.
.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(59) عبقري زمانه جون كولمان ونظرية الثلاثمائة سوبرمان
في عالم لا تنقصه الغرائب، يبرز الدكتور جون كولمان (John Coleman) كأحد أبرز "المفكرين" الذين اكتشفوا أن العالم كله يديره ثلاثمائة شخص يجتمعون في غرفة سرية تحت الأرض، يتقاسمون السيطرة على البنوك والحكومات والإعلام وحتى على قراراتك اليومية بشأن نوع القهوة التي تشربها في الصباح. الرجل الذي يقدم نفسه كضابط استخبارات بريطاني سابق، يبدو وكأنه قرر أن يكتب كتاباً ليس عن الاستخبارات، بل عن الخيال العلمي السياسي، وأسماه "تسلسل المتآمرين: لجنة الثلاثمائة"، ليكشف لنا أن الأرستقراطية البريطانية اجتمعت في عام 1727 وقررت أن تسيطر على العالم، وكأنها كانت تملك خريطة واضحة لخطة عمل تمتد لثلاثمائة سنة قادمة، مع أن معظم الأرستقراطيين في ذلك الوقت لم يكونوا قادرين على إدارة مزارعهم بشكل صحيح.
المضحك في نظرية كولمان أنها تقدم "الأولمبيين" ككائنات خارقة للطبيعة، يشبهون شخصية سوبرمان السينمائية لكن ببدلات رسمية، يقررون تقليص سكان الأرض وإنشاء حكومة عالمية واحدة والتخلص من "آكلي الطعام غير المفيدين"، وهو وصف يبدو وكأنه مأخوذ من فيلم رعب من الدرجة الثانية، لكنه يُقدَّم بجدية تامة على أنه حقيقة موثقة. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت هذه اللجنة تمتلك كل هذه القوة المطلقة، فلماذا لا تتدخل لمنع كولمان نفسه من نشر كتابه؟ الرجل يزعم أن أي شخص يكشف أسرارهم يُقتل، لكنه هو نفسه نشر كتاباً كاملاً يفضحهم، وما زال يتنفس، بل ويمنح المقابلات ويوقّع الكتب. هذا التناقض لا يحتاج إلى محلل نفسي ليكتشفه، بل يكفي أن نسأل أي طفل في العاشرة: إذا كانوا يستطيعون قتلك، فلماذا لم يفعلوا ذلك بعد أن كشفتهم في كتاب يُقرأ في كل مكان؟
والأطرف من ذلك هو أن كولمان يزعم أن لديه "معلومات سرية" من أيام عمله في الاستخبارات، لكن كتابه يخلو تماماً من أي حاشية أو فهرس أو وثيقة واحدة يمكن التحقق منها، وكأنه يقول: "ثق بي، أنا رجل استخبارات، وأقسم أنني رأيت الملف". هذا النوع من الإثبات الذاتي يجعل من نظريته أشبه بحكاية جدّة تُروى للأطفال قبل النوم، لكنها تُقدَّم للبالغين كتحليل سياسي عميق. والأدهى أن الكتاب يحتوي على أخطاء تاريخية صارخة، مثل ادعائه أن "تقرير جلوبال 2000" هو خطة سرية لتقليص السكان، والحقيقة أنه مجرد دراسة أكاديمية رسمية أمريكية حول الاتجاهات العالمية، لا علاقة لها بأي لجنة سرية، وكأن الرجل قرأ عنوان التقرير وقرر أن يبني عليه فيلم رعب من ثلاثة أجزاء.
ثم تأتي المسألة الأكثر إحراجاً: إذا كانت "لجنة الثلاثمائة" تسيطر على كل شيء، فلماذا يبدو العالم فوضى عارمة؟ لماذا الحروب والمجاعات والأزمات الاقتصادية والانقلابات؟ هل هؤلاء السوبرمان الثلاثمائة غير قادرين على إدارة الكوكب بشكل جيد؟ أم أنهم يخططون لكل هذه الفوضى عن قصد، وهو تفسير يجعلهم إما أغبياء أو أشراراً في أفلام كرتونية، وليسوا مجموعة كائنات خارقة تسيطر على كل تفاصيل الحياة. والحقيقة أن الحكاية كلها مهزلة، لأن كولمان نفسه هو الدليل الحي على أن "اللجنة" إما غير موجودة أو أنها مجموعة من العجائز الذين لا يستطيعون حتى إسكات رجل يسترزق من إصدار كتب تتحدث عنهم وتباع على أمازون.
.
.

