Translate

من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل": حتمية الصدام المعرفي وتفكيك الاغتراب عن المنظومات الدينية التقليدية (مقال)

.


.
من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل": حتمية الصدام المعرفي وتفكيك الاغتراب عن المنظومات الدينية التقليدية




يشهد التاريخ البشري في اللحظة الراهنة تحولاً جذرياً في بنية الوعي الإنساني، حيث انتقل مركز الثقل المعرفي من "اليقين الغيبي" المسلم به سلفاً إلى "الشك المنهجي" القائم على التجربة والبرهان. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغير في أنماط التفكير، بل هو صدام معرفي حتمي وضع الإنسان الحديث في مواجهة مباشرة مع الموروثات الدينية التقليدية التي صمدت لقرون. إن حالة النفور المتزايدة من المنظومات العقدية القديمة لا تنبع من مجرد "تمرد" أو رغبة في التحلل من الالتزام، بل هي نتيجة طبيعية لاتساع الفجوة بين ما تفرضه الحداثة العلمية من شروط للمصداقية، وبين السرديات "اللامنطقية" التي تملأ كتب التراث. لقد أصبح الإنسان المعاصر يمتلك أدوات نقدية لم تكن متاحة لأسلافه، مما جعل "المعجزة" التي كانت قديماً برهاناً على الصدق، تتحول في العصر الحالي إلى عبء معرفي يثير الريبة ويدفع نحو الاغتراب عن المؤسسات الدينية التي لا تزال تصر على تقديم الخرافة كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.
تتجلى أولى ملامح هذا الصدام في الفجوة العميقة بين المنهج العلمي التجريبي والسرديات الدينية التقليدية. فالعلم المعاصر يقوم على مبدأ "القابلية للتكذيب" والتحقق المادي والنتائج المتكررة، بينما تقوم السردية الدينية على "المعجزة" كخرق لقوانين الطبيعة. بالنسبة للعقل الذي تدرب على فهم العالم من خلال الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء، تبدو قصص مثل "السيوف الملائكية" أو "ترويض الوحوش بالكلمات" أو "انشقاق القمر" كأحداث تنتمي لعالم الفانتازيا الأدبية أكثر من انتمائها للواقع التاريخي. إن هذا التصادم يخلق نوعاً من الانفصام المعرفي لدى الفرد؛ فهو في مختبره وعمله وحياته اليومية يعتمد على قوانين المادة الصارمة، ولكنه في دور العبادة يُطلب منه تعليق عقله وتصديق أحداث تضرب ببديهيات المنطق عرض الحائط. هذا التناقض الصارخ هو المحرك الأساسي لنفور الأجيال الجديدة التي لم تعد تجد في التبريرات "التأويلية" التعسفية ما يشفي غليل تساؤلاتها الوجودية، حيث يظهر "إله الفجوات" الذي يُستحضر لتفسير ما يجهله العلم كإله يتضاءل حجمه مع كل كشف علمي جديد، مما يفقد المنظومة الدينية هيبتها المعرفية.
وتتعمق هذه الأزمة عند إخضاع السير التقوية لـ "مشرط العقل" والبحث التاريخي الحديث، حيث سقطت الكثير من القصص الإعجازية التي كانت تُعتبر حقائق تاريخية لا تقبل الشك. إن المنهج التاريخي النزيه يبحث في الأصول، والنقوش، والوثائق المحايدة، وسياقات الكتابة، وغالباً ما يكشف أن هذه السير (مثل سيرة أبو سيفين أو غيره) قد كُتبت بعد قرون من وقوع الأحداث المفترضة، وتم حشوها بعناصر أسطورية مقتبسة من ميثولوجيات وثنية قديمة لتناسب الغرض الدعائي للمؤسسة الدينية في ذلك الوقت. إن "أزمة المصداقية" تنبع من شعور الإنسان الحديث بأن المؤسسة الدينية قد مارست عليه نوعاً من الخداع التاريخي المنظم؛ فحين يكتشف الباحث أن المعجزة الفلانية ليست سوى إعادة صياغة لأسطورة يونانية أو فرعونية، تسقط القداسة عن النص ويظهر الوجه البشري المصلحي خلف "القناع المقدس". هذا البحث التاريخي الجريء لم يترك حجراً في بناء "التاريخ المقدس" إلا وقلبه، مما جعل المنظومات الدينية تبدو في حالة دفاع دائم، تحاول يائسة ترميم ثقوب لا تنتهي في عباءتها التاريخية المهترئة.
في خضم هذا الصدام، يبرز التساؤل الجوهري حول إمكانية البحث عن "أخلاق بلا خرافة". لطالما روجت المؤسسات الدينية لفكرة أن الأخلاق لا يمكن أن تستقيم دون وازع غيبي أو خوف من عقاب إلهي أو طمع في مكافأة سماوية، وهي الفكرة التي يراها الفكر الإنساني الحديث إهانة للكرامة البشرية وتصويراً للإنسان ككائن قاصر لا يتحرك إلا بالعصا والجزرة. إن البحث عن نظام قيمي إنساني يعتمد على "العلم والمنطق والتعاطف البشري" هو المسار الذي تنتهجه المجتمعات الحديثة لتجاوز الأساطير. فالأخلاق المستمدة من العقل تعتمد على مبدأ "النفع العام" و"العقد الاجتماعي" و"الكرامة المتأصلة"، وهي قيم لا تحتاج لمعجزة لتثبيتها بل تحتاج لوعي إنساني ناضج يدرك أن الحفاظ على الحياة والعدل هو مصلحة بشرية عليا. إن فكرة "الأخلاق العلمانية" أو الإنسانية تكتسب زخماً لأنها تخاطب الإنسان ككائن راشد، وليس كأداة يتم التلاعب بمخاوفها الغيبية لخدمة مصالح الكهنة، وهو ما يجعل المنظومات الدينية التي تربط الأخلاق بالخرافة تبدو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لمعضلات العصر الأخلاقية المعقدة.
ويلعب التعليم الحديث دوراً حاسماً في كشف ما يمكن تسميته بـ "الخدع السينمائية" للسير التقوية القديمة. إن التعليم الذي ينمي التفكير النقدي ويعلم الطلاب كيفية تحليل النصوص وتفكيك الخطاب، يجعل من الصعب جداً تمرير قصص الخوارق كحقائق واقعية. فالطالب الذي يدرس المنهج العلمي يدرك أن "المعجزة" في النص الديني تعمل كآلية درامية لسد الفجوات المنطقية، تماماً كما تُستخدم المؤثرات البصرية في الأفلام السينمائية لإبهار المشاهد وتمرير أحداث غير منطقية. إن "نزع السحر" عن هذه القصص هو نتيجة حتمية لانتشار المعرفة؛ فحين يفهم الإنسان سيكولوجية الجماهير وكيفية صناعة الأسطورة، يتوقف عن الانبهار بـ "النور الباهر" أو "الحربة الملطخة بالدم" ويشاهدها كأدوات بروباغندا صُممت في عصور الظلام للسيطرة على العقول البسيطة. التعليم هنا يعمل كـ "مصل" واقٍ ضد غسل الأدمغة، حيث يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والنص التاريخي على أساس النقد والتمحيص بدلاً من التسليم والتقديس الأعمى.
إن هذا النفور المعاصر ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو تعبير عن "رشد بشري" يرفض الوصاية الكهنوتية التي استمرت لآلاف السنين. إن الإنسان الحديث يرى في المنظومات الدينية التقليدية مؤسسات "خارج الزمن"، تحاول فرض لغة وقواعد من القرن الثالث أو السابع على واقع القرن الحادي والعشرين. إن الصدام المعرفي هو في جوهره صراع بين إرادة "الحرية والعقل" وبين إرادة "التبعية والخرافة". والمؤسسات الدينية التي لا تزال تراهن على الجهل أو الخوف لضمان بقائها، تكتشف يوماً بعد يوم أن "سوق الخرافة" في كساد مستمر أمام تدفق المعلومات وانفتاح العقول. إن الحتمية التاريخية تشير إلى أن المجتمعات التي تتبنى العلم كمرجعية وحيدة للفهم ستبني مستقبلاً أكثر استقراراً وعدلاً، لأنها تعتمد على حقائق يمكن اختبارها، لا على أوهام تفرق بين البشر بناءً على مدى تصديقهم لمعجزات لم يرها أحد وتناقض كل ما نعرفه عن هذا الكون.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتقال من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل" لا يعني بالضرورة ضياع المعنى الروحي، بل يعني تطهير الروحانية من دنس الخرافة والاستغلال. إن "الأخلاق الإنسانية" التي تقوم على العقل والعلم هي الضمان الوحيد لعدم تكرار مآسي الحروب الدينية والصراعات الأيديولوجية القائمة على أوهام التفوق الغيبي. إننا نعيش فجر عصر جديد، حيث يُقاس صدق الفكرة بمدى خدمتها للإنسان وتوافقها مع الحقائق الموضوعية، لا بمدى قدرتها على تخدير الأتباع بقصص "الوحوش والسيوف النورانية". إن هذا المسار نحو العقلانية هو المسار الوحيد الذي يمكن أن يضمن كرامة الإنسان وحقه في حياة حرة، بعيداً عن غسل الأدمغة الذي مارسته المؤسسات الدينية لقرون تحت غطاء "إله الفجوات" ومصالحه الدنيوية المتخفية خلف جدار القداسة الزائف.




.

"إله الفجوات" ومصالح الكهنة: هندسة تزييف الوعي وغسل الأدمغة عبر الأسطورة (مقال)

.


