.
.
خواطر هائم في عالم البهائم: (67) أوروبا: إما حروب استرداد جدّيّة (Reconquista) وإما الخراب
أوروبا اليوم تقف على حافة الهاوية، لا بسبب أزمة اقتصادية عابرة أو خلاف سياسي عادي، بل بسبب هجرة غير مضبوطة جلبت إليها شعوباً لا تكنّ لأوروبا أي مودة حقيقية، شعوباً جاءت من العالم العربي وإفريقيا وهي تحمل في جعبتها سرديات المظلومية التاريخية والرغبة في التعويض عن ماضٍ استعماري متخيل، وفي الوقت نفسه تحمل في قلبها حلماً إسلامياً قديماً بالغزو والاحتلال واستعادة الأندلس التي استردها الأوروبيون ذات يوم بعد قرون من السيطرة العربية الإسلامية. هؤلاء لا يأتون ليبنوا أو يندمجوا، بل ليأخذوا ما يرونه حقاً مستحقاً، وليغيروا وجه القارة التي استقبلتهم بسذاجة مفرطة. واليسار الأوروبي، ذلك الكائن الطفولي الذي يحلم بثورة خرافية ويكره الغرب ونجاحه، يجد في هؤلاء الحلفاء المثاليين، فيتحالف معهم ضد الدولة الوطنية وضد كل ما صنع حضارة أوروبا، ويحول الشوارع إلى مسارح للتخريب باسم العدالة الاجتماعية الزائفة.
ما حدث في فرنسا يومي السابع عشر والثامن عشر من أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين ليس مجرد اضطراب عابر، بل هو ناقوس خطر يدق بقوة. جامعات تُخرب، مبانٍ حكومية تُحرق، ممتلكات تُنهب بمليارات اليورو، وأعلام غريبة ترفرف فوق أنقاض الجمهورية: علم فلسطين الذي أصبح رمزاً للإرهاب المعاصر، وعلم الجزائر الذي يوظف سردية الاستعمار الفرنسي لزرع الكراهية الدائمة ضد فرنسا وأوروبا كلها. وفي خضم هذا المشهد يأتي غريتا تونبرغ، تلك الناشطة التي تلف نفسها بالكوفية الفلسطينية، لتبث المزيد من الكراهية وتساند أحباءها من اليسار والإسلاميين، وكأنها تؤكد أن التحالف بين الطفولية اليسارية والتطرف الإسلامي ليس خيالاً بل واقعاً يتجسد أمام الأعين. هذه ليست احتجاجات على غلاء المعيشة فحسب، بل تعبير صريح عن رغبة في إسقاط المنظومة الأوروبية واستبدالها بشيء يشبه ما يسود في معظم الدول الناطقة بالعربية والمعتنقة للإسلام ومعظم دول إفريقيا: بؤر تخلف وانحطاط وإرهاب مزمن.
الولي الفكري لهذا الخراب هو اليسار الذي يرفض الاعتراف بأن الشعوب التي تستقبلها أوروبا لا تحمل بالضرورة قيم الحرية والمساواة، بل تحمل في كثير من الأحيان رغبة في الاستيلاء والتعويض والانتقام. المنظور الإسلامي الذي يستحضر الأندلس الضائعة لا يرى في أوروبا إلا أرضاً يجب استعادتها، تماماً كما يرى بعض العرب في الهجرة فرصة لنهب ما يسمونه ثروات الاستعمار. واليسار، بدلاً من الدفاع عن إنجازات الغرب، يكره نجاحه ويحلم بثورة طوباوية تحول الشوارع إلى ساحات قتال، ويغض الطرف عن الإرهاب طالما أنه يخدم سرديته المعادية للدولة الوطنية. هكذا يصبح التحالف بين اليسار والإسلاميين والإرهابيين أمراً طبيعياً، ويصبح الدفاع عن الحدود خيانة، ويصبح طرد من يستهدف البلاد وأهلها جريمة ضد الإنسانية.
كلام دونالد ترامب عن أن باريس ستصبح مدينة للمسلمين ليس تدخلاً في شؤون فرنسا ولا تحريضاً رخيصاً، بل هو استنتاج طبيعي يصل إليه أي شخص عاقل يراقب الواقع. حين ترى الأعلام الأجنبية ترفرف فوق المباني المحترقة، وحين ترى العنف المنظم والنهب المنهجي، وحين ترى اليسار يبرر كل ذلك باسم المظلومية، فإن التنبؤ بمصير العواصم الأوروبية يصبح مجرد قراءة للواقع لا نبوءة. أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ريكونكيستا جديدة جادة، حروب استرداد حقيقية تستعيد السيطرة على الحدود والمجال العام والثقافة، أو الخراب الكامل الذي يحول القارة إلى مرتع للإرهاب والإرهابيين وبؤرة تخلف وانحطاط تشبه ما نراه في معظم الدول العربية والإسلامية والإفريقية.
يجب إغلاق الحدود فوراً، وطرد كل عنصر يستهدف البلاد وأهلها، وسجن كل من يسعى لإسقاط فرنسا سواء أكان من الأحزاب أو الشخصيات أو الجماعات. التساهل مع الهجرة غير المضبوطة والتحالف اليساري الإسلامي لم يعد مجرد خطأ سياسياً، بل أصبح انتحاراً جماعياً. الأندلس استُردت ذات يوم لأن الأوروبيين قرروا أن يدافعوا عن وجودهم، واليوم إما أن تفعل أوروبا الشيء نفسه بجدية، أو تنتظر أن تصبح مجرد ذكرى في كتب التاريخ التي يكتبها المنتصرون الجدد. السخرية المرة هنا أن اليسار الذي يدعي الدفاع عن المظلومين هو من يسلم مفاتيح القارة لمن يريدون نهبها وتغييرها بالقوة، وأن أوروبا التي علمت العالم الحرية توشك أن تفقد حريتها على يد من جاءوا إليها يطلبون اللجوء ثم قرروا أن يحولوها إلى مستعمرة جديدة. إما استرداد جاد أو خراب كامل، والتاريخ لن يرحم من اختار البلاهة.
.
