Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (53) دُبر الأسد في رقية العين والحسد (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (53) دُبر الأسد في رقية العين والحسد




لا أعرف لماذا يصرّ اليوتيوب على تعكير مزاجي باقتراحات دينية، ولكنني أنجح في كل مرة في قلب الأمور وفي تحويل الأمر إلى مهزلة مضحكة. وفي الحقيقة، لا أعرف شيئا أكثر هزلا وكوميديا من الكتب الدينية والأديان بصفة عامة.
اليوم مثلا، اقترح اليوتيوب عليّ الحصة السادسة من برنامج "فاسألوا أهل الذكر" لسنة 2018 (إنتاج مؤسسة التلفزة الوطنية التونسية). لم أشاهد الحلقة كاملة، لكن قمت بالقفز في التوقيت فعثرت على تحفة كوميدية من الحمار الشيخ الفاضل آكل الفواضل محمد مشفر في جواب عن سؤال إحدى المشاهدات بخصوص الرّقية. كان الشيخ يجلس قبالة مقدمة البرنامج سماح الفرجاني ويتكلم بثقة لا يمتلكها حتى أكبر وأعظم الأطباء وأكثرهم خبرة. قال أن السّنّة النبوية في الرقية هي قراءة سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس ثلاث مرات لكل منها في يديه المفتوحتين أمام وجهه ثم ينفث فيهما دون ريق ويمسح بهما جسمه كله. وقال أنها أقوى رقية ولم ينقطع عن ممارستها حتى موته.
وأول الأسئلة التي تتبادر لذهن أي إنسان هي: لماذا التركيز على رقم ثلاثة؟ لا أحد يعلم. لماذا ثلاثة بالضبط؟ هل المفعول لا يتحقق إذا كان العدد 2 أو 4 أو 26؟ هل هي وصفة مثل وصفات الطبيب؟ لكن وصفة الطبيب مبنية على تجربة ميدانية وعملية حقيقية وعلى نتائج؛ فهل تمت تجربة وصفة الرقية بالقراءة مرة واحدة ثم بمرتين ثم ثلاث مرات ثم أربع مرات وهكذا دواليك وعلى الكثير من الأشخاص وتم جمع المعطيات وإستنتجوا أن الوصفة لا تعمل إلا مع رقم 3؟ أم أن الحكاية بأكملها ثرثرة وإدعاءات؟ بطبيعة الحال، كلها ثرثرة وإدعاءات فارغة، وهذا ممّا لا شكّ فيه أصلا.
واقترح وصفات أخرى من السّنّة، وكلها كلام في كلام. وقال أن "العين تمشي كالسّهم" وأن "أكثر موت الأمّة من العين وكلّكم عائن إلا من قال ما شاء الله". وكأن لديه تجارب علمية مخبرية وسريرية معمّقة وإحصائيات واضحة على عينات كبيرة من الأشخاص. وفي حقيقة الأمر، كل ما لديه هو مجرّد كلام فارغ نقله أناس مغفّلون عن أناس مغفّلين آخرين وتمّ تدوينه في كتب صفراء.
وزيادة على كل هذه الثرثرة، حذر الشيخ الفطحل من ترديد كلام مثل "يا نفس يا نفيسة أخرج من ها الفريسة" ونصح بعدم إتباعها وبتركها للعجائز. أما من يستطيع القراءة فعليه بما ورد في السنة.
حسنا، لدينا أمراض خيالية إسمها "العين" و"الحسد" ولدينا وصفة نبوية متمثلة في ترديد كلام معين، ولا يجب ترديد كلام الموروث الشعبي لأنه لن يعمل. في نفس الوقت، ليس هناك أي دليل يثبت أن الوصفة النبوية تعمل، خاصة أنه لا يوجد أي إثبات على وجود الأمراض الخيالية المذكورة. أليست هذه مهزلة قمة في الكوميديا؟
لكن الإشكالية الكبرى لا تكمن في ثرثرة الشيخ الزيتوني بحر العلوم عريض البلعوم، فمعروف أن عمل الكائنات الطفيلية التي يسمونها شيوخا هو الثرثرة وبيع الكلام، ولا تكمن أيضا في مقدّمة البرنامج المحجبة التي تهزّ رأسها طوال البرنامج فهي أيضا تسترزق من بيع الكلام للشعب المغفل... الإشكالية الكبرى في شعب تلوث دماغه بالهراء حتى أصبح غير قادر على رفع إصبعه دون أن يسأل الشيخ، وهو غير مدرك لحقيقة أن هذا الشيخ أحقر وأغبى من أن يُسأل في أي موضوع.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...