.
"إله الفجوات" ومصالح الكهنة: هندسة تزييف الوعي وغسل الأدمغة عبر الأسطورة




تقوم العلاقة بين الإنسان والغيب على فجوة معرفية عميقة، وهي المساحة التي لم يستطع العقل البشري المحدود، خاصة في عصوره الأولى، أن يملأها بالتفسيرات العلمية والمنطقية. في هذه الثغرة تحديداً، وُلد ما يُعرف بـ "إله الفجوات"، وهو الكيان الذي استُحضر لتفسير كل ما هو مجهول، من ظواهر الطبيعة العنيفة إلى أسرار الموت والحياة. إلا أن هذا الكيان لم يظل مجرد فكرة فلسفية أو روحية مجردة، بل تحول بمرور الزمن إلى أداة سياسية واجتماعية بالغة الخطورة في يد "طبقة الكهنة" والمؤسسات الدينية. إن دراسة "إله الفجوات" ليست مجرد دراسة في لاهوت الأديان، بل هي تشريح لعملية "غسل أدمغة" منظمة تهدف إلى تزييف الوعي الجمعي وتسهيل استغلال الأتباع. فالخرافة هنا لا تُقدم كتسلية، بل كمنظومة تحكم وإخضاع، حيث يتم استخدام "المقدس" كغطاء كثيف يحجب المصالح المادية والدنيوية الفجة للنخب الدينية والمتحالفين معها من رجال السلطة، مما يحول الدين من بحث عن الحقيقة إلى وسيلة للسيطرة على الثروات والقرار السياسي.
تبدأ أولى مراحل هذه السيطرة عبر "تعطيل الملكة النقدية" من خلال فرض ما يمكن تسميته بـ "تابو المقدس". إن الاستراتيجية الكهنوتية تقوم على قاعدة ذهبية مفادها أن "الإيمان يبدأ حيث ينتهي العقل"، وهي قاعدة صُممت خصيصاً لمنع الأتباع من التساؤل عن منطقية القصص والسير الدينية. فعندما تُطرح قصة "أبو سيفين" أو غيره من الأبطال الغيبيين، يُحاط النص بهالة من الرهبة التي تجعل التساؤل المنطقي يبدو كأنه "تجديف" أو "خطيئة كبرى". لماذا يُمنع التساؤل؟ لأن أي محاولة لإخضاع قصة "السيف الملائكي" أو "الوحوش المروضة" للمنطق السببي ستكشف فوراً عن تهافت البناء الدرامي للأسطورة. ومن هنا، يتم غرس فكرة أن "العقل البشري قاصر عن إدراك الحكمة الإلهية"، وهي عبارة ملغومة تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية "الأكذوبة المؤسسية" من الانكشاف. إن تعطيل النقد هو الخطوة الضرورية لتحويل الإنسان من كائن فاعل ومفكر إلى مجرد وعاء يتلقى الأوامر، حيث يصبح قبول الخرافة معياراً للتقوى، بينما يُصنف الشك والبحث العلمي كنوع من الكبرياء والغرور البشري الذي يجب قمعه.
هذا القمع الفكري لا يحدث في فراغ، بل هو جزء من تحالف استراتيجي تاريخي بين "رجل الدين" و"رجل السلطة". إن الخرافة توفر غطاءً أخلاقياً مثالياً للمصالح المادية والدنيوية التي يتقاسمها هذا التحالف. فرجل السلطة يحتاج إلى "شرعية غيبية" تجعل حكمه وقراراته، مهما كانت جائرة، تبدو وكأنها مرادة من الله، وهنا يأتي دور الكاهن الذي يمنحه هذه الشرعية مقابل نفوذ مادي وحماية لمؤسسته. إن الأساطير التي تمجد "الشهداء العسكريين" وتصورهم كأبطال للإمبراطورية هي في جوهرها عقود زواج بين "المذبح" و"العرش". فمن خلال تبرير الحروب التوسعية أو جباية الأموال باسم "البركة" و"إعمار بيوت الله"، يتم نهب ثروات الشعوب بعلمها ورضاها، بل وبشعور غامر بالقداسة. إن المصالح الدنيوية للكهنة، من قصور وأموال ونفوذ اجتماعي، تتطلب بقاء الأتباع في حالة من "الجهل المقدس"، لأن الوعي الحقيقي سيكشف أن هذه الطبقة لا تخدم "السماء"، بل تستخدم مفاتيحها المزعومة لفتح خزائن "الأرض".
وفي هذا السياق، تلعب "سيكولوجية القطيع" دوراً محورياً في استكمال عملية السيطرة. يعاني الإنسان من حاجة فطرية للأمان في مواجهة عالم موحش ومجهول، وهي الحاجة التي يستغلها الكهنة ببراعة للسيطرة على القرار السياسي والمالي. يتم تصوير العالم كساحة صراع بين قوى النور والظلام، ويُقدم "البطل الغيبي" كحامٍ وحيد للقطيع المؤمن. هذا الشعور بالانتماء للجماعة "المختارة" التي تحظى بالرعاية الإلهية يجعل الأفراد مستعدين للتضحية بحقوقهم المادية وحرياتهم الشخصية في سبيل نيل الرضا الغيبي. إن السيطرة على الثروات تبدأ من "غسل دماغ" التابع ليعتقد أن إنفاق ماله في سبيل المؤسسة هو "قرض لله"، بينما هو في الحقيقة وقود لاستمرار ماكينة السيطرة الكهنوتية. إن القرار السياسي في المجتمعات التي تسود فيها الخرافة لا يُتخذ بناءً على المصالح الوطنية أو العقلانية، بل بناءً على "رؤى" و"نبوءات" و"أحلام" يفسرها الكهنة بما يخدم تحالفاتهم مع القوى الحاكمة، مما يحول الجماهير إلى مجرد أرقام في معادلة النفوذ الخاصة بالنخبة.
ولعل خير نموذج لترهيب الخصوم السياسييين وتوظيف الخرافة في الصراعات السلطوية هو قصة "الانتقام من يوليانوس الجاحد". إن هذه القصة، التي تدعي خروج القديس مرقوريوس من أيقونته ليقتل الإمبراطور في معركته ببلاد الفرس، تمثل قمة التوظيف السياسي للأسطورة. يوليانوس كان إمبراطوراً حاول استعادة العقلانية والوثنية الفلسفية وتقليص نفوذ الكنيسة، فكان لا بد من "اغتياله معنوياً" عبر قصة خارقة تُظهر للجميع أن "يد الغيب" ستنال من كل من يجرؤ على المساس بمصالح المؤسسة الدينية. إن الحربة الملطخة بالدماء في الأيقونة ليست معجزة، بل هي "رسالة تهديد" واضحة وصريحة لكل حاكم مستقبلي: "إذا لم تخضع لسلطاننا، فإن قديسينا سيخرجون من اللوحات ليقتلوك". هذا النوع من "الإرهاب الغيبي" هو الذي كفل للمؤسسة الدينية بقاءها فوق القانون وفوق النقد لقرون طويلة، حيث تحول القديس من رمز روحي إلى "قاتل مأجور" يخدم أجندات الكهنة في تصفية خصومهم الفكريين والسياسيين.
إن استمرار "إله الفجوات" في العصر الحديث يعكس فشل المنظومات التعليمية في تحرير الإنسان من رواسب العصور الوسطى. فما دام الإنسان يخشى الموت ويجهل القوانين التي تحكم مجتمعه، سيظل يبحث عن "الخرافة" لتعطيه إجابات سهلة ومريحة. إن الدين، عندما يُختطف من قبل طبقة المنتفعين، يصبح أخطر أنواع "المخدرات الجماعية" لأنه لا يكتفي بتسكين الألم، بل يزيف الواقع ويجعل الإنسان يتقبل العبودية باسم الحرية الروحية. إن "غسل الأدمغة" الذي مارسته المؤسسات الدينية عبر التاريخ لم يكن يهدف لإيصال الناس إلى الله، بل كان يهدف لإيصالهم إلى حالة من الاستسلام الكامل لسلطة الكاهن. وتفكيك هذه المنظومة يتطلب شجاعة في مواجهة "تابو المقدس" وإعادة الاعتبار للعقل كمرجعية وحيدة لفهم العالم وإدارة شؤون البشر. فالحقيقة التي يخشاها الكهنة هي أن الإنسان قادر على بناء نظام أخلاقي واجتماعي عادل دون الحاجة لتهديدات "الوحوش" أو سيوف "الملائكة"، وأن القداسة الحقيقية تكمن في احترام عقل الإنسان وكرامته، لا في إخضاعه لخرافات صُممت لنهب جيبه وتغييب وعيه.
وفي الختام، يتبين أن "إله الفجوات" ليس مجرد فكرة دينية، بل هو حجر الزاوية في بناء سلطوي يقتات على الجهل والخوف. إن التحالف بين الكهنة والحكام هو الذي صنع هذه الأساطير وحماها من النقد، محولاً الدين إلى أداة لغسل الأدمغة وتأمين المصالح المادية والدنيوية. إن التحرر من سطوة الخرافة هو المدخل الوحيد لبناء مجتمعات حرة، حيث يُقاس الحق بالدليل والمنطق، لا بمدى قدم القصة أو رهبة رواتها. إن كشف آليات "تزييف الوعي" هو المعركة الحقيقية لكل من يؤمن بقيمة الإنسان، لأن استعادة العقل من قبضة "إله الفجوات" هي البداية الحقيقية لكل نهضة إنسانية تسعى لخدمة "الحياة" بدلاً من تمجيد "الموت" والغيبيات التي لا تخدم سوى من يتاجرون بها.




.

التناقض الأخلاقي: صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" وقراءة نقدية في عسكرة العقيدة (مقال)

.


