Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (12) قصة القديس مار مينا للمغفلين (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(12) قصة القديس مار مينا للمغفلين




في البداية، دعونا نتفق على أننا أمام ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها، وهي قديس مصري قبطي يقرر فجأة أن يتخلى عن مهماته الروحية المعتادة مثل سماع الصلوات وشفاء المرضى، لينزل إلى أرض المعركة كجندي محترف في الجيش البريطاني، يحمل سوطاً ويضرب به جنود الفيلد مارشال روميل حتى ينهزموا. هذه القصة التي يرويها لنا كتاب صادر عن دير مار مينا بمريوط تستحق أن نضعها تحت المجهر، ليس لنقدها، بل لنستمتع بعبقرية السرد التاريخي الذي يخلط بين المعجزات والسياسة الدولية وكأنه فيلم بوليوودي قديم.

لنبدأ بالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه على أي إنسان يملك نصف عقل: إذا كان مار مينا يملك هذه القوة الخارقة التي تمكنه من إخافة الجيوش الألمانية بأكملها، فلماذا اكتفى بهزيمة الألمان فقط؟ لماذا لم يمتد سوطه الإلهي ليطرد البريطانيين الذين احتلوا مصر منذ عام 1882، أي قبل ستين عاماً من معركة العلمين؟ هل كان البريطانيون يمتلكون نوعاً من الحصانة الروحية التي تجعل القديسين يعجزون عن ضربهم؟ ربما لأنهم كانوا حلفاء في الحرب، كما يبرر لنا النص، ولكن ألم يكونوا محتلين قبل ذلك وبعده؟ أم أن مار مينا كان يقرأ الصحف البريطانية ويظن أنهم جاءوا لزيارة سياحية؟

والأطرف من ذلك أن النص يذكر أن الألمان أنفسهم كانوا يقدسون مار مينا ولديهم كنائس باسمه، مما يعني أن القديس ضرب أتباعه ومحبيه! تخيلوا لو أن المسيح ضرب تلاميذه بالسوط لأنه لم يعجبهم، هذا هو المنطق العجيب الذي يقدمه لنا السرد المعجز. الألماني يحب مار مينا ويبني له كنيسة، فيجيبه القديس بضربه وطرده. أليس هذا أجمل مثال على "نكران الجميل" الإلهي؟

والآن، لننتقل إلى سؤال أكثر أهمية: أين كان مار مينا أيام الاحتلال العثماني الذي استمر أربعمائة عام؟ هل كان في إجازة روحانية طويلة؟ أم أن السياط المقدسة كانت تصدأ في المخزن؟ العثمانيون حكموا مصر بقسوة واستبداد، وفرضوا الضرائب وأذلوا الأهالي، ولكن مار مينا لم يحرك ساكناً. ربما كان مشغولاً بتنظيم رحلات الحج إلى ديره، أو ربما لأنه كان ينتظر قدوم الألمان تحديداً لأنهم أعداء لدودون للكنيسة اليونانية، أما العثمانيون فكانوا مجرد نزلاء مؤقتين.

ولكن السؤال الأكثر إحراجاً على الإطلاق: لماذا لم يمنع مار مينا احتلال العرب لمصر بقيادة عمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي؟ هذا الاحتلال الذي غيّر هوية مصر بالكامل، وجعلها دولة عربية إسلامية بدلاً من دولة مسيحية. ألم يكن هذا التهديد الأكبر للكنيسة المصرية على الإطلاق؟ ولكن مار مينا كان نائماً حينها، أو ربما كان يظن أن عمرو بن العاص جاء حاملاً الزهور والهدايا، ولم يستيقظ إلا بعد ثلاثة عشر قرناً عندما سمع أن روميل قادم.

الحقيقة المضحكة التي يتجاهلها هذا السرد الديني هي أن مار مينا لم يهزم الألمان في العلمين، بل هزمتهم القوات البريطانية بقيادة مونتغمري، والأمريكيون، وغيرهم من الحلفاء. ولكن يبدو أن الكنيسة اليونانية أرادت أن تسرق النصر وتنسبه إلى قديسها، وكأنها تقول للبريطانيين: أنتم أيها الجنود جلستم في الخنادق وأطلقتم النار، ولكن مار مينا هو من هزم روميل بسوطه! ولو كان الأمر كذلك، فلماذا أرسل الحلفاء مئات الآلاف من الجنود والدبابات؟ كان بإمكانهم إرسال أيقونة مار مينا فقط، ووضعها في مواجهة روميل ليهرب!

