Translate

التحالف المسموم ولماذا ينام اليساري في فراش الإسلاموي وتفكيك الخيانة المعرفية لما بعد الحداثة (مقال)

.

.
التحالف المسموم ولماذا ينام اليساري في فراش الإسلاموي وتفكيك الخيانة المعرفية لما بعد الحداثة




تمثل ظاهرة التحالف بين اليسار الراديكالي والتيارات الإسلاموية واحدة من أكثر المفارقات الفكرية إثارة للذهول في العصر الحديث، وهي الحالة التي باتت تُعرف في القاموس السياسي الفرنسي بمصطلح "Islamogauchisme" أو "اليسار الإسلاموي". إن هذا العناق الغريب بين قطبين يفترض منطقياً وتاريخياً أنهما على طرفي نقيض، حيث يمثل اليسار تاريخياً قيم العلمانية والمادية والصراع الطبقي وحرية الفرد، بينما يمثل التيار الإسلاموي قيم الغيبية والشمولية الدينية والخضوع للنص المقدّس، لا يمكن فهمه إلا بوصفه "تحالفاً مسموماً" قائماً على قاعدة نفعية تهدف إلى تدمير العدو المشترك المتمثل في "الغرب الليبرالي المادي". إنها خيانة معرفية كبرى ارتكبها يسار ما بعد الحداثة حين قرر التضحية بكل حمولته التنويرية من أجل كسب ود "الكتلة الإسلامية" الغوغائية، محولاً الصراع من صراع من أجل التقدم العلمي والمادي إلى صراع هوياتي بائس يشرعن للتخلف تحت عباءة "مقاومة الإمبريالية".
إن الجذور العميقة لهذا التحالف في الغرب تعود إلى صعود نظريات "ما بعد الاستعمار" وفلسفات "ما بعد الحداثة" التي بدأت تشكك في قيم التنوير العالمية وتعتبرها مجرد أدوات هيمنة غربية. في هذه البيئة الفكرية، لم يعد اليسار يرى في الإسلاموي عدواً رجعياً يضطهد المرأة ويقمع الحريات الشخصية، بل بدأ يراه "ضحية" للنظام العالمي الرأسمالي، وبوصفه "الآخر" المقموع الذي يجب دعمه في وجه المركزية الأوروبية. ومن هنا، تحول الإسلام السياسي من قوة ظلامية في نظر اليسار الكلاسيكي إلى "حليف ثوري" محتمل في نظر يسار ما بعد الحداثة. هذه القفزة البهلوانية في التفكير جعلت المثقف اليساري يغض الطرف عن أبشع الممارسات القروسطية التي يتبناها شركاؤه الجدد، طالما أن هؤلاء الشركاء يرفعون شعارات العداء لأمريكا والغرب، مما خلق حالة من التعامي الأخلاقي والمنطقي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفكر السياسي.
أما في الشرق، فقد اتخذ هذا التحالف شكلاً أكثر تدميراً، حيث تحول المثقف اليساري العربي إلى "مُبرر" و"مشرعن" للظلامية الدينية. لقد وجد اليساري المهزوم تاريخياً وسقوط مشروعه المادي والاشتراكي في "الكتلة الإسلامية" جسماً بشرياً ضخماً يمكن الركوب عليه للوصول إلى الجماهير. وبدلاً من أن يقود اليسار الجماهير نحو الوعي المادي والعلمي، قرر أن يتبعها نحو المساجد والساحات الغوغائية، متبنياً لغتهم ومفرداتهم. لقد أصبحت الشعارات اليسارية حول "العدالة الاجتماعية" و"التحرر" تُستخدم لتغطية المطالب الإسلاموية بـ "تحكيم الشريعة" أو "الخصوصية الثقافية". إنها عملية "تلوين" قذرة يتم فيها طلاء الأفكار الرجعية بألوان ثورية مخادعة، تهدف في النهاية إلى تحطيم بقايا الدولة المدنية والعقلانية في المجتمعات العربية لصالح كيانات شمولية لا تعترف بالفرد ولا بالمادة إلا بوصفهما أدوات في معركة "الله" ضد "الشيطان" الإمبريالي.
إن المصلحة المشتركة التي تجمع هؤلاء في "فراش واحد" هي الكراهية العميقة لليبرالية المادية التي تقوم على قدسية الفرد وحرية البحث العلمي وسيادة القانون الوضعي. فاليسار الراديكالي يرى في هذه الليبرالية تجسيداً لتوحش رأس المال، بينما يرى فيها الإسلاموي تجسيداً لـ "الجاهلية" والانحلال الديني. هذا "التقاطع في الأهداف" جعل الطرفين ينسقان جهودهما لتفكيك المؤسسات العقلانية التي بناها الفكر الغربي. فاليسار يستخدم أدواته في "التفكيك اللغوي" و"النقد الثقافي" لزعزعة الثقة في المنهج العلمي والحقيقة المادية، بينما يستخدم الإسلاموي هذه المساحة المفرغة ليملأها باليقينيات الغيبية والنصوص المقدسة. إنهم يعملون كفكي كماشة؛ أحدهما يهدم العقل والآخر يبني الخرافة، والنتيجة هي غرق المجتمعات في ضباب كثيف من اللاعقلانية التي تعطل أي إمكانية للنهوض المادي الحقيقي.
وتبرز الخيانة المعرفية في أبشع صورها عندما يتعلق الأمر بقيم المرأة والحريات الشخصية. فالمثقف اليساري الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول "الجندر" وحقوق الأقليات في الغرب، يتحول إلى كائن صامت أو مبرر عندما تُقمع المرأة في المجتمعات الإسلامية أو عندما يُرجم المثليون أو يُكفر المرتدون. إنه يبرر هذه الفظائع بذريعة "احترام الخصوصية الثقافية" أو "تجنب النظرة الاستعلائية الاستعمارية". هذه النسبوية الأخلاقية هي طعنة في قلب المادية التاريخية التي كانت تؤمن بأن التقدم الإنساني واحد وأن الحقوق لا تتجزأ. إن تضحية اليسار بالمرأة وتواطؤه مع الأنظمة والكيانات التي تعتبرها "عورة" هو وصمة عار لا تمحى، وتثبت أن هَمّ هذا اليسار ليس تحرير الإنسان، بل مجرد تسجيل نقاط سياسية ضد "العدو الغربي" حتى لو كان الثمن هو تسليم رقاب الملايين لسكاكين الكهنة.
