Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (57) أجوبة الأديان لسؤال الغاية من وجود الإنسان (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(57) أجوبة الأديان لسؤال الغاية من وجود الإنسان





لو افترضنا للحظة أن الآلهة موجودة، وأننا استطعنا أن نثبت وجودها بدليل يشبه الدليل على وجود الشمس أو البكتيريا، أي شيء يمكن رؤيته وقياسه وتكراره دون أن يجرؤ عاقل على إنكاره، فإن السؤال الحقيقي الذي يهرب منه المؤمنون كمن يهرب من طاعون لا يزال معلقاً في الهواء كجثة متعفنة: لماذا خلقت هذه الآلهة الحياة أصلاً؟ ولماذا أوجدت هذا المخلوق البائس المسمى إنساناً؟ الأجوبة التي تقدمها الأديان على هذا السؤال لا تثبت شيئاً سوى أن الآلهة المفترضة إما عبثية إلى حد الجنون، أو ناقصة إلى حد العجز، أو شريرة بصفة مطلقة لا تقبل التأويل.

خذ أولاً الجواب المفضل لدى الجميع: خُلقنا للعبادة. إله عظيم لا نهائي القدرة والعلم والوجود يحتاج إلى مخلوقات ضعيفة فانية تركع وتسجد وتسبح باسمه ليل نهار. هل هناك اعتراف بالنقص أوضح من هذا؟ إله يخلق عبيداً ليملأوا فراغ غروره، ثم يعاقبهم إذا لم يفعلوا. كأن مليونيراً يبني قصراً مليئاً بالخدم ثم يغضب إذا لم يصفّقوا له في كل خطوة. هذا ليس إلهاً، هذا طفل مدلل يملك قوة نووية.

ثم يأتي الجواب الثاني الأكثر لطفاً ظاهرياً: خلقنا من رحمته. رحمة مطلقة تتجلى في السرطانات التي تنهش الأطفال، والزلازل التي تدفن العائلات أحياء، والحروب التي تحول المدن إلى مقابر جماعية، والأمراض الوراثية التي تجعل الحياة نفسها عذاباً مستمراً. رحمة تترك ملايين يموتون جوعاً بينما تمتلئ بطون الآخرين. إذا كانت هذه هي الرحمة المطلقة، فماذا يكون الشر المطلق؟ ربما يكون مجرد إجازة قصيرة من العمل.

أما فكرة الاختبار والتجربة فتفتح باباً أوسع للسخرية. إله يعلم كل شيء مسبقاً، يعرف من سينجح ومن سيفشل قبل أن يخلق الزمن نفسه، ثم يقرر أن يقيم امتحاناً هائلاً مليئاً بالدماء والدموع ليرى... ماذا؟ ما كان يعرفه أصلاً؟ هذا ليس اختباراً، هذا مسرحية هزلية يؤديها ممثلون مجبرون على تمثيل أدوار مكتوبة سلفاً، ثم يُعاقبون إذا لم يؤدوها بإخلاص كافٍ. إله يعرف النتيجة ويصر على عرض المسرحية بأكملها، بما فيها مشاهد التعذيب والإبادة، هو إما سادي يستمتع بالمعاناة أو أحمق لا يدرك عبثية ما يفعل.

ويأتي من يقول: لأنه يحب خلقه. الحب الذي يخلق كائنات ليجعلها تتألم ثم يطالبها بالامتنان. الحب الذي يسمح بالزلازل والأمراض والحروب ثم يسمي ذلك حكمة. إذا كان هذا هو الحب الإلهي، فالأفضل للبشرية أن تُبغض من قبل الآلهة، لأن البغض على الأقل قد يكون أقل تدميراً.

أما الذين يلجأون إلى القول بأن الغاية تفوق فهم البشر، فهم يعترفون ضمناً بأن العقل البشري غير مسموح له بطرح الأسئلة الحقيقية. هذه ليست إجابة، هذه إغلاق للدكان وإعلان الإفلاس الفكري. كلما ضاقت الحجة اتسع نطاق "الحكمة التي لا تُدرك"، وهي طريقة مهذبة للقول: اسكت ولا تفكر.

المشكلة ليست فقط غياب الدليل الحسي القابل للقياس على وجود هذه الآلهة. المشكلة الأعمق أن كل غاية يمكن تصورها لهذه الآلهة تفشل فشلاً ذريعاً أمام حجم المعاناة الهائل الذي يغرق فيه الوجود. لا توجد غاية، مهما كانت سامية في خيال اللاهوتيين، تستحق ثمن طفل يموت محترقاً أو أم تفقد أبناءها واحداً تلو الآخر أو شعوباً تُباد باسم الدين نفسه. حتى لو وُجدت الآلهة، فإن صفاتها المطلقة المفترضة تنهار أمام هذا الواقع. إله يحتاج إلى العبادة ناقص. إله يسمح بهذا القدر من الألم ليس رحيماً. إله يختبر ما يعرفه مسبقاً عابث. إله يبرر كل شيء بحكمته الخفية ليس حكيماً بل متلاعباً.

النتيجة المنطقية واضحة: إما أن هذه الآلهة غير موجودة، وهذا هو الاحتمال الأكثر اتساقاً مع غياب أي دليل حقيقي، أو أنها موجودة لكنها لا تستحق العبادة ولا الاحترام ولا حتى الاهتمام. الإيمان بها ليس نتيجة عقلية ضرورية، بل اختيار شخصي يعتمد على العادة والخوف والتربية أكثر مما يعتمد على أي حجة قاهرة. والأجوبة الدينية على سؤال الغاية من الوجود ليست سوى محاولات يائسة لتزيين عبثية مطلقة بثوب مقدس.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...