الأمر المثير للسخرية أن النص يذكر أن مونتغمري حلم بمار مينا قبل المعركة، وهذا يذكرنا بأساطير الفراعنة حيث كان الملوك ينامون في المعابد ليأتوهم الأحلام، ولكن الفرق أن الفراعنة كانوا يصدقون هذه الأحلام، أما نحن في القرن الحادي والعشرين فنضحك عليها. هل يعقل أن القائد العسكري الأكبر في المعركة يبني خطته على حلم رآه في منامه؟ هذا يفسر لماذا كانت الحرب طويلة وشاقة، فلو كان الاعتماد على الأحلام فقط لانتهت المعركة في يومين.

الأغرب من كل ذلك أن النص يحاول أن يخلق عداوة بين الألمان والقديس مار مينا، وكأن الألمان أعداء للكنيسة المصرية، بينما نعرف أن النازية كانت عدو الجميع، ولكن هل كان مار مينا يغار على مصر أكثر من المصريين أنفسهم؟ المصريون قاتلوا في العلمين إلى جانب البريطانيين، ولكنهم لم يزعموا أن بطلاً أسطورياً قد أنقذهم، بل كانوا يعرفون أن النصر جاء بفضل الإستراتيجية العسكرية والأسلحة الحديثة.

وأخيراً، نصل إلى النتيجة المنطقية الحتمية: لو كان مار مينا قاهراً للألمان، فلماذا لم يعد إلى ألمانيا بعد الحرب ويطرد الحلفاء أيضاً؟ لماذا توقف عند العلمين واكتفى بالنصر الجزئي؟ الجواب بسيط: لأن القصة كلها مجرد خرافة للترويج لقديس وزيادة شعبيته، أو كما يقولون بالإنجليزية "أسطورة حضرية" قديمة، ولكن مع سوط. وفي النهاية، أقولها بكل صراحة: من الجميل أن يكون لكل أمة بطولاتها الخارقة، ولكن الأجمل أن نعرف أن النصر في العلمين كان بفضل العقول والأسلحة، وليس بفضل فارس يركب جملاً ويضرب بالسوط في منتصف الليل. أما لو كان مار مينا يعاقب المحتلين حقاً، فلبقي سوطه يعمل حتى اليوم ضد جميع الذين يستبيحون الأرض، ولكن يبدو أن السوط الروحي ينفد عندما يتعلق الأمر باحتلالات أخرى غير الألمانية.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟




في عالمٍ مليءٍ بالأساطيرِ والخرافاتِ التي تُقدَّسُ بمرورِ الزمن، تقفُ قصةُ "أبو الأنبياء" إبراهيمَ كواحدةٍ منْ أكثرِ الحكاياتِ إثارةً للدهشةِ والسخريةِ في آنٍ واحدٍ. فهذا الرجلُ الذي يُفترضُ أنهُ مؤسسُ الدياناتِ التوحيديةِ الثلاثِ الكبرى، يعرضُ علينا في سيرتِه المزعومةِ نموذجاً فريداً للسلوكِ البشريِّ الذي لوْ حدثَ في عصرِنا الحديثِ لأودعَ صاحبُه أقربَ مستشفىً للأمراضِ النفسيةِ والعقليةِ في جناحِ الحالاتِ الخطرةِ. فمنْ منا يمكنُه أنْ يتخيلَ رجلاً في التاسعةِ والتسعينَ منْ عمرِه، وقدْ جاوزَ طورِ الكهولةِ ودخلَ في مرحلةِ الهشاشةِ البدنيةِ القصوى، يستيقظُ في أحدِ الأيامِ ليؤمنَ بأنَّ "خالقَ الكونِ" قدْ كلَّمهُ في المنامِ وأمرَهُ أنْ يختنَ نفسَهُ بنفسِه باستخدامِ قطعةٍ منَ الحجرِ، دونَ تخديرٍ أو أدواتٍ معقمةٍ أو خبرةٍ طبيةٍ، ثمَّ يشرعَ في تنفيذِ الأمرِ وكأنَّه يمارسُ أشغالاً يدويةً عاديةً كتقطيعِ الخضارِ للمطبخِ؟

