تقف إسرائيل كظاهرة سياسية وفريدة في قلب الشرق الأوسط، حيث تشكل استثناءً ديمقراطياً يمارس فيه المواطنون حقوقهم السياسية بفاعلية وسط محيط هادر من الاستبداد والحروب والتناحر الإقليمي المستمر. يمارس الشعب هناك الديمقراطية الفعلية من خلال انتخابات الكنيست الدورية، وتداول السلطة، وحرية التعبير، ونقد القيادات السياسية ومحاسبتها بشكل علني وصريح أمام القضاء والإعلام. هذه الممارسة السياسية المفتوحة تبدو كأنها مفارقة جغرافية وتاريخية في منطقة تعاني برمتها من غياب تام لأي نموذج سياسي حقيقي يمنح الإنسان حقه الأصيل في اختيار حكامه أو التعبير عن رأيه بحرية دون خوف من البطش. إن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمثلان متحفاً مفتوحاً لأنظمة الحكم الفاشلة، حيث تتنوع أشكال القمع والقهر لتشمل طيفاً واسعاً من الديكتاتوريات الدينية والأمنية الواضحة والمتفاخرة بقمعها مثل إيران، التي تحولت إلى ثيوقراطية متزمتة تسحق شعبها وتصدر الفوضى العابرة للحدود.
وإلى جانب النماذج الدينية المتطرفة، تعج المنطقة بملوك وإمارات يعامل فيها المواطن معاملة قطيع الأغنام، مسلوب الإرادة السياسية، لا يحق له اختيار حكامه ولا حتى مجرد الاعتراض على سياسات مالكه المطلق. وفي جانب آخر من المشهد، تبرز دول فاشلة سياسياً ومنخورة بالفساد الإداري والمالي على كافة المجالات والمستويات، تماماً مثل لبنان الذي تحول إلى مجرد ساحة ومحيط متهالك ومخطوف لصالح ميليشيات طائفية ترعاها قوى إقليمية متخلفة. كما تضم المنطقة جمهوريات ديكتاتورية بوليسية وعسكرية جامدة، لا يتغير فيها رأس السلطة إلا بموت الحاكم أو بانقلاب عسكري يطيح به ليأتي طاغية جديد بنفس العقلية الاستبدادية، وهذا هو الحال النموذجي والمأساوي لكافة الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دون استثناء يذكر.
وفي قلب هذه المنظومة الديمقراطية الإسرائيلية، تجسد وضعية المواطنين العرب، المعروفين بعرب ثمانية وأربعين من مسلمين ومسيحيين ومختلف الطوائف الأخرى، أقصى صور التجربة السياسية المفتوحة التي تفتقر إليها كافة الدول المجاورة. هؤلاء المواطنون يتمتعون بحق المواطنة الكاملة وحق الانتخاب والترشح لدخول البرلمان الإسرائيلي الكنيست بكل حرية ودون أي ضغوط أمنية أو سياسية تشبه تلك التي تمارسها الأنظمة الاستبدادية. وتبرز المفارقة الفاقعة في كون العديد من ممثليهم وقطاعات منهم يعبرون علناً عن مواقف سياسية متطرفة، تصل إلى حد تأييد المنظمات المسلحة والتنظيمات الإرهابية مثل حركة حماس، والامتناع عن إدانة العمليات والإرهاب الموجه ضد الدولة التي يحملون جنسيتها والمجتمع الذي يعيشون فيه. ورغم هذه المواقف الحادة التي لا يمكن لتجمعات عربية أو إسلامية في أي دولة مجاورة أن تتفوه بكسر منها ضد أنظمتها الحاكمة، تظل حقوقهم الانتخابية والسياسية مكفولة ومحمية بالقانون الإسرائيلي والمؤسسات القضائية، وهو أمر غير متاح ولا متوفر للمواطنين في باقي دول المنطقة الذين يُساقون إلى السجون أو يُحرمون من أبسط حقوقهم بمجرد إبداء رأي مخالف أو نقد بسيط للرئيس أو الملك أو المفتي.
وسط هذا المستنقع الآسن من الديكتاتورية والتخلف السياسي والإنساني، تبرز مفارقة سيكولوجية واجتماعية بالغة السخرية؛ فجماهير هذه الدول المجاورة وشعوبها، المقموعة والمحرومة من أبسط حقوقها الإنسانية والسياسية، تتصرف كأنها مجموعات من الجهابذة والخبراء الاستراتيجيين المتخصصين في نقد إسرائيل وتحليل واقعها الداخلي وتاريخها المعقد. إنهم يظهرون كعباقرة لا يُشق لهم غبار في التنبؤ بمستقبل تلك الدولة وكشف عيوب مجتمعها وثغرات نظامها السياسي. إن المواطن العربي والمسلم المنهك من الاستبداد والقهر والبطالة وانعدام الأفق، يقضي ساعات طوالاً في النقاشات الحماسية والتحليلات التلفزيونية عبر الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي لتشخيص أمراض الديمقراطية الإسرائيلية ومحاكمة مؤسساتها، وكأن بلاده المتردية تنعم برخاء ديمقراطي ومدني لا مثيل له في تاريخ البشرية.
تكمن المهزلة الكبرى في هذا العمى الانتقائي المذهل وعقدة السلوك الجمعي، حيث تكون العيوب الفادحة والفضائح السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان الأصلية واضحة ومفضوحة وناطقة بالدم والفقر والانتهاكات اليومية، بينما تتعمد الأبصار الارتداد عنها وتغاضي الطرف عنها تماماً. إن توجيه كل طاقات النقد والتحليل نحو الخارج والعدو المفترض، مقابل الصمت المطلق أو التبرير الأعمى لديكتاتورية الحاكم المحلي وفساد المؤسسات الوطنية، يعكس أزمة وعي عميقة وهروباً نفسياً جماعياً من مواجهة الحقيقة المرة. إن شعوب الشرق الأوسط تفضل استهلاك أوهام البطولات الوهمية ونقد الآخرين لتخدير آلامها، لأن مواجهة العيوب الذاتية وبناء دولة القانون والحرية والتسامح تتطلب شجاعة وإرادة حقيقية تفتقدها هذه المجتمعات المأسورة في قوالبها التقليدية وأيديولوجياتها المغلقة.
إن مقارنة بسيطة بين واقع المواطن العربي داخل إسرائيل وواقع المواطن في باقي الدول العربية تعري هذه الازدواجية الفكرية وتفضح السلوك الجمعي القائم على الشعارات المفرغة. فبينما يستمتع العرب في إسرائيل بحقوق سياسية وقضائية تسمح لهم برفض سياسات الدولة والوصول إلى أعلى منصات التعبير والتشريع دون خوف من الاختفاء القسري أو الإعدام الميداني، يتعرض أقرانهم في الدول المجاورة للسجن لمجرد تغريدة أو منشور ينقد الأوضاع المعيشية. إن الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق الناصعة، والتركيز الحصري على شيطنة النموذج الديمقراطي الإسرائيلي ونقده من قبل شعوب تعيش تحت وطأة العبودية السياسية، يجعل هذا الواقع المرير مهزلة تاريخية وسياسية في أسوأ وأوضح تجسداتها الإنسانية والأخلاقية.
.