إن يسار "ما بعد الحداثة" لم يعد يهتم بالواقع المادي وبالقوانين الفيزيائية والاقتصادية التي تحكم العالم، بل أصبح غارقاً في "الإنشاء اللغوي" وصراعات الهوية. هذا الانفصال عن المادة جعله ينجذب نحو "الإسلاموية" التي تمتلك أيضاً طابعاً "هوياتياً" قوياً. إنهم يشتركون في رفض "الحقيقة الموضوعية"؛ فاليساري يقول إن الحقيقة هي "إنتاج سلطوي"، والإسلاموي يقول إن الحقيقة هي "وحي إلهي". كلاهما يهرب من "المختبر" ومن "التوثيق الأركيولوجي" ومن "المنطق الصوري" ليحتمي في سرديات عاطفية تحرك الغرائز الغوغائية. ولذلك نجد التحالف بينهما يزدهر في الجامعات ومنابر التواصل الاجتماعي، حيث يتم تدوير الأكاذيب التاريخية وتلميع صور السفاحين طالما أنهم يخدمون السردية المشتركة المعادية للحداثة المادية.
علاوة على ذلك، فإن هذا التحالف يعتمد على عملية "غسيل دماغ" متبادلة؛ فالإسلاموي يستخدم مفاهيم "المظلومية" و"المقاومة" التي استعارها من الأدبيات اليسارية ليقدم نفسه كحركة تحرر عالمية، واليساري يستخدم "الكتلة البشرية" الإسلامية ليوهم نفسه بأنه لا يزال يمتلك قاعدة جماهيرية. لكن الحقيقة المادية تقول إن الإسلاموي في هذا التحالف هو "الطرف القوي" والمسيطر، لأنه يمتلك عقيدة صلبة وقاعدة غوغائية مستعدة للموت، بينما اليساري هو مجرد "مُحلل" أو "كومبارس" فكري يتم استخدامه لتجميل صورة القمع أمام الرأي العام العالمي. وبمجرد أن يصل الإسلاموي إلى السلطة أو يتمكن من المجتمع، يكون "اليساري" هو أول من يُعلق على المشانق أو يُلقى في غياهب السجون، كما حدث تاريخياً في الثورة الإيرانية، ولكن اليسار المعاصر يبدو أنه لم يتعلم شيئاً من التاريخ لأنه يفضل "لذة الكراهية" للغرب على "أمان المنطق" والمادية.
إن فضح هذا التحالف المسموم يتطلب العودة إلى المادية الصارمة التي لا تحابي أحداً. يجب القول بوضوح إن الخرافة الدينية هي عائق بنيوي أمام أي تقدم، وأن التحالف معها هو تحالف مع الموت والجمود. إن "الخيانة المعرفية" لليسار تكمن في أنه استبدل "العقل" بـ "العاطفة الهوياتية"، واستبدل "التحليل الطبقي المادي" بـ "التباكي الثقافي". إن الدفاع عن حقوق المرأة أو حرية الاعتقاد لا يمكن أن يخضع لـ "الخصوصية الثقافية"؛ فجسد المرأة وعقل الإنسان هما حقيقتان ماديتان عابرتان للثقافات، وأي أيديولوجيا تحاول قمع هما هي عدو للإنسانية يجب مواجهته لا التحالف معه. إن يسار ما بعد الحداثة، بصناعته لـ "درع أخلاقي" للإسلاموية، إنما يساهم في إطالة عمر الظلامية وتأخير لحظة المواجهة الحتمية بين العقل والخرافة.
كما أن هذا التحالف أدى إلى ظهور نمط من "المثقفين المرتزقة" الذين يتاجرون بقضايا الشرق من داخل مكاتبهم الفارهة في أوروبا. هؤلاء هم "أبناء إدوارد سعيد" الذين شوهوا فكرة النقد وحولوها إلى "منع للنقد". إنهم يمارسون "إرهاباً فكرياً" ضد كل من يحاول تعرية النفاق الإسلاموي، واصفين إياه بـ "الإسلاموفوبيا" أو "الاستشراق"، وهي مصطلحات أصبحت تُستخدم كـ "كمامات" لمنع الكلام العلمي الرصين. إن هؤلاء المثقفين هم جزء لا يتجزأ من الماكينة الدعائية للإسلام السياسي، وهم المسؤولون عن تضليل الأجيال الجديدة (جيل الـ Z وما بعده) وإقناعهم بأن "التحرر" يمر عبر التحالف مع أكثر القوى رجعية واضطهاداً في التاريخ المعاصر.
إن المادية التي نتبناها لا تعرف أنصاف الحلول؛ فإما علم ومنطق وقوانين تسري على الجميع، وإما غوغائية وخرافة تقودنا نحو الهاوية. والتحالف بين اليسار والإسلاموي هو محاولة يائسة لدمج "الزيت بالماء"، والنتيجة ليست سوى سائل عكر يسمم الحياة السياسية والثقافية. إن الهدف من هذا التشريح هو كشف زيف الروابط التي تجمع الطرفين، والتأكيد على أن "العدو المشترك" (الغرب الليبرالي) هو في الحقيقة المكان الوحيد الذي يسمح لهؤلاء بممارسة نفاقهم بحرية. ففي ظل قوانين المادة والحقيقة الصلبة، ينهار هذا التحالف لأنه لا يقوم على "بناء" بل على "هدم"، ولا يهدف لـ "إحياء" الإنسان بل لـ "تأبيد" تبعيته للأوهام الجماعية.
في الختام، يظل "التحالف المسموم" شاهداً على إفلاس اليسار المعاصر الذي فقد بوصلته المادية وتحول إلى مجرد "ظلال" للخرافة الدينية. إن النوم في فراش الإسلاموي لم يمنح اليساري القوة التي كان ينشدها، بل أصابه بـ "العجز المعرفي" وجعله شريكاً في كل الجرائم التي تُرتكب باسم المقدّس. إن الطريق نحو المستقبل يمر عبر ذبح هذه الأصنام المشتركة، والعودة إلى حقيقة أن الوجود المادي كافٍ بنفسه، وأننا لا نحتاج لـ "تحالفات قذرة" لكي نعيش بكرامة وعقلانية. إن الفشل في فك هذا الارتباط سيعني بقاء المجتمعات أسيرة لصراع وهمي بين إمبريالية غربية متخيلة وخرافة شرقية متوحشة، بينما الحقيقة تضيع بينهما في وادٍ من الإنشاء اللغوي والنفاق الأكاديمي الذي لا نفع منه ولا طائل تحته. إن اليقظة من هذا التحالف هي الخطوة الأولى نحو استعادة العقل لسيادته المادية المطلقة فوق كل نص وكل أيديولوجيا زائفة.