.
التناقض الأخلاقي: صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" وقراءة نقدية في عسكرة العقيدة




يمثل التاريخ البشري في جوهره صراعاً مريراً بين المبادئ الأخلاقية الطوباوية وبين المصالح المادية الفجة التي تفرضها موازين القوى على أرض الواقع، ولعل أكثر هذه الصراعات تعقيداً وجدلاً هو ذلك التناقض الصارخ الذي وسم علاقة المسيحية المبكرة بالمؤسسة العسكرية الرومانية. إن البحث في إشكالية انخراط المسيحيين الأوائل في الجيش الإمبراطوري الاستعماري لا يمثل مجرد نبش في طيات الماضي، بل هو تفكيك لعملية تحول جذري في الوعي الإنساني، حيث تمت محاولة الجمع بين نقائض لا تجتمع منطقياً: فلسفة "أحبوا أعداءكم" السلمية، و"سيف القيصر" التوسعي الغاشم. هذا التناقض لم يكن مجرد هفوة تاريخية أو ضرورة اجتماعية عابرة، بل كان النواة التي انبثقت منها عملية "أدلجة الدين" وتحويله من رسالة روحية تدعو للزهد والخضوع للإله وحده، إلى أداة سياسية وعسكرية تخدم توسع الإمبراطوريات وتشرعن بقاء النخب الدينية والمتحالفين معها من أصحاب السلطة الزمنية.
تبدأ المفارقة الأخلاقية عند النظر في رتب عسكرية مثل "عميد الجيوش" أو "رئيس الفيالق" التي نُسبت لقديسين مثل مرقوريوس (أبو سيفين) وجرجس (مارجرجس). من الناحية الفلسفية البحتة، تقوم المسيحية في أصلها الجوهري، كما وردت في العظة على الجبل، على مبدأ المقاومة السلبية واللاعنف المطلق، حيث كان التصريح الواضح بـ "رد سيفك إلى غمده لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" يمثل قطيعة تامة مع عقلية الانتقام والحرب. فكيف يمكن لعقل سوي أن يوفق بين هذه الوصايا الراديكالية في سلميتها وبين المهام الوظيفية لجندي في الجيش الروماني؟ إن الجندي الروماني في القرن الثالث لم يكن "حارس حدود" وديعاً، بل كان أداة القمع الرئيسية في إمبراطورية تعيش على استعباد الشعوب وفرض الضرائب الباهظة ونهب ثروات الأمم المغلوبة. إن انخراط مسيحي في هذا الهيكل العسكري يعني بالضرورة مشاركته في طقوس الولاء للقيصر كإله، وممارسته للقتل المنهجي تنفيذاً لأوامر توسعية، وهو ما يضعنا أمام نفاق عقائدي مغلف بالبطولة الزائفة، حيث يتم القفز فوق الدماء المسفوكة بأيدي هؤلاء "الأبطال" لتسليط الضوء فقط على لحظة موتهم كشهداء، وكأن فعل "الاستشهاد" يمحو تاريخاً من القتل تحت لواء الاستعمار الروماني.
لقد لعبت قصص القديسين العسكريين دوراً محورياً في شرعنة تحالف الكنيسة لاحقاً مع السلطة الزمنية، خاصة بعد مرسوم ميلانو وتحول الإمبراطورية للمسيحية. هذه السير التي مُلئت بالخوارق والمعجزات لم تُكتب لتوثيق حقائق، بل صِيغت كأدوات "بروباغندا" تهدف إلى الجسر بين العقيدة الرافضة للعالم وبين حاجتها للحماية السياسية. من خلال تصوير "أبو سيفين" كبطل يحصل على سيف إلهي من السماء ليحارب البربر، كانت الكنيسة ترسل رسالة مضمرة للأباطرة والجنود مفادها أن المسيحية ليست ديناً "يُضعف" الدولة، بل هي قوة غيبية يمكنها أن تمنح الجيش نصراً إعجازياً. هذا التحول الاستراتيجي في الخطاب الديني حوّل القديس من "شاهد على الحق" إلى "جندي للحق"، مما مهد الطريق لظهور طبقة من الكهنة الذين يباركون السيوف ويصلون من أجل انتصار الجيوش. وبدلاً من أن تكون الكنيسة صوتاً للفقراء والمضطهدين ضد جبروت روما، أصبحت شريكاً في الحكم، مستخدمة هؤلاء الأبطال العسكريين كغطاء أخلاقي لتبرير وجود جيش مسيحي يمارس ذات العنف الذي مارسه الوثنيون، ولكن باسم "الإله الواحد" هذه المرة.
عند إخضاع مفهوم "الاستشهاد" للنقد العقلاني، نجد أنفسنا أمام تساؤل مرير: هل كان هذا الفعل تضحية حقيقية من أجل مبدأ، أم أنه كان "انتحاراً أيديولوجياً" تمت هندسته لخدمة مصالح النخب الدينية؟ إن تمجيد الموت ورفع شأنه فوق قيمة الحياة والإنتاج يمثل خللاً فطرياً في المنظومة الأخلاقية. فالمؤسسة الدينية التي كانت تجد نفسها في صراع نفوذ مع الدولة، كانت بحاجة لـ "دماء الشهداء" لترسيخ هويتها وصناعة "مظلومية" تاريخية تضمن ولاء الأتباع المطلق. إن دفع الشاب القوي والكفء مثل مرقوريوس لرفض تقديم البخور للأوثان والمطالبة بقطع رأسه، هو في الحقيقة عملية "هدر للموارد البشرية" يتم استغلالها إعلامياً لترهيب الخصوم وإثارة عواطف العوام. الكهنة الذين كتبوا هذه السير وحثوا الناس على السعي نحو الشهادة، كانوا في مأمن بعيداً عن ساحات التعذيب، يجمعون "البركات" والمكاسب المادية والسياسية التي تدرها قصص هؤلاء الضحايا. إن الاستشهاد هنا يتحول من فعل إيماني إلى "أداة انتحارية" تهدف لزعزعة استقرار النظام القديم ووضع حجر الأساس لنظام ثيوقراطي جديد يحل فيه "السيف الكنسي" محل "السيف القيصري".
من رحم هذه الملاحم البطولية المشوبة بالدم، تطورت فكرة "الحرب العادلة" التي تغلغلت في الفكر المسيحي اللاحق وتسببت في كوارث إنسانية كبرى. لقد استلهم المنظرون الدينيون من قصص القديسين العسكريين مبرراً أخلاقياً للقتل، فإذا كان الملاك قد أعطى مرقوريوس سيفاً ليحارب به "البربر"، فهذا يعني أن هناك أعداء "يستحقون" القتل بمباركة إلهية. هذا المنطق هو الذي شرعن لاحقاً الحروب الصليبية وحروب الاستعمار، حيث أصبح "السيف المسيحي" أداة لتطهير الأرض من "الكفار" أو "الجاحدين". إن ملاحم الشهداء العسكريين غسلت أدمغة الأجيال المتعاقبة، وجعلتها تتقبل فكرة أن "الدين" و"الدم" يمكن أن يسيران في خط واحد ما دام الهدف هو إعلاء كلمة المؤسسة الدينية. وبذلك، تم دفن وصايا المسيح السلمية تحت ركام السير البطولية التي تمجد القوة والبطش، وتحول الدين من ثورة روحية على الظلم إلى شريك رسمي في ممارسته وتبريره عبر "لاهوت الحرب" الذي لا يزال يلقي بظلاله على النزاعات المعاصرة.
إن النقد الجذري لهذه السرديات يكشف لنا عن "غسل أدمغة" منظم، يهدف لتسهيل استغلال الأتباع ومنعهم من التساؤل عن التناقضات الصارخة في عقيدتهم. فالتساؤل عن كيفية كون القديس عسكرياً في جيش استعماري وثني هو تساؤل يُقمع باسم "الإيمان الأعمى" و"المعجزة التي لا تُناقش". هذا التعطيل للعقل هو الذي يغطي على المصالح الدنيوية الواضحة للكهنة والمتحالفين معهم، الذين أدركوا أن صناعة "البطل الميت" أكثر نفعاً لهم من "الإنسان الحي المتسائل". فالميت لا يتكلم ولا يعترض ولا يغير مواقفه، بل يصبح "أيقونة" صامتة يمكن للمؤسسة أن تنطقها بما تشاء من أوامر وتشريعات تضمن بقاء سطوتها المالية والروحية على الجماهير. إننا أمام عملية تزييف كبرى للوعي الإنساني، حيث تم تحويل "الموت المجاني" إلى "انتصار إلهي"، وتم استبدال العيش السوي والمنتج بتمجيد الفناء والدمار، وكل ذلك في سبيل الحفاظ على مكاسب فئة قليلة تقتات على أوهام العامة وقصصهم الخرافية.
وفي الختام، يظل صراع "سيف القيصر" و"وصايا المسيح" شاهداً على قدرة المؤسسات السلطوية على مسخ أسمى المبادئ الإنسانية وتحويلها إلى نقيضها تماماً. إن انخراط المسيحيين الأوائل في الجيش الروماني لم يكن بطولة، بل كان فشلاً أخلاقياً واضطراراً اجتماعياً تمت صياغته لاحقاً في قالب أسطوري لتغطية قبحه. إن تحرير الوعي البشري من سطوة هذه الأساطير يتطلب شجاعة في مواجهة "قداسة الدم" وكشف الزيف القابع في ثنايا قصص الشهداء العسكريين. فالحياة الحقيقية لا تُبنى بالسيوف التي تهبط من السماء، بل بالعقول التي ترفض الانسياق وراء الخرافة، وبالقلوب التي تدرك أن السلام لا يمكن أن يتحقق عبر الانخراط في آلات القتل الاستعمارية مهما تغطت بعباءة الدين. إن نقد "عقيدة الاستشهاد العسكرية" هو في جوهره انتصار لغريزة البقاء السوية ورفض لعمليات الاستغلال الكهنوتي التي حولت الإنسان من كائن مبدع وحر إلى أداة انتحارية في صراع إرادات القوة والمال.




.

صناعة "البطل الغيبي": سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى وتفكيك آليات البروباغندا الدينية (مقال)

.
.
صناعة "البطل الغيبي": سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى وتفكيك آليات البروباغندا الدينية




