.
.
خواطر هائم في عالم البهائم: (52) الحركات النسوية الخرائية وحقوق الإنسان على المقاس
كشفت الأحداث الأخيرة والتطورات السياسية والإنسانية في المنطقة والعالم عن هشاشة بعض الخطابات الحقوقية والسياسية التي طالما قدمت نفسها كحارس أمين لقيم العدالة والمساواة. لقد اتضح أن رفع شعارات حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق المرأة والتصدي للاعتداءات يمر، لدى العديد من التيارات اليسارية والحركات الحقوقية، عبر مصافي أيديولوجية وانتماءات سياسية تحدد حجم التضامن وشكله، بل ومدى الاعتراف بالانتهاك من أصله. هذا الانتقاء المنهجي أدى إلى تعرية حالة من الانفصام الفكري، حيث تُجرَّد الجرائم والانتهاكات من صفاتها الإنسانية المجردة وتُقيَّم فقط بناءً على هوية الضحية وهوية الجاني.
لقد تجلى هذا الخلل بشكل صارخ في التعاطي مع الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، وتحديداً في طريقة التعامل مع أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها. ففي الوقت الذي وُثقت فيه التجاوزات والانتهاكات الجسيمة بوضوح، سارعت أطراف محسوبة على اليسار الراديكالي وبعض المنظمات حقوقية إلى ممارسة حالة من التشكيك أو التبرير الضمني، متجاهلة الأدلة والمواد المصورة التي نُشرت علناً. إن الموقف الذي ينفي الجرم لمجرد أن الفاعل ينتمي إلى فصيل يرفع شعارات معينة، أو لأن الضحية تنتمي إلى الطرف الآخر، ينزع عن هذه المنظمات صفة الحياد والمبدئية، ويحولها إلى مجرد أدوات في حرب إعلامية وسياسية تخلو من المعايير الأخلاقية الثابتة.
في المقابل، تتضاعف هذه المأساة عندما يُستبدل التحليل الموضوعي بالاستقطاب الأيديولوجي، حيث يتطوع بعض الفاعلين الحقوقيين للعب دور المحامي عن جماعات ذات خلفيات راديكالية لا تؤمن أساساً بالقيم المدنية أو بحقوق الإنسان التي يدافع عنها اليسار نفسه. هذا التناقض العجيب يظهر كيف يمكن للتحالفات السياسية المصلحية أن تعمي الأبصار عن الانتهاكات الصريحة، وتجعل من الدفاع عن حقوق المرأة أو الطفل أمراً مشروطاً بالهوية والجغرافيا. إن التغاضي عن العنف والتطرف عندما يصدر عن طرف معين، والمطالبة بإدانته الصارمة عندما يصدر عن طرف آخر، يفرغ مفهوم "المظلومية" والعدالة من محتواه الحقيقي ويحوله إلى أداة ابتزاز سياسي.
إن هذا السقوط الأخلاقي لا يقتصر على موقف محدد، بل يمتد ليشمل الخطاب العريض الذي يوزع ألقاب الإبادة والجرائم بناءً على المواقف السياسية المسبقة بدلاً من التحقيق المستقل والوقائع الميدانية. عندما تصبح الادعاءات أداة للحشد والتجييش دون النظر إلى الحقائق الموثقة، تفقد المنظومة الحقوقية الدولية مصداقيتها أمام الشعوب. إن تحرير المفاهيم الإنسانية والحقوقية من الارتهان للأجندات السياسية والتحالفات الإيديولوجية هو الشيك الوحيد لمنع تهاوي هذه المنظومة بالكامل، ولضمان ألا تُستغل قضايا الإنسان العادلة لتبرير العنف أو لتغطية تجاوزات أي طرف كان.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire