Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (60) قطيع جون كولمان الناطق بالعربية ومجلس إدارة العالم (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(60) قطيع جون كولمان الناطق بالعربية ومجلس إدارة العالم



في عالم السياسة والفكر، هناك نظريات تُولد ميتة، وأخرى تُولد وتكبر وتصبح أسطورة، ونظرية جون كولمان عن "لجنة الثلاثمائة" التي تحكم العالم هي واحدة من النظريات التي وجدت أرضاً خصبة في تربة عربية إسلامية، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها ببساطة تناسب المزاج العام الذي يبحث عن شماعة يعلق عليها فشله. فالشعوب الناطقة بالعربية، التي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة، وجدت في هذه النظرية تفسيراً جاهزاً لكل مشاكلها، فبدلاً من أن تسأل نفسها لماذا فشلت في إدارة دولها ومؤسساتها ومواردها، وجدت الجواب السحري: هناك ثلاثمائة شخص في غرفة سرية يديرون كل شيء، ونحن مجرد ضحايا.

والحقيقة أن هذه النظرية وجدت أرضية خصبة لعدة أسباب، أولها أن هذه المجتمعات تعاني من إحباط مزمن بسبب فشلها الذاتي في بناء دول حديثة قادرة على المنافسة، فبدلاً من مواجهة هذا الفشل، يتم تحويله إلى مؤامرة خارجية. وثانيها أن هناك عداوة دينية متجذرة تجاه اليهود، وهي عداوة تغذيها نصوص وقراءات تاريخية معينة، ثم أضيفت إليها عداوة مع الغرب غذتها التيارات اليسارية والقومية التي صورت الغرب كاستعماري يخطط دائماً لتدمير العالم العربي. وهكذا اجتمعت كل هذه العوامل لتخلق مناخاً مثالياً لنظرية المؤامرة، حيث يصبح كل حدث مهما كان صغيراً دليلاً على وجود "لجنة الثلاثمائة" أو "الماسونية" أو "الصهيونية العالمية".

ولا يمكن الحديث عن هذا الموضوع دون ذكر الكتاب المزيف "بروتوكولات حكماء صهيون"، الذي يعد من أكثر الكتب مبيعاً في العالم العربي، رغم أنه أثبت زيفه مراراً وتكراراً، بل وحتى المحاكم في أوروبا حكمت بأنه مزور. لكن هذا لا يهم، لأن القارئ العربي يريد أن يصدق، ويريد أن يجد تفسيراً بسيطاً لعالم معقد، فيجد في هذه البروتوكولات المزيفة ضالته، ويجد في كولمان وأمثاله بطلاً كشف له الحقيقة التي أخفاها عنه "الإعلام الصهيوني".

ثم تأتي الشخصيات العربية التي تبنت هذه النظرية وروجت لها، لتضيف إلى المهزلة فصولاً جديدة. توفيق عكاشة، الذي يطل على الشاشات ليتحدث عن "مجلس إدارة العالم" وكأنه يجلس معهم على طاولة واحدة، ويقدم توقعاته الغامضة عن سقوط الأنظمة وتقسيم الدول، وكأنه نبي جديد أُرسل ليكشف لنا أسرار الكواليس. ومحمد موسى، الذي ألف كتاباً عن "شباك الخفاء" والماسونية والصهيونية، ليعيد تدوير نفس الأسطوانة المشروخة. وأمجد طه، الذي يروج لمحتوى مشابه على وسائل التواصل، وكأنه وجد في هذه النظرية تجارة رابحة. هذه الشخصيات وغيرها تساهم في نشر الجهل والكراهية وفكرة المظلومية، وتجعل من الشعوب العربية كتلاً من المتفرجين الذين ينتظرون من يخرجهم من سجنهم، بدلاً من أن يتحركوا لبناء مستقبلهم.

والحقيقة أن هذه النظرية، بكل تفاصيلها السخيفة، تخدم هدفاً واحداً: إبقاء هذه المجتمعات في حالة تخلف وجهل، لأن من يظن أن كل شيء بيد "لجنة الثلاثمائة" لن يحاول تغيير أي شيء، ولن يطالب بإصلاح، ولن يحاسب حاكماً فاسداً، لأنه سيقول: "ماذا أفعل؟ هم يسيطرون على كل شيء". وهكذا تتحول نظرية المؤامرة من تفسير للعالم إلى مخدر يخدر الشعوب ويجعلها تقبل بواقعها المرير، وتجد في كولمان وأمثاله من يطبطب على جراحها ويقول لها: "أنتم ضحايا، ليس لكم ذنب". والمهزلة الحقيقية ليست في نظرية كولمان نفسها، بل في قطيع يتبعه في كل مكان، يرفع شعارات ويكرر عبارات، دون أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً: إذا كانت هذه اللجنة موجودة، فلماذا لا تتدخل لتصمت كولمان نفسه الذي يكشف أسرارها في كتابه؟





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...