Translate

مهزلة العقل العربي في مواجهة العقل اليهودي وفضيحة الأرقام بين غوغائية الكم ونخبوية الكيف (مقال)

.

.
مهزلة العقل العربي في مواجهة العقل اليهودي وفضيحة الأرقام بين غوغائية الكم ونخبوية الكيف




تمثل المقارنة بين المحتوى المعرفي المنتج باللغتين العربية والعبرية على شبكة الإنترنت وفي الأوعية المعلوماتية الحديثة صدمة حضارية تتجاوز حدود الأيديولوجيا لتستقر في صلب الحقائق المادية والإحصائية الصارمة التي لا تجامل أحداً ولا تعترف بالعواطف القومية الجريحة إننا أمام مشهد سريالي يتجلى فيه بؤس العقل العربي الذي يمتلك خزيناً ديمغرافياً يتجاوز أربعمئة وخمسين مليون نسمة مقابل عقل يهودي عبري لا يتجاوز الناطقون بلغه الثمانية ملايين إنسان داخل إسرائيل ومع ذلك فإن لغة الأرقام والمساهمة العلمية والتقنية تكشف عن هوة سحيقة تجعل من "السيادة العربية" مجرد وهم رقمي فارغ ومن "التفوق العبري" حقيقة مادية ملموسة تُصاغ في مخابر البحث ومراكز الابتكار فالمحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية رغم ضخامته العددية يعاني من ضحالة معرفية وتكرار إنشائي وغرق في الغيبيات والمساجلات الطائفية بينما يقدم المحتوى العبري مادة علمية وتقنية وثقافية رصينة تتناسب مع احتياجات العصر الحديث مما يطرح تساؤلاً وجودياً ومصيرياً حول مستقبل شعوب تستهلك الوهم وتنتج الهباء في مقابل شعوب تقبض على ناصية العلم وتصنع المادة والمنطق والسيادة.
إن الفضيحة الإحصائية تبدأ من تحليل نوعية المحتوى المنشور بالعربية حيث تشير الدراسات المسحية لبيانات الويب إلى أن الغالبية العظمى من الصفحات العربية تقع في خانة "المحتوى المكرر" أو "المنقول" الذي لا يضيف قيمة معرفية حقيقية بل هو مجرد اجترار لنصوص تراثية أو فتاوى دينية أو أخبار فضائحية وترفيهية رخيصة وفي المقابل نجد أن اللغة العبرية التي كانت قبل قرن من الزمان لغة طقوسية شبه ميتة قد تحولت إلى وعاء للمحتوى العلمي الفائق حيث تُترجم إليها أحدث الأبحاث العالمية وتُنتج بها دراسات أصلية في الفيزياء والبيولوجيا وهندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي بنسب تتفوق بمراحل على الإنتاج العربي قياساً لعدد السكان إن هذه المفارقة الديمغرافية تعكس خللاً بنيويًا في العقل العربي الذي لا يزال يرى في "اللغة" وعاءً للفخر والبيان والشعر بينما يراها العقل العبري أداة وظيفية للاشتباك مع المادة والسيطرة على الطبيعة وهذا الفرق في "الوظيفة" هو الذي جعل المحتوى العبري ثابتاً وقيماً ومؤثراً بينما ظل المحتوى العربي سائلاً وفارغاً ومضطرباً يعكس حالة التيه الحضاري التي تعيشها الشعوب الناطقة به.
وعندما نغوص في عمق المقارنة الديمغرافية نكتشف حجم المهزلة المعرفية فالإنسان العربي يمثل جزءاً من كتلة بشرية هائلة كان من المفترض أن تنتج محتوىً يوازي حجمها وتاريخها المدعى لكن الواقع يشير إلى أن المساهمة العربية في ويكيبيديا على سبيل المثال وهي مرآة لوعي الشعوب تظل متواضعة جداً مقارنة باللغة العبرية من حيث عمق المقالات ودقتها العلمية والتوثيق الأركيولوجي والمادي فالمقالة العبرية في الغالب تُكتب بروح البحث الأكاديمي الصارم المدعوم بالمراجع واللقى المادية بينما تسيطر "الإنشائية الأدبية" والنزعة الاعتذارية على المقالة العربية التي تهدف غالباً لتمجيد الذات أو الدفاع عن المقدس بدلاً من تقديم الحقيقة العارية إن هذا التفوق الكيفي للعبرية يذبح الادعاءات العربية حول "العالمية" ويثبت أن القيمة لا تكمن في كثرة الأفواه الناطقة بل في نوعية الأدمغة المفكرة القادرة على صياغة محتوى يتحدى الزمن ويقدم حلولاً مادية لمشكلات الوجود البشري المعاصر.
إن المحتوى العربي الضحل هو انعكاس لسيكولوجية "جيوش الحمير الرقمية" التي ناقشناها سابقاً حيث يتحول الإنترنت في العالم العربي إلى ساحة للغوغائية الرقمية التي تعيد إنتاج التخلف بصورة تقنية فالخوارزميات التي تغذي المحتوى العربي تميل نحو الإثارة والغيبيات لأن هذا هو ما يطلبه الجمهور بينما الخوارزميات في الوسط العبري واليهودي تتوجه نحو القيمة المضافة لأن العقل هناك مبرمج على الإنتاج لا على الاستهلاك العاطفي وهذا التناقض المادي يجعل الأمل في المستقبل بالنسبة للعرب يبدو ضئيلاً ما لم يحدث انقلاب جذري في بنية التفكير فالشعوب التي لا تساهم في المحتوى العلمي العالمي بلغتها الأم هي شعوب محكوم عليها بالتبعية والزوال المعرفي فالعبرية اليوم رغم قلة الناطقين بها هي لغة حية تخاطب المستقبل بينما العربية رغم كثرة الناطقين بها تبدو وكأنها لغة تحاول الهروب نحو الماضي أو الاختباء في جلباب الترجمة الرديئة التي لا تغني من جوع تقني.
علاوة على ذلك فإن فجوة المحتوى تعكس غياب المؤسسات البحثية الحقيقية في العالم العربي فالمحتوى العبري القوي هو نتاج لجامعات ومراكز أبحاث تعمل بروح المادة والمنطق وتعتبر إنتاج المعرفة ونشرها فعلاً وجودياً للحفاظ على البقاء بينما تعاني المؤسسات العربية من الترهل والتبعية للأيديولوجيا والسلطة مما جعل المحتوى المنشور يعبر عن رغبات "الرقيب" أو "الفقيه" أو "المهرج الرقمي" بدلاً من التعبير عن "العالم" إن نفاق المثقف العربي يظهر بوضوح هنا فهو يتحدث عن "عظمة الحضارة العربية" ولكنه يكتب ويساهم في محتوى فارغ من أي قيمة تجريبية بينما يكتفي العقل اليهودي بالصمت المنتج الذي تظهر نتائجه في براءات الاختراع والمنشورات العلمية التي تملأ قواعد البيانات العالمية وهذا الفرق بين "ضجيج الفارغ" و"صمت الممتلئ" هو جوهر المهزلة التي نعيشها حيث تحول العرب إلى ظاهرة صوتية رقمية بينما تحول اليهود إلى قوة مادية رقمية مهيمنة.