.

نفاق المخطوطات ورحلة القرآن من الجلد إلى الورق وتفكيك أوهام الثبات النصي (مقال)

.

.
نفاق المخطوطات ورحلة القرآن من الجلد إلى الورق وتفكيك أوهام الثبات النصي




تعتبر السردية الإسلامية التقليدية حول النص القرآني واحدة من أكثر السرديات صرامة وانغلاقاً في تاريخ الأديان، حيث تدعي أن هذا النص قد نُقل بالتواتر القطعي من فم النبي إلى صدور الصحابة ثم إلى الورق، دون أن تمسه يد التغيير أو التبديل بزيادة أو نقصان أو حتى اختلاف في حرف واحد. إلا أن المواجهة المعرفية مع علم الباليوجرافيا (علم الكتابات القديمة) وعلم الكوديكولوجيا (علم المخطوطات) بدأت تكشف عن فجوات هائلة وتناقضات صارخة تذبح هذا "التبجيل المطلق" وتضعه في خانة المنتج البشري الخاضع لظروف الزمان والمكان وصراعات السلطة السياسية. إن الانتقال من مرحلة "الجلد" المرقع وغير المنقط إلى مرحلة "الورق" المحرر والمقنن لم يكن رحلة إلهية محصورة في "اللوح المحفوظ"، بل كانت عملية بشرية مضطربة، شابتها صراعات المصالح الأموية والعباسية، وتلاعبت بها عقول الناسخين واختلافات الألسن، مما يحول "كلام الله الثابت" إلى تراث تاريخي سيال ومضطرب لا يختلف في ماديته عن نصوص هوميروس أو أسفار العهد القديم.
إن المدخل الأساسي لفهم "نفاق المخطوطات" يبدأ من طبيعة الخط العربي القديم نفسه، وهو ما يسمى بالخط الحجازي أو الكوفي المبكر، والذي كان يفتقر تماماً إلى الإعجام (التنقيط) والشكل (الحركات). في تلك المرحلة، كانت الكلمة الواحدة في المخطوطة يمكن أن تقرأ بوجوه متعددة تماماً؛ فالباء والتاء والثاء والنون والياء كانت ترسم جميعاً بنفس الغرزة الخطية، مما يعني أن "المعنى" لم يكن ثابتاً في النص المكتوب، بل كان رهناً باختيار القارئ أو المفسر أو السلطة التي تفرض قراءة معينة. هذا الفراغ التنقيطي يثبت أن النص في قرنه الأول لم يكن "بياناً مبيناً" كما يدعي، بل كان مادة زئبقية قابلة للتشكل وفقاً للأهواء السياسية والعقائدية. وهنا تبرز السياسة الأموية، وتحديداً في عهد عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي، كأهم مهندس لعملية "تقنين" النص وتوحيده قسراً عبر التنقيط، ليس بهدف حماية الدين، بل بهدف توحيد لغة الإمبراطورية وسحق التعددية النصية التي كانت تهدد استقرار الحكم، وهو ما ينسف أسطورة "الجمع العثماني" المبكر والنهائي الذي تروج له الكتب الصفراء.
وعندما نتأمل في اكتشافات "مخطوطات صنعاء" التي عُثر عليها في الجامع الكبير عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين، نجد أنفسنا أمام الزلزال الذي هدم صنم "الحرف الواحد". هذه المخطوطات، وبخاصة تلك التي تحتوي على "طبقة ممسوحة" (Palimpsest)، كشفت عن وجود نصين فوق بعضهما البعض؛ النص الظاهر الذي يتوافق مع المصحف العثماني الحالي، والنص السفلي الممسوح الذي يحتوي على ترتيب مختلف للسور، وكلمات مغايرة، وصيغ نحوية تختلف عما بين أيدينا اليوم. إن وجود هذه الفروقات في القرن الأول للهجري يثبت أن القرآن كان يعيش حالة من "السيولة النصية" وأن هناك مصاحف موازية كانت متداولة قبل أن تقوم السلطة بمسحها وفرض نسخة وحيدة. إن عملية "المسح" في حد ذاتها هي فعل بشري سياسي بامتياز، تهدف لإخفاء "الاضطراب" التاريخي وصناعة "وهم الثبات"، مما يؤكد أن النص الذي نقرأه اليوم هو "الناجي" الوحيد من مقصلة الرقابة الأموية، وليس بالضرورة هو النص الأصلي الذي قيل في مكة أو المدينة.
وفي المقابل، نجد نفاقاً أكاديمياً يحاول استخدام "مخطوطة برمنغهام" لإثبات قدم النص وثباته، متجاهلين أن الفحص بالكربون المشع يحدد عمر "الجلد" (الرق) وليس عمر "الحبر" أو وقت الكتابة، وحتى لو افترضنا قدم الكتابة، فإن المخطوطة نفسها تحتوي على مقاطع تختلف في رسمها العثماني عما هو مستقر اليوم. إن المخطوطات المبكرة، مثل "مصحف باريس الصغير" ومخطوطات "توبنغن"، تظهر تطوراً تدريجياً في الخط والإملاء، حيث نجد كلمات كُتبت بألفات محذوفة ثم أُضيفت لاحقاً، وعبارات تكررت أو حُذفت، مما يشير إلى أن "الناسخ" لم يكن مجرد آلة لنقل كلام إلهي، بل كان "محرراً" يتدخل في النص وفقاً لفهمه اللغوي وسياقه الثقافي. هذا التدخل البشري المستمر على مدار قرنين من الزمان هو الذي حول القرآن من "شذرات" متفرقة كانت تُكتب على الأكتاف واللخاف إلى "كتاب" متسق، مما يعني أن "القداسة" هي صفة أُضفيت على النتيجة النهائية المتأخرة، وليست صفة كامنة في الرحلة التاريخية للنص.
إن قضية "القراءات السبع" أو "العشر" هي وجه آخر من وجوه الاضطراب النصي الذي حاول الفقهاء تبريره بمصطلح "الأحرف السبعة" الغامض. الحقيقة المادية التي يكشفها علم الباليوجرافيا هي أن هذه القراءات نشأت أصلاً بسبب "قصور الخط العربي" عن التمييز بين الحروف وبسبب اختلاف اللهجات العربية التي حاولت كل منها "ليّ" النص لصالح لغتها الخاصة. فعندما نجد كلمة تقرأ في قراءة بلفظ الماضي وفي أخرى بلفظ الأمر، أو تختلف في الفاعل والمفعول، فإننا لسنا أمام "تعددية إلهية" مقصودة، بل أمام "تخبط بشري" في تفسير نص بدائي غير منقط. لقد قام الفقهاء في العصر العباسي بـ "هندسة" هذه القراءات وحصرها في أسماء معينة لمنحها شرعية تاريخية، بينما الحقيقة هي أن المخطوطات القديمة كانت تعج بقراءات "شاذة" تم إقصاؤها لأنها لم تتوافق مع الخط العثماني الذي تبنته الدولة، وهو ما يؤكد أن "السياسة" هي التي حددت ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن.
علاوة على ذلك، فإن دور الحجاج بن يوسف الثقفي في "تحرير" المصحف يمثل نقطة سوداء في تاريخ الثبات النصي؛ فالمصادر التاريخية نفسها تذكر أنه غيّر أكثر من عشرة مواضع في المصحف العثماني وأعاد توزيعه ونقطه. هذا التدخل من شخصية عسكرية وسياسية بامتياز يثبت أن النص كان "أداة حكم" وليس فقط نصاً تعبدياً، وأن السلطة كانت تملك الجرأة على تعديل "كلام الله" لضمان الانسجام الاجتماعي والسياسي. إن الانتقال من الجلد إلى الورق في العصر العباسي، مع دخول تقنيات الورق الصينية، سمح بإنتاج نسخ هائلة وموحدة، وهو الوقت الذي تم فيه تثبيت النص نهائياً وإحراق أو إخفاء كل ما يخالفه، مما خلق الانطباع لدى الأجيال اللاحقة بأن هذا النص كان هكذا منذ الأزل. إن هذا "الوهم بالثبات" هو نتاج لعملية رقابية صارمة نجحت في محو آثار الصراع المرير الذي خاضه النص في قرونه الأولى.
إن الهدف من هذا التشريح الباليوجرافي هو تحويل القرآن من "صنم غيبي" متعالٍ على التاريخ إلى "وثيقة تاريخية" خاضعة لمباضع البحث العلمي. فالمخطوطة ليست مجرد ورق وحبر، بل هي شهادة مادية على "بشرية النص"؛ فعندما نرى "الكشط" و"التعديل" و"الإضافة بين السطور" في أقدم المصاحف، ندرك أننا أمام عمل إنساني قلق ومضطرب. إن "نفاق المخطوطات" يتجلى في أن المؤسسات الدينية تمنع الباحثين من فحص هذه الوثائق بحرية، وتكتفي بعرض صفحات معينة تخدم السردية التقليدية، خوفاً من أن ينكشف زيف "التواتر القطعي". إن العقل المادي لا يمكنه قبول فكرة "النص الذي لم يتغير" في حين أن كل الشواهد الأركيولوجية والخطية تقول إن التغيير كان هو القاعدة، والثبات كان هو الاستثناء المفروض بقوة السيف والسلطان.
إن نفاق المثقفين الذين يحاولون "عصرنة" هذا الاضطراب عبر القول بأن الاختلافات هي "ثراء لغوي" هو تلاعب بائس بالمنطق؛ فالثراء لا يكون في أصل "الوحي" الذي يفترض أن يكون دقيقاً وواضحاً، بل الثراء هو سمة النصوص الأدبية البشرية. إن القرآن في رحلته من الجلد إلى الورق فقد "بكارته" الأولى (إن وجدت أصلاً) وتحول إلى "سجل سياسي" يعكس طموحات العرب في بناء إمبراطورية عالمية تحتاج لدستور مقدس وموحد. إن فضح هذه الرحلة المضطربة هو كسر لأغلال العقل الذي يقدس "الكلمة" دون أن يفهم "تاريخ الكلمة"، وهو دعوة للنظر إلى التراث الإسلامي كركام ثقافي بشري قابل للنقد والتفكيك والرمي في سلة التاريخ إذا ما ثبت تناقضه مع العقل والعلم المادي.
إن الحقيقة الصارمة التي يجب مواجهتها هي أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو "نسخة الملك" و"نسخة السلطة"، وليس بالضرورة "نسخة محمد". فالمسافة الزمنية والمكانية، واختلاف الخطوط، وصراعات النقط والشكل، وتدخلات الحجاج وعبد الملك، كلها عوامل مادية صنعت نصاً جديداً. إننا أمام "نص مرقع" تمت حياكته ببراعة عبر القرون ليظهر كنسيج واحد، ولكن تحت المجهر الباليوجرافي تنكشف الغرز المهترئة والرقاع المضافة. إن تحويل هذا النص إلى تراث مضطرب هو انتصار للحقيقة المادية على الوهم الغيبي، وهو تجريد للمؤسسات الدينية من أقوى أسلحتها؛ ألا وهي "أكذوبة الثبات المطلق".
في الختام، تظل المخطوطات القديمة هي العدو الأكبر للخرافة، لأنها الشاهد الصامت الذي لا يمكن رشوه أو إخراسه بالخطب العاطفية. إن رحلة القرآن من الجلود البدائية في صحاري الحجاز إلى الورق المذهب في قصور بغداد هي قصة تطور بشري بامتياز، قصة صراع بين الحرف والمعنى، وبين القارئ والناسخ، وبين الفقيه والملك. إن الوعي بهذه الرحلة هو الوعي بحقيقة أننا لا نتعامل مع "وحي" بل مع "تاريخ"، ومع "بشر" يخطئون ويصيبون ويحرفون الكلم عن مواضعه لخدمة مصالحهم الأرضية. إن سحق "صنم النص" يبدأ من فهم كيفية صناعته، وعلم المخطوطات هو المطرقة التي تحطم هذا الصنم لتعيد الإنسان إلى واقعه المادي الملموس، بعيداً عن أوهام اللوح المحفوظ وسراديب الغيب المظلمة.




.

عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية (مقال)

.

.
عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية




يعتبر المشروع الفكري لعبد الوهاب المسيري واحداً من أخطر المشروعات الالتفافية في تاريخ الفكر العربي المعاصر، ليس لقوته العلمية أو لمتانة مرجعيته المادية، بل لقدرته الفائقة على صياغة "فخاخ فكرية" بلغة حداثية مضللة توحي بالعمق الفلسفي بينما هي في جوهرها تسعى لإعادة الاعتبار للميتافيزيقا والغيبيات التي عجز الفقهاء التقليديون عن الدفاع عنها أمام زحف العلم الصارم. لقد نجح المسيري في خلق لغة "برزخية" تقف بين الفلسفة الغربية والتراث الإسلامي، مستخدماً مصطلحات معقدة مثل "العلمانية الشاملة" و"العلمانية الجزئية" و"النماذج المعرفية"، ليس بهدف فهم الواقع المادي كما هو، بل بهدف "شيطنة" الحداثة المادية وتصويرها كوحش يلتهم القيم الإنسانية، ومن ثم تقديم "الدين" كطوق نجاة وحيد، وهو ما يمثل في جوهره "ردة فكرية" مغلفة بعباءة فلسفية براقة تخدع المثقف الذي يريد أن يبدو عصرياً دون أن يتخلى عن أصنامه القديمة.
إن الفخ الأول الذي نصبه المسيري يكمن في ابتكاره لثنائية العلمانية الشاملة والجزئية، وهي قسمة ضيزى تهدف بالأساس إلى حماية "المقدس" من نصل النقد المادي. فبينما يرى العالم المادي أن العلمانية هي ببساطة فصل الدين عن الشأن العام وإخضاع الظواهر لقوانين المادة والبحث العلمي، حاول المسيري أن يقنعنا بأن هناك نوعاً "خبيثاً" يسمى العلمانية الشاملة، وهي في نظره تعني تحويل العالم إلى "مادة صماء" ونزع القداسة عن الإنسان وتحويله إلى شيء وظيفي. هذا التلاعب اللفظي يهدف إلى تخويف القارئ من "المادية" وتصويرها كحالة من "السيولة الأخلاقية" التي ستؤدي حتماً إلى الانهيار الإنساني. وفي المقابل، طرح ما يسمى بالعلمانية الجزئية، وهي نوع من "العلمانية المهجنة" التي تقبل بالتقنية والإجراءات الإدارية الغربية لكنها تبقي على "المركزية الدينية" في الأخلاق والتشريع، وهو ما يعد التفافاً صريحاً على جوهر الحداثة التي لا تقبل التجزئة بين المنهج العلمي والنتائج الاجتماعية.
لقد استغل المسيري لغة معقدة توحي بالتمكن من الفلسفة الغربية، خاصة مدرسة فرانكفورت ونقد الحداثة، لكنه وظف هذا النقد توظيفاً "اعتذارياً" لخدمة النص المقدس. فالمسيري لا ينقد الحداثة من أجل تطويرها أو تجاوز عثراتها المادية، بل ينقدها ليهدم أساسها المنطقي القائم على "مرجعية المادة". إنه يحاول إثبات أن الحداثة المادية "عاجزة" عن تفسير الظاهرة الإنسانية، ومن ثم يستنتج بـ "قفزة إيمانية" غير منطقية أن التفسير الغيبي هو البديل الضروري. هذا النوع من التفكير يسمى في فلسفة المنطق "مغالطة التوسل بالجهل"، حيث يتم استغلال المساحات التي لم يكتشفها العلم بعد ليدس فيها "الله" أو "المقدس"، وهي استراتيجية بائسة تنهار أمام أي اكتشاف علمي جديد يزيح الستار عن ميكانيكا المادة التي كان المسيري يظنها "لغزاً إلهياً".
إن "أسلمة الحداثة" عند المسيري هي محاولة بائسة لارتداء ثياب الآخر مع البقاء في حظيرة الماضي. فهو يستخدم مصطلح "النموذج المعرفي" ليقول إن لكل أمة حقيقتها الخاصة، وهي سفسطة أكاديمية تهدف لنزع صفة "العالمية" عن العلم المادي. فإذا كان العلم يقول إن النصوص الدينية هي منتج بشري تاريخي خاضع للنقد الأركيولوجي والفيلولوجي، يهرع المسيري للقول إن هذا "نموذج معرفي مادي" لا ينطبق على "النموذج الإيماني الشرقي". وبهذا المنطق، يعطي المسيري الحق لكل خرافة أن تعيش داخل فقاعتها الثقافية تحت حماية "الخصوصية"، وهو ما شل العقل النقدي العربي وجعله يرفض نتائج العلوم الحديثة (مثل التطور أو أركيولوجيا الأديان) بدعوى أنها تنتمي لنموذج معرفي "غريب" يسعى لتفكيك الهوية. إن هذه "الأنانية المعرفية" هي التي مهدت الطريق لظهور أجيال من المثقفين الذين يمتلكون أحدث الهواتف الذكية لكن عقولهم محبوسة في سرديات القرن السابع الميلادي.
علاوة على ذلك، فإن المسيري مارس نوعاً من "التدليس الثقافي" عندما حاول تصوير المادية الصرفة كعدو للقيم والجمال. فهو يربط بين "المادية" وبين "الإبادة" و"الاستعمار" و"تفكيك الأسرة"، متجاهلاً أن القيم الإنسانية والعدالة والمساواة هي نتاج نضال مادي بشري وتطور اجتماعي وليس نتاج نصوص غيبية. إن محاولة المسيري ربط "العلمانية الشاملة" بالنازية والصهيونية هي مغالطة تاريخية فظيعة؛ فالعلمانية والنزعة الإنسانية المادية كانت هي الدرع الذي حمى البشرية من محاكم التفتيش والحروب الدينية المقدسة. لكن المسيري، بمهارته في التلاعب بالمصطلحات، قلب الآية وجعل من "العقل المادي" مجرماً، ومن "النص المقدس" رحمة، متناسياً أن المجازر التاريخية الكبرى ارتكبت غالباً باسم "المقدس" وباسم "إرادة الله" التي لا تقبل النقاش المادي.
إن الهدف الحقيقي من وراء موسوعات المسيري وكتاباته الضخمة لم يكن يوماً البحث عن الحقيقة، بل كان "بناء حصون" لحماية المنظومة الدينية من الانهيار أمام الاكتشافات العلمية. فعندما يتحدث عن "الإنسان الرباني" في مواجهة "الإنسان الطبيعي المادي"، فإنه يمارس عملية "استلاب" للواقع؛ فهو يريد إقناعنا بأن قيمتنا ليست في وجودنا المادي وتطورنا البيولوجي ووعينا الحسي، بل في "علاقتنا بالغيب". هذا التوجه هو "ردة فكرية" كاملة الأركان؛ لأنه يعيدنا إلى عصور ما قبل العلم، حيث كان الإنسان يفسر ظواهر الطبيعة وحركته الشخصية بإرادات غيبية خفية. المسيري فقط "حدث" هذه الرؤية القديمة عبر استخدام كلمات مثل "الواحدية" و"الثنائية" و"التجاوز"، ليجعل القارئ يشعر بأنه أمام فيلسوف معاصر، بينما هو في الحقيقة أمام "متكلم" (من علماء الكلام) يرتدي بزة أكاديمية غربية.
إن نفاق المثقفين الذين انبهروا بالمسيري (مثل النفيسي أو إدوارد سعيد في بعض جوانبه) يعود إلى أن المسيري منحهم "الأداة" التي تسمح لهم بالاستمرار في رفض الحداثة مع الادعاء بأنهم "نقدوا" الحداثة وتجاوزوها. لقد تحول المسيري إلى "مخدر فكري" مريح؛ فهو يخبرك أنك لست متخلفاً لأنك تؤمن بالخرافات، بل أنت "متميز معرفياً" لأنك ترفض المادية الغربية "المفككة". هذا الخطاب يغذي النرجسية الجريحة لدى الإنسان العربي والمسلم، ويجعله يشعر بتفوق وهمي على عالم الفيزياء والبيولوجيا، لأن هذا العالم غارق في "العلمانية الشاملة" بينما هو (المثقف المسيري) يمتلك "الرؤية التجاوزية". وهذا بالضبط هو ما أدى إلى سيادة "قطيع الحمير" في فضائنا العام، لأنهم وجدوا في كتب المسيري مبرراً لجهلهم وتشددهم، مصبوغاً بصبغة فلسفية تخرس الألسنة.
إن تفكيك "فخاخ المسيري" يتطلب العودة إلى المادية الصارمة والاعتراف بأن الكون محكوم بقوانين مادية لا تبالي بالأماني البشرية ولا بالنصوص المقدسة. فالعالم ليس "نصاً" يحتاج لتأويل، بل هو "مادة" تحتاج لفهم وقياس وتجربة. ومحاولة المسيري إدخال "الغيب" في معادلة المعرفة هي تلوث للمنهج العلمي؛ فالمعرفة إما أن تكون مادية تجريبية قابلة للتكذيب، وإما أن تكون وهماً ذاتياً لا قيمة له في بناء الحضارة. إن مشروع المسيري لم يقدم براءة اختراع واحدة، ولم يحل مشكلة فقر أو تخلف واحدة، بل كل ما فعله هو "توليد لغوي" لا ينتهي، ووظف طاقته الذهنية في محاربة "طواحين الهواء" المادية، لينتهي به المطاف حارساً لبقايا القرون الوسطى في عقول المعاصرين.
لا يمكن للمشتبك المعرفي أن يغفل عن حقيقة أن المسيري كان يحاول "تبييض" وجه المؤسسات الدينية التقليدية عبر منحها صكوكاً حداثية. فعندما يهاجم "المادية" في الفن والجمال، فإنه في الحقيقة يدعو لفرض "رقابة مقدسة" على الإبداع البشري. وعندما يرفض "تفكيك" الأسرة على أسس مادية، فإنه يدافع عن "البطريركية" والتراتبية الدينية القديمة التي تضمن سيطرة "صنم النص" على حياة الأفراد. إن المسيري مهندس بامتياز، لكنه مهندس "جدران" تحجب الضوء، وليس مهندس "جسور" تعبر بنا نحو المستقبل. إن مشروعه هو "الالتفاف" الأكبر على العقل، وهو الفخ الذي سقط فيه الكثيرون ممن ظنوا أنهم يقرؤون نقد الحداثة، بينما كانوا في الحقيقة يقرؤون "نعي العقل" باسم الأصالة والخصوصية.
في الختام، يظل عبد الوهاب المسيري نموذجاً للمثقف الذي سخر علمه لخدمة الخرافة، واستخدم أدوات التنوير لإطفاء شموع التنوير. إن ثنائيته حول العلمانية هي مجرد "تلاعب لفظي" يهدف لشرعنة التخلف، ورغبته في العودة للمركزية الدينية هي هروب من استحقاقات المواجهة مع الواقع المادي الصلب. إننا اليوم في أمس الحاجة لذبح هذا الصنم الفكري وتعرية نفاقه، لنثبت أن المادة وقوانينها هي المرجع الوحيد والنهائي، وأن أي محاولة لـ "أسلمة" العلم أو "تديين" الحداثة هي محاولة فاشلة ومضللة تهدف فقط لإطالة عمر "الكهنة" و"الأصنام" في عالم لم يعد يتسع إلا للحقيقة المادية العارية من كل زيف ميتافيزيقي. إن تحرير العقل من "فخاخ المسيري" هو البداية الحقيقية لولادة إنسان جديد يرى الكون بعين العلم لا بعين الوهم، ويصنع معناه الخاص بعيداً عن "إله الغرز" الذي حاول المسيري ترميم ثوبه المهترئ.



