.
.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(58) الوجود بين ادعاءات الأديان والأساطير والسرديات الأخرى
لنكن صريحين منذ البداية: لا أحد، على مدى آلاف السنين، استطاع أن يُثبت وجود أي إله أو ملاك أو شيطان أو جن أو أي كائن خرافي آخر، لا من كائنات الكتب المقدسة ولا من كائنات الأساطير القديمة. لم يُثبت أحد وجود زيوس الذي كان يقذف الصواعق من أوليمبوس، ولا رع الذي كان يبحر بقاربه في سماء مصر، ولا بعل الذي كان يغضب فيسقي الأرض أو يجففها، ولا أهورامزدا الذي يحارب الشر منذ الأزل، ولا ثور الذي يهشم الجبال بمطرقته. كل هؤلاء كانوا يوماً "حقيقيين" بالنسبة لملايين البشر، تماماً كما هي آلهة اليوم "حقيقية" بالنسبة لملايين آخرين. الفرق الوحيد هو التاريخ والجغرافيا، وليس الدليل.
السبب بسيط ومُحرج في آن: عقل الإنسان هو الذي اخترع الآلهة، كل الآلهة، بلا استثناء. اخترعها لأن الوقوف أمام كون صامت، مادي، لا يبالي بوجوده، لا يفسّر له لماذا هو هنا ولا إلى أين يمضي، كان ولا يزال أمراً لا يُحتمل. فاحتاج قصة بداية، وغاية نهائية، وعداً بأن كل هذا الدم والدموع له معنى. فاخترع الآلهة كما يخترع الطفل صديقاً خيالياً عندما يخاف من الظلام. الفرق أن الطفل يكبر، أما البشرية فقررت أن تبني على الخيال إمبراطوريات وحروباً وقوانين ومحاكم تصل إلى حد إحراق من يقول إن الإمبراطور عارٍ.
لكن العقل البشري لا يهدأ ولا يرضى. كل جواب يقدّمه الدين يترك ثقوباً، وكل ثقب يُنتج سؤالاً، وكل سؤال يُنتج شطحاً جديداً. فما كان من العقل إلا أن يستدير نحو السماء لا نحو الآلهة هذه المرة، بل نحو الكائنات الفضائية. ظهرت سرديات الأنوناكي، أولئك الكائنات القادمة من نيبيرو التي قيل إنها استخرجت الذهب من الأرض وصنعت البشر ليكونوا عمالاً في مناجمها. ثم جاء زكريا سيتشن ليبيع الملايين من الكتب دون أن يقدّم حجراً واحداً يُثبت أن نيبيرو موجود. وظهرت سرديات "مهندسي الجينات" الذين عدّلوا قرداً ليصبح إنساناً. وسرديات "الزواحف" الذين يحكمون العالم من الظل. وسرديات "الرجل الرمادي" الذي يخطف الناس ليلاً ثم يعيدهم بذكريات مبهمة لا دليل عليها. وسرديات "المصفوفة" التي تقول إننا نعيش في محاكاة حاسوبية. وسرديات "البذور الكونية" التي تقول إن الحياة جاءت من الفضاء على متن مذنبات. وسرديات "الأرض المجوفة" التي تسكنها حضارة متقدمة. كل هذه السرديات تعاني من نفس علل الأديان: ادعاءات تُبنى على نقاط هامشية، وتفسير رخيص لظواهر غامضة، وغياب تام للأدلة القابلة للتحقق والتكرار.
وهنا المفارقة الكبرى: بتعدد هذه السرديات، تسقط كلها معاً. فإذا كانت كلها صحيحة في نظر أتباعها، وهي متناقضة فيما بينها، فمن المستحيل أن تكون كلها صحيحة. وإذا كان من المستحيل أن تكون كلها صحيحة، فمن المرجّح أن تكون كلها خاطئة. وحين تسقط الأساطير القديمة والأديان الحالية وسرديات الكائنات الفضائية في السلة نفسها، نكتشف أننا كنا نبحث عن إله في كومة من القصص اخترعها بشر يخافون من الموت ومن الفراغ ومن الظلام. لا وجود لأي إله. كل الأديان أكاذيب، وكل الأساطير خيال، وكل السرديات الحديثة إعادة تدوير للخيال القديم بثوب علمي زائف. والحقيقة التي لا يريد أحد قولها هي أننا وحدنا، في كون لا يعنيه وجودنا، نصنع المعنى بأنفسنا أو نعيش بلا معنى، ولكن بأي ثمن، بشرط ألا نقتل بعضنا باسم قصة اخترعناها لنواسي بها أنفسنا.
.