إن التساؤل حول أمل هذه الشعوب في المستقبل يأخذ طابعاً مأساوياً عندما ننظر إلى إحصائيات القراءة والبحث فالمستخدم العربي يبحث في الغالب عن تفسير الأحلام أو الأغاني أو السجالات المذهبية بينما يبحث المستخدم العبري عن الابتكارات التكنولوجية والتحليلات السياسية الرصينة والعلوم البحتة وهذا التباين في اهتمامات "المستهلك الرقمي" يحدد مسار التطور المستقبلي فالعقل الذي يتغذى على الضحالة لا يمكنه بناء حضارة صلبة والعقل الذي يتغذى على العلم لا يمكنه أن يُهزم حضارياً إن الشعوب العربية بسلوكها الرقمي الحالي تبرهن على أنها تعيش حالة "انتحار معرفي" طوعي حيث تضيع ساعات العمل والإنتاج في ملاحقة "ترندات" تافهة ومحتويات مكررة لا تزيد الوعي إلا تبلداً ونفاقاً بينما يستغل الطرف الآخر كل ثانية رقمية لتعزيز وجوده المادي وتوثيق روايته التاريخية بالأدلة الأركيولوجية والبحثية التي يفتقدها العرب في دفاعهم العاطفي عن "خرقتهم البالية" المسماة هوية.
إن العقل اليهودي استطاع عبر لغته العبرية المحدثة أن يخلق "إجماعاً علمياً" يتجاوز حدود الجغرافيا ليربط كل يهود العالم بشبكة معرفية فائقة القوة بينما فشل العقل العربي في تحويل لغته المشتركة إلى أداة للوحدة المادية بل حولها إلى سكين للتمزق الطائفي واجترار المظلوميات التاريخية فالمحتوى العربي على الإنترنت هو مرآة للتشرذم والضياع حيث تجد آلاف المواقع والصفحات التي يكفر بعضها بعضاً أو تتصارع على قضايا وهمية بينما المحتوى العبري يبدو ككتلة واحدة منسجمة تهدف لتعزيز المركزية اليهودية وتفوقها التقني وهذا هو الفرق بين "القطيع الرقمي" الذي يتباع الخوارزمية كالأعمى وبين "النخبة الرقمية" التي تصمم الخوارزمية وتوظفها لخدمة أهدافها القومية والمادية العميقة.
إن الخيانة المعرفية لليسار العربي وللمثقفين القوميين تتجلى في محاولتهم الدائمة لتبرير هذا الفشل المعرفي عبر إلقاء اللوم على الاستعمار أو "المؤامرة" متجاهلين أن العالم الرقمي مفتوح للجميع وأن أحداً لا يمنع العربي من كتابة محتوى علمي رصين أو تطوير برمجيات باللغة العربية لكن المشكلة تكمن في "العجز البنيوي" للعقل الذي استمرأ الغيبيات وهرب من المادة فالكتابة في العلم تتطلب جهداً وبحثاً وتدقيقاً بينما الكتابة في "كرامات الأولياء" أو "أمجاد الأجداد" لا تتطلب سوى خيال مريض ولسان طويل ولأن العرب اختاروا الطريق الأسهل فقد انتهى بهم الأمر إلى إنتاج محتوى ضحل لا قيمة له في ميزان القوى العالمي مما جعلهم خارج التاريخ الرقمي الفعلي رغم أنهم يتصدرون قوائم المستهلكين الأكثر نشاطاً في العالم.
إن المستقبل ينتمي لمن يملك "المعلومة الموثقة" و"المعرفة المنتجة" وليس لمن يملك "الصراخ الرقمي" إن المقارنة بين المحتوى العربي والعبري هي صرخة لإيقاظ ما تبقى من عقل مادي في هذه الأمة للتوقف عن عبادة "صنم الكم" والبدء في احترام "قدسية الكيف" فالرقم الذي يقول إن هناك ثمانية ملايين عبري ينتجون معرفة تضاهي ما ينتجه نصف مليار عربي هو رقم يذبح كل كبرياء كاذب ويضعنا أمام مرآة الحقيقة العارية التي تقول إننا أمة تأكل الكلام وتتبرز الوهم بينما الطرف الآخر يأكل العلم وينتج المادة والسيادة وبدون اعتراف صريح بهذا الفقر المادي والمعرفي وبدون تحول جذري نحو لغة العلم والبحث والأركيولوجيا والفيزياء سنظل مجرد "حمير رقمية" في حظيرة الآخرين ننتظر أن يكتبوا لنا تاريخنا ويحددوا لنا مستقبلنا ويمنحونا بقايا معرفتهم التي لم تعد تكفي لستر عورات تخلفنا المزمن.
إن الأمل في المستقبل يتطلب ذبح "مهزلة العقل العربي" القائمة على الإنشاء والتمجيد الذاتي واستبدالها بعقلية "المختبر" و"الوثيقة المادية" فاللغة العربية يجب أن تتطور وتنظّف وتتحول من لغة للخطابة والبلاغة والدين والعنتريات إلى لغة للمختبر والتقنية وهذا لن يحدث طالما ظل "المحتوى" بين يدي الفقهاء والمؤثرين التافهين والسياسيين المنافقين الذين يخشون العلم لأنه يكشف زيف سلطتهم. إن المواجهة الحقيقية مع العقل اليهودي ليست في الحروب العسكرية التقليدية بل هي في "حرب المحتوى" وفي القدرة على إثبات الوجود عبر المادة والمنطق والبحث العلمي الرصين وبدون ذلك سنظل نكرر مآسينا في دوائر مفرغة مفسحين المجال لعقل عبري ذكي ومادي لكي يسيطر على كل شبر من وعينا ومن أرضنا ومن مستقبلنا الذي نضيعه بأيدينا في كل نقرة تافهة على شاشات هواتفنا الذكية التي لا نملك من "ذكائها" سوى حق الاستهلاك البائس.
في الختام يتبين لنا أن الحقيقة المادية لا تعرف العواطف وأن الفجوة بين العربية والعبرية على الإنترنت هي فجوة بين "العدم المعرفي" و"الامتلاء العلمي" وهي تعكس بصدق حال شعوب اختارت الغيب مهرباً وشعوب اختارت المادة سلاحاً إن العقل العربي يعيش حالة "انتحار إحصائي" حيث الكم الهائل لا ينتج إلا الهراء بينما العقل العبري يعيش حالة "نمو نخبوي" حيث القلة تنتج الوجود وهذا هو قانون المادة الذي لا يحابي أحداً فالمستقبل هو للمحتوى القوي والمنظم والعلمي والثابت أما الغوغائية والضحالة والتكرار فهي طريق الزوال المحتوم الذي يسير فيه العقل العربي بكل ثبات نحو الهاوية الحضارية التي صنعها بجهله ونفاقه واعتزازه بصنم هويته الفارغ من كل قيمة مادية.