.

إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق (مقال)

.

.
إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق




تمثل لحظة صدور كتاب الاستشراق للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في أواخر السبعينيات من القرن العشرين نقطة تحول كبرى في مسار العقل العربي المعاصر ليس لأن الكتاب قدم كشفاً أركيولوجياً جديداً لمنظومات المعرفة الشرقية بل لأنه منح العقل التقليدي المأزوم في المنطقة العربية حصانة دبلوماسية ودرعاً أخلاقياً زائفاً سمح له بالهروب من استحقاقات النقد العلمي المادي الصارم تحت ذريعة محاربة الإمبريالية والمعرفة الاستعمارية ومن هنا بدأت مأساة حقيقية حيث تحول هذا المنجز الأكاديمي الذي ينتمي في أصله إلى مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية إلى سلاح فتاك في يد التيارات الإسلاموية والمحافظة التي وجدت فيه ضالتها الكبرى لإخراس أي صوت نقدي داخلي أو خارجي يحاول تفكيك بنية الخرافة التاريخية أو النصية بدعوى أن كل محاولة للفهم أو النقد تنبع من رؤية استعلائية غربية تهدف إلى الهيمنة وتشويه "الآخر" وبهذا الصنيع تم تحويل النقد العلمي من ممارسة عقلية تهدف إلى بلوغ الحقيقة المادية إلى صراع هويات سياسي أدى في نهاية المطاف إلى شلل كامل في العصب النقدي العربي لجيل كامل.
إن الجوهر الإشكالي في أطروحة إدوارد سعيد يكمن في عملية "تسييس المعرفة" بشكل مطلق حيث اعتبر أن كل ما أنتجه الغرب حول الشرق منذ حملة نابليون وحتى عصرنا الحالي هو بالضرورة نتاج علاقة قوة غير متكافئة تهدف إلى ترسيخ الاستعمار وهذا التعميم الجارف وقع في فخ "المغالطة التاريخية" لأنه ساوى بين المستشرق الذي كان يرافق الجيوش ليرسم الخرائط العسكرية وبين العالم الفيلولوجي أو الأركيولوجي الذي كان يقضي عمره في المختبرات والمكتبات لتحقيق مخطوطة منسية أو فك شفرة لغة بائدة بدافع الفضول المعرفي البحت إن هذه المساواة الظالمة أدت إلى خلق مناهضة شاملة للعلم التجريبي والمنهج الفيلولوجي الصارم بذريعة أنه "علم استعماري" مما سمح للمثقف الإسلاموي والمحافظ بأن يرفض كل النتائج العلمية التي توصل إليها البحث الغربي حول تاريخية النص القرآني أو نشأة الإسلام المبكر لا بالحجة والبرهان المادي بل بمجرد وصم الباحث بأنه "مستشرق" يحمل أجندة تخريبية وهذا الهروب نحو "أخلاقنة السجال" كان الكارثة الكبرى التي منحت التخلف والجهل صك غفران أكاديمي برداء حداثي.
لقد استغل التيار الإسلاموي نقد إدوارد سعيد للاستشراق لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "المركزية الإيمانية" في مواجهة "المركزية الأوروبية" فصار الدفاع عن الخرافات التاريخية والتفسيرات الغيبية نوعاً من أنواع "المقاومة الفكرية" ضد الغرب الغازي فإذا ما تجرأ باحث مادي على إثبات التطور البشري للنصوص الدينية أو كشف التناقضات الأركيولوجية في السردية الإسلامية يتم استدعاء أدوات إدوارد سعيد فوراً لدمغه بالتبعية الفكرية والادعاء بأن أدواته النقدية هي أدوات "غريبة" صُممت لاختراق "الخصوصية الثقافية" للمسلمين وهكذا تحولت "الخصوصية" من مفهوم سوسيولوجي إلى زنزانة فكرية يُمنع بداخلها العقل من استخدام أدوات المنطق والعلم بحجة أنها أدوات استعمارية في الأصل وهذا التوظيف الانتهازي لأطروحة سعيد كشف عن نفاق أكاديمي عميق حيث يرحب هؤلاء المثقفون بالأدوات الغربية عندما تخدم أيديولوجيتهم وتهاجم خصومهم لكنهم يكفرون بها ويصمونها بالاستشراق عندما تقترب من تشريح أصنامهم ومقدساتهم الموروثة.
إن النتيجة الحتمية لهذا المنطق كانت شلّ القدرة على النقد الذاتي داخل المجتمعات العربية حيث أصبح أي مفكر محلي يحاول ممارسة "الاستشراق الداخلي" بالمعنى الإيجابي أي تفكيك الموروث بأدوات علمية يُعامل كخائن ثقافي أو "مستشرق بني جلدتنا" كما يصفونه بمرارة فإدوارد سعيد دون قصد منه ربما منح السلطات الدينية والسياسية المستبدة غطاءً فكرياً رصيناً لقمع التنويريين فكل نقد موجه لبنية العقل العربي الإسلامي صار يُصنف كجزء من "الخطاب الاستشراقي" الذي يسعى لتبخيس الذات وتمجيد الآخر وبهذا المنطق الدائري تم إغلاق الدائرة على العقل العربي ليبقى حبيساً داخل شرنقة التمجيد الذاتي والاعتذارية الدائمة فبدلاً من أن نواجه بؤسنا المادي والمعرفي بشجاعة الفيزيائي والمؤرخ الأركيولوجي ذهبنا للاختباء خلف "الدرع الأخلاقي" الذي وفره كتاب الاستشراق مدعين أن كل عيوبنا هي مجرد "تمثلات" وصور ذهنية صنعها الغرب المتآمر وليست حقائق مادية متجذرة في واقعنا الثقافي والاجتماعي.
وعند فضح "المغالطة التاريخية" التي قامت عليها شعبية هذا الكتاب نجد أن إدوارد سعيد تجاهل عن عمد أو عن جهل مدارس استشراقية كبرى (كالألمانية مثلاً) لم يكن لها أي طموح استعماري مباشر في المنطقة العربية بل كان دافعها فيلولوجياً وفلسفياً صرفاً لكن سعيد صهر الجميع في بوتقة واحدة ليخدم هدفه الخطابي إن هذا التعميم هو الذي تلقفه المثقف المنافق من أمثال عبد الوهاب المسيري ليصيغ منه نظريات حول "العلمانية الشاملة والجزئية" وليعيد إنتاج التخلف في ثوب فلسفي فصار الجهل بالواقع المادي وبالقوانين الصارمة للتاريخ يُبرر بأنه "حفاظ على النماذج المعرفية الخاصة" وصار العلم الطبيعي والمادي يُتهم بأنه "مادي ملحد" يسعى لتفكيك إنسانية الإنسان الشرقي وهذا النوع من السفسطة الأكاديمية هو الذي جعل "قطيع الحمير" كما تصفهم يغلبون عالم الفيزياء النووية لأنهم يمتلكون الآن تبريراً أخلاقياً لجهلهم وتشددهم معتبرين إياه نوعاً من "الأصالة" في وجه "التغريب".
