.
.
سراب الحتمية والأدلجة: تفكيك للتفكير بالتمني عند حسن حمادة وسيكولوجيا الارتهان
في أيار من عام 2021، أطل علينا الكاتب والمؤرخ اللبناني حسن حمادة، على موقع الأخبار على الأنترنات، بمقال ينضح بيقينية مطلقة تتنبأ بحدث جليل، عنوانه العريض ينبض بالثقة: "بن غوريون: زوال إسرائيل حتمي والمسألة مسألة وقت". للوهلة الأولى، قد يظن القارئ العابر أنه أمام دراسة استراتيجية عميقة تستند إلى موازين القوى الدقيقة، أو تتفحص العوامل الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية المحركة للتاريخ، لكن سرعان ما ينكشف النص عن عري تحليلي صارخ، ليتبين أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من أدبيات "التفكير بالتمني" والنعاق الأيديولوجي الذي مارس عملية تخدير للوعي العربي على مدى عقود. إن مقال حمادة لا يعبر عن قراءة واقعية بقدر ما ينتمي إلى فئة النصوص الشائعة التي ترى في كل تفصيل، وحتى في تصريحات الخصم التاريخية المحتزأة، ترسيخاً وتأكيداً للعقيدة المطلقة التي يتبناها الكاتب، حتى لو كان الواقع الملموس على الأرض يصرخ بعكس ذلك تماماً. إنه نموذج صارخ للخطاب الذي يختلق التفسيرات والتأويلات القسرية للكلام والوقائع، متجاهلاً تماماً موازين التاريخ الحقيقية وقوانين حركة المجتمعات والدول.
تعتمد بنية النص لدى حمادة على حيلة أيديولوجية أزلية، تكمن في اصطداء جملة أو اعتراف من أرشيف الخصم، ثم إعادة تدوير هذا النزق أو القلق السياسي الذاتي وتحويله إلى "قانون تاريخي حتمي" بانتظار التحقق. يستند الكاتب في بناء أطروحته الفوضوية إلى ما أورده ناحوم غولدمان في كتابه "المفارقة اليهودية" حول جلسة بوح ليلية جمعته بديفيد بن غوريون عام 1956. يقتطع حمادة الحوار الذي أعرب فيه بن غوريون عن قلقه العميق تجاه المستقبليات الديموغرافية والعداء العربي المشروع منطقياً من وجهة نظر ضحية سُلبت أرضها، ليبني على ذلك نتيجة قاطعة مفادها أن بن غوريون نفسه كان موقناً بزوال الكيان الصهيوني وبعقم مشروعه. وهنا يمارس الكاتب عملية تحريف ذهني خطيرة؛ إذ يحول "تقييم المخاطر" والتفكير الاستباقي الصارم لدى رجل دولة تأسيسي إلى "تسليم غيبي بالهزيمة".
إن كلام بن غوريون، حين يُقرأ بعين واقعية مجردة من الأوهام وبمعزل عن التأويلات المهرجة، لا يعدو كونه درساً بليغاً في الوعي بالصيرورة التاريخية. من الناحية البديهية، ودون حاجة لنبوءات غيبية أو إسقاطات رغبوية، يعلم كل من قرأ صفحات التاريخ البشري أن لكل شيء في هذا العالم نهاية. إن الموت هو الحقيقة المطلقة المكتوبة على البشر وعلى الكيانات السياسية على حد سواء. الممتلكات والإمبراطوريات العظمى التي سادت الأرض خضعت لهذه السنّة الكونية الكبرى؛ فالإمبراطورية الفارسية ببطشها وسعتها اندثرت، واليونانية برقيها وفلسفتها أفل نجمها، والبيزنطية والرومانية العتيدة صارت أثراً بعد عين، وحتى الخلافة والسلطنة العثمانية التي حصرت المقدرات وسادت لقرون طويلة انتهى بها المطاف إلى الانهيار والزوال. من الطبيعي إذن، وفقاً لقوانين الطبيعة البشرية وحركة الأمم، أن تكون هناك نهاية مستقبيلة لأي كيان سياسي قادم أو قائم، سواء أكان دولة إسرائيل، أم دولة لبنان، أم الولايات المتحدة، أم الصين.
