.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(12) قصة القديس مار مينا للمغفلين
في البداية، دعونا نتفق على أننا أمام ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها، وهي قديس مصري قبطي يقرر فجأة أن يتخلى عن مهماته الروحية المعتادة مثل سماع الصلوات وشفاء المرضى، لينزل إلى أرض المعركة كجندي محترف في الجيش البريطاني، يحمل سوطاً ويضرب به جنود الفيلد مارشال روميل حتى ينهزموا. هذه القصة التي يرويها لنا كتاب صادر عن دير مار مينا بمريوط تستحق أن نضعها تحت المجهر، ليس لنقدها، بل لنستمتع بعبقرية السرد التاريخي الذي يخلط بين المعجزات والسياسة الدولية وكأنه فيلم بوليوودي قديم.
لنبدأ بالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه على أي إنسان يملك نصف عقل: إذا كان مار مينا يملك هذه القوة الخارقة التي تمكنه من إخافة الجيوش الألمانية بأكملها، فلماذا اكتفى بهزيمة الألمان فقط؟ لماذا لم يمتد سوطه الإلهي ليطرد البريطانيين الذين احتلوا مصر منذ عام 1882، أي قبل ستين عاماً من معركة العلمين؟ هل كان البريطانيون يمتلكون نوعاً من الحصانة الروحية التي تجعل القديسين يعجزون عن ضربهم؟ ربما لأنهم كانوا حلفاء في الحرب، كما يبرر لنا النص، ولكن ألم يكونوا محتلين قبل ذلك وبعده؟ أم أن مار مينا كان يقرأ الصحف البريطانية ويظن أنهم جاءوا لزيارة سياحية؟
والأطرف من ذلك أن النص يذكر أن الألمان أنفسهم كانوا يقدسون مار مينا ولديهم كنائس باسمه، مما يعني أن القديس ضرب أتباعه ومحبيه! تخيلوا لو أن المسيح ضرب تلاميذه بالسوط لأنه لم يعجبهم، هذا هو المنطق العجيب الذي يقدمه لنا السرد المعجز. الألماني يحب مار مينا ويبني له كنيسة، فيجيبه القديس بضربه وطرده. أليس هذا أجمل مثال على "نكران الجميل" الإلهي؟
والآن، لننتقل إلى سؤال أكثر أهمية: أين كان مار مينا أيام الاحتلال العثماني الذي استمر أربعمائة عام؟ هل كان في إجازة روحانية طويلة؟ أم أن السياط المقدسة كانت تصدأ في المخزن؟ العثمانيون حكموا مصر بقسوة واستبداد، وفرضوا الضرائب وأذلوا الأهالي، ولكن مار مينا لم يحرك ساكناً. ربما كان مشغولاً بتنظيم رحلات الحج إلى ديره، أو ربما لأنه كان ينتظر قدوم الألمان تحديداً لأنهم أعداء لدودون للكنيسة اليونانية، أما العثمانيون فكانوا مجرد نزلاء مؤقتين.
ولكن السؤال الأكثر إحراجاً على الإطلاق: لماذا لم يمنع مار مينا احتلال العرب لمصر بقيادة عمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي؟ هذا الاحتلال الذي غيّر هوية مصر بالكامل، وجعلها دولة عربية إسلامية بدلاً من دولة مسيحية. ألم يكن هذا التهديد الأكبر للكنيسة المصرية على الإطلاق؟ ولكن مار مينا كان نائماً حينها، أو ربما كان يظن أن عمرو بن العاص جاء حاملاً الزهور والهدايا، ولم يستيقظ إلا بعد ثلاثة عشر قرناً عندما سمع أن روميل قادم.
الحقيقة المضحكة التي يتجاهلها هذا السرد الديني هي أن مار مينا لم يهزم الألمان في العلمين، بل هزمتهم القوات البريطانية بقيادة مونتغمري، والأمريكيون، وغيرهم من الحلفاء. ولكن يبدو أن الكنيسة اليونانية أرادت أن تسرق النصر وتنسبه إلى قديسها، وكأنها تقول للبريطانيين: أنتم أيها الجنود جلستم في الخنادق وأطلقتم النار، ولكن مار مينا هو من هزم روميل بسوطه! ولو كان الأمر كذلك، فلماذا أرسل الحلفاء مئات الآلاف من الجنود والدبابات؟ كان بإمكانهم إرسال أيقونة مار مينا فقط، ووضعها في مواجهة روميل ليهرب!
الأمر المثير للسخرية أن النص يذكر أن مونتغمري حلم بمار مينا قبل المعركة، وهذا يذكرنا بأساطير الفراعنة حيث كان الملوك ينامون في المعابد ليأتوهم الأحلام، ولكن الفرق أن الفراعنة كانوا يصدقون هذه الأحلام، أما نحن في القرن الحادي والعشرين فنضحك عليها. هل يعقل أن القائد العسكري الأكبر في المعركة يبني خطته على حلم رآه في منامه؟ هذا يفسر لماذا كانت الحرب طويلة وشاقة، فلو كان الاعتماد على الأحلام فقط لانتهت المعركة في يومين.
الأغرب من كل ذلك أن النص يحاول أن يخلق عداوة بين الألمان والقديس مار مينا، وكأن الألمان أعداء للكنيسة المصرية، بينما نعرف أن النازية كانت عدو الجميع، ولكن هل كان مار مينا يغار على مصر أكثر من المصريين أنفسهم؟ المصريون قاتلوا في العلمين إلى جانب البريطانيين، ولكنهم لم يزعموا أن بطلاً أسطورياً قد أنقذهم، بل كانوا يعرفون أن النصر جاء بفضل الإستراتيجية العسكرية والأسلحة الحديثة.
وأخيراً، نصل إلى النتيجة المنطقية الحتمية: لو كان مار مينا قاهراً للألمان، فلماذا لم يعد إلى ألمانيا بعد الحرب ويطرد الحلفاء أيضاً؟ لماذا توقف عند العلمين واكتفى بالنصر الجزئي؟ الجواب بسيط: لأن القصة كلها مجرد خرافة للترويج لقديس وزيادة شعبيته، أو كما يقولون بالإنجليزية "أسطورة حضرية" قديمة، ولكن مع سوط. وفي النهاية، أقولها بكل صراحة: من الجميل أن يكون لكل أمة بطولاتها الخارقة، ولكن الأجمل أن نعرف أن النصر في العلمين كان بفضل العقول والأسلحة، وليس بفضل فارس يركب جملاً ويضرب بالسوط في منتصف الليل. أما لو كان مار مينا يعاقب المحتلين حقاً، فلبقي سوطه يعمل حتى اليوم ضد جميع الذين يستبيحون الأرض، ولكن يبدو أن السوط الروحي ينفد عندما يتعلق الأمر باحتلالات أخرى غير الألمانية.
.