إن نفاق "الأكاديميا" المعاصرة يتجلى بوضوح في تبنيها لمفهوم "النسبوية الثقافية" الذي استلهم جزءاً كبيراً من قوته من نقد الاستشراق فهذه النسبوية تدعي أنه لا توجد حقيقة مطلقة وأن لكل ثقافة "حقائقها" الخاصة التي لا يجوز نقدها بأدوات خارجية وهذا الادعاء هو طعنة في قلب العلم المادي فالجاذبية لا تتغير بتغير الثقافة وقوانين المادة والبيولوجيا والأركيولوجيا تسري على العربي كما تسري على الأوروبي دون محاباة للخصوصيات الإيمانية إن ادعاء أن نقد النصوص الإسلامية بأدوات "نقد النصوص" العالمية هو فعل استشراقي استعماري هو ادعاء يهدف بالأساس لحماية المؤسسة الدينية ورجالها من السقوط المعرفي فالكذب التاريخي يظل كذباً سواء قاله مستعمر أو قاله شيخ في مسجد والبحث العلمي الصادق هو الذي يتبع الدليل أينما قاده دون اعتبار للمشاعر القومية أو الحساسيات الدينية التي يتذرع بها أتباع إدوارد سعيد لإعاقة المسيرة التنويرية.
لقد أدى هذا المناخ الفكري إلى نشوء جيل من "المثقفين المعتذرين" الذين يقضون حياتهم في الدفاع عن التخلف بدلاً من تشريحه فهم يهاجمون المركزية الأوروبية ليس من أجل بناء مركزية علمية عربية بل من أجل العودة إلى "المركزية الغيبية" حيث يضيع العقل في دهاليز النصوص المقدسة والأساطير التاريخية إن هؤلاء المثقفين هم "حراس الهزيمة" الذين يستخدمون لغة الحداثة وما بعد الحداثة لهدم قيم الحداثة نفسها فهم يستعيرون من فوكو ودريدا وسعيد أدوات "التفكيك" لتفكيك نقد المستشرقين لكنهم لا يجرؤون أبداً على استخدام نفس الأدوات لتفكيك "صنم النص" أو "صنم الشخصية التاريخية" وهذا هو قمة النفاق المعرفي فهم يؤمنون بـ "تاريخية" المعرفة الغربية لكنهم يصرون على "أزلية" و"قداسة" المعرفة الشرقية مما يجعل حوارهم مع العلم مستحيلاً ووجودهم في المختبرات مجرد نشاط ميكانيكي لا يلمس بنية تفكيرهم القروسطية.
إن "الدرع الأخلاقي" الذي وفره نقد الاستشراق كان بمثابة مخدر طويل الأمد جعل الإنسان العربي يعتقد أن مشكلته ليست في غياب المنهج العلمي ولا في سيطرة الخرافة بل في "نظرة الآخر" له وهذا الانزياح من "الواقع المادي" إلى "الصورة الذهنية" هو أكبر عملية تضليل فكري شهدها القرن العشرين فالتخلف ليس "صورة" رسمها المستشرق بل هو حقيقة تقاس بمعدلات الأمية وضعف الإنتاج العلمي وقمع الحريات وسيطرة الغيبيات على السياسة لكن بفضل إدوارد سعيد صار بإمكان الشاب العربي أن يشعر بالفخر "بهويته" المهترئة لمجرد أنه يعتقد أن نقدها هو مؤامرة استعمارية وهكذا تم استبدال "التغيير الجذري" بـ "الاستعلاء الوهمي" مما أطال عمر الأنظمة القمعية والمؤسسات الدينية المترهلة التي وجدت في خطاب "مناهضة الاستشراق" وسيلة فعالة لحشد الجماهير ضد أي محاولة للاصلاح الحقيقي.
كما أن هذا النهج الفكري ساهم في تعميق الهوة بين المثقف العربي وبين الإنجازات العالمية في مجالات الأركيولوجيا والفيلولوجيا المقارنة فبينما كان العالم يتقدم في فك شفرات المخطوطات القديمة باستخدام التقنيات الحديثة كان المثقفون العرب المنبهرون بسعيد والمسيري يرفضون هذه النتائج جملة وتفصيلاً لأنها تصدر عن "مراكز أبحاث غربية" ملوثة بالاستشراق وهذا الرفض المبدئي لم يكن مبنياً على تفنيد علمي مضاد بل على "موقف أخلاقي سياسي" مسبق مما حرم العقل العربي من المشاركة في إعادة كتابة تاريخه الخاص بجدية وموضوعية وبدلاً من ذلك ظل يجتر مرويات الإخباريين العباسيين ويعتبرها حقائق مطلقة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهكذا تحول "نقد الاستشراق" من تمرين فكري في كشف التحيزات إلى سجن فكري يمنع دخول النور العلمي إلى الغرف المظلمة للتراث.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه "المشتبك المعرفي" اليوم هو تحطيم هذا الدرع الأخلاقي والاعتراف بأن المعرفة العلمية لا جنسية لها ولا دين والبحث الأركيولوجي الذي يثبت غياب مكة عن الخرائط القديمة أو يظهر تعدد القراءات وتطور الخط العربي في القرآن ليس بحثاً "استشراقياً" يهدف للإهانة بل هو بحث مادي يهدف للفهم والتوصيف إن مساواة هذا البحث بالاستعمار هي مغالطة تهدف لتأبيد الجهل ومنح "الخرافة" حصانة لا تستحقها فنحن نحتاج اليوم إلى "استشراق مضاد" ولكن بمعنى تبني أدوات العلم والمنطق لتفكيك الذات دون خوف من "فقدان الهوية" لأن الهوية التي تحميها الخرافة هي هوية هشة لا تستحق البقاء أما الهوية التي تتصالح مع الحقيقة المادية فهي الهوية القوية القادرة على صناعة المستقبل.
إن نفاق "الأكاديميا" التي تبرر الجهل بذريعة "الخصوصية الثقافية" يجب أن يُكشف فالمثقف الذي يدافع عن غيفارا السفاح أو يبرر للنفيسي خرافاته باسم "المقاومة" هو مثقف خائن لرسالة العقل وإدوارد سعيد رغم بلاغته وقيمته الأدبية قد منح هؤلاء المنافقين العذر الأكبر ليظلوا غارقين في وحل القرون الوسطى بينما يدعون الانتماء للعصر الحديث إن تعرية هذا النفاق تبدأ بالعودة إلى "المادية الصارمة" وبالاعتراف بأن لا قداسة لرمز ولا حصانة لنص أمام مشرط النقد والبحث التاريخي وأن "الاستشراق" في معناه العلمي كان وما يزال مرآة ضرورية حتى وإن كانت مشوبة ببعض التحيزات لرؤية ذواتنا كما هي بعيداً عن أوهام العظمة الزائفة التي تغذيها السرديات الشفوية والمؤسسات الدينية التي تخشى الضوء.
في الختام يظل كتاب الاستشراق شاهداً على كيف يمكن للفكر الجيد في ظاهره أن يتحول إلى أداة لقمع الفكر في باطنه إذا ما وقع في يد أمة ترفض المواجهة مع الحقيقة المادية فلقد تحول الكتاب من نقد للمركزية الغربية إلى حارس للتخلف الشرقي ومن دعوة للمساواة المعرفية إلى درع يحمي الخرافة من الذبح العلمي إننا بحاجة اليوم إلى تجاوز "عقدة سعيد" والاعتراف بأن العلم والمنطق هما اللغة العالمية الوحيدة القادرة على إنقاذنا من مستنقع النفاق الفكري والتبعية للخرافة فالحقيقة المادية لا تبالي بمن يكتشفها ولا تبالي بمشاعر من تكسر أصنامهم وقوانين المادة هي الحاكم الوحيد الذي لا يعترف بالدروع الأخلاقية ولا بالحصانات الأيديولوجية التي حاول إدوارد سعيد ومن خلفه جيوش المثقفين المنافقين ترسيخها في وعينا المهزوم.