تمثل الأسطورة في جوهرها محاولة إنسانية بدائية لتفسير الظواهر التي استعصت على الإدراك الحسي والعقلي في مراحل فجر الحضارة، إلا أنها ومع تطور المؤسسات السلطوية تحولت من مجرد حكايات شعبية إلى أدوات منهجية لصياغة الوعي الجمعي وتوجيهه. إن دراسة سوسيولوجيا الأسطورة في العصور الوسطى، وتحديداً في سياق سير القديسين والشهداء، تكشف لنا عن عملية معقدة من "هندسة القداسة" حيث يتم تجريد الشخصيات من بشريتها العادية وتحويلها إلى كائنات "ميتا-فيزيقية" تمتلك قدرات خارقة للعادة. هذه الصناعة لم تكن عبثية أو نتاج خيال عاطفي ساذج فحسب، بل كانت ضرورة اجتماعية وسياسية أملتها حاجة المؤسسة الدينية الناشئة لترسيخ شرعيتها أمام سلطات زمنية غاشمة أو جماعات وثنية منافسة. من خلال تفكيك هذه السرديات، نكتشف أن "البطل الغيبي" ليس سوى انعكاس للمصالح الدنيوية التي تتدثر بثوب الطهارة السماوية، حيث تعمل الأسطورة هنا كآلية لتعطيل السؤال المنطقي واستبداله بالدهشة الإعجازية التي تسهل انقياد الأتباع.
تبدأ عملية صناعة البطل الغيبي من خلال توظيف الرموز البصرية والمادية وتحويلها إلى أدوات "بروباغندا" مبكرة تتجاوز حاجز اللغة لتخاطب الوجدان الجمعي مباشرة. في قصة القديس مرقوريوس، الملقب بأبي سيفين، نجد أن رمز "السيفين" يمثل قمة التوظيف الرمزي للازدواجية السلطوية. السيف الأول هو سيف الجندي الروماني، وهو رمز السلطة الزمنية والقدرة العسكرية، أما السيف الثاني الذي يهبط من السماء بيد رئيس الملائكة، فهو يمثل تفويضاً إلهياً يتجاوز شريعة الأرض. هذا السيف "النوراني" لا يُعطى للبطل ليحقق به سلاماً روحياً، بل يُمنح له ليهلك به أعداء الإمبراطورية من "البربر"، وهنا نلمس التناقض الجوهري بين رسالة السلام المزعومة وبين واقع البروباغندا التي تسعى لصبغ العنف والحروب التوسعية بصبغة مقدسة. إن السيف الإضافي في هذه الأسطورة هو "سر القوة" الذي ينزع عن البطل صفة الضعف البشري ويجعله أداة في يد الإرادة الإلهية، مما يمنح المؤسسة الدينية التي تروي القصة حق احتكار "العنف المقدس". هذه الرموز لم تكن مجرد زينة فنية في الأيقونات، بل كانت رسائل سياسية مشفرة تخبر العامة بأن القوة الحقيقية ليست في يد الإمبراطور الوثني، بل في يد الإله الذي يمنح السيوف لأتباعه المخلصين، مما يؤدي بالتبعية إلى نقل الولاء من الدولة إلى المؤسسة الدينية.
علاوة على ذلك، تعتمد صناعة الأسطورة في العصور الوسطى على مبدأ "الصدمة والترهيب" من خلال توظيف المعجزات العنيفة لفرض الطاعة وتبرير التحولات المفاجئة في السلوك الإنساني. إن مشهد "الوحوش" التي تفترس الجد "فيروس" أمام عيني ابنه "يادروس" يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية توظيف الرعب النفسي في السرد الديني. في هذه القصة، لا نجد إلهاً ينقذ الجميع بالرحمة، بل نجد "سيناريو" تراجيدياً يتم فيه التضحية بالجد ليكون موته وسيلة لإرعاب الأب ودفعه نحو الإيمان. هذا النوع من المعجزات يرسخ في وعي التابع فكرة أن الإله كيان "منتقم" أو "مروع" لا يتردد في التضحية بالأرواح لكي يثبت قوته. هذا التوظيف للوحشية في القصص الدينية يهدف بالدرجة الأولى إلى كسر الملكة النقدية لدى المتلقي؛ فحين يرى الإنسان أن الرب يسمح بافتراس الجد لكي "ينقذ" الأب روحياً، فإنه يتوقف عن السؤال عن العدالة الإلهية ويبدأ في الشعور بضآلته أمام هذه القوة الغامضة. إنها آلية لغسل الأدمغة تقوم على تدمير المنطق السببي واستبداله بخوف وجودي، حيث يصبح الإيمان هنا ليس اختياراً حراً، بل هو "طوق نجاة" من وحوش متربصة، وهو ما يسهل استغلال الأتباع لاحقاً عبر الكهنة الذين يصورون أنفسهم كوسطاء وحيدين لتهدئة هذا الإله الغاضب.
وعند مقارنة "البطل الملحمي الوثني" بـ "الشهيد العسكري المسيحي"، نكتشف تداخلاً مذهلاً في الصفات يثبت أن المؤسسة الدينية لم تخترع شيئاً جديداً تماماً، بل قامت بـ "تعميد" الأساطير الوثنية القديمة وإعادة تدويرها. الأبطال في الميثولوجيا الإغريقية، مثل أخيليس أو هرقل، كانوا دائماً يحصلون على أسلحة سحرية من الآلهة (كما حصل مرقوريوس على سيفه من الملاك) وكانوا يمتلكون قوة جسدية استثنائية وبراعة في القتل. المؤسسة الدينية في العصور الوسطى أدركت أن العقل الجمعي المرتبط بالثقافة الرومانية واليونانية لن ينجذب لشخصية "الزاهد الضعيف" الذي يُقتل دون مقاومة، فكان لا بد من خلق نموذج "الجندي المسيحي" الذي يجمع بين القوة القتالية الفائقة وبين التقوى الدينية. هذا التداخل جعل الشهيد المسيحي "بطلاً ملحمياً" بامتياز، يحارب البربر وينتصر في المعارك الأرضية بفضل الدعم الغيبي. هذا التحول كان حيوياً لاخراق المؤسسة العسكرية الرومانية؛ فبدلاً من أن يشعر الجندي الروماني بأن المسيحية تضعف رجولته أو جنديته، جاءت هذه الأساطير لتخبره أن المسيحية ستجعله جندياً أقوى بـ "سيفين" بدلاً من سيف واحد. وبذلك، تحول الشهيد من ضحية سلبية إلى محارب أسطوري، وهو ما خدم مصالح الكنيسة في جذب القادة العسكريين والنبلاء إلى صفوفها، محولةً العقيدة من رسالة أخلاقية إلى "أيديولوجيا قوة".
لعبت العجائب أيضاً دوراً حيوياً في ملء "الفجوات المنطقية" للتاريخ الرسمي وتغطية التناقضات الصارخة التي لا يمكن للعقل قبولها. على سبيل المثال، كيف يمكن لجندي مسيحي أن يترقى إلى رتبة "عميد الجيوش" في عهد إمبراطور مثل ديسيوس المعروف باضطهاده الشرس للمسيحيين؟ هنا تتدخل المعجزة لترميم هذا الخلل المنطقي، فتدعي السردية أن الرب هو من أعطاه النصرة وأعمى أعين الإمبراطور عنه لفترة، أو أن قوته العسكرية كانت من العظمة بحيث لم يجرؤ أحد على مساسه. إن "المعجزة" في هذه النصوص تعمل كـ "صمغ معرفي" يربط بين أحداث متنافرة؛ فهي تعفي المؤلف من ضرورة تقديم أدلة تاريخية أو تفسيرات سياسية منطقية. وبدلاً من أن يتساءل الأتباع عن مصالح هذا الجندي في جيش استعماري توسعي، يتم توجيه انتباههم نحو "النور الباهر" الذي ظهر له أو "رئيس الملائكة" الذي خاطبه. هذا التغييب المتعمد للواقع لصالح الخيال الإعجازي هو وسيلة فعالة لمنع التساؤل حول المصالح الدنيوية للكهنة والتحالفات التي يعقدونها مع السلطة. إن التاريخ في هذه الحالة يتحول من سجل للأفعال الإنسانية إلى "مسرح إلهي" لا دور فيه للبشر سوى المشاهدة والتسليم، مما يكرس حالة الاستلاب الفكري ويجعل التابع لقمة سائغة للاستغلال المادي والمعنوي تحت مسمى البركة والقداسة.
وفي ختام هذا التحليل، يتبين أن صناعة "البطل الغيبي" كانت عملية استثمارية بامتياز في سوق العقول والمشاعر. لقد استغلت المؤسسة الدينية في العصور الوسطى الجهل بالقوانين الطبيعية والخوف من المجهول لتبني قلاعاً من الأساطير التي تحمي مصالحها الدنيوية. إن تحويل الشخصية التاريخية إلى أيقونة خارقة لم يكن تكريماً للفرد، بل كان تعزيزاً لسلطة "المؤسسة" التي تملك حق رواية القصة وتفسيرها. إن الرموز مثل السيوف الملائكية والوحوش الضارية كانت بمثابة أدوات إعلانية بدائية تهدف لغسل أدمغة الجماهير وتدجينهم، محولةً إياهم من مواطنين فاعلين إلى أتباع منقادين ينتظرون المعجزة بدلاً من العمل على تغيير واقعهم. إن تفكيك سوسيولوجيا هذه الأسطورة يكشف لنا أن الكثير مما نعتبره "تراثاً مقدساً" هو في الحقيقة نتاج صراعات سياسية ومصالح طبقية قديمة، أرادت أن تخلد نفسها من خلال تزييف الوعي وتغييب العقل، وهو ما يجعل النقد العقلاني لهذه السرديات ضرورة ملحة لاستعادة كرامة الإنسان وحقه في فهم تاريخه بعيداً عن غبار الخرافة.
لقد استمرت هذه الآلية في العمل عبر القرون لأنها تخاطب في الإنسان حاجته النفسية العميقة لوجود "مخلص" أو "بطل" يعوض نقصه الشخصي وعجزه أمام قسوة الحياة. المؤسسة الدينية أدركت هذه الحاجة بذكاء، فوفرت للأتباع "أبطالاً" يمكنهم التماهي معهم، لكنها في ذات الوقت قيدت هذا التماهي بشروط الطاعة العمياء للمؤسسة نفسها. إن سيرة مرقوريوس ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الشخصيات التي تم "اختطافها" من سياقها التاريخي البشري وإعادة صياغتها كأدوات سياسية. عندما نرى قديساً يخرج من "أيقونة" ليقتل إمبراطوراً بحربة حقيقية، فنحن لا نرى معجزة، بل نرى "رسالة تهديد" من المؤسسة الدينية إلى كل من يحاول الخروج عن طوعها أو مراجعة سلطتها. إن هذا النوع من "الفانتازيا التاريخية" هو الذي أدى بمرور الزمن إلى نفور العقول النقدية من المنظومات الدينية التقليدية، بعد أن أصبحت الفجوة بين "خرافة القرون الوسطى" و"منطق العصر الحديث" غير قابلة للردم. إن الانتقال من "عصر المعجزة" إلى "عصر العقل" يتطلب جرأة في مواجهة هذه الأساطير وكشف الزيف القابع في ثناياها، لإدراك أن العظمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في سيوف نورانية يهبط بها الملائكة، بل في قدرته على استخدام عقله وبناء قيمه الأخلاقية على أساس العدل والحقيقة والواقع الملموس.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه أمام هذا التفكيك العقلاني هو: لماذا لا تزال هذه الأساطير تحظى بالقداسة والقبول لدى الملايين في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ إن الإجابة لا تكمن في قوة النص الأسطوري بحد ذاته، بل في "الهشاشة النفسية" للإنسان الذي يبحث دوماً عن مرساة في بحر من عدم اليقين. المؤسسة الدينية، بذكاء فطري تراكم عبر القرون، أدركت أن العقل البشري يميل غريزياً لتصديق ما يمنحه شعوراً بالأمان والتميز، فقصة "أبو سيفين" لا تُقرأ اليوم كحدث تاريخي، بل كـ "مخدر وجداني" يوهم الأتباع بأنهم ليسوا وحيدين في صراعهم مع قسوة الحياة، وأن هناك "قوى غيبية" تتدخل لإنصافهم كما أنصفت يادروس في الغابة أو مرقوريوس في ساحة المعركة. هذا التعلق النفسي هو الثغرة التي ينفذ منها المستغلون؛ فمن خلال إبقاء الإنسان في حالة "الطفولة المعرفية" التي تنتظر المعجزة، يتم شل قدرته على التغيير الواقعي وتوجيه طاقته نحو الطقوس والتبرعات وتكريس سلطة الكهنة الذين يقتاتون على هذه المخاوف.
إن الوعي الجمعي الذي لا يزال يحتفي بخروج قديس من "أيقونة" ليغرس حربة في صدر عدو، هو وعي تم تدريبه على كراهية "الآخر" والتلذذ بالانتقام الغيبي منه، مما يحول الدين من رسالة سمو أخلاقي إلى أداة تصفية حسابات نفسية وسياسية. إننا أمام عملية "استلاب" ممنهجة تجعل الإنسان يتخلى عن أثمن ما يملك، وهو عقله، مقابل وعود وهمية ببطولات خيالية. إن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يكون بالهجوم على الأشخاص، بل بتعريت الآليات التي يُدار بها "غسل الأدمغة" الجماعي، والتأكيد على أن البطولة الحقيقية ليست في حمل سيوف ملائكية، بل في امتلاك الشجاعة لمواجهة الواقع كما هو، دون حاجة لوسطاء أو خرافات. إن التحرر من سطوة "البطل الغيبي" هو الخطوة الأولى نحو استعادة الإنسان لسيادته على حياته ومصيره، وبناء مجتمع يقوم على "صدق المسؤولية الفردية" بدلاً من "زيف الاتكال الغيبي" الذي يخدم في النهاية عروش القائمين على حراسة الوهم ومصالحهم الدنيوية الواضحة.