.

صنم الهوية والهروب من المادة إلى القبيلة وتفكيك سجن الذات المتخيلة (مقال)

.

.
صنم الهوية والهروب من المادة إلى القبيلة وتفكيك سجن الذات المتخيلة




تمثل الهوية في العقل العربي المعاصر، سواء كانت مغلفة بقداسة دينية أو بشوفينية قومية، أكبر عائق بنيوي يحول دون اندماج الفرد والجماعة في صيرورة العصر الحديث المادية، حيث تحولت هذه الهوية من مجرد تعريف سوسيولوجي بسيط إلى "صنم" ذهني متضخم يُعبد من دون الحقيقة العلمية. إن الهروب من مواجهة الواقع المادي المرير، المتمثل في الفقر المعرفي والتقني والإنتاجي، نحو الانكفاء على "القبيلة" المتخيلة هو فعل دفاعي ينم عن هزيمة نفسية عميقة، إذ يجد الإنسان المهزوم حضارياً في "الهوية" ملجأً يمنحه شعوراً زائفاً بالعظمة والتميز التاريخي، معوضاً بذلك عجزه عن المنافسة في مختبرات الفيزياء أو أسواق التكنولوجيا العالمية. وهذا الصنم ليس مجرد فكرة بريئة، بل هو "سجن اختياري" يحرس فيه السجين نفسه بوعي كامل، مفضلاً التمسك بخرقة بالية من التراث والتقاليد المتهالكة على الاعتراف بفقره المادي الصارخ، مما يخلق حالة من "العمى الاستراتيجي" تستغلها السلطات الدينية والسياسية لاستدامة التخلف وضمان بقاء الجماهير في حالة من "التنويم المغناطيسي" القومي أو الديني.
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن الهوية أصبحت تُعرف بـ "المخالفة" وليس بـ "الإنجاز"، فالعربي اليوم لا يعرّف نفسه بما ينتجه عقله من نظريات أو ما تصنعه يده من أدوات، بل يعرّف نفسه بمدى اختلافه عن "الآخر" الغربي والمادي، معتبراً أن هذا الاختلاف هو "خصوصية مقدسة" يجب حمايتها حتى لو كانت مرادفة للجهل والقصور. إن التمسك بـ "الخرقة البالية" التي يسمونها تراثاً هو في جوهره محاولة للتغطية على العري المعرفي، فبدلاً من الاعتراف بأن المنظومات القديمة لم تعد صالحة لتفسير الذرة أو تنظيم الدولة الحديثة، يتم الالتفاف على الفشل عبر إضفاء طابع "الأصالة" على التخلف. هكذا يصبح الانغلاق هو "ثباتاً على المبادئ"، وتصبح معاداة المنهج العلمي المادي "حفاظاً على الشخصية"، وهي مغالطة كبرى تحول الهوية إلى جدار عازل يمنع الفرد من استنشاق هواء الحداثة، ويجعله يعيش في "زمن موازٍ" لا صلة له بقوانين المادة والفيزياء التي تحكم العالم المعاصر وتحدد موازين القوى فيه.
وعند تشريح سيكولوجية هذا الهروب نحو القبيلة، نجد أن "صنم الهوية" يوفر للإنسان العربي نوعاً من "الأمان المعرفي" الرخيص؛ فبدلاً من خوض غمار البحث العلمي المضني الذي قد ينتهي بتكذيب قناعاته الموروثة، يفضل الاستكانة إلى يقينيات الجماعة التي تمنحه إجابات جاهزة ومريحة لكل معضلات الوجود. إن الهوية هنا تعمل كـ "مخدر" يمنع الفرد من رؤية واقعه المادي البائس، فبينما يغرق في التخلف الاقتصادي والتبعية التقنية، يواسيه صنم الهوية بأنه يمتلك "الأخلاق" أو "الدين الحق" أو "الأمجاد الغابرة"، وهي كلها تعويضات وهمية لا تغير من حقيقة ماديته المأزومة شيئاً. إن هذا الانفصام بين "الادعاء الهوياتي" وبين "الواقع المادي" هو الذي يفسر لماذا يفضل العربي الموت في سبيل رمز أو قطعة قماش أو كلمة مقدسة بدلاً من العمل على تحسين شروط حياته المادية، فالهوية أصبحت هي "الوطن البديل" للإنسان الذي فقد سيادته على المادة والواقع.
علاوة على ذلك، فإن هذا الصنم يُستغل ببراعة من قبل "كهنة الهوية" لضمان استدامة التخلف؛ فالسلطة التي تفشل في توفير الرخاء المادي لمواطنيها تهرع دائماً لاستدعاء "الخطر على الهوية" لشغل الجماهير بمعارك وهمية ضد "الغزو الثقافي" أو "المؤامرات الخارجية". إن تحويل الانتباه من "المشكلات المادية" (مثل الفقر، الجهل، الاستبداد) إلى "المشكلات الهوياتية" هو تكتيك سياسي قديم أثبت نجاعته في تعطيل العقل النقدي، حيث يتم تصوير كل مطالبة بالاندماج في القيم الكونية للمادية والعلمانية كأنها خيانة للأصل وتنازل عن "الذات". وهكذا يصبح السجين هو الحارس الأمين لسجنه، يرفض أي محاولة لفك قيوده لأنه يخشى أن يفقد المعنى الوحيد الذي يبرر وجوده في هذا العالم، وهو معنى مستمد من "القطيع" وليس من "الفردية الواعية" التي هي أساس كل تقدم مادي ومعرفي.
إن نقد الهوية كعائق أمام الاندماج يتطلب جرأة في الاعتراف بأن "الخصوصية الثقافية" هي في كثير من الأحيان مجرد اسم حركي لـ "الاستثناء من التطور". فالعالم الحديث يقوم على مادية صارمة توحد البشر خلف قوانين المنطق والعلم، بينما الهوية تقوم على "تفتيت" البشر خلف جدران العقائد والعرقيات. إن العربي الذي يتمسك بهويته الدينية أو القومية كدرع يحميه من "الذوبان" في العصر الحديث، إنما يحمي في الحقيقة "عجزه" عن أن يكون فرداً فاعلاً في حضارة كونية. إن الهوية السجنية هي التي تمنع المثقف من نقد النصوص التاريخية، وتمنع العالم من تبني المنهج المادي دون تحفظات إيمانية، وتمنع المجتمع من تنظيم نفسه على أسس نفعية عقلانية. إنها القيد الذي يجعلنا نتحرك في دوائر مفرغة، نكرر فيها أمجاداً لم نصنعها، ونبكي على أطلال هوية هي في الحقيقة "تابوت" نعيش فيه ونظن أننا نحيا بداخل قصره.
إن الهدف من تحطيم "صنم الهوية" هو تحرير الإنسان من سلطة "الماضي الميت" ووضعه وجهاً لوجه أمام "الحاضر المادي" الصعب. فالاعتراف بالفقر المادي والمعرفي هو الخطوة الأولى والوحيدة نحو العلاج، أما التستر خلف الشعارات الهوياتية فهو مجرد إطالة لأمد الاحتضار الحضاري. يجب أن يدرك الفرد أن قيمته لا تنبع من كونه ينتمي لقبيلة أو دين أو عرق، بل تنبع من قدرته على فهم قوانين المادة وتسخيرها لخدمة الوجود البشري. إن الهوية الحقيقية للإنسان المعاصر يجب أن تكون "الهوية العلمية" و"الهوية المادية" التي لا تعرف حدوداً جغرافية ولا قيوداً غيبية، أما التمسك بـ "الخرقة البالية" فهو فعل انتحاري يضمن بقاءنا في قاع الترتيب العالمي، حراساً لمقبرة كبيرة نسميها "الهوية"، بينما العالم من حولنا يبني جسوراً من المادة والمنطق نحو النجوم.
إن الخيانة المعرفية التي يمارسها المدافعون عن الهوية تكمن في تصويرهم للحداثة المادية كأنها "عدو للشخصية"، بينما هي في الحقيقة "تحرير للشخصية" من قيود الجماعة العمياء. إن الاندماج في العصر الحديث لا يعني فقدان الذات، بل يعني اكتساب "ذات فاعلة" قادرة على الإنتاج والتفكير المستقل، بدلاً من أن تكون مجرد "صدى" لصوت القبيلة. إن "سجن الهوية" هو المكان الذي يموت فيه الإبداع ويولد فيه النفاق، حيث يضطر الفرد للتظاهر بالإيمان بقيم بالية لكي لا يُنبذ من الجماعة، فيعيش حياة مزدوجة يقدس فيها "المادة" سراً ويسبها علناً دفاعاً عن صنم الهوية. إن تحطيم هذا السجن يبدأ من الداخل، بقرار فردي شجاع يعلن أن "المادة والحقيقة" أسمى من "القبيلة والوهم"، وأن العيش كإنسان مادي حر أفضل من العيش كقديس هوياتي مكبل بالأصفاد والخرق البالية.
في الختام، يظل صنم الهوية هو العقبة الأخيرة التي يجب تجاوزها لكي يدخل العقل العربي في سن الرشد المادي. إن الهروب من المادة نحو القبيلة هو هروب نحو الموت، والاعتراف بفقرنا هو بداية ثرائنا الحقيقي. إن الهوية التي تحتاج لحراس ومقصات رقابة لكي تبقى، هي هوية لا تستحق البقاء، أما الإنسان الذي يكتشف حريته خارج سياج الهوية التقليدية هو الذي يملك مفتاح المستقبل. لقد حان الوقت لذبح هذا الصنم على مذبح العلم، ولإدراك أننا ذرات كونية محكومة بقوانين الطبيعة قبل أن نكون أعضاء في أي نادٍ هوياتي، وبدون هذه اليقظة المادية الصارمة، سنظل سجناء في زنزانة "الهوية" ننتظر معجزة لن تأتي، بينما يحرس كل واحد منا باب زنزانة الآخر بجهل مقدس ونفاق لا ينتهي.