.

صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي (مقال)

.

.
صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي




تمثل صورة إرنيستو تشي غيفارا واحدة من أكبر النجاحات التسويقية في التاريخ الحديث حيث تحولت ملامحه الجامدة ونظرته الثائرة إلى سلعة استهلاكية تزين قمصان الشباب وجدران المقاهي في عواصم العالم الرأسمالي الذي كان يدعي محاربته وهذا التناقض البصري ليس سوى قشرة خارجية لإشكالية أعمق تتعلق بصناعة الرمز الثوري وتزييف الحقيقة المادية لصالح السردية الأيديولوجية إذ يرفض العقل اليساري المخدوع بالرومانسية الثورية النظر إلى غيفارا ككائن بشري خاضع لقوانين المادة والسيكولوجيا ويفضل الإبقاء عليه في صورة "المسيح الثوري" الذي ضحى بنفسه من أجل الفقراء بينما تكشف الوثائق التاريخية ومذكراته الشخصية والحقائق المسجلة في الكتاب الأسود للشيوعية عن شخصية سيكوباتية استعذبت القتل واتخذت من الدم أداة للتطهير الأيديولوجي في مشهد لا يختلف كثيراً عن ممارسات التنظيمات الدينية الراديكالية التي يزدريها اليسار نفسه في مفارقة تعكس عمق النفاق المعرفي والارتهان لصنم الشخصية على حساب الحقيقة العلمية الصارمة.
إن البداية الحقيقية لتفكيك أسطورة غيفارا تنطلق من فهم التحول النفسي الذي طرأ على الطبيب الأرجنتيني الشاب خلال رحلاته في أمريكا اللاتينية حيث بدأت تتشكل لديه نظرة استعلائية تجاه النفس البشرية مغلفة بلغة الخلاص الجماعي فاليسار الرومانسي يروج لرحلة غيفارا بالدراجة النارية كرحلة استكشاف للألم الإنساني لكن القراءة المتأنية لمذكراته تكشف عن نزوع مبكر نحو العنف كوسيلة وحيدة لإثبات الذات وتحقيق التغيير فالرجل لم يكن يبحث عن العدالة بمفهومها الحقوقي المادي بل كان يبحث عن صراع ملحمي يغذي شغفه بالمواجهة الصفرية حيث لا مكان للمساومة أو الاعتراف بالآخر وهذا النزوع هو الجذر الأول للشخصية السيكوباتية التي ترى في الآخرين مجرد أرقام في معادلة الثورة الكبرى أو عقبات يجب إزاحتها من طريق التاريخ الحتمي دون أدنى شعور بالذنب أو التردد الأخلاقي.
وعندما انتقل غيفارا من مرحلة التنظير الجمالي للثورة إلى ممارسة السلطة المادية في كوبا تجلت حقيقته كجزار لا يشق له غبار وتحديداً في سجن "لا كابانيا" التاريخي الذي تولى إدارته بعد انتصار الثورة عام ألف وتسعمئة وتسعة وخمسين ففي هذا المكان الذي تحول إلى مسلخ بشري أشرف غيفارا شخصياً على مئات الإعدامات خارج إطار القانون وبدون محاكمات عادلة تليق بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية إن الكتاب الأسود للشيوعية يوثق بدقة بشعة كيف كان غيفارا يستمتع بمشاهدة تنفيذ أحكام الإعدام من نافذة مكتبه وكيف كان يرفض طلبات الاستئناف أو الرأفة حتى في الحالات التي لا تثبت فيها أي تهمة جنائية على الضحية سوى الانتماء لطبقة اجتماعية معينة أو إبداء الرأي المخالف لمسار الثورة وهذا السلوك يكشف عن غياب تام للتعاطف البشري وهو السمة الأساسية للسيكوباتية حيث يتحول القتل من ضرورة عسكرية مفترضة إلى طقس تطهيري يمارسه "القديس" لتخليص المجتمع من "الأعشاب الضارة" وفق تعبيراته الشخصية.
إن التناقض الصارخ يبرز بوضوح عندما نرى المثقف اليساري المعاصر الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول حقوق الإنسان والحريات الفردية ورفض عقوبة الإعدام وهو يحمل عالياً راية غيفارا الذي كتب في رسالة لوالده بكل صلافة أنه اكتشف حبه للقتل وأنه يستمتع برؤية الدم يسيل من خصومه فهذا النفاق المعرفي يعكس حالة من "العمى الأيديولوجي" حيث يتم عزل الفعل الجرمي عن فاعله إذا كان ينتمي لذات المعسكر الفكري إن غيفارا لم يكن يؤمن بالديمقراطية أو بحرية التعبير بل كان يرى في معسكرات العمل القسري وسيلة لإعادة تربية "الإنسان الجديد" وهو المفهوم الذي استلهمه من التجارب الستالينية والماوية لصناعة كائن مطيع مجرد من الفردية والمادية ومسحوق تحت إرادة الدولة والزعيم وهذا المشروع في جوهره هو مشروع استعبادي يتناقض كلياً مع شعارات التحرر التي يرفعها مريدوه في جامعات الغرب وصالونات الشرق الفكرية.
في مذكرات غيفارا الشخصية نجد اعترافات صادمة تكشف عن هوسه بالموت كفعل فني وسياسي فهو يصف لحظة إعدام أحد الفلاحين الذين اتهموا بالخيانة دون دليل قاطع ببرود تام بل ويذكر أنه هو من أطلق الرصاصة الأخيرة على رأسه ليشعر بلذة الإجهاز على العدو وهذا التوثيق الذاتي هو الذبح الحقيقي للنص التاريخي الرومانسي الذي يحاول تصويره كطبيب رحيم فالأركيولوجيا النفسية لنصوص غيفارا تكشف عن إنسان يقدس الكراهية حيث يقول صراحة إن "الحقد غير المحدود تجاه العدو يحول الإنسان إلى آلة قتل فعالة وعنيفة وانتقائية وبدم بارد" وهذه العبارة ليست مجرد شطحة ثورية بل هي دستور عملي طبقته الأنظمة الشمولية التي كان غيفارا أحد أعمدتها وهي ذات العبارات التي يستخدمها المتطرفون الدينيون لتبرير ذبح "الكفار" مما يثبت أن الراديكالية اليسارية والدينية تنهلان من ذات النبع السيكوباتي الذي يحتقر الحياة المادية الفردية لصالح الوهم الجماعي المقدس.
إن تحويل غيفارا إلى أيقونة عالمية لم يكن ليتم لولا التواطؤ اليساري في صناعة "الميتافيزيقا الثورية" التي ترفض إخضاع الرموز للنقد المادي الصارم فاليسار ما بعد الحداثي الذي يدعي تفكيك السرديات الكبرى يقف عاجزاً وأبله أمام سردية غيفارا لأنه يحتاج لصنم يعبد به فراغه الوجودي وفشله في تقديم نموذج مادي ناجح للحياة فالنموذج الذي قدمه غيفارا في كوبا كوزير للصناعة ورئيس للبنك المركزي كان فشلاً ذريعاً أدى إلى تدمير الاقتصاد الكوبي وتحويل الجزيرة إلى سجن كبير يعيش فيه الناس على الكفاف بينما كان "الثائر" يخطط لمغامرات عسكرية أخرى ليصدر القتل والخراب إلى دول أخرى تحت مسمى "خلق فيتنام ثانية وثالثة" وهذا النزوع نحو الفوضى والتدمير هو الملمح الأبرز للشخصية التي لا تستطيع العيش في واقع مادي منظم ومنتج بل تحتاج دائماً لبيئة النزاع لكي تبرر وجودها وسلطتها المطلقة فوق رقاب البشر.