.

فجر الكفّار. ف01 (رواية)

.


.
فجر الكفّار

الفصل الأول: أنفاس الجحيم

لم يكن الدويّ مجرد ضجيج عابر؛ بل كان تمزقاً في نسيج الواقع المادي. في طهران، عادة ما يمتلك الصوت ملمس القطران الحار، وأبواق السيارات البعيدة، والهمسات المكتومة، لكن ما انفك يمزق الهواء للتو بالقرب من حي "ساحة الحرية" كان ينتمي إلى بُعد آخر. كان عويل المعدن وهو يصطدم بالخرسانة، صاعقة تنهال على أساسات عالم لا ينتهي احتضاره. جعلت موجة الارتداد زجاج المبنى ذي الآجر الأصفر يهتز بعنف شديد، حتى أن إطار الباب أنَّ كعظمة تتهشم. الغبار، ذلك المسحوق الرمادي الدقيق المتراكم عبر عقود من التلوث والإهمال، انسلخ عن الأسقف ليرقص في حزم الضوء الآفلة.
كان "رضا" في الداخل بالفعل. لم يكن يتنفس، بل كان يغربل الفوضى. في الثامنة والأربعين من عمره، كان جسده أرشيفاً للبقاء. كان يعلم أن الخلاص في هذه المدينة لا ينزل أبداً من السماء، إلا إذا كان على هيئة حطام معدني متوهج. وقف في منتصف الغرفة، عضلاته مشدودة، ونظراته مثبتة على باب المدخل الذي لا يزال خشبه الرخيص يرتجف. كانت رائحة الكبريت والزفت المحترق تتدفق عبر الشقوق، طاردةً رائحة الورق القديم والشاي البارد التي تعبق بها مخبأه عادةً.
انفتح الباب بصرير يشبه إغلاق تابوت أخفق صانعه. اندفعت "ليلى" إلى الغرفة، محمولة على عاصفة من الرماد الساخن والذعر. لم تضيع وقتاً لتتحقق مما إذا كان هناك من يطاردها؛ لم تعد تملك القوة لذلك. كانت لفتتها الأولى، عفوية وحيوانية تقريباً، هي وضع يديها على حلقها. تشابكت أصابعها في النسيج الاصطناعي القاتم لـ "الحجاب"، ذلك الكفن الإلزامي الذي كانت ترتديه كأنه وسم من حديد محمى، إهانة دائمة لعقلها كامرأة حرة.
بحركة خاطفة، وبتمزيق للقماش رنّ صداه في صمت الشقة المفاجئ، انتزعته. لم تخلعه برقة امرأة تعود إلى بيتها؛ بل تحررت منه كما يُنتزع جلد مُتعفن. ألقته على الأرض باشمئزاز غريزي، وداسه بحذائها الملطخ بطين شوارع طهران الجاف. تحرر شعرها الأسود الفحمي أخيراً، ملتصقاً بصدغيها وعنقها بفعل العرق، متساقطاً في شلالات فوضوية على كتفيها. كانت تلهث، وصدرها يعلو ويهبط بغضب لا يمت للروحانية بصلة؛ كان غضباً مادياً محضاً لكائن حي يطالب بحقه في الأوكسجين، بعيداً عن مراسيم الحشمة ومظاهر الفضيلة الزائفة.
ـ "أولاد الزنى..." بصقت الكلمة أخيراً. كان صوتها مبحوحاً بفعل الدخان والصرخة التي كتمتها طوال الطريق في الشارع. "لقد ضربوا مركز قيادة الحرس. الجحيم في الخارج يا رضا. ’الباسيج‘ يطلقون النار في الهواء، يضربون الناس الذين لا يركضون بسرعة كافية، يبحثون عن كبش فداء في كل نظرة."
لم يجب رضا على الفور. كان يراقبها بحدة باردة. كان في هذا العري المفاجئ لوجه ليلى وشعرها شيء أكثر تمردًا، وأكثر خطورة على النظام القائم، من ذاك الصاروخ الذي حول للتو مبنىً حكومياً إلى مقبرة جماعية من الخرسانة. كان تدنيساً رائعاً. كان يكره هذا النظام بسبب آلهته الغائبة، نعم، ولكن قبل كل شيء لقدرته على تحويل الفرد إلى ظل قابل للاستبدال، صورة ظلية مجردة من الرغبات الخاصة. في تلك اللحظة، وتحت الضوء الشاحب لمصباح عارٍ، لم تكن ليلى ظلاً. كانت لحماً، ودماً، وإرادة إلحادية يُبهرُه لمعانُها.
ـ "أغلقي الباب وادفعي المزلاج المزدوج يا ليلى،" قال أخيراً بصوت خفيض. "لم نعد ننتظر أحداً. لا الأصدقاء ولا الأعداء."
أطاعت ويداها ترتجفان بفعل شحنة الأدرينالين التي لم تهدأ. كانت الشقة مخبأً متقشفاً، بقايا حقبة كان فيها إيران لا يزال يحلم بالحداثة، واليوم استحال إلى هيكل خرساني. طاولة معدنية باردة، كرسيان غير متطابقين، مرتبة بسيطة ملقاة في زاوية، ويتصدر المشهد فوق خزانة متآكلة جهاز تلفاز قديم يبدو أنه ينتظر ساعته ليقيء جرعته اليومية من السم.
لم يكن التلامس بينهما جسدياً بعد، لكنه كان كهربائياً بالفعل. الغبار الذي يطفو بين جسديهما بدا مشحوناً بجزيئات متأينة. التفتت ليلى نحوه، وعيناها تحترقان ببريق محموم. كانت ناشطة، امرأة قضت شبابها في المراوغة مع الأجهزة الأمنية، ترتدي الحجاب فقط لتجنب جلدات السياط أو سجن "إيفين"، بينما كانت تزتري كل ذرة من ذلك الورع المفروض. كان إلحادها درعها، ونظافتها العقلية الوحيدة في مدينة تفوح منها رائحة الخرافة والموت.
ـ "نحن وحدنا يا رضا،" همست وهي تتقدم نحوه. "ليس هناك ’مهندس أعظم‘ ليخرجنا من هنا. السموات فارغة، ولطالما كانت كذلك. لا يوجد سوى الحديد الذي يسقط ونحن الذين نبقى واقفين."
أومأ رضا برأسه، وعلى طرف شفتيه ابتسامة مريرة.
ـ "السموات فارغة، لكن الأرض مليئة بالحمقى الذين يعتقدون أنهم يملؤونها بصرخاتهم. نحن آخر الكفرة في مصحة عقلية تحت الهواء الطلق."
اقترب منها. كانت رائحة ليلى، مزيج من الأوزون والعرق الحامض وتلك النوتة المستمرة من الصابون الخام، تعمل عليه كمحفز. وضع يده على كتفها، حيث كان قماش قميصها لا يزال دافئاً من شمس الرصاص التي هربت منها للتو. تحت أصابعه، شعر بارتعاش وحش مطارد يرفض الاستسلام، اهتزاز يسري في هيكلها العظمي بالكامل.
ـ "لقد عدتِ، وهذا كل ما يهم،" أضاف.
كان التلامس الأول كالتماس كهربائي. بحثت أيديهما عن بعضهما في العتمة، ليس لعناق مواساة، بل لتعارف قتالي. تمسكت ليلى بذراعيه، وانغرست أصابعها في جلد سترته، تبحث عن صلابة عضلاته لتتأكد أنها ليست مجرد طيف في هذه المدينة التي تتهاوى.
دوي انفجار ثانٍ، أبعد هذه المرة، جعل الأرض تهتز تحت أقدامهما. أصدر التلفاز، رغم كونه مطفأً، طقطقة استاتيكية صغيرة، كما لو كان يتغذى على التوتر المحيط. في هذا الفضاء الضيق، المشبع بالغبار والكراهية للعقيدة، أدرك رضا وليلى أن ثورتهما الخاصة تبدأ هنا. ثورة لن تمر عبر الشعارات أو المتاريس الجماعية، بل عبر استعادة حواسهما الخاصة، وجلدهما الخاص، ضد كل أولئك الذين أرادوا تقديسهما أو التضحية بهما.
الحجاب، الملقى على الأرض كجلد ثعبان مهجور، كان يرمز بالفعل إلى نهاية عهد. رفعت ليلى رأسها نحو رضا، وجهها مغمور بضوء مزرق آتٍ من النافذة. لم تطلب شيئاً، ولم تنتظر أي إذن. كانت نظرتها تحدياً موجهاً في آن واحد إلى الملالي، والقنابل، والعدم.
ـ "لن ينالوا منا يا رضا. لا أمواتاً ولا أحياء، لن يملكوا أبداً حقيقتنا."
ضمها رضا إليه، شاعراً بضربات قلبها المتسارعة ضد صدره. في تلك اللحظة بالذات، وسط حطام طهران، كانا الكائنين الوحيدين الأحياء حقاً، لأنهما الوحيدان اللذان لم يعودا يأملان شيئاً من أحد، سوى من نفسيهما.