السخريةُ هنا لا تقفُ عندَ حدودِ العمليةِ الجراحيةِ البدائيةِ التي تجعلُ منْ أيِّ طبيبٍ حديثٍ يرتجفُ رعباً لمجردِ سماعِها، بلْ تمتدُّ إلى باقي محطاتِ حياةِ هذا الرجلِ الذي يبدو أنَّ علاقتَه بالواقعِ كانتْ أشبهَ بعلاقةِ طفلٍ بألعابِ الخيالِ العلميِ المتوحشِ. فإبراهيمُ لمْ يكتفِ بختانِ نفسِه، بلْ كانَ يرى في منامه أوامرَ بنحرِ ابنه الوحيدِ الذي أنجبَه بعدَ عمرٍ مديدٍ منَ الانتظارِ، ثمَّ يفكُّ في اللحظةِ الأخيرةِ أنَّ اللهَ قدْ أرسلَ لهُ كبشاً ليذبحَه بدلاً منِ الولدِ، وكأنَّ "المخرجَ الإلهيَّ" قدْ غيرَ نصَّ المسرحيةِ فجأةً لأنه أحسَّ بمللِ الجمهورِ منَ المشهدِ الدمويِّ المكررِ. لوْ كانَ هذا الرجلُ يعيشُ بيننا اليومَ، لكانَ أقربُ الناسِ إلى فهمِه هوَ ذاكَ الجارُ الذي يصرخُ في الفجرِ أنهُ ملكُ الزهرةِ وأنَّ الكائناتِ الفضائيةَ تتابعُ تحركاتهِ منْ خلفِ القمرِ.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ أنَّ مئاتِ الملايينِ منَ البشرِ لا يزالونَ يرددونَ سيرةَ هذا "النبيِّ المختلِّ" كأنَّها دستورٌ للحياةِ، ويستمدونَ منها تشريعاتهم وأخلاقهم ونظراتهم إلى العالمِ، وكأنَّ المجتمعاتِ العربيةَ والإسلاميةَ قدْ قررتْ أنْ تعلقَ مصيرَها على رجلٍ كانَ يسمعُ أصواتاً في رأسِه ويترجمها إلى أفعالٍ جسديةٍ خطيرةٍ لا تخضعُ لأيِّ منطقٍ طبيٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ. وكلَّما مرَّ الزمنُ، توارثتِ الأجيالُ هذهِ الخرافاتِ دونَ أنْ تتوقفَ لحظةً لتسألَ: هلْ كانَ هذا الرجلُ يعاني منْ مرضِ الفصامِ الحادِّ معَ نوباتٍ ذهانيةٍ تجعلهُ غيرَ قادرٍ على التمييزِ بينَ الحلمِ واليقظةِ، أمْ أنَّ اللهَ قدِ اختارَ فعلاً مريضاً نفسياً ليكونَ أباً للأنبياءِ ورسولاً للبشريةِ كلها، لأنَّ اللهَ نفسه يبدو أنَّ لهُ نزعةً كوميديةً غريبةً في اختيارِ ممثلِيهِ على المسرحِ الأرضيِّ؟

ثمَّ تأتي الحلقةُ الأطرفُ في هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ الطويلةِ، وهيَ محاولةُ اللاهوتيينَ والمفسرينَ على مرِّ العصورِ أنْ يجدوا تبريراتٍ عقلانيةً لأفعالِ هذا الرجلِ، فتارةً يتحدثونَ عنْ "امتحانِ الإيمانِ" وتارةً عنْ "التسليمِ المطلقِ لإرادةِ الخالقِ"، وكأنَّهم يصرونَ على تحويلِ حالةٍ نفسيةٍ عصيبةٍ إلى درسٍ فلسفيٍّ عميق. أما منْ يجرؤُ على التشكيكِ في هذهِ السرديةِ العبثيةِ فيُتهمُ بالكفرِ والزندقةِ، وكأنَّ العيبَ ليسَ في عقليةِ رجلٍ يختنُ نفسَه بحجرٍ في صحراءِ الجزيرةِ العربيةِ، بلْ في عقليةِ أيِّ إنسانٍ عاقلٍ يرفضُ تصديقَ هذهِ المهازلِ التي تنمُّ عنْ خللٍ واضحٍ في إدراكِ الواقعِ الذي نعيشُ فيهِ.