إن الهدف من تعرية هذا النفاق هو إعادة الاعتبار للعقل المادي الذي يرى الأشياء كما هي لا كما تتمناها الأيديولوجيا فالناشط الذي يتظاهر ضد الديكتاتورية في بلده وهو يرتدي قميص غيفارا يمارس نوعاً من الانتحار المنطقي لأن غيفارا لو كان حياً في زمانه ومكانه لكان أول من يسوقه إلى المقصلة بتهمة "الانحلال البرجوازي" أو "العمالة للإمبريالية" لمجرد اختلافه في الرؤية إن صناعة القديس السفاح تعتمد على مغالطة منطقية كبرى تبرر الوسيلة بالغاية لكن في عالم المادة لا توجد غاية تبرر ذبح الأبرياء خارج القانون ولا توجد ثورة تمنح صكاً للقتل بدم بارد إن الحقيقة المادية تقول إن غيفارا كان مديراً لمسلخ بشري ومبشراً بفقر دائم ونظام بوليسي حديدي وما تروجه السينما والكتب اليسارية ليس سوى "أدب دعائي" يهدف لغسل أدمغة الأجيال الشابة وجذبها نحو فخ الالتزام الأعمى الذي ينتهي دائماً بمقابر جماعية أو بدول فاشلة تحتكم لنصوص الماضي الثوري الجامد.
علاوة على ذلك فإن نفاق المثقفين الذين يدافعون عن إدوارد سعيد أو عبد الوهاب المسيري في الشرق وهم يغازلون الرموز اليسارية الغربية مثل غيفارا يظهر كيف يتم استخدام "النضال ضد الغرب" كغطاء لتمرير التخلف والقمع فغيفارا بالنسبة لهؤلاء ليس سوى أداة لمهاجمة النموذج الغربي الليبرالي والمادي الذي يكرهونه لأنه يكشف عجزهم عن المنافسة الحضارية ولذلك يتم تحالف "المسمومين" من يساريين وإسلامويين تحت راية "العداء للمركزية الغربية" ليصبح السفاح غيفارا أخاً في السلاح لرموز التطرف الديني بحجة أن الجميع يقاتل "الإمبريالية" وفي هذا التحالف تضيع كرامة الإنسان وتسحق الحقيقة التاريخية تحت أقدام الغوغاء الذين يقدسون القاتل طالما أنه يكره عدوهم المشترك وهذا هو الانحدار المعرفي الذي يواجهه العالم اليوم حيث تحل العاطفة والتريند محل التحليل البارد والتوثيق الأركيولوجي للأحداث.
إن الكتاب الأسود للشيوعية الذي يعد من أهم الوثائق المادية التي فضحت جرائم الأنظمة الماركسية اللينينية خصص مساحات كافية للدور الكوبي بقيادة كاسترو وغيفارا حيث تم توثيق إعدام ما يقارب عشرة آلاف شخص في السنوات الأولى للثورة ومعظمهم لم يكونوا من فلول النظام السابق بل من العمال والفلاحين والنقابيين الذين رفضوا تسليم حرياتهم للديكتاتورية الجديدة وهذا الرقم المهول من الضحايا ينسف كلياً كذبة "الثورة الإنسانية" ويضع غيفارا في مكانه الصحيح كأحد كبار المجلدين في التاريخ الحديث إن الروح السيكوباتية التي ميزت غيفارا كانت تظهر في احتقاره حتى لرفاقه فكان يفرض عليهم معايير قاسية من التقشف والزهد بينما هو يتمتع بسلطة الحياة والموت فوق الجميع وهذه النرجسية الثورية هي التي أدت به في النهاية إلى الفشل في بوليفيا حيث حاول فرض ثورة على شعب لم يطلبه ولم يفهمه فانتهى نهاية بائسة تتناسب مع عبثية حياته وتطرفه الذي لم يجن منه العالم سوى الشعارات الفارغة والقمصان الملونة.
في مذكراته عن بوليفيا يظهر غيفارا في أوج انفصاله عن الواقع المادي حيث يصف الفلاحين البوليفيين الذين رفضوا الانضمام إليه بأنهم "حمير" و"جهلة" وهذا يعكس النظرة الاحتقارية للمثقف اليساري تجاه الشعب الحقيقي الذي يدعي تمثيله فعندما لا تتبع الجماهير "الرؤية المقدسة" للزعيم الثوري تصبح الجماهير هي المشكلة ويصبح قمعها واجباً ثورياً وهذا هو المنطق الذي أدى لظهور الغولاغ في الاتحاد السوفيتي ومعسكرات الاعتقال في كوبا وصين ماو إن غيفارا لم يكن سوى نسخة مصغرة من هؤلاء الطغاة الكبار لكنه حظي بآلة دعاية غربية حولته إلى "رومانسية متمردة" تناسب ذوق المراهقين فكرياً في باريس ونيويورك ولندن والذين يعيشون في رغد المادية الليبرالية ويحلمون بمغامرات القتل في الغابات البعيدة دون أن يضطروا لدفع ثمنها من حرياتهم الشخصية.
إن تفكيك هذه الأيقونة يتطلب شجاعة معرفية لمواجهة "إرهاب الوصم" الذي يمارسه اليسار ضد كل من ينقد غيفارا حيث تُلقى تهم العمالة والبرجوازية والصهيونية على كل من يجرؤ على استحضار الوثائق التاريخية لجرائم "لا كابانيا" وهذا الإرهاب المعرفي هو ذاته الذي يمارسه الإسلامويون لحماية نصوصهم ورموزهم مما يؤكد وحدة المنهج القمعي بين الفريقين إن الحقيقة المادية لا تخشى النقد بل الخرافة هي التي تتدرع بالمقدس والرموز العاطفية لمنع التساؤل ومن هنا تصبح الكتابة عن إجرام غيفارا فعلاً تحررياً يهدف لنزع القداسة عن الدم ورفض صناعة القديسين من بقايا السفاحين فالعالم اليوم لا يحتاج لمزيد من "الثوار" الذين يقدسون الموت بل يحتاج لعقول مادية باردة تبني المستشفيات والمختبرات وتحترم الحق المقدس لكل فرد في الحياة والحرية والرفاهية بعيداً عن صراعات الأيديولوجيا البائسة.
إن يسار الدم الرومانسي يعاني من انفصام قيمي حاد فهو يتباكى على الضحايا في مكان ويصفق للجلاد في مكان آخر إذا كان يرفع شعاراته وهذا السقوط الأخلاقي هو الذي جعل هذا التيار يفقد مصداقيته التاريخية ويتحول إلى مجرد ظاهرة صوتية في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتم تدوير الأكاذيب حول غيفارا كبطل أسطوري لم يُهزم بل خُدع وهذا الهروب نحو "المظلومية" هو تكتيك دفاعي لعدم الاعتراف بدموية المشروع وفشله المادي إن الأركيولوجيا السياسية لا تترك مكاناً لهذه الأوهام فهي تكشف بالدليل القاطع أن كل بقعة داسها غيفارا انتهت بخراب اقتصادي وقمع اجتماعي ومقابر صامتة مما يجعل من تقديسه فعلاً ينم عن جهل مطبق بالتاريخ أو عن سوء نية يهدف لاستدامة ثقافة العنف والكراهية في المجتمعات البشرية.
وفي الختام يظل غيفارا درساً بليغاً في كيفية صناعة "الوهم المقدس" وتصديره للجماهير المتعطشة لأبطال وهميين يعوضون عجزها عن مواجهة تحديات العصر إن تعرية هذا الصنم هي خطوة ضرورية في مسيرة تنوير العقل المادي العربي والعالمي للخروج من نفق التقديس الأعمى نحو فضاء النقد المفتوح فالحياة أهم من الثورة والإنسان الفرد أهم من الحلم الجماعي الدموي والصدق مع الحقيقة التاريخية الموثقة هو السبيل الوحيد للنجاة من تكرار كوارث الماضي التي تسببت فيها هذه الأيقونات المصنوعة من الغرز والأكاذيب إن غيفارا السفاح سيبقى شاهداً على قدرة الأيديولوجيا على تزييف الواقع لكن الحقيقة المادية التي تنطق بها مذكراته ودماء ضحاياه ستظل تطارده وتطارد كل من يحاول بعثه من جديد في صورة قديس زائف لا يتقن سوى لغة الرصاص وصناعة الجنائز.



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...