L'Aube des Infidèles. Ch01 (roman)

.
.
L'Aube des Infidèles

Chapitre 1: Le Souffle de l'Enfer

Le fracas ne fut pas un simple bruit ; ce fut une déchirure de la réalité physique. À Téhéran, le son a d’ordinaire une texture de goudron chaud, de klaxons lointains et de rumeurs étouffées, mais ce qui venait d’éventrer l’air près du quartier de la Place de la Liberté appartenait à une autre dimension. C’était le hurlement du métal contre le béton, la foudre s’abattant sur les fondations d’un monde qui n’en finissait pas de mourir. L’onde de choc fit vibrer les vitres de l’immeuble de briques jaunies avec une telle violence que le cadre de la porte gémit comme un os qui se brise. La poussière, une poudre fine et grise accumulée par des décennies de pollution et de négligence, se détacha des plafonds pour danser dans les rais de lumière mourante.

Reza était déjà à l’intérieur. Il ne respirait plus, il filtrait le chaos. À quarante-huit ans, son corps était une archive de la survie. Il savait que dans cette ville, le salut ne descendait jamais du ciel, sauf sous la forme de ferraille incandescente. Il se tenait au milieu de la pièce, les muscles tendus, le regard fixé sur la porte d’entrée dont le bois bon marché tremblait encore. L’odeur du soufre et du bitume brûlé s’engouffrait par les jointures, chassant l’odeur de vieux papier et de thé froid qui imprégnait d’ordinaire sa planque.

La porte s’ouvrit avec le fracas d’une mise en bière ratée. Leyla s’engouffra dans la pièce, portée par une bourrasque de cendres chaudes et de panique. Elle ne prit pas le temps de vérifier si elle était suivie ; elle n’en avait plus la force. Son premier geste, instinctif, presque animal, fut de porter ses mains à sa gorge. Ses doigts s’emmêlèrent dans le tissu synthétique et sombre du hijab, ce linceul obligatoire qu’elle portait comme une marque au fer rouge, une insulte permanente à son intellect de femme libre.

D’un mouvement sec, une déchirure de tissu qui résonna dans le silence soudain de l’appartement, elle l’arracha. Elle ne le retira pas avec la délicatesse d’une femme rentrant chez elle ; elle s’en délivra comme on s’arrache une peau infectée. Elle le jeta au sol avec un dégoût viscéral, le piétinant de ses bottines couvertes de la boue sèche des rues de Téhéran. Ses cheveux, d’un noir d’ébène, se libérèrent enfin, collés par la sueur à ses tempes et à sa nuque, tombant en cascades désordonnées sur ses épaules. Elle haletait, la poitrine soulevée par une rage qui n’avait rien de spirituel. C’était la colère pure de la matière vivante revendiquant son droit à l’oxygène, loin des décrets de pudeur et des simulacres de vertu.

— Les fils de pute… finit-elle par cracher. La voix était éraillée par la fumée et le cri qu’elle avait retenu tout le long de la rue. Ils ont frappé le centre de commandement des Gardiens. C’est l’enfer dehors, Reza. Les Bassidjis tirent en l’air, ils frappent les gens qui ne courent pas assez vite, ils cherchent des boucs émissaires dans chaque regard.

Reza ne répondit pas immédiatement. Il l’observait avec une intensité froide. Il y avait dans cette nudité soudaine du visage et de la chevelure de Leyla quelque chose de plus subversif, de plus dangereux pour l’ordre établi, que le missile qui venait de transformer un bâtiment gouvernemental en charnier de béton. C’était une profanation magnifique. Il détestait ce régime pour ses dieux absents, certes, mais surtout pour sa capacité à transformer l’individu en une ombre interchangeable, une silhouette dénuée de désirs propres. En cet instant, sous la lumière blafarde d’une ampoule nue, Leyla n’était plus une ombre. Elle était de la chair, du sang, et une volonté athée dont l’éclat l’éblouissait.

— Ferme la porte et pousse le verrou double, Leyla, dit-il enfin d’une voix sourde. On n’attend plus personne. Ni les amis, ni les ennemis.

Elle obéit, les mains tremblantes d’une décharge d’adrénaline qui ne retombait pas. L’appartement était une planque spartiate, un vestige d’une époque où l’Iran rêvait encore de modernité, aujourd’hui réduit à une carcasse de béton. Une table en métal froid, deux chaises dépareillées, un matelas de fortune jeté dans un coin et, trônant sur une commode écaillée, un vieux téléviseur cathodique qui semblait attendre son heure pour vomir sa dose quotidienne de fiel.

Le contact entre eux n’était pas encore physique, mais il était déjà électrique. La poussière qui flottait entre leurs corps semblait chargée de particules ionisées. Leyla se tourna vers lui, ses yeux brûlant d’une lueur fébrile. Elle était une activiste, une femme qui avait passé sa jeunesse à ruser avec les organes sécuritaires, à porter le voile uniquement pour éviter les coups de fouet ou la prison d’Evin, tout en méprisant chaque atome de cette piété imposée. Son athéisme était son armure, sa seule hygiène mentale dans une ville qui puait la superstition et la mort.

— On est seuls, Reza, murmura-t-elle en s’avançant vers lui. Il n’y a pas de Grand Architecte pour nous sortir de là. Les cieux sont vides, ils l’ont toujours été. Il n’y a que le fer qui tombe et nous qui restons debout.

Reza hocha la tête, un rictus amer au coin des lèvres.

— Les cieux sont vides, mais la terre est pleine d’imbéciles qui croient les remplir de leurs cris. On est les derniers infidèles dans un asile à ciel ouvert.

Il s’approcha d’elle. L’odeur de Leyla, un mélange d’ozone, de sueur acide et de cette note persistante de savon brut, agissait sur lui comme un catalyseur. Il posa sa main sur son épaule, là où le tissu de son chemisier était encore chaud du soleil de plomb qu’elle venait de fuir. Sous ses doigts, il sentit le tressaillement d’une bête traquée qui refuse de se soumettre, une vibration qui parcourait toute sa structure osseuse.

— Tu es revenue, c’est tout ce qui compte, ajouta-t-il.

Le premier contact fut comme un court-circuit. Leurs mains se cherchèrent dans la pénombre, non pas pour une étreinte de consolation, mais pour une reconnaissance de combat. Leyla s’agrippa à ses bras, ses doigts s’enfonçant dans le cuir de son blouson, cherchant la solidité de ses muscles pour s’assurer qu’elle n’était pas déjà un spectre dans cette ville qui s’effondrait.

Le fracas d’une seconde explosion, plus lointaine celle-là, fit vibrer le sol sous leurs pieds. La télévision, bien qu’éteinte, émit un petit craquement statique, comme si elle se nourrissait de la tension ambiante. Dans cet espace restreint, saturé de poussière et de haine pour le dogme, Reza et Leyla comprirent que leur propre révolution commençait ici. Une révolution qui ne passerait pas par des slogans ou des barricades collectives, mais par la reconquête de leurs propres sens, de leur propre peau, contre tous ceux qui voulaient les sanctifier ou les sacrifier.

Le voile, gisant au sol comme une peau de serpent abandonnée, symbolisait déjà la fin d’un règne. Leyla releva la tête vers Reza, son visage baigné d’une lueur bleutée venant de la fenêtre. Elle ne demanda rien, elle n’attendait aucune permission. Son regard était un défi lancé à la fois aux mollahs, aux bombes et au néant.

— Ils ne nous auront pas, Reza. Ni morts, ni vivants, ils n’auront jamais ce qu’on est.

Reza la serra contre lui, sentant le battement frénétique de son cœur contre sa poitrine. À cet instant précis, au milieu des décombres de Téhéran, ils étaient les seuls êtres véritablement vivants, parce qu’ils étaient les seuls à ne plus rien espérer de personne, sinon d’eux-mêmes.



.

جزر القلق (قصة قصيرة)

.


.
جزر القلق




تأخذنا الدروب الضيقة في "المدينة العتيقة" ببنزرت إلى حكاية "سلوى"، امرأة في الخامسة والثلاثين، تحمل في عينيها زرقة البحر الممزوجة بملوحة الخيبات. بعد طلاق عاصف خلّف وراءه ندوباً نفسية أكثر من الجسدية، وجدت سلوى نفسها تعود لبيت والديها في حي "الأندلس"، حيث الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء العتيقة التي تبدو وكأنها تحرس أسرار النساء المكلومات.