في النهايةِ، إذا كانَ "أبو الأنبياء" حقاً هوَ الذي اختارَه الخالقُ ليكونَ قدوةً للبشرية، فإنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه بقوةٍ: هلْ كانَ هذا الاختيارُ متعمداً لإثباتِ أنَّ اللهَ نفسه يعاني منْ هوسٍ ساخرٍ بتحويلِ حياةِ البشرِ إلى كوميدياٍ إلهيةٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، أمْ أنَّ كلَّ هذهِ القصصِ ما هيَ إلا انعكاسٌ لمرحلةٍ بدائيةٍ منَ التفكيرِ الإنسانيِّ حينَ كانَ الإنسانُ يخلطُ بينَ هلاوسِه الداخليةِ ورسالاتِ السماءِ، ويُقدسُ أوهامَه كي يهربَ منْ مواجهةِ قسوةِ الواقعِ العاريِ الذي لا ينتظرُ مخلصاً ولا نبياً ولا كبشاً يذبحُ بدلاً منَ العقلِ؟





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور




في واقعةٍ هي أشبه بمسرحيةٍ عبثيةٍ من إخراج صامويل بيكيت، وإنتاجٍ مشتركٍ بين شبابٍ مصريٍّ يبحثُ عن متنفسٍ ونظامٍ بوليسيٍّ لا يتحملُ حتى نكتةً على فيسبوك، تحولت مدينةُ "قاعِ الهامور" الكرتونيةُ من مجردِ مجموعةٍ ساخرةٍ إلى قضيةٍ أمنيةٍ كبرى. الجروب الذي بدأ كمزحةٍ بين مراهقينَ لمْ يتجاوزا الثامنةَ عشرةَ، جمعَ مليوناً وثمانمئةِ ألفِ عضوٍ في اثني عشرَ يوماً فقط، ليصبحَ بذلكَ أسرعَ تجمعٍ افتراضيٍّ في تاريخِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ المصريِّ، وكأنَّ الشعبَ المصريَّ بأكملهِ قدِ اتفقَ فجأةً على أنَّ الهروبَ إلى قاعِ البحرِ معَ سبونج بوبَ خيرٌ لهُ منَ العيشِ على سطحِ الأرضِ معَ "بلحة" .

المشكلةُ أنَّ النظامَ المصريَّ، بتلابيبِهِ الأمنيةِ التي لمْ تتغيرْ منذْ أيامِ "عبناصر" و"الساداتِ المؤمنِ" و"مباركِ الطيّارِ"، لمْ يستطعْ تحمّلَ فكرةِ أنَّ الناسَ يضحكونَ معاً على مشكلاتِهم . فما إنْ بدأَ الجروبُ يتحولُ إلى منصةٍ للشكوى الجماعيةِ، حتى هرولَ إعلامُ السلطةِ ولجانُها الإلكترونيةُ لاتهامِ القائمينَ عليهِ بأنهمْ "إخوانٌ" و"عمالةٌ" و"خونةٌ"، متناسينَ أنَّ هؤلاءِ القائمينَ همْ فتياتٌ ومراهقونَ لا يتجاوزُ أحدُهم الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ، وأنَّ كلَّ ما كانوا يفعلونَ هوَ كتابةُ منشوراتٍ عنْ غلاءِ الإيجاراتِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ، ولكنْ بأسلوبٍ ساخرٍ مستوحى منْ شخصياتِ الكرتونِ التي أحبوها في طفولتهم . إنها جريمتهم الكبرى: أنهم ضحكوا على واقعٍ لا يُحتملُ، وقديماً قالوا إنَّ الضحكَ منَ الألمِ ليسَ ذنباً، بل هوَ نوعٌ منَ المقاومةِ الصامتةِ التي لا تفهمها الأنظمةُ البوليسيةُ التي تعتبرُ أيَّ تجمعٍ، حتى لوْ كانَ افتراضياً وبينَ كائناتٍ بحريةٍ، مؤامرةً ضدَّ الأمنِ القوميِّ .