هذا الفهم للصيرورة ليس نبوءة خارقة للمألوف، بل هو فهم موضوعي لسنن الوجود. والفرق بين القائد الاستراتيجي والمحلل المؤدلج يكمن في كيفية التعامل مع هذه الحقيقة الكونية. بن غوريون لم يطرح هذا القلق لكي يستسلم أو ليبشر بالنهاية كما وهم حمادة، بل طرحه كـ "محفز بقاء" يدفع مجتمعه ونخبته السياسية والعسكرية إلى دراسة جميع الخيارات وحساب التهديدات القريبة والبعيدة، والعمل الدؤوب على تحصين بنية الدولة من كافة النواحي العلمية والاقتصادية والعسكرية. إن القدرة على الصمود، وعلى إنجاز المخططات والمشاريع التي تمتد لعشرات السنين في المستقبل، هي التي تحدد استمرارية الدول ووجودها حقيقةً على رقعة الشطرنج العالمية، وليس التمني الرخيص ولا الثقة الأكذوبة بالنبوءات والتنجيم السياسي.
غير أن الكاتب المؤدلج يعجز عن التقاط هذا الفارق الجوهري بين إدارة المخاطر وتوقع السقوط. يتجاهل حمادة، ومن يسير على نهجه من "غربان القضية" الذين يقتاتون على الشعارات والوعود الزائفة مثل بسام جرار وغيره ممن حددوا مواعيد مضحكة لـ "زوال إسرائيل" ومرت السنون لتبطل دجلهم، أن الكيانات القوية لا تسقط بالدعاء ولا بالخطابات الحماسية، بل بخلل داخلي هيكلي أو بتفوق حضاري وعسكري موضوعي يفرضه الخصوم. وبينما ينشغل الفكر التأميراتي والأيديولوجي بانتظار "النبوءة"، يمارس الخصم عملية تراكم للقوة والتطور المؤسساتي والتقدم التقني والعلمي، مما يحول قلقه التأسيسي الأول إلى درع صلب يحميه من الهزات السياسية والعسكرية.
وما يثير الرثاء والغم في هذا المقال ليس فقط تهافت تحليله للخصم، بل المنظور السيكولوجي والسياسي للكاتب نفسه بصفته مواطناً لبنانيين. يأتي هذا النص الصادر عن كاتب يحمل الجنسية اللبنانية ليطرح علامات استفهام أخلاقية ووطنية كبرى وشديدة المرارة. كيف لكاتب ينتمي إلى وطن أُثخن بالجراح، وتم شل مؤسساته واستباحة سيادته، أن يتماهى كلياً مع قضية جماعات أخرى تسببت بشكل مباشر وفاقع في تخريب بلده واستعماره في حقب تاريخية مشهودة؟ إن التاريخ اللبناني الحديث يحتفظ بصفحات سوداء لا يمكن مسحها ببلاغة المقالات المنمقة؛ فقد شهد لبنان ما سمي بـ "جمهورية الفكهاني" وسيطرة السلاح الفلسطيني عبر تنظيمات مثل "فتح لاند"، وهي تجارب حوّلت أرض لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة وشلّت الدولة الوطنية وألغت منطق القانون واستجلبت دماراً هائلاً عبر استدعاء الرد العسكري الإسرائيلي المباشر واجتياح البلاد.
إن الخطاب الذي يمثله حسن حمادة يعبر عن حالة نادرة من "الاستلاب الوطني"، حيث يتم التضحية بالمصلحة القومية والوطنية العليا للبنان ومستقبل أبنائه واستقراره، لحساب شعارات تقودها شريحة خرّبت لبنان واستخدمته كمنصة ومجرد ورقة تفاوضية. حين يقدم كاتب ذاته كمفكر ومؤرخ، ثم يغمض عينيه تماماً عن أهوال الحرب الأهلية اللبنانية والدمار الذي لحق ببيروت والجنوب والجيل اللبناني بأكمله نتيجة المصادرة الفلسطينية للقرار اللبناني، فإنه يضع نفسه في موقع التواطؤ الأيديولوجي ضد بلده. وحين تبيع قضية وطنك الذي يتكئ على أزمات اقتصادية وسياسية ووجودية طاحنة، لتصفق لمن استباح أرضك وجلب لك الاجتياحات والدمار، ما النعت الذي يجب أن يطلق عليك حينها سوى الارتهان وتجريد الذات من الحقيقة الوطنية؟
إن هذا النوع من الكتابات يُظهر كيف تخلت فئات من النخبة الثقافية في المشرق العربي عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في نقد الواقع وبناء الدولة الوطنية المستقلة، واستبدلت ذلك بالاندراج في مشاريع إقليمية عابرة للحدود. يهاجم الكاتب في مقاله ما يطلق عليه اسم "الصهيونية العربية"، ويمارس توزيع اتهامات الخيانة والعمالة يميناً وشمالاً على كل من يدعو إلى العقلانية السياسية أو يطرح خيار خفض الخسائر وحماية المجتمعات. لكنه ينسى أو يتناسى أن الخيانة الحقيقية والعمالة المقنعة تبدأ من التفريط بوطنك الأصلي، ومن تحويل بلدك إلى الوقود الذي يُحرق في أتون حروب الآخرين، ومن تعطيل قيام الدولة اللبنانية القوية لصالح الميليشيات والمشاريع الأيديولوجية التي تستمد مشروعيتها من مأساة فلسطين.