الفصل الأول: صدى القنال الكبير

في بنزرت، لا يمكنك الهروب من صوت البحر. كان هذا الصوت هو الرفيق الوحيد لسلوى وهي تجلس كل مساء على "الرصيف القديم". الطلاق في مجتمع يحكمه العرف قبل القانون ليس مجرد ورقة رسمية، بل هو وصمة غير مرئية تشعر بها سلوى في نظرات الجارات اللواتي يتوقفن عن الكلام بمجرد مرورها، وفي شفقة أمها التي تحاول إقناعها بأن "الستر" أهم من الحب.
كانت سلوى تعمل في مكتبة صغيرة قريبة من "المنطقة السياحية". هناك، وسط رائحة الورق القديم والحبر، كانت تبحث عن الحب الذي افتقدته في زواجها السابق. لم يكن بحثها عن رجل بالمعنى المادي فقط، بل كانت تبحث عن "الاعتراف". عن شخص يرى فيها "المرأة" لا "المطلقة".
ذات صباح ممطر، دخل المكتبة رجل غريب. لم يكن من أبناء الحي، ملامحه توحي بهدوء غامض، كان يبحث عن ديوان شعر للشاعر التونسي "المنصف المزغني".
قال لها وهو يتصفح الكتاب: "بنزرت في الشتاء أجمل، أليس كذلك؟".
أجابت بنبرة حاذرة: "هي أجمل لمن لا يملك ذكريات حزينة فيها".
ابتسم الرجل، واسمه "مراد"، مهندس معماري جاء من تونس العاصمة للإشراف على ترميم بعض المباني التاريخية. كان في ابتسامته نوع من الأمان الذي افتقدته سلوى لسنوات.



الفصل الثاني: لغة الصمت والورد

تكررت زيارات مراد للمكتبة. بدأت الأحاديث تطول، من الأدب إلى تاريخ المدينة، وصولاً إلى التفاصيل الصغيرة. شعرت سلوى بدبيب الحياة يعود إلى أوصالها. كانت تختار أجمل ثيابها، تضع لمسة خفيفة من الكحل، وتنتظر الساعة الرابعة عصراً، موعد مروره المعتاد.
لكن الخوف كان رفيقها الدائم. "هل يعرف أنني مطلقة؟" كان هذا السؤال يؤرقها. في مجتمعها، يُنظر للمطلقة كأنها "بضاعة مستعملة" في سوق العواطف، بينما يُنظر للرجل كأنه دائماً في ريعان بداياته.
في إحدى الأمسيات، دعاه مراد لتناول القهوة في مقهى "الفينيق" المطل على البحر. كان الهواء بارداً، لكن الدفء كان يتسلل من نظراته.
قالت له فجأة، وكأنها تلقي بحجر في بركة راكدة: "أنا امرأة خرجت من حرب خاسرة.. أنا مطلقة يا مراد".
توقع أمين أن يرى في عينيه تلك النظرة المألوفة: تراجع، أو رغبة عابرة، أو حتى شفقة. لكن مراد وضع فنجانه بهدوء وقال: "أنا لا أبحث عن سجل مدني، أنا أبحث عن روح تشبهني. والحروب هي التي تصنع المعادن النفيسة".



الفصل الثالث: مواجهة الواقع

بدأت قصة الحب تنمو تحت شمس بنزرت الشاحبة. كانا يتجولان في "كورنيش سيدي سالم"، يراقبان الصيادين وهم يجرون شباكهم المليئة بالخيبة أحياناً وبالرزق أحياناً أخرى. شعرت سلوى أنها تولد من جديد.
لكن "المدينة الصغيرة" لا ترحم. بدأت الإشاعات تطاردها. "سلوى المطلقة تواعد غريباً"، "ابنة فلان تمشي مع رجل من العاصمة". وصلت الأخبار إلى شقيقها "سامي"، الذي كان يرى في حرية أخته تهديداً لـ "شرفه" المتوهم.
انفجر سامي في وجهها ليلة عودتها متأخرة قليلاً: "هل تريدين أن تصبحي حديث المدينة؟ أنتِ مطلقة، يجب أن تحني رأسكِ وتنتظري قدراً يستر خيبتك، لا أن تتسكعي في الشوارع!".
بكت سلوى، لا ضعفاً، بل قهراً. بكت لأنها اكتشفت أن أقرب الناس إليها يراها "عبئاً" يجب إخفاؤه، لا إنساناً من حقه البحث عن السعادة.



الفصل الرابع: عاصفة "الرأس الأبيض"

قرر مراد أن ينهي هذا الجدل. طلب منها أن تلتقي به في منطقة "الرأس الأبيض"، أبعد نقطة في شمال أفريقيا، حيث تلتقي الجبال بالبحر في مشهد مهيب.
هناك، وسط الرياح العاتية، قال لها: "سلوى، أنا لا أريد حباً في الخفاء. أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسمياً. أريدكِ أن تنتقلي معي إلى تونس، لنبدأ حياة بعيدة عن هذه الجدران التي تخنقكِ".
كانت لحظة الحقيقة. هل تختار الأمان الموحش في كنف عائلتها؟ أم تغامر بالرحيل مع رجل عرفته منذ شهور قليلة؟
كانت تدرك أن الحب في بنزرت، للمرأة المطلقة، هو فعل تمرد. هو ثورة على الماضي وعلى قيود المجتمع.



الفصل الخامس: الانبعاث

في يوم مشمس من أيام الربيع البنزرتي، حين تزهر أشجار اللوز في "جبل الناظور"، كانت سلوى تحزم حقائبها. لم يكن الأمر سهلاً، فالمواجهة مع أهلها كانت قاسية، لكنها كانت ضرورية. أخبرتهم أن حياتها ملكها، وأن "الطلاق" ليس نهاية العالم، بل ربما كان البداية الصحيحة لقصة خاطئة.
وقفت سلوى على شرفة غرفتها القديمة للمرة الأخيرة. نظرت إلى البحر الذي شهد انكساراتها وانتصاراتها. رأت القوارب الصغيرة وهي تغادر الميناء نحو المجهول بجرأة.
اتصل بها مراد: "أنا أنتظركِ عند القنال".
نزلت الدرج، خرجت إلى النهج الضيق، كانت تشعر بخفة لم تعهدها من قبل. لم تعد "سلوى المطلقة"، بل أصبحت "سلوى التي وجدت نفسها". مشت نحو القنال، حيث كان مراد يقف بجانب سيارته، يبتسم لها وكأنه يرى فيها كل كنوز البحر.





.

بين شرفتين (قصة قصيرة)

.


.
بين شرفتين




بنزرت، المدينة التي ينام البحر في حضنها وتستيقظ هي على ملوحته. في حي "بوقطفا"، حيث تتراص العمارات ببرود يوحي بالسكينة ويخفي خلف الجدران آلاف الحكايات المكتومة، كان "أمين" يعيش روتينه كمن يسير في حلم طويل.
أمين، مهندس في ميكانيكا السفن، رجل في أواخر الثلاثينيات، اختار العزلة لا كعقاب، بل كدرع. شقته في الطابق الرابع تطل مباشرة على نهج ضيق يفصل بين عمارته وعمارة مقابلة، توأم في القبح المعماري وفي الوجع الإنساني.



نافذة على عالم آخر

بدأت القصة في ليلة من ليالي الشتاء البنزرتي القاسي، حين تعوي الرياح "الشرقية" وتجبر الجميع على إغلاق النوافذ. لكن أمين، الذي كان يدخن سيجارته الأخيرة قبل النوم، لمح حركية في الشقة المقابلة. كانت هي.
لم تكن "ليلى" مجرد جارة، بل كانت تجسيداً للحياة التي لم يعشها أمين. كانت تعيش في الطابق الثالث من العمارة المواجهة. في تلك الليلة، كانت تحاول تهدئة طفلها الصغير بينما يركض الآخر حول الطاولة. كانت ملامحها متعبة، هالات سوداء خفيفة تحت عينيها، وشعرها مربوط بإهمال يوحي بامرأة لم تعد تملك وقتاً لنفسها.
مع مرور الأيام، تحولت الملاحظة العابرة إلى طقس يومي. لم يكن أمين "متلصصاً" بالمعنى القبيح للكلمة، بل كان يبحث عن "ونس" في فراغه. كان يعرف مواعيد استيقاظها، متى تفتح الستائر لتسمح لشمس الصباح الباهتة بالدخول، ومتى يعود زوجها.



الرجل الظل

الزوج، "كمال"، كان رجلاً غليظ الملامح، يعمل في التجارة الحرة بين بنزرت وتونس العاصمة. كان يعود متأخراً دائماً، وفي الأيام التي يعود فيها باكراً، كان أمين يسمع صراخهما يتصاعد عبر الشارع الضيق. لم تكن كلمات واضحة، بل نبرات حادة، صفعات معنوية ترتطم بجدران شقة أمين وتستقر في قلبه.
كان أمين يراقب ليلى وهي تقف في الشرفة بعد كل مشاجرة. تمسك بكوب قهوة بارد، وتنظر نحو الأفق، نحو القنال الكبير حيث تمر السفن الضخمة. كان يشعر برغبة عارمة في أن يلوح لها، في أن يقول لها: "أنا هنا، أنا أراكِ، وأعرف كم أنتِ وحيدة".
ذات صباح في سوق "السمك" القديم، التقت نظراتهما لأول مرة. كانت تشتري "الوراطة" من بائع يساومها على السعر. وقف أمين قريباً منها، شم رائحة عطرها البسيط الممزوج برائحة البحر. التفتت نحوه، بدت كأنها تعرفه. ربما لمحت ظله خلف نافذته؟ ربما هو الصمت المشترك بين الغرباء؟
قال لها بصوت خفيض: "هذا البائع يغش في الميزان، انتقلي إلى الطاولة الموالية".
نظرت إليه بدهشة، ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت: "شكراً.. ظننت أن لا أحد يهتم".




الحب الصامت

تلك الجملة "ظننت أن لا أحد يهتم" كانت القيد الذي كبّل أمين. منذ ذلك اليوم، تحولت المراقبة إلى حب صامت، ينمو في العتمة مثل الطحالب على صخور الميناء. بدأ يشتري لها الهدايا التي لا يستطيع منحها إياها. يشتري كتباً يعتقد أنها ستحبها، يضعها على رف مكتبته ويهديها إياها في خياله.
كان يراقبها وهي تلاعب طفليها. كان يرى في حركاتها حناناً يفتقده هو في جدران شقته الباردة. بدأ يتخيل نفسه مكانه "كمال". يتخيل أنه هو من يعود بالخبز الساخن، وهو من يقبل جبينها ويخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
لكن الواقع كان يصفعه في كل مرة يرى فيها كمال يدخل الشقة ويغلق الستائر بعنف.