والأغربُ منَ ذلكَ أنَّ الجروبَ أغلقَ أبوابَهُ "مؤقتاً" لمدةِ تسعةٍ وخمسينَ يوماً، على أنْ يعودَ في 22 أكتوبرَ المقبل، وكأنَّ الدولةَ التي تعجزُ عنْ حلِّ أزمةِ الخبزِ والكهرباءِ والصرفِ الصحيِّ، تجدُ في إغلاقِ صفحةِ "فيسبوك" حلاً سحرياً لمشاكلِها المستعصيةِ . هنا تبرزُ السخريةُ الأعمقُ: النظامُ الذي يصفُ نفسَهُ بـ"القائدِ المنقذِ الأبديِّ" لا يترددُ في استخدامِ آلةِ القمعِ ذاتِها التي استخدمها أسلافُه، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ السياسيةِ توقفتْ عندَ عصرِ "الحكامِ الأبديينَ" الذينَ يظنونَ أنَّ الشعبَ لا يعرفُ مصلحتَه، وأنَّ الحكيمَ الوحيدَ هوَ الجاثمُ على كرسيِّ الحكمِ حتى آخرِ رمقٍ، حتى باتَ المصريونَ يطلقونَ على رئيسهمَ لقبَ "بلحة" تهكماً، وكأنَّ اسمَهَ أصبحَ مرادفاً للتصلُّبِ والعجزِ عنِ الفهمِ .

يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: هلْ سيتحولُ "قاعُ الهامورِ" إلى "خابور" أو خازوقٍ في خاصرةِ الدولةِ السيساويةِ؟ التاريخُ يخبرنا أنَّ إغلاقَ منافذِ التنفيسِ لا يلغي الأزماتِ، بلْ يحولُها إلى انفجارٍ في الشارعِ، فالشعبُ الذي ضاقَ ذرعاً بالغلاءِ والقمعِ، ووجدَ في مدينةٍ كرتونيةٍ متنفساً لأحلامِه وخيباتِه، قدْ يضطرُّ يوماً للخروجِ إلى الشارعِ حينَ يكتشفُ أنَّ "قاعَ الهامورِ" قدْ أغلقَ أبوابَه، وأنَّ الحلمَ الوحيدَ المتبقيَ هوَ التغييرُ الفعليُّ، وأنَّ "الجراحةَ" التي ستفصلُ الرئيسَ الأبديَّ عنْ كرسيِّه قدْ تكونُ وشيكةً، لأنَّ الضحكَ حينَ يُمنعُ، يصيرُ البكاءُ ثورةً.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي




في زمنٍ باتتْ فيهِ الأحلامُ الجماعيةُ أشبهَ بنكاتٍ ثقيلةٍ يفهمُ مغزاها الجميعُ عدا منْ يرددونها، تبرزُ ظاهرةٌ غريبةٌ في العالمينِ العربي والإسلامي، وهيَ الانتظارُ المقدسُ لشخصيةٍ غيبيةٍ اسمها "المهدي المنتظر"، الذي سيأتي ليملأَ الأرضَ قسطاً وعدلاً بعدما مُلئتْ ظلماً وجوراً. لكنْ لوْ تأملنا هذا الانتظارَ بعينٍ ساخرةٍ قليلاً، لوجدنا أنَّ الأمرَ لا يختلفُ عنْ تلكَ الأمثالِ الشعبيةِ الساخرةِ التي ترددها الجداتُ في الحكايا، كمنْ ينتظرُ العسلَ منْ مؤخرةِ النملةِ أو الدبسَ منْ مؤخرةِ النمسِ أو السمنة من ورك النملة. الفرقُ الوحيدُ أنَّ الأولادَ يكبرونَ ويفهمونَ أنَّ النملَ لا يُنتجُ عسلاًولا سمنا وأنَّ النمسَ لا يُدرُّ دبساً، بينما يظلُّ بعضُ الكبارِ معلقينَ في سرابِ المهديِّ الذي لمْ يظهرْ منذْ قرونٍ، ولنْ يظهرَ أبداً لأنَّه مجردُ وهمٍ جميلٍ اخترعتهُ العقولُ لتبريرِ الفشلِ الذريعِ في إدارةِ الواقعِ.

