ المقدسةِ، لا يجدُ منَ العربِ والمسلمينَ إلا خطباً رنانةً وتصريحاتٍ ناريةً في المؤتمراتِ، بينما يتسكعُ في أزقةِ المخيماتِ بحثاً عنْ لقمةِ عيشٍ أو عنْ دواءٍ لطفلٍ مريضٍ. حتى لو افترضنا جدلاً أنَّ القدسَ قدْ تحررتْ وقامتْ دولةٌ فلسطينيةٌ غداً، فإنَّ هذهِ الدولةَ ستكونُ مجردَ نسخةٍ جديدةٍ منَ الدولِ العربيةِ الفاشلةِ التي تنتجُ إرهاباً وتصدّرُه للعالم، دولةً تعيشُ على المساعداتِ وتتصارعُ فصائلها على السلطةِ، وسرعانَ ما ستطلبُ مني تأشيرةً لأزورَ حجرَ القدسِ الذي كنتُ قدْ هرقتُ دمي منْ أجلهِ. فأيُّ ربحٍ سأجني منْ هذهِ المهزلةِ؟ أيُّ نفعٍ سيعودُ عليَّ منْ صلاةٍ في المسجدِ الأقصى وهيَ نفسُ الصلاةِ التي يمكنني أنْ أؤديها في أيِّ زاويةٍ منْ زوايا الأرضِ، دونَ أنْ تغيرَ منْ حقيقةِ عقمِ عقلي وتخلفِ مجتمعي شيئاً؟

إنَّ الانشغالَ بالقدسِ ليسَ أكثرَ منْ أداةٍ تخديريةٍ ناجحةٍ يستخدمها العقلُ العربيُّ ليُخفيَ عوراتِه، ليُبررَ فشلَه في مواكبةِ العصرِ، ليُضللَ شعوبَهُ عنْ مطالبِها الحقيقيةِ في التعليمِ والصحةِ والكرامةِ. إنها شعاراتُ العاجزينَ الذينَ يبحثونَ عنْ عداوةٍ وهميةٍ ينصبونَ لها أعلاماً، بينما همْ في حقيقةِ أمرِهم لا يستطيعونَ حتى نزعَ القملِ عنْ رؤوسِهم، أو تفليتَ بعضِهم بعضاً دونَ أنْ يطلبوا منَ الآخرينَ أنْ يفعلوا ذلكَ بينما همْ يرتشفونَ الشايَ. حجرُ القدسِ الذي يثيرُ كلَّ هذهِ الضجةِ، لا يختلفُ في قيمتِه الحقيقيةِ عنْ أيِّ حجرٍ عاديٍ تجدُه على قارعةِ الطريقِ، لا يضيفُ لروحي طمأنينةً، ولا يملأُ جوفي خبزاً، ولا يفتحُ أمامي أبوابَ الحضارةِ. إنه مجردُ رمزٍ استهلكتهُ عقولٌ جامدةٌ، تحولَ إلى أداةٍ للتلاعبِ بمشاعرِ الغوغاءِ، وصارَ سبباً مباشراً للخرابِ الذي يلتهمُ أوطانَنا منَ الداخلِ بينما نصرخُ في الخارجِ: اللهُ أكبرُ، القدسُ عروسُنا.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...