Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (51) منبع الخرافة وبطلان المنظومات (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (51) منبع الخرافة وبطلان المنظومات



تنشغل النقاشات الفكرية والنقدية عبر التاريخ بالخوض في تفاصيل المنظومات الدينية، ومحاولة تفكيك نصوصها، وإثبات تناقضاتها الداخلية، أو الإشارة إلى دورها في تعطيل العقل الإنساني وإنتاج أشكال الاستبداد والتطرف. إلا أن هذا السجال الممتد غالباً ما يغرق في جزئيات فرعية وتفاصيل هامشية، متغافلاً عن السؤال الأساسي والأولي الذي تقف عليه كل تلك البناءات الأسطورية. إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في كون الشرائع القديمة تتصادم مع الحداثة أو تعتمد على سرديات منافية للعلم، بل تكمن في الفرضية الابتدائية التي بُنيت عليها كل هذه المظاهر: فرضية وجود قوة خارقة أو كائنات غيبية تدير هذا الكون وتتواصل مع البشر.
إن القراءة المجردة للواقع والتاريخ والمعطيات العلمية المتاحة تجعل الاستنتاج الأكثر منطقية ووضوحاً هو غياب أي دليل مادي أو عقلاني يثبت وجود هذه الآلهة المزعومة. فالكون، بما فيه من قوانين فيزيائية وحركة طبيعية، يسير وفق آليات ذاتية لا تتطلب تفسيرات غيبية أو تدخلات من وراء الطبيعة. ومع غياب هذا العنصر التأسيسي، تنهار كل المنظومات الأيديولوجية والدينية التي شُيّدت عليه. فعندما يتضح أن الأساس قائم على خيال بشري حاول تفسير المجهول في أزمنة الجهل، يصبح البحث في صحة هذا النص أو ذاك التشريع مجرد هدر للطاقة الفكرية في مناقشة نتائج لفرصية غير موجودة أصلًا.
لقد أسهم هذا الاعتقاد المسبق في نشوء أوهام متتالية تُلبس الرغبات البشرية لبوساً مقدساً، وتفرض على المجتمعات إملاءات وشرائع تدعي صدورها عن مصدر علوي. وبمجرد نزع هذه الهالة المقدسة وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، تظهر تلك النصوص والطقوس باعتبارها نتاجاً ثقافياً وتاريخياً يرتبط ببيئته وزمانه، ولا يحمل أي صفة إطلاقية أو معيارية خالية من العيوب. إن إزالة الفكرة التأسيسية القائلة بوجود آلهة تتدخل في تفاصيل الحياة البشرية تؤدي تلقائياً إلى سقوط السرديات التي بررت التمايز بين البشر، وفرضت وصايا أخلاقية وسياسية باسم الغيب، وجعلت من الأساطير مرجعاً أعلى للسياسة والاجتماع.
في النهاية، يظل الوعي بحدود المعرفة الإنسانية والاعتماد على العقل والتجربة هو الطريق الوحيد لتجاوز خرافات الماضي ومصادراته. إن تحرير الفكر الإنساني من الارتهان للغيب يفتح الآفاق لبناء مجتمعات قائمة على العلم، والمواطنة، والسيادة البشرية الشاملة، بعيداً عن وهم الاستناد إلى سلطة عليا غير موجودة. إن مواجهة الفكرة في أصلها، بدلاً من الدوران في فلك تفاصيلها، هي الخطوة الأولى نحو الخروج من أسر المنظومات القديمة واستعادة الإنسان لفاعليته في تفسير العالم وصناعة مستقبله.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...