المهديُ المنتظرُ في ثقافتنا أشبهُ ببطلِ مسرحيةِ "في انتظارِ غودو" لصامويل بيكيت، حيثُ يجلسُ شخصانِ على حافةِ طريقٍ ينتظرانِ قدومَ غودو الذي لا يأتي أبداً. لكنَّ الفرقَ الوحيدَ بينَ المسرحيةِ الأوروبيةِ العبثيةِ وبينَ واقعنا العبثيِّ أضعافاً هوَ أنَّ شخصياتِ بيكيت كانتْ تنتظرُ بلا هدفٍ ولا رسالةٍ ولا شعارات، بينما نحنُ ننتظرُ مهدياً يحملُ رايةَ الإسلامِ ويعدُنا بالعدلِ، لكنَّه يظلُّ متوارياً في سراديبِ المجاري الغيبيةِ منذُ أكثرَ منْ ألفِ عامٍ، تاركاً إيانا نتخبطُ في الظلمِ والفسادِ والدماءِ باسمِ انتظارهِ المقدسِ الذي تحولَ إلى مشروعِ تدميرٍ للحاضرِ باسمِ مستقبلٍ لنْ يأتي.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ هوَ أنَّ الشعوبَ التي تنتظرُ المهديَ هيَ نفسُها الشعوبُ التي ترفضُ أنْ تبنيَ دولةَ مؤسساتٍ أوْ أنْ تطورَ مجتمعاتها أوْ أنْ تجتهدَ في حلِّ مشاكلها الراهنة، مفضلةً أنْ ترميَ كلَّ أملها على كائنٍ خرافيٍّ سيحلُّ كلَّ شيءٍ بكبسةِ زرٍّ غيبيةٍ. وكأنَّ العالمَ سيتوقفُ عنِ الدورانِ حتى يحضرَ هذا المخلوقُ الأسطوريُّ ليوزعَ العدلَ كما يُوزعُ الحلوى في الأفراح. وكلما تعمقَ الفشلُ واشتدَّ الخرابُ، ازدادَ التمسكُ بهذا الوهمِ وكأنَّه شريانُ حياةٍ أخير، بدلاً منْ أنْ يكونَ عبئاً ثقيلاً يمنعُ أيَّ محاولةٍ للنهوضِ الفعليِّ.

الغريبُ في الأمرِ أنَّ الذينَ يستعدونَ للمهديِ يبنونَ لهُ الدولةَ في مخيلتهمْ قبلَ أنْ يبنوها لأبنائهم، ويجهزونَ لهُ الجيوشَ في أحلامهمْ بينما جيوشهمْ الحقيقيةُ تنهارُ أمامَ أولِ اختبارٍ جادٍ. إنهُ مثلُ منْ ينتظرُ أنْ تأتيهُ عربةُ الآيس كريمِ وهيَ تمرُّ منْ أمامِ بيتهِ دونَ أنْ يُخرجَ نقوداً منْ جيبهِ، ثمَّ يلومَ البائعَ لأنه لمْ يتوقفْ عندَ بابِه. وفي النهاية، لا المهديُ يأتي ولا العسلُ يخرجُ منْ مؤخرةِ النملِ، وتبقى الشعوبُ تترنحُ بينَ أملٍ زائفٍ ويأسٍ حقيقيٍّ، دونَ أنْ تدركَ أنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ لا يأتي منْ سراديبِ الغيبِ بلْ منْ عقولِ البشرِ وأيديهم التي تزرعُ وتحصدُ وتُصلحُ وتدمرُ بإرادتِها لا بإرادةِ منتظرٍ لا يجيءُ.