المواجهة غير المعلنة

في أحد أيام الربيع، حين تكتسي غابات "الناظور" بالخضرة، قرر أمين أن يكسر الصمت بطريقته. لم يكن يريد هدم بيتها، بل أراد أن يكون "رئة" تتنفس منها.
بدأ يضع أحياناً أصيصاً من الورد على شرفته، أزهار "الجيرانيوم" الحمراء التي تحبها نساء بنزرت. كانت ليلى تلاحظ. وفي المقابل، بدأت هي الأخرى تترك نافذة المطبخ مفتوحة لفترة أطول. كانا يتواصلان عبر "الفراغ" بين العمارتين. هي تغسل الأطباق وتدندن بصوت لا يصله، وهو يقرأ كتابه ويتظاهر بأنه لا يراقبها.
ذات ليلة، انقطع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله. ساد الظلام، وخرج الناس إلى الشرفات. كانت المسافة بين الشرفتين لا تتجاوز الستة أمتار.
قالت ليلى بصوت مسموع: "ظلام موحش، أليس كذلك؟".
أجاب أمين، وقلبه يقرع كطبل: "أحياناً يكون الظلام أرحم من رؤية ما لا نحب".
ساد صمت طويل، ثم قالت: "لماذا تراقبني يا جار؟".
تجمد أمين. لم يتوقع الصراحة.
"أنا لا أراقبكِ، أنا أنتظر أن تبتسمي، لكي أعرف أن العالم لا يزال بخير".
سمع تنهيدة عميقة من الجانب الآخر. "العالم ليس بخير، وأنا لست بخير. كمال يريد الرحيل.. يريد الهجرة إلى إيطاليا ويتركني هنا مع الطفلين حتى يتدبر أمره".



ذروة الألم

مرت الشهور، وأصبح أمين جزءاً غير مرئي من حياة ليلى. كان يعرف متى يمرض طفلها "ياسين"، وكان يعرف متى تبكي لأن كمال لم يتصل. أصبح حبه لها نوعاً من "الصوفية الحديثة"؛ حب لا يطمح للمس، بل للاحتواء.
في ليلة عاصفة من شهر نوفمبر، اشتعل شجار عنيف في الشقة المقابلة. صراخ، تكسير أواني، ثم صوت صفعة قوية تلاها بكاء مكتوم. لم يستطع أمين الاحتمال. نزل الدرج ركضاً، عبر النهج، وصعد عمارتها. وقف أمام بابها، يده ترتجف.
فتح كمال الباب، كان يفوح برائحة التبغ والغضب.
"ماذا تريد؟" سأل كمال بوقاحة.
قال أمين بصوت ثابت رغم الرعب: "الجيران يشتكون من الضجيج.. اهدأ قليلاً".
دفع كمال أمين في صدره وقال: "اهتم بشؤونك يا أعزب، واغرب عن وجهي".
أغلق الباب في وجهه. عاد أمين إلى شقته، وقف خلف نافذته والدموع في عينيه. رأى ليلى تقترب من نافذتها، كانت عينها محمرة ومتورمة. نظرت إليه، وضعت يدها على الزجاج، ووضع هو يده على زجاج نافذته. كان الزجاج هو الفاصل، وهو الحامي، وهو المستحيل.



الرحيل والبقاء

بعد تلك الحادثة بأسبوع، رحل كمال. لم يرحل إلى إيطاليا، بل رحل إلى امرأة أخرى في مدينة أخرى، تاركاً ليلى تواجه مصيرها مع طفلين وإيجار شقة لا تملك ثمنه.
بدأت ليلى تذبل. رآها أمين وهي تبيع قطعاً من أثاثها. رآها وهي تخرج في الصباح الباكر لتبحث عن عمل في معامل الخياطة بـ "منزل جميل".
قرر أمين أن يتدخل، لكن بكرامة. بدأ يضع مغلفات مالية تحت بابها ليلاً، دون اسم. كان يكتب فقط: "من صديق لا ينام".
كانت تعرف أنه هو. في الصباح، كانت تنظر نحو نافذته، تحني رأسها قليلاً كعلامة شكر، ثم تمضي لعملها.
لم يتجرأ أمين يوماً على اقتحام حياتها. ظل "الحبيب الظل". كان يكتفي برؤيتها وهي تطعم طفليها، وهي تستعيد عافيتها تدريجياً. أصبحت ضحكات الأطفال تعود لتملأ الشارع، وأصبح أمين يبتسم من خلف زجاجه.



الخاتمة

في مدينة بنزرت، حيث يختلط الحب بالملوحة، تعلم أمين أن أسمى أنواع الحب هو ذلك الذي لا يمتلك. هو الذي يحمي من بعيد، الذي يكون "سقفاً" لشخص لا يعرف أنك تحميه من المطر.
ذات مساء، بينما كان الجو صحواً والقمر ينعكس على مياه القنال، رأى ليلى تضع أصيص "جيرانيوم" جديداً على شرفتها. نظرت باتجاهه، ابتسمت بوضوح هذه المرة، ثم دخلت لتنادي طفليها.
لم يتزوج أمين ليلى، ولم يلمس يدها أبداً. لكنه في كل ليلة، قبل أن ينام، يغلق ستائره وهو يشعر أنه أغنى رجل في العالم، لأنه يملك "نافذة" تطل على الجنة، حتى لو كانت تلك الجنة ملكاً لشخص آخر.





.

Les Cintres et le Désir (nouvelle)

.

.
Les Cintres et le Désir





La boutique s'appelait Le Tissage Doré, un nom pompeux pour une petite échoppe de prêt-à-porter dans une rue commerçante d'Hammam Lif, à vingt kilomètres de Tunis. Hanane et Jamila y travaillaient depuis respectivement six et quatre ans. Elles passaient leurs journées à plier des chemisiers, à ranger des jeans, à sourire à des clientes qui les regardaient à peine, et à compter les heures jusqu'à la fermeture.

Hanane avait trente-quatre ans, un voile beige soigneusement épinglé, un mari qui l'appelait deux fois par semaine de sa chantier à Djerba pour lui demander ce qu'elle avait préparé pour le dîner, et une vie qu'elle aurait crue réglée comme du papier à musique. Elle s'était mariée à dix-neuf ans, avait eu trois enfants, avait fait ce qu'on attendait d'elle. Parfois, le soir, en rangeant les verres après le repas, elle se demandait où elle en était de ses propres désirs. La réponse, depuis longtemps, était : nulle part.

Jamila avait trente-deux ans, un voile bleu nuit qu'elle ajustait vingt fois par jour, un mari qu'elle avait quitté après trois ans de mariage parce qu'elle « ne supportait plus son odeur », selon ses propres mots, et une réputation de femme « difficile » dans le quartier. Elle vivait avec sa mère, une vieille dame acariâtre qui lui rappelait chaque jour qu'elle aurait dû « faire des efforts » pour garder son homme. Jamila souriait, haussait les épaules, et venait travailler en serrant les dents.

Elles étaient colocataires de comptoir, partageant les mêmes horaires, les mêmes pauses, les mêmes clientes impossibles. Pendant des années, leur relation s'était limitée à des échanges fonctionnels : « Range le stock », « Passe-moi le cintre », « T'as vu la nouvelle collection ? C'est moche. » Rien de plus.

Puis, un jour, la climatisation tomba en panne. Un mois de juillet, quarante degrés dehors, quarante-cinq dedans. Les clientes désertaient la boutique, préférant les grands centres commerciaux climatisés. Hanane et Jamila se retrouvèrent seules, coincées entre des rangées de vêtements inertes, à s'éventer avec des catalogues.

« Je vais mourir, » gémit Hanane, la nuque perlée de sueur.

« On va toutes mourir, » répondit Jamila. « Mais au moins, on sera mortes en soldes. C'est glamour. »

Hanane rit malgré elle. C'était la première fois qu'elle riait sincèrement avec Jamila.

Elles s'assirent par terre, adossées à la caisse, les jambes étendues sur le carrelage frais. Leurs voiles, d'habitude impeccables, étaient de travers, laissant échapper quelques mèches de cheveux. Elles avaient retiré leurs chaussures, leurs pieds nus se touchaient presque.

« T'as des enfants, toi ? » demanda Jamila.

« Trois. Des garçons. Tous. »

« Ah, la chance. Tu dois être tranquille. »

Hanane ricana. « Tranquille ? Ils se battent tout le temps. Le dernier a cassé la télé la semaine dernière. »

« Moi, j'ai pas d'enfants. Mon mari ne voulait pas. Il disait que ça coûte trop cher. » Jamila marqua une pause. « En fait, il ne voulait rien de moi. Juste que je sois là, à faire la cuisine et à me taire. »

Le silence s'installa, lourd de tout ce qu'elles n'avaient jamais dit à personne.

« Pourquoi tu l'as quitté ? » demanda Hanane.

Jamila tourna la tête vers elle. Ses yeux, d'habitude froids, avaient une douceur nouvelle. « Parce que je me suis réveillée un matin, et j'ai réalisé que j'avais passé trois ans à attendre que ma vie commence. Et que j'en avais marre d'attendre. »

Hanane sentit ses yeux s'embuer. Elle détourna le regard.

« Toi, pourquoi tu es restée ? » demanda Jamila doucement.

« Parce que... » Hanane chercha ses mots. « Parce que je ne sais pas faire autrement. Parce que ma mère me dit que c'est comme ça. Parce que si je pars, je serai une femme sans mari, sans rien, et que dans ce pays, une femme sans mari... »

« Est une femme libre, » coupa Jamila. « Et ça fait peur à tout le monde. »

Leurs regards se croisèrent. Dans celui de Jamila, il y avait une force que Hanane n'avait jamais vue chez personne. Dans celui de Hanane, il y avait une fragilité que Jamila n'avait jamais montrée à personne.

Ce jour-là, il ne se passa rien de plus. Mais quelque chose avait changé.

Les semaines suivantes, la climatisation fut réparée, mais la chaleur, elle, resta. Pas celle de l'air – celle qui montait entre elles chaque fois qu'elles se frôlaient en rangeant les rayons, chaque fois que leurs mains se touchaient en prenant le même cintre, chaque fois que Jamila riait de quelque chose et que Hanane se surprenait à regarder sa bouche.

Hanane commença à arriver plus tôt, à partir plus tard, à inventer des prétextes pour rester avec Jamila. Elle se surprit à choisir ses vêtements avec plus de soin, à mettre un peu de parfum le matin, à vérifier son voile devant le miroir de la boutique pour être sûre qu'il tombait bien. Ridicule