Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (54) 7 أكتوبر: لا تعاطف مع الإرهابيين والمنافقين (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(54) 7 أكتوبر: لا تعاطف مع الإرهابيين والمنافقين



تكشف القراءة المتأنية للخطاب الإعلامي والسياسي، سواء في الكثير من الوسائل الناطقة بالعربية أو لدى تيارات اليسار الأيديولوجي في الغرب، عن حالة مستمرة من إعادة تشكيل الوقائع وتكييف المفاهيم لخدمة أجندات محددة. يعتمد هذا النهج على تجزئة الأحداث وفصل النتائج عن أسبابها الأولى، حيث يتم القفز فوق المقدمات الموثقة للوصول إلى خلاصات مجهزة سلفاً. إن هذه السياسة الإعلامية لا تكتفي بتقديم القراءات المنحازة، بل تسعى إلى إيجاد غطاء أخلاقي وسردي يبرر الممارسات التدميرية ويصورها في قالب من المظلومية أو المقاومة، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والمادية التي تحلها بالمجتمعات.
تعتمد السردية التقليدية المتداولة في المنطقة على مفهوم شمول غائم يسمى "الأمة"، وهو مفهوم يُستخدم غالباً لتجاوز الفروق الثقافية والسياسية والاجتماعية بين الشعوب المتعددة وتأطيرها ضمن موقف جمعي إجباري. يُطلب من الفرد وفق هذا المنطق أن يتبنى قضايا وصراعات خارجية بناءً على اشتراك في اللغة أو الدين، مع نفي حقه في تقييم الأحداث بناءً على مصالحه الوطنية أو الإنسانية المباشرة. وفي المقابل، يلتقي اليسار الأيديولوجي الغربي مع هذا الطرح من زاوية مختلفة، حيث يُوظف شعارات "مناهضة الإمبريالية" لتبرير سلوكيات وتصرفات صادرة عن جماعات راديكالية، مما يؤدي إلى مفارقة غريبة يدافع فيها مدعو الحرية والحداثة عن قوى تتبنى أفكاراً شمولية ومناهضة للقيم المدنية.
تتجلى هذه الازدواجية بشكل واضح في التعاطي مع المحطات المفصلية والأحداث العسكرية الكبرى، كما حدث في التفاعلات المتواصلة منذ أحداث السابع من أكتوبر. فبينما جرى توثيق البدايات والممارسات الأولى ونشرها علناً، سرعان ما تحول التركيز الإعلامي نحو الانشغال بالنتائج والتداعيات مع إغفال تام للمسؤولية المباشرة عن إشعال المواجهة. إن إعفاء الأطراف التي اتخذت قرار المواجهة من تبعات قراراتها، وتحميل المسؤولية بالكامل للطرف المدافع أو لردود الفعل الميدانية، يمثل قلباً لصريح الحقائق، ويسهم في إدامة حلقة العنف عبر تبرئة المتسبب الأصلي وإظهاره بمظهر الضحية دائماً.
إن الإصرار على تغييب المنطق والعقلانية في تقييم الصراعات لا يخدم سوى الجهات التي تستثمر في الدمار والأزمات المستمرة. إن توصيف الممارسات بمسمياتها الحقيقية، بعيداً عن التجميل اللفظي والتأطير الأيديولوجي، هو الممر الأساسي لقراءة الأحداث بواقعية. إن الانحياز للحقائق الموثقة ولحق الدول والشعوب في الاستقرار والدفاع عن نفسها يقتضي كشف حالة النفاق التي تمارسها الخطابات التبريرية، والتي لم تنتج على مدى عقود سوى إطالة أمد الصراعات، وتخريب المجتمعات، وتعطيل مسارات التنمية والحداثة.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...