إنَّها مسرحيةٌ عبثيةٌ بامتياز، نعيشُ أدوارنا فيها بحماسٍ زائدٍ ووعيٍ ناقص، نموتُ فيها أجيالٌ بعدَ أجيال، ويُخرَّبُ العالمُ بأكملهِ بسببِ تفاهةٍ اسمها "انتظارُ المخلصِ الغيبي"، بينما الحقيقةُ التي لا يقبلُها العقلُ الهشُّ هيَ أنَّ المخلصينَ الحقيقيينَ ليسوا أنبياءً ولا مهديينَ ولا أوصياءَ، بلْ همْ أولئكَ الذينَ يقررونَ أنْ يصنعوا عدلَهم بأيديهم وأنْ يبنوا وطنهم بسواعدهم، بعيداً عنْ خرافةِ "العسلِ منْ مؤخرةِ المهدي" التي لمْ تزدْ شعوبنا إلا إدماناً على كبتاغون الوهمِ وهروباً منَ المواجهةِ الحقيقيةِ معَ ذاتها ومعَ تاريخِها المليءِ بالإحباطاتِ التي ألبستْها عباءةَ الانتظارِ لتبريرِ كسلِها وعجزِها وفشلها وانحطاطها.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة





في قاموسِ السياسةِ العربيةِ والإسلاميةِ، لا تخلو أيُّ جملةٍ من كلمةِ "عمالة" أو "خيانة" أو "تخوين"، وكأنَّ هذهِ المفرداتِ أصبحتْ جزءاً منَ الحمضِ النوويِّ للمنطقِ السياسيِّ الذي لا يستقيمُ إلا بإلقاءِ التهمِ جزافاً على كلِّ منْ يختلفُ معَكَ في الرأيِ أوِ المصالحِ. وإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قدْ أرسى مفهومَ "النفاقِ" كصفةٍ دنيئةٍ لأولئكَ الذينَ يظهرونَ الإيمانَ ويبطنونَ الكفرَ، فإنَّ المسلمينَ لمْ ينتظروا طويلاً حتى حوّلوا هذا المفهومَ إلى سلاحٍ دمويٍّ يصوبونهُ في ظهورِ بعضهمْ بعضاً، فأصبحَ كلُّ منافقٍ يتهمُ الآخرَ بالنفاقِ حتى باتَ الجميعُ في دائرةِ اتهامٍ لا تنتهي، وكأنَّ النفاقَ صارَ أساساً منْ أساسياتِ الانتماءِ الدينيِّ لا استثناءً فيهِ. فالخليفةُ يتهمُ الصحابيَّ، والصحابيُّ يتهمُ التابعيَّ، والتابعيُّ يتهمُ منْ يليهِ، وهكذا دواليكَ في سلسلةِ تخوينٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، إلى أنْ وصلَ الحالُ ببعضِ الفرقِ إلى اعتبارِ أنَّ أكثرَ منْ تسعينَ بالمئةِ منَ الأمةِ همْ منافقونَ لا يعرفونَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ، وكأنَّ اللهَ قدْ خلقَ هذهِ الأمةَ لتكونَ مختبراً تجريبياً للنفاقِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ.

أما اليومَ، فقدْ تطوّرَ مفهومُ العمالةِ بشكلٍ لافتٍ معَ تطورِ وسائلِ الاتصالِ وصعودِ الأنظمةِ الشموليةِ في كثيرٍ منَ البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ. فالحاكمُ يتهمُ المعارضةَ بأنَّها عميلةٌ للغربِ أو لإسرائيلَ أو لأمريكا، والمعارضةُ تردُّ الصاعَ صاعينَ وتتهمُ الحاكمَ بأنَّه عميلٌ أيضاً، وكأنَّ اللعبةَ كلَّها تدورُ حولَ منْ هوَ الأكثرُ عمالةً لا حولَ منْ هوَ الأكثرُ كفاءةً في الحكمِ أو الأكثرَ حرصاً على مصالحِ الشعبِ. كلُّ طرفٍ يحملُ ملفاً منَ التهمِ ضدَّ الآخر، وكلاهما ينسى أنَّ التخوينَ المتبادلَ لا يخدمُ إلا استمرارَ حالةِ الفوضى السياسيةِ التي تجعلُ المواطنَ حائراً بينَ هذا العميلِ وذاك، وكأنَّ الخياراتِ كلَّها تنتهي عندَ بابِ "منْ يعملُ لمين". إنها بذلكَ تصبحُ لعبةً لا منتصرَ فيها سوى أولئكَ الذينَ ينجحونَ في إيهامِ الجماهيرِ بأنَّهم وحدهمَ الأنقياءُ منْ هذهِ اللوثةِ التي تصيبُ كلَّ منْ يتولى منصباً أوْ يملكُ رأياً مخالفاً.