.

جيوش الحمير الرقمية وسيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك وتفكيك طغيان الكم على الكيف (مقال)

.

.
جيوش الحمير الرقمية وسيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك وتفكيك طغيان الكم على الكيف





يمثل العصر الرقمي الحديث وتحديداً في مرحلته الراهنة التي تتصدرها منصات المقاطع القصيرة والخوارزميات فائقة السرعة زلزالاً معرفياً واجتماعياً أعاد تشكيل بنية الغوغاء بصورة لم يشهدها التاريخ البشري من قبل فإذا كانت الجماهير في القرون الماضية تحتاج إلى حشد في الميادين وسماع خطيب مفوه لكي تتحرك ككتلة واحدة عمياء فإن التكنولوجيا الحالية قد نجحت في بناء ما يمكن تسميته بجيوش الحمير الرقمية وهي كتل بشرية هائلة يتم تسييرها عبر نبضات إلكترونية ومقاطع بصرية لا تتجاوز ثواني معدودة لتخلق واقعاً مأساوياً يتفوق فيه الكم العددي على الكيف المعرفي الفيزيائي المادي الملموس إن هذه الجيوش ليست مجرد مستهلكين للمحتوى بل هي أدوات قمع رقمية فعالة تُستخدم لسحق العقل الفردي المستقل وتدجين الوعي الإنساني في حظيرة الخوارزمية التي لا تبالي بالحقيقة أو المنطق بقدر ما تبالي بمعدلات البقاء والمشاركة والانتشار التافه الذي يدر أرباحاً مادية لشركات التكنولوجيا على حساب الرصانة الذهنية للأفراد والقدرة على التحليل البارد للواقع المادي الصلب.
إن الخوارزمية في عصر التيك توك والمنصات المشابهة قد أعادت إنتاج الغوغاء بصورة أكثر سطحية وشراسة من ذي قبل حيث تم استبدال الفكر بالصورة والمنطق بالإثارة السريعة فالدماغ البشري الذي تعرض لعملية "قصف إلكتروني" مستمر لم يعد قادراً على معالجة المعلومات المعقدة أو متابعة التحليلات الطويلة التي تتطلب جهداً ذهنياً مما خلق بيئة مثالية لنمو "الترند" كبديل عصري عن "الإجماع الشرعي" القديم فإذا كان الفقهاء قديماً يستخدمون الإجماع لفرض رأي أو قمع مخالف فإن الغوغاء الرقمية تستخدم الترند لفرض "الحقيقة الرقمية" المؤقتة التي لا تقبل النقاش فما يتفق عليه الملايين في فيديو تافه يصبح هو المعيار الأخلاقي والمعرفي والجمالي بينما يُهمش العقل الفيزيائي الذي يحاول تشريح الواقع بأدوات العلم والمادة وهذا الانقلاب في موازين القوى المعرفية جعل "الحمار الرقمي" يشعر بسلطة وهمية نابعة من كونه جزءاً من أغلبية عددية تملك حق "التبليغ" أو "الحظر" أو "الهجوم الجماعي" على كل من يجرؤ على كسر إيقاع القطيع أو التشكيك في أصنام الترند اليومية.
وتكمن خطورة هذه الجيوش الرقمية في "الإرهاب الرقمي" الذي تمارسه ضد العقل الفردي المستقل حيث تحولت المنصات إلى محاكم تفتيش معاصرة لا تستخدم المقصلة الجسدية بل تستخدم مقصلة السمعة والتبليغات الممنهجة لسحق أي صوت تنويري يحاول تعرية نفاق المنظومة أو تفكيك الخرافات التي يعتاش عليها الجمهور فالشخص الذي يمتلك عقلاً مادياً صارماً ويحاول تقديم تحليل أركيولوجي أو فيزيائي للواقع يجد نفسه محاصراً بآلاف الحسابات الوهمية والحقيقية التي تهاجمه لا بالحجة بل بالشتائم والتبليغات الجماعية التي تؤدي في النهاية إلى إغلاق حساباته أو تهميش صوته خوارزمياً وهذا الإرهاب الرقمي هو النسخة الحديثة من رجم المارقين في العصور الوسطى وهو يثبت أن التكنولوجيا بدلاً من أن تكون أداة للتحرر أصبحت في يد الغوغاء أداة لاستعباد العقل وإخضاعه لسطوة الكم التافه إنها مأساة حقيقية أن نرى عالم الفيزياء أو الباحث الرصين يُحاكم من قبل "جيش من الحمير" لا يملك من المعرفة سوى سرعة النقر على الشاشة وهوس اللحاق بالترند القادم.
إن التحليل السيكولوجي لهذه الجماهير الرقمية يكشف عن رغبة عارمة في الذوبان داخل الكتلة للهرب من مسؤولية التفكير الفردي فالخوارزمية تمنح الحمار الرقمي شعوراً بالأمان المعرفي من خلال تغذيته بمحتوى يشبهه ويؤكد تحيزاته المسبقة مما يخلق "غرف صدى" مغلقة تمنع دخول أي فكرة مادة مخالفة وعندما يصطدم هذا القطيع برأي مستقل يحاول تشريح أصنامهم الدينية أو السياسية أو الاجتماعية فإن الرد يكون غريزياً عدوانياً لأن هذا الرأي يهدد استقرار الوهم الجماعي الذي يعيشون فيه إن سيكولوجية الجماهير في عصر التيك توك هي سيكولوجية "اللحظة السائلة" حيث لا ذاكرة ولا تاريخ ولا تدقيق بل مجرد انفعالات لحظية يتم توجيهها من قبل "مؤثرين" هم في الحقيقة دجالون معاصرون يتقنون لغة الغوغاء ويتاجرون بتفاهتهم لتحقيق مكاسب مادية وهذا التحالف بين الخوارزمية والدجال الرقمي هو الذي يقود جيوش الحمير نحو معارك وهمية تهدف لصرف الأنظار عن القوانين المادية الحقيقية التي تحكم حياتهم وتستنزف مواردهم.
علاوة على ذلك فإن تفوق الكم على الكيف في هذا العصر الرقمي قد أدى إلى "تميع الحقيقة" حيث لم يعد للواقع المادي سلطة على عقول الناس بقدر ما تملك "اللقطة" أو "الفيديو الممنتج" من سلطة فالحمار الرقمي يصدق ما يراه في مقطع من خمس عشرة ثانية أكثر مما يصدق كتاباً توثيقياً أو بحثاً مخبرياً لأن المقطع يخاطب مراكز اللذة والغرائز في الدماغ بينما البحث يخاطب العقل الذي تم شله وتحويله إلى عضو ضامر وهذا الانحدار المعرفي جعل "الإجماع الرقمي" هو المصدر الوحيد للمشروعية فإذا انتشرت خرافة دينية أو سياسية وأصبحت ترنداً فإن محاولة تكذيبها بالعلم تصبح نوعاً من "الهرطقة الرقمية" التي تستوجب القمع الجماعي إننا نعيش في غابة إلكترونية حيث القوة فيها لعدد المتابعين وليس لصدق المعلومات وحيث يتم اغتيال "الكيف الفيزيائي" الذي يمثل الجودة والعمق والبحث المضني تحت أقدام "الكم الغوغائي" الذي يمثل السطحية والسرعة والبلادة الذهنية المنظمة.
إن الهدف من وصف هذا الواقع المأساوي هو التنبيه إلى ضرورة حماية "الاستقلال المعرفي" الفردي في مواجهة هذا الطوفان من التفاهة المسلحة بالخوارزميات فالمشتبك المعرفي المادي يجب أن يدرك أن المنصات الرقمية هي ساحات معركة غير متكافئة حيث يتم تحريض جيوش الحمير ضد كل من يحاول إضاءة شمعة العقل فالعقل الفردي الذي خرج من "كهف الأصنام" التقليدي يجد نفسه اليوم أمام "كهف رقمي" أكثر اتساعاً وجاذبية حيث الصور تتحرك والأصوات تعلو والجمهور يصفق للخرافة بكل حماس إن الخروج من هذا الكهف الرقمي يتطلب ترفعاً أرستقراطياً عن مجاراة الترند ورفضاً قاطعاً لتقديس الكم والتركيز على بناء "جيوب معرفية" صلبة تعتمد على المادة والمنطق والتوثيق بعيداً عن ضجيج الغوغاء الإلكترونية التي لا تترك وراءها سوى الرماد المعرفي والضياع الوجودي في عالم فقد بوصلته المادية لصالح وهم رقمي سائل ومسموم.
إن التفوق العددي للحمير الرقمية هو حقيقة إحصائية تعكس بؤس المنظومة التعليمية والثقافية العالمية التي فشلت في تحصين الأفراد ضد إغراءات السطحية فالحمار الرقمي هو ضحية لنظام رأسمالي تكنولوجي يحتاج إلى "قطيع مستهلك" لا يسأل ولا يحلل بل ينفذ الأوامر الخوارزمية بكل طاعة وفي ظل هذا الواقع يصبح "الكيف الفيزيائي" نادراً ومضطهداً ومحارباً لأنه يمثل التهديد الحقيقي لسلطة التفاهة إن المعركة اليوم هي معركة بين "الجودة المعرفية" التي تتطلب وقتاً وجهداً وبين "الكمية الرقمية" التي تتطلب بلادة واستسلاماً والانتصار في هذه المعركة لا يكون بمجاراة الغوغاء بل بتعريتهم واستخدام "المشرط والملح" لتفكيك سيكولوجيتهم البائسة وإظهار أن جيوشهم مهما كبرت تظل عاجزة أمام حقيقة مادية واحدة يتم إثباتها بالبرهان والمنطق والتوثيق الرصين.
وفي الختام يظل وصف جيوش الحمير الرقمية صرخة في وادي الصمت المعاصر تهدف لبيان حجم الكارثة التي نعيشها حيث يتم تبديل العقول بالخوارزميات والبحث العلمي بالتبليغات الجماعية إننا نحتاج إلى إعادة الاعتبار لسيادة الفرد وقدرته على الرفض والتحليل خارج إطار القطيع الرقمي فالحقيقة المادية لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بآلاف التعليقات الحمقاء بل تُقاس بمدى مطابقتها للواقع الفيزيائي وقوانين المادة الصلبة التي لا تحابي "ترنداً" ولا تخضع لابتزاز "جيوش الحمير" مهما بلغت قوتهم في العالم الافتراضي الزائل ويبقى العقل الحر هو الحصن الأخير ضد هذا التوحش الرقمي الذي يسعى لتحويل البشر إلى مجرد أرقام صماء في معادلة الربح والخسارة التقنية.




.

العدمية الإيجابية والمانيفستو المادي للحياة وصياغة الوجود الحر خارج كهف الأصنام (مقال)

.

.
العدمية الإيجابية والمانيفستو المادي للحياة وصياغة الوجود الحر خارج كهف الأصنام




يمثل الخروج من "كهف الأصنام" بتوصيفه الفلسفي العتيق والحديث اللحظة الأكثر رعباً وحرية في تاريخ الوعي البشري إذ يواجه الإنسان لأول مرة حقيقة كونه وحيداً في كون صامت لا مبالٍ لا يمتلك غاية غيبية ولا يمنح وعوداً بالخلود أو العدالة السماوية المؤجلة وهذه اللحظة التي يصفها الكثيرون بالعدمية الموحشة هي في جوهرها المادي الصرف ولادة "العدمية الإيجابية" التي لا ترى في غياب المعنى الإلهي نهاية للحياة بل تراها البداية الحقيقية لسيادة الإنسان على مصيره وصياغة مانيفستو مادي يقدس اللحظة الراهنة والقوانين الفيزيائية الصلبة كمرجع وحيد للوجود إن الانتقال من رعب "الفناء" إلى لذة "التحرر" يتطلب شجاعة معرفية لإدراك أن "موت الإله" بالمعنى الفلسفي ليس كارثة أخلاقية بل هو إزاحة لأكبر عائق حال دون نضج البشرية وتحملها مسؤولية أفعالها في عالم مادي لا يعترف إلا بالسبب والنتيجة بعيداً عن أوهام التدخل الغيبي أو الأقدار المرسومة سلفاً في دواوين الخيال الديني.
إن صمم الكون وعدم اكتراث النجوم والمجرات بمأساة الإنسان الفردي هو الفرصة الذهبية التي تمنحنا التحرر الكامل من "مراقبة الرقيب السماوي" ومن ثقل الالتزامات الميتافيزيقية التي استنزفت الطاقة البشرية لآلاف السنين فعندما ندرك أننا مجرد ذرات عاقلة نتجت عن تفاعلات كيميائية وبيولوجية معقدة في ركن مهمل من هذا الوجود نتحرر فوراً من "نرجسية المركز" ومن وهم أننا محور اهتمام قوى عليا تراقب حركاتنا وسكناتنا لتعاقبنا أو تكافئنا في عالم موازٍ وهذا التحرر المادي يفرغ الحياة من "الخوف الغيبي" ويملؤها بـ "المسؤولية المادية" حيث يصبح كل فعل يقوم به الإنسان ملكاً له وحده ونتائجه تقع على عاتقه وعاتق مجتمعه الملموس مما يحول الأخلاق من "أوامر ونواهٍ" مسقطة من الأعلى إلى "ضرورات اجتماعية وبيولوجية" تهدف لتحسين جودة الحياة والبقاء المادي للبشرية في بيئة قاسية لا تحابي أحداً.
إن العدمية الإيجابية ترفض اليأس الذي تروج له الأديان حول "عبثية الحياة دون إله" بل ترى أن المعنى ليس شيئاً نكتشفه جاهزاً في النصوص القديمة بل هو شيء "نخترعه" ونبنيه بذكائنا وإرادتنا في كل يوم فالإنسان الذي خرج من الكهف يدرك أن غياب المعنى الكوني هو "بياض مطلق" يسمح له بكتابة قصته الخاصة دون قيود أيديولوجية أو خطوط حمراء ميتافيزيقية وتصبح المتعة الذهنية والجمالية والاكتشاف العلمي هي الغايات العليا التي تبرر الوجود فالبحث في أركيولوجيا الأديان وتفكيك نفاق المثقفين وتعرية الأصنام السياسية والدينية ليس "واجبات مرهقة" بل هي ممارسات ممتعة تعبر عن سيادة العقل المادي وقدرته على الرصد والتحليل وسط ركام التضليل الجمعي إنها "لذة المعرفة" التي لا تنتظر جزاءً شكوراً بل تجد جزاءها في وضوح الرؤية وصلابة الموقف الفردي أمام حشود المغفلين الذين لا يزالون يرتعدون خلف جدران الكهف المظلم.
وفي هذا المانيفستو المادي تصبح القوانين الفيزيائية والبيولوجية هي "العدالة الوحيدة الممكنة" والمقبولة عقلياً فالإنسان المادي لا ينتظر عدالة في "يوم الحساب" ليأخذ حقه من الظالم بل يدرك أن العدالة هي بناء بشري مادي يجب انتزاعه وفرضه عبر القوانين الوضعية والعلم والتقنية إن الرهان على "العدالة الغيبية" هو خديعة كبرى استخدمتها السلطات التاريخية لتخدير المقهورين وإقناعهم بالصبر على بؤسهم المادي مقابل وعود سرابية أما العدمية الإيجابية فهي تطالب بالحقوق "هنا والآن" لأنها تدرك أن هذه الحياة هي الفرصة الوحيدة والنهائية والوحيدة التي نملكها إن قدسية المادة تكمن في كونها الحقيقة الوحيدة التي يمكن لمسها وقياسها والتفاعل معها بينما الغيب هو "فراغ معرفي" يتم حشوه بالأكاذيب للسيطرة على عقول القطيع وتأبيد تخلفهم المعرفي والاقتصادي.
إن التحرر البشري الحقيقي يبدأ من سحق "صنم الخلود" والاعتراف بحتمية الفناء كفعل طبيعي كيميائي يعيد ذراتنا إلى الدورة العامة للمادة في الكون وهذا الاعتراف لا يقلل من قيمة الإنسان بل يرفعها إلى أقصى حدودها فالعقل الذي يدرك قصر زمنه وقوة فنائه هو العقل الذي يستثمر كل ثانية في الإبداع والاستمتاع والفهم الصارم للواقع أما المؤمن بالخلود فهو يسوف حياته ويحتقر واقعه المادي في سبيل "وهم آتٍ" مما يجعله كائناً مشلولاً أو أداتاً في يد الكهنة الذين يبيعونه صكوك الغفران والجنة إن البديل النفسي الصلب الذي تقدمه العدمية الإيجابية هو "الثقة في المادة" والثقة في قدرة الوعي البشري على تنظيم نفسه وإنتاج منظومات قيمية عقلانية تقوم على النفعية المتبادلة واحترام القوانين الطبيعية التي تحكم الجسد والدماغ والاجتماع البشري.