الخطاب المؤدلج عند حمادة يقدم للجمهور جرعات متتالية من المخدر الفكري. فهو يحاول إقناع القارئ اللبناني والعربي بأن Victory أمر محسوم، وأن الهزائم المتلاحقة والانكسارات الميدانية والتدهور الاقتصادي والتفتت الاجتماعي ليست سوى محطات عابرة في طريق "النصر الإلهي الحتمي". إنه يقرأ الوقائع بمعكوسها؛ فبدلاً من أن يرى أن صمود الدول وقوتها يعتمدان على التخطيط العلمي والاستقرار والتطور الاقتصادي والتقدم العلمي والتلاحم الاجتماعي، يرى أن الضعف والشتات والهذيان الخطابي هي الممهدات الكبرى للنصر. إنها حالة نموذجية لإنكار الواقع، تتغذى على الأساطير وتقتات على الجهل بموازين القوى الحديثة.
يتجلى هذا العقم الفكري بشكل أوضح عندما نتطلع إلى الواقع اليوم، بعد مرور سنوات طويلة على نشر ذلك المقال في عام 2021. لقد توالت السنون وحدثت زلازل وصراعات عاتية في المنطقة، وأثبتت الأيام كذب كافة التنبؤات والأوهام التي روّج لها حمادة وأقرانه من دجالي السياسة. مرّت الأحداث الجسام، وخاضت المنطقة مواجهات حرجة واختبارات قياسية، ولكن ما هي النتيجة العملية على أرض الواقع الملموس؟ لقد ظلت الدولة الصهيونية قائمة، صامدة، وتتجاوز أزماتها بفضل المؤسسات الصلبة والقدرات التكنولوجية والاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية الممتدة. بل إن اقتصادها واصل النمو والتطور، واستطاعت أن تعزز موقعها الإقليمي والدولي وتفرض معادلاتها على الأرض.
وفي المقابل، ماذا حدث لكل أولئك الذين ساروا خلف القضية الفلسطينية بنسختها المؤدلجة واستسلموا لشعارات "المقاومة" المزعومة وضحوا بدولهم الوطنية؟ لقد انحدرت بلدانهم إلى الهاوية. انظر إلى وضع لبنان اليوم، وإلى الوضع في سوريا واليمن وغزة نفسها؛ خراب شامل، اقتصاد مدمّر، بنية تحتية متهالكة، وشعوب تشردت وتعيش تحت خط الفقر، بحثاً عن لقمة العيش وعن أسباب البقاء الأساسية. كل طرف ارتهن لهذه الشعارات الزائفة وربط مصيره بوهيمية "حتمية زوال إسرائيل" انتهى به المطاف إلى الانحسار والاندحار والتراجع العقود إلى الخلف. إن الواقع يقدم يوماً بعد يوم درساً قاسياً ومباشراً: الأماني لا تبني دولاً، والشعارات لا تحمي السيادة، والنبوءات الأيديولوجية لا تصمد أمام الطائرات والدبابات ومراكز الأبحاث واقتصادات المعرفة.
إن خطورة مقال حسن حمادة، وأمثاله من المقالات التي تملأ صحف ومواقع خط "المقاومة"، تتعدى مجرد كونها تحليلاً سياسياً خاطئاً إلى كونها أداة هدم وتجهيل جمعي. إنها تحرم الشارع العربي واللبناني من فرصة التفكير النقدي الشجاع، ومن القدرة على مراجعة الذات وحساب الأرباح والخسائر بشفافية ومسؤولية. حين يقتنع الفرد بأن النصر حتمي وأن الخصم يترنح ويزول بذاته وفق نص تاريخي أو بوح ليلى من الخمسينيات، فإنه يعفي نفسه من مسؤولية العمل، ومن التطوير، ومن المحاسبة، ومن بناء المؤسسات وتطوير التعليم وبناء الاقتصاد المنيع. إنها ثقافة الاتكالية المطلقة التي ترتدي لبوس الثورية.
علاوة على ذلك، يمارس حمادة في مقاله عملية تزوير ثقافي وسياسي عندما يختزل مفاهيم الوطنية والكرامة في خيار واحد هو الانخراط غير المشروط في هذا المشروع التدميري. فهو يعتبر كل من يسعى من أجل التسوية، أو ينادي بالحفاظ على لبنان أولاً وأخيراً، مجرد "صهيوني عربي" أو خائن للتراب. هذا التخوين المبتذل يهدف إلى إرهاب العقل والفكر، وإسكات الصوت اللبناني الوطني الذي يصرخ منذ عقود مقدماً الحجة تلو الحجة: إن مصلحة لبنان العليا، وحماية أرضه وشعبه وثرواته، يجب أن تقدم على أي قضية أخرى مهما كانت، وأن اللبناني ليس مستعداً لمواصلة انتحاره الجماعي وتقديم أبنائه وقربانه على مذبح قضايا أثبت أصحابها أنفسهم أنهم يتاجرون بها أو يديرونها بمنطق المحاصصة والفساد والأجندات الإقليمية.
إن التحليل المتأني لخطاب حمادة يتطلب منا أيضاً التوقف عند مصطلحاته المستهلكة المليئة بالتشنج؛ فبينما يصف قادة الخصم بأنهم "مهابيل بالقياس إلى الآباء المؤسسين"، يتجاهل أن هؤلاء "المهابيل" بحسب وصفه العاطفي المراهق يقتادون مجتمعهم عبر أعقد الأزمات العسكرية والسياسية، ويستحدثون أنظمة دفاعية واقتصادية هي الأحدث عالمياً، ويقيمون تحالفات علمية واستراتيجية مع أعتى القوى الكونية. إن استخدام لغة الشتائم والتقليل المبتذل من الخصم ليس إلا دليلاً على العجز الفكري والشعور بالهزيمة النفسية العميقة التي يحاول الكاتب تغطيتها بطبقات كثيفة من الصراخ والادعاء.
إن القادة والساسة والكتّاب الحقيقيين هم من ينظرون إلى الخصم بعين المجرد من العواطف، يدرسون نقاط قوته قبل ضعفه، ويعترفون بتفوقه كي يستطيعوا بناء استراتيجية مواجهة حقيقية أو استراتيجية حماية للذات. أما من يتعامل مع الخصم بلغة الاحتقار الزائف ويبشر بانهياره الوشيك بناءً على نصوص مجتزأة، فهو لا يقدم سوى الوهم والتضليل. لقد علمنا التاريخ أن الشعوب التي تعيش على الخرافات والأوهام السياسيّة تكون هي الضحية الأولى حين يصطدم الوهم بجدار الواقع الصلب.
ختاماً، إن مقال حسن حمادة الصادر عام 2021 ليس إلا وثيقة تاريخية إضافية تثبت عقم الفكر المؤدلج ومأزق الخطاب السياسي الذي ارتهنت له أجزاء من النخبة اللبنانية والعربية. إنه نموذج للتفكير الرغبوي الذي يعيد قراءة الوقائع والنصوص ليس لمعرفة الحقيقة، بل لإرضاء التحيزات المسبقة وتسكين آلام الواقع المريض. لقد جاءت السنون لتثبت أن بن غوريون كان يفكر بمنطق الدولة التأسيسية التي تخشى الموت فتحمي نفسها بأسباب القوة والتحديث، بينما كان حمادة ومن يسير على خطاه يفكرون بمنطق الهواة الذين ينتظرون زوال الخصم بالمعجزات للنوم على وسادة العجز. إن الدرس الأكبر الذي يجب أن يستوعبه الشارع اللبناني اليوم هو ضرورة الاستفاقة من هذه الكوابيس الأيديولوجية، والعودة الصارمة إلى الواقعية السياسية التي تضع لبنان وسيادته وازدهار أبنائه فوق كل اعتبار، ونبذ كل قلم أو خطاب يبيع مقدرات الوطن وقضاياه الجوهرية لحساب قضايا زائفة لم تجلب للمنطقة سوى الخراب والتخلف والدمار.
.
