.
.
خواطر هائم في عالم البهائم: (68) تشي غيفارا المؤدلَج الإرهابي
تاريخ البشرية مليء بالشخصيات التي طُمرت حقائقها المظلمة تحت ركام الشعارات البراقة والدعاية الزائفة، ولعل أبرز هؤلاء هو الكوبي-الأرجنتيني أرنستو تشي غيفارا. لقد تحول هذا الرجل في الذاكرة الشعبية السطحية إلى رمزا للحرية والعدالة الاجتماعية، بينما تنطق وثائق التاريخ الحقيقية بكونه رجلاً متعصباً أراق الدماء بلا رحمة، وسعى لفرض أيديولوجيا شمولية قمعية تقيد الإنسان وتسلب كرامته. إن قراءة محايدة لسيرته وللفكر الماركسي الشيوعي تكشف جلياً أن العنف والترهيب لم يكونا مجرد وسيلة طارئة لديه، بل كانا العقيدة الأساسية التي تحرك كافة تصرفاته ومواقفه السياسية والعسكرية.
لم يكن غيفارا سوى منفذ متعطش للدماء لإرادة نظام ديكتاتوري حريص على سحق مخالفيه. فبعد نجاح ما يسمى بـ"الثورة الكوبية"، تولى قيادة سجن لا كابانا الشهير، ليشرف بنفسه على محاكمات صورية افتقرت لأدنى معايير العدالة الإنسانية، وأسفرت عن إعدام مئات المعارضين والمدنيين والمواطنين لمجرد شكوك أو اختطاف للرأي. لقد أعلن غيفارا بوضوح في كتاباته ورسائله عن إيمانه بالكره والكراهية الفعالة التي تحول الإنسان إلى آلة قتل دقيقة وسريعة، مما يوضح جلياً طبيعة عقليته الإرهابية التي لا تختلف في جوهرها عن عقلية زعماء الجماعات المتطرفة كإسامة بن لادن. فكلاهما انطلق من إيمان مطلق باحتكار الحقيقة، وكلاهما رأى أن الغاية الأيديولوجية تبرر استخدام أفظع أساليب الترهيب ضد أي إنسان يرفض الانصياع لرؤيتهما الشمولية للعالم.
إن الخطورة الحقيقية لغيفارا لم تتوقف عند حدود الجرائم المباشرة التي ارتكبها في كوبا، بل امتدت لتشمل حلمه بنشر هذه الديكتاتورية الماركسية على مستوى العالم من خلال تصدير التمرد المسلح وإشعال بؤر العنف في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. لقد كان حلمه الأكبر هو إقامة ديكتاتورية البروليتاريا بالقوة المسلحة، وهو ما يعني عملياً استبدال ظالم بظالم آخر، ودمر الاقتصاد والمجتمعات التي حاول التدخل فيها تحت مسمى التحرير. إن هذا المسعى الشمولي يثبت أن الشيوعية المتطرفة والإرهاب الديني المتطرف وجهان لعملة واحدة، حيث يسعى كل منهما إلى محو الفردية، وإلغاء حرية التعبير، وإقامة نظام سلطوي مغلق يمارس القمع بدم بارد ضد المجتمع باسم الفكرة المطلقة.
بناءً على هذه الحقائق المثبتة، فإن أي شخص عاقل يمتلك دراية واعية بمسار التاريخ لا يمكنه أن يثق بالشيوعية أو أن يراها حلاً للمشكلات الإنسانية. إن الشيوعية إيديولوجيا أثبتت التجربة العملية في كل بلد دخلته أنها تؤدي حتماً إلى الفقر، والدمار، وقمع الحريات، وسفك الدماء. لقد أسفرت الأنظمة الماركسية عبر القرن العشرين عن مقتل عشرات الملايين من البشر وعن بناء معتقلات قسرية ومجاعات متعمّدة، مما يجعلها لا تقل خطورة بحال من الأحوال عن أشكال الإرهاب الديني أو الفاشي. إن الوعي التاريخي الحقيقي يقتضي البراءة الكاملة من هذه الشخصيات الدموية ومن الأفكار التي تغذي العنف، والوقوف بصلابة ضد كل مشروع سياسي أو فكري يحاول إضفاء الشرعية على القتل والترهيب تحت أي خديعة شعاراتية.
.