والنموذجُ الأكثرُ عبقريةً في هذا الفضاءِ المليءِ بالتخوينِ هوَ "حزبُ اللهِ اللبنانيُّ" الذي يرفعُ شعاراتِ الولاءِ لإيرانِ ويثبتُ يومياً أنَّ مفهومَ العمالةِ عندهُ لا يختلفُ عنْ مفهومِ النفاقِ عندَ السلفِ، فها هوَ أمينُهُ العامُّ السابقُ يزعمُ أنهُ عميلٌ للخمينيِّ وأنَّ نظامَ الملاليِ الإيرانيَّ هوَ القائدُ المطلقُ لجميعِ قراراتِه، وفي الوقتِ نفسهِ يصفُ كلَّ معارضيهِ بأنَّهم عملاءُ إسرائيلَ وأمريكا، وكأنَّ العمالةَ صفةٌ تنحصرُ في الآخرينَ ولا يجوزُ أنْ تطولَ حزبَ اللهِ نفسه الذي يمارسُ العمالةَ بطريقةٍ فنيةٍ لا مثيلَ لها. لكنَّ الأطرفَ في السخريةِ هوَ أنْ يأتيَ موسادُ إسرائيلَ الذي يعتبرُهُ الحزبُ العدوَّ الأكبرَ، ويفضحَ كلَّ هذهِ الأقنعةِ في عمليةِ البيجرِ الشهيرةِ، حيثُ تبينَ أنَّ جزءاً كبيراً منْ عناصرِ الحزبِ وقادتِهِ كانوا يتعاملونَ معَ إسرائيلَ سراً، وأنَّ كثيراً منَ العملياتِ التي ضربتْ الحزبَ لمْ تكنْ لِتنجحَ لولا وجودُ أيادٍ داخليَّةٍ تعملُ لصالحِ العدوِّ، وهوَ ما جعلَ الحزبَ يسقطُ في فخِّ التهمةِ التي كانَ يرمي بها الآخرينَ دائماً، إذ أصبحَ هوَ نفسه نموذجاً للعمالةِ التي يتقنُها ولا يتقنُ غيرها، وكأنَّ اللهَ أرادَ أنْ يريَ البشرَ أنَّ عمالةَ الآخرينَ ليستْ سوى صورةٍ طبقَ الأصلِ عنْ عمالةِ الذاتِ التي تختبئُ تحتَ عباءةِ الولاءِ المزعوم.

والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ بقوةٍ في ظلِّ هذا الكمِّ الهائلِ منَ التخوينِ المتبادلِ، هوَ: هلْ يصحُّ أنْ نستمرَّ في استعمالِ هذهِ العباراتِ الزئبقيةِ التي تتحولُ في لحظةٍ منْ أداةٍ للتحليلِ السياسيِّ إلى سلاحٍ للإبادةِ المعنويةِ والجسديةِ للخصومِ؟ أليسَ منَ الأجدرِ بنا أنْ ندركَ أنَّ الولاءَ والعمولةَ مفهومانِ فضفاضانِ لا ينضبطانِ تحتَ أيِّ تعريفٍ موضوعيٍّ، وأنَّ كلَّ طرفٍ يستعملُهما بحسبِ مصلحتِهِ في لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ، بحيثُ يصبحُ منَ المستحيلِ التمييزُ بينَ عميلٍ حقيقيٍّ وآخرَ وهميٍّ في هذهِ اللعبةِ التي لا فائزَ فيها سوى منْ ينجحُ في إيهامِ الناسِ بأنَّهُم وحدَهُم فوقَ الشبهاتِ، بينمَا الحقيقةُ أنَّ الجميعَ في مستنقعِ العمالةِ والنفاقِ إلى حدِّ أنَّ عبارةَ "بهائمِ اللهِ" قدْ تكونُ أصدقَ وصفٍ لأولئكَ الذينَ يستعملونَ مفاهيمَ الدينِ والدولةِ كغطاءٍ لحماقاتهم السياسيةِ التي لا تنتهي.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...