وعندما نتحدث عن "موت الإله" فإننا نتحدث عن سقوط "المرجعية الأخلاقية الخارجية" التي كانت تبرر الجرائم والحروب والمظالم باسم المقدّس ففي ظل الغياب الغيبي يصبح الإنسان هو المرجع الوحيد للأخلاق وتصبح "المعاناة المادية" للبشر هي البوصلة الحقيقية للخير والشر فما يسبب ألماً جسدياً أو سحقاً للكرامة الفردية هو الشر المادي الذي يجب محاربته وما يعزز جودة الوجود ويفتح آفاق المعرفة هو الخير المادي الذي يجب تبنيه وهذا الوضوح الأخلاقي المادي يسقط كل نفاق المثقفين الذين يبررون قتل "الجزار غيفارا" أو "إرهاب الجماعات الدينية" تحت ذرائع أيديولوجية أو غيبية إن العدمية الإيجابية تشرّح هذه الادعاءات وتكشف زيفها مؤكدة أن "حياة الفرد المادية" هي القيمة المطلقة التي لا يجوز التضحية بها من أجل أي صنم سواء كان إلهاً في السماء أو زعيماً ملهماً في الأرض.
إن هذا المانيفستو يرى في العلم التجريبي والأركيولوجيا والفيلولوجيا أدوات "مقدسة" بالمعنى الوظيفي لأنها الوسائل الوحيدة التي تربطنا بالواقع المادي وتكشف لنا زيف السرديات الشفوية التي سيطرت على العقل البشري لقرون طويلة فمن خلال فحص المخطوطات وتتبع النقوش الصخرية وفهم سيكولوجية الجماهير ندرك أن الأديان والأيديولوجيات الشمولية ليست سوى "أدوات تقنية" اخترعها البشر للسيطرة والتنظيم في مراحل سابقة من التطور والاعتراف بهذه البشرية الصرفة يحررنا من "قدسية النص" ويحول القرآن أو الكتاب المقدس أو المانيفستو الحزبي إلى مجرد "وثائق تاريخية" قابلة للنقد والتحليل والسخرية عند الضرورة إن السخرية في العدمية الإيجابية ليست مجرد فكاهة بل هي أداة هدم فعالة لتحطيم الهالة التي تحيط بالأصنام وإظهار تهافتها أمام التحليل البارد للواقع.
البديل النفسي الذي تقدمه هذه الفلسفة هو "السكينة المادية" النابعة من عدم انتظار المستحيل فالمؤمن يعيش في قلق دائم حول إرضاء الرب أو الخوف من المصير الغيبي بينما العدم الإيجابي يمنح الفرد سلاماً داخلياً قائماً على "قبول الحقيقة" كما هي إن هذا القبول هو الذي يسمح للإنسان بأن يكون صادقاً مع نفسه ومع حواسه فلا يضطر لمنافق المجتمع أو التظاهر بالإيمان بخرافات يرفضها عقله البشري السليم إنها حياة "الأرستقراطية الذهنية" حيث يترفع الفرد عن صراعات القطيع حول الأوهام ويركز طاقته في فهم القوانين التي تحرك الذرة والخلية والمجتمع مستمتعاً بذكائه الخاص في رصد تناقضات المنافقين الذين يبيعون الوهم للناس بينما هم غارقون في ملذات المادة سراً.
علاوة على ذلك فإن العدمية الإيجابية تؤسس لنمط من "التضامن البشري المادي" القائم على إدراكنا المشترك بأننا ركاب في سفينة واحدة وسط محيط كوني مظلم وهذا الإدراك يدفعنا للتعاون العلمي والتقني لتأمين بقائنا وتحسين صحتنا وإطالة أعمارنا ومحاربة الأمراض والفقر ليس طمعاً في ثواب سماوي بل لأن هذه هي "الضرورة المادية" للبقاء الكريم إن البديل الذي يخرج من كهف الأصنام يرى في "المستشفى" وفي "المختبر" وفي "المكتبة" معابد حقيقية للوعي حيث تُصنع الحقيقة وتُحفظ الحياة أما الكنائس والمساجد والمعابد الأيديولوجية فهي أماكن لإعادة تدوير الجهل والمحافظة على بنية "الخوف من العدم" الذي تستغله المؤسسات للسيطرة على الموارد والبشر.
إن نقد "نفاق المثقفين" يصبح في ظل هذا المانيفستو واجباً عقلياً لأن هؤلاء هم حراس الكهف الذين يلونون جدرانه بصور زائفة ليوهموا الناس بأن هناك نوراً خارجياً بينما النور الوحيد هو نور "العقل التجريبي" المنبعث من مواجهة المادة وجهاً لوجه إن المثقف الذي يبرر الخرافة أو يدافع عن "الخصوصية الثقافية" للهرب من استحقاق الحداثة المادية هو عدو للعدمية الإيجابية لأنه يحاول إعادة الإنسان إلى قيود الغيب التي كسرها العلم إن الفلسفة المادية للحياة لا تقبل الحلول الوسطى ولا "البرزخ" الذي يحاول المسيري أو النفيسي أو إدوارد سعيد وضعه بين العقل والخرافة فإما مادية صلبة تحترم القوانين الفيزيائية وإما غيبية سائلة تبتلع الوعي في دوامات الوهم والتبعية.
إن الحياة في ظل العدمية الإيجابية هي "احتفال يومي بالعقل" فكل فكرة يتم تنظيمها وكل خرافة يتم تعريتها وكل تناقض يتم كشفه هو انتصار مادي للوعي الفردي المستقل وهذا الانتصار هو الذي يمنح الحياة نكهتها الخاصة بعيداً عن الغايات الكبرى المزعومة فالإنسان المادي يجد في شرب كوب من القهوة أو قراءة كتاب في الفيزياء أو كتابة مقال يفضح نفاق "أصنام المعاصرة" متعة تفوق كل الوعود الغيبية لأنها متعة "حقيقية" وملموسة وتحدث "الآن" إنها سيادة اللحظة على الأبدية الوهمية وسيادة الواقع على الخيال المريض وسيادة المادة على الروح التي ليست في الحقيقة سوى وظيفة معقدة للجهاز العصبي المركزي.
في الختام يظل "المانيفستو المادي للحياة" هو الطريق الوحيد لكرامة الإنسان في القرن الحادي والعشرين إذ يخرجه من حالة "الطفولة المعرفية" والارتهان للآباء السماويين والأرضيين ليضعه في مقام "السيد المسؤول" عن عالمه إن العدمية الإيجابية ليست دعوة للموت بل هي دعوة لـ "أقصى درجات الحياة" دعوة لاستخدام كل ذرة في دماغنا لملاحظة وتحليل وتفكيك هذا الوجود المذهل في تعقيده والبسيط في قوانينه إن الخروج من كهف الأصنام هو اعتراف بأننا "الآلهة الوحيدة" في عالمنا بمعنى أننا نحن من يمنح القيمة ومن يضع القانون ومن يبني العدالة ومن يكتب التاريخ والباقي ليس سوى ضجيج مادي لا معنى له خارج وعينا الصارم والحر والمنظم وهذا هو الصدق الوحيد الممكن مع المادة ومع النفس ومع الكون الصامت الذي منحنا صمته لكي ننطق نحن بكلمتنا الأخيرة والأكيدة.




.

بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم (مقال)

.

.
بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم




تمثل ظاهرة عبد الله النفيسي في الفضاء الثقافي والسياسي العربي حالة نموذجية لما يمكن تسميته بـ "الأدلجة الاستراتيجية" حيث يتم تغليف الرؤى الغيبية والميتافيزيقية بلغة توحي بالعمق السياسي والخبرة الاستخباراتية بغرض صناعة وعي جمعي يعيش في حالة استنفار دائم ضد أشباح متخيلة إن نقد هذه الظاهرة ليس مجرد نقد لشخص بل هو تشريح لبنية عقلية كاملة تسيطر على قطاع واسع من "النخب" التي تدعي الحداثة في الأدوات والرجعية في المنطلقات فالنفيسي كنموذج للمحلل السياسي المتأسلم نجح في المزاوجة بين "نظرية المؤامرة" وبين "الرؤية القدرية" للتاريخ محولاً السياسة من فن إدارة الممكن المادي القائم على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية إلى صراع درامي ملحمي بين معسكر "الإيمان" ومعسكر "الماسونية والصهيونية" وهو بهذا الصنيع يعطل التفكير المادي النقدي ويشل قدرة العقل العربي على فهم آليات الاشتغال الحقيقية للقوى الدولية مستبدلاً إياها ببروباغندا غيبية تنتظر "النصر الإلهي" كحل نهائي للمآزق الأرضية.
إن البنية التحتية لخطاب النفيسي تقوم على استدعاء دائم للعدو المتخفي الذي يحرك خيوط العالم من غرف مظلمة وهي الرؤية التي تتقاطع مع كلاسيكيات "بروتوكولات حكماء صهيون" وما تلاها من أدبيات المؤامرة الكبرى إذ يعمد هذا الخطاب إلى تبسيط التعقيدات السياسية الدولية عبر ردها إلى "إرادة شريرة" واحدة تتآمر على "الأمة" وهذا التبسيط المخل هو أولى خطوات تعطيل التفكير المادي فبدلاً من تحليل القوة بناءً على معطيات الاقتصاد والتقنية العسكرية والتحالفات البراغماتية يذهب المحلل المتأسلم إلى تتبع "الرموز الماسونية" أو "المخططات الصهيونية القديمة" وكأن التاريخ قدر محتوم رُسم في سراديب خفية وليس نتاج صراع مادي مكشوف الأوراق إن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يمنح "العدو" قوة خرافية تقترب من الألوهية مما يولد لدى المتلقي شعوراً بالعجز التام لا يمكن الخروج منه إلا باللجوء إلى "القوة الغيبية" المقابلة وبهذا تتحول التحليلات السياسية من محاولة للفهم إلى طقس من طقوس الاستقطاب الديني الذي لا يقدم حلولاً بل يراكم الأوهام.
ويظهر النفاق المعرفي في هذا الخطاب من خلال استخدامه لمفردات العلوم السياسية الحديثة ومصطلحات الاستراتيجية الدولية لشرعنة محتويات هي في جوهرها "خرافية" فالحديث عن "مراكز الفكر" (Think Tanks) و"صناع القرار" في واشنطن أو تل أبيب يتم دائماً في سياق يوحي بأن هذه المؤسسات ليست سوى أدوات في يد "القوى الخفية" التي تتحكم في مسار البشرية إن هذا الخلط المتعمد يهدف إلى إضفاء مسحة من "العلمية" على تصورات غيبية مسبقة فالنفيسي لا ينطلق من الواقع ليصل إلى النتيجة بل ينطلق من "النص الديني" أو "التصور الأيديولوجي" ليطوع الواقع ويجتزئ منه ما يخدم فكرته وهذا هو جوهر البروباغندا التي لا تبحث عن الحقيقة بل عن "الانتصار الذهني" للفكرة المسبقة إن تحويل السياسة إلى "صراع غيبي" ينزع عن الإنسان مسؤوليته المادية في التغيير فإذا كان العالم محكوماً بمؤامرة ماسونية كونية لا راد لها إلا بمعجزة إلهية فإن الفعل السياسي المادي يصبح عبثاً لا طائل منه وهو ما يخدم في النهاية قوى الاستبداد والجمود التي ترغب في بقاء الجماهير في حالة انتظار قدري بدلاً من الانخراط في صراع المصالح الحقيقي.
إن تعرية نفاق المثقف المتأسلم تتطلب فحصاً دقيقاً لكيفية توظيفه لـ "العدمية السياسية" المغلفة باليقين الديني فالنفيسي يطرح نفسه كخبير بالغرب وخفاياه ولكنه يقدم غرباً كرتونياً محكوماً برغبة وحيدة هي "تدمير الإسلام" وهذا التوصيف يغفل الحقيقة المادية التي تقول إن الغرب نفسه كتلة متصارعة من المصالح والشركات والأيديولوجيات وأن المحرك الأساسي لأفعاله هو "تراكم رأس المال" والبقاء في قمة الهرم المادي وليس الهواجس الدينية القروسطية إن المحلل الذي يصور الصراع كحرب صليبية دائمة إنما يهرب من استحقاق المنافسة المادية في المجالات العلمية والاقتصادية فمن الأسهل على الوعي المهزوم أن يقول "إنهم يتآمرون علينا لأننا مؤمنون" من أن يقول "إنهم يتفوقون علينا لأنهم يمتلكون المنهج العلمي والإنتاج المادي" وهنا تلعب بروباغندا النفيسي دور المخدر الذي يداوي جراح النرجسية المجروحة عبر تحويل الهزيمة المادية إلى "ابتلاء إلهي" أو "مؤامرة كونية" تزيد من قداسة "الضحية".
علاوة على ذلك فإن خلط الغيب بالاستراتيجية يؤدي إلى نشوء حالة من "البارانويا الثقافية" حيث يصبح كل حدث مهما كان صغيراً جزءاً من "المخطط الأكبر" فإذا وقعت ثورة أو اندلعت حرب أو تغيرت أسعار النفط يهرع المحلل المتأسلم للبحث عن "الأصابع الخفية" بدلاً من دراسة الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المحلية إن هذا المنهج "البوليسي" في قراءة السياسة يسقط بالضرورة في فخ التناقض فهو يدعي المعرفة المطلقة بخبايا "المؤامرة" وفي الوقت نفسه يبشر بـ "النصر الإلهي" الذي سيحققه "القطيع" المؤمن في نهاية الزمان وهذا الجمع بين "قمة المعرفة" و"قمة الغيبية" هو ما يمنح خطاب النفيسي جاذبيته لدى الغوغاء الذين يبحثون عن مبررات لقعودهم إن تعطيل التفكير المادي في موازين القوى يجعل الشعوب العربية تعيش في "زمن موازٍ" بعيداً عن قوانين الفيزياء السياسية التي تحكم العالم المعاصر حيث القوة لمن ينتج المعرفة والمادة وليس لمن يمتلك "التفسير التآمري" الأصح.
إن نفاق "الأكاديميا المتأسلمة" يتجلى بوضوح عندما نرى النفيسي وأقرانه يستشهدون بكتب ومؤلفين غربيين من "منكري الهولوكوست" أو "أصحاب نظريات المؤامرة" في الغرب ويقدمونهم للجمهور العربي كـ "مفكرين أحرار" كشفوا الحقيقة إنهم ينتقون من الفكر الغربي "نفاياته" الفكرية التي لفظها المنهج العلمي ليعيدوا تدويرها كحقائق استراتيجية لا يأتيها الباطل من بين يديها وهذا السلوك يثبت أن الهم الأول ليس "تنوير العقل" بل "تجييش العاطفة" ضد نموذج الحداثة المادي الذي يشكل التهديد الأكبر لسلطة الكهنوت الديني والسياسي إن "المحلل السياسي المتأسلم" هو في الحقيقة "داعية ديني" يرتدي ربطة عنق ويجلس خلف شاشات التحليل الاستراتيجي ليمارس نفس الدور القديم في "تغييب الوعي" وتأبيد الارتهان للخرافة تحت مسميات "الصحوة" و"المقاومة" و"الوعي الكوني".
إن الهدف من هذا التحليل هو كشف "الفخ المعرفي" الذي ينصبه النفيسي لجيل من الشباب الذين يطمحون لفهم العالم فبدلاً من تعليمهم كيفية قراءة التقارير الاقتصادية أو فهم الجغرافيا السياسية بناءً على الموارد والتقنية يتم حشو أدمغتهم بمصطلحات "الماسونية" و"النورانيين" و"حكومة العالم الخفية" وهي مصطلحات لا قيمة لها في المختبرات السياسية الحقيقية ولكنها فعالة جداً في صناعة "المغفل النافع" الذي يعتقد أنه يمتلك أسرار الكون بينما هو عاجز عن فهم ميزانية دولته إن تعرية هذا النفاق هي خطوة ضرورية لاستعادة "المادية السياسية" التي تؤمن بأن القوانين التي تسري على المادة في المختبر هي ذات القوانين التي تسري على القوى السياسية في الميدان وأن السماء لا تتدخل لتغيير موازين القوى لصالح من لا يمتلك أسباب القوة المادية على الأرض.
إن "بروباغندا النفيسي" تعتمد بشكل أساسي على "الكاريزما اللفظية" والقدرة على سرد الحكايات بأسلوب تشويقي يوحي بالاطلاع على أسرار لا يعرفها غيره وهذه "السلطة المعرفية" الوهمية هي التي تمنح الخرافة قداسة الاستراتيجية فالمستمع يشعر أنه أمام "راديكالي" يتحدى القوى الكبرى بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج أكثر الأفكار محافظة ورجعية التي تحمي بنية "الأصنام" القديمة في العقل العربي إن تحويل السياسة إلى صراع غيبي هو إعدام للسياسة كفعل بشري وتجريد للفرد من حقه في المحاسبة والنقد فإذا كانت الأمور تدار بمؤامرات "ماسونية" صمدت لآلاف السنين فإن المطالبة بالديمقراطية أو العدالة المادية تصبح مجرد "لعب أطفال" أمام القدر المحتوم وهذا هو الجانب المظلم في خطاب المحللين المتأسلمين حيث ينتهي بهم الأمر كحراس لليأس والتبعية والانتظار السلبي.
علاوة على ذلك فإن هذا النوع من الخطاب يساهم في عزل العقل العربي عن التفاعلات الإنسانية العالمية فبدلاً من الانخراط في "الحضارة المادية" والمساهمة في قوانينها يتم التقوقع داخل "مظلومية تاريخية" ترى في كل تقدم عالمي مؤامرة موجهة ضده إنها "سيكولوجية المهزوم" التي تجد في "النفيسية" تعبيراً فكرياً عن عجزها فالمحلل المتأسلم لا يقدم طريقاً للخروج من التخلف المادي بل يقدم "تفسيراً مريحاً" للبقاء فيه إن النفاق يكمن في الادعاء بأن هذا الخطاب هو "وعي استراتيجي" بينما هو في الواقع "ردة عقلية" تستبدل التحليل السوسيولوجي والاقتصادي بالروايات الميثولوجية حول "الأعداء" الذين يخططون لإسقاط الأمة في كل لحظة وكأن العالم ليس لديه شغل شاغل سوى هذه البقعة الجغرافية الراكدة.
إن الحقيقة المادية التي يهرب منها النفيسي هي أن "السياسة الدولية" هي غابة من المصالح المادية الصرفة حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم بل "منفعة دائمة" والقوى الكبرى تتحرك وفقاً لحسابات الربح والخسارة وتأمين منابع الطاقة وخطوط التجارة وليس وفقاً لعداء "مقدس" للأديان إن إقناع الجماهير بالعكس هو تزييف للواقع يهدف لإبقاء الشعوب في حالة "هياج عاطفي" يسهل انقياده خلف الشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع مادي إن "المثقف المتأسلم" هو مهندس هذا الهياج وهو المستفيد الأول منه لأنه يحول نفسه إلى "وسيط شرعي" بين الغيب والواقع ويمنح نفسه سلطة تفسير "المقدس والسياسي" في آن واحد وهو ما يمثل ذروة الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية في قالب "تحليل استراتيجي" مخادع.
في الختام يظل خطاب عبد الله النفيسي والظواهر المشابهة له صوتاً للماضي يتخفى في لغة المستقبل وسماً معرفياً يعطل قدرة الإنسان العربي على مواجهة واقعه المادي بصدق وشجاعة إن "إله الغرز" الذي يصنعه هؤلاء المحللون من خيوط المؤامرة والغيب هو إله صنمي يجب تحطيمه بمطرقة المنطق والعلم المادي إن السياسة ليست صراعاً غيبياً ينتظر معجزة بل هي بناء مادي يحتاج لعقول ترى الواقع كما هو لا كما تتمناه النصوص القديمة أو تخيله نظريات المؤامرة المريضة إن الطريق نحو القوة يبدأ من الاعتراف بأن "موازين القوى" هي قوانين مادية صارمة تسري على الجميع وأن البروباغندا الغيبية مهما بلغت درجة تعقيدها اللفظي لن تستطيع حماية أمة ترفض التفكير المادي وتصر على العيش في خيالات "المؤامرة الكبرى" بانتظار نصر لن يأتي إلا لمن يصنعه بيده وعقله في مختبرات الواقع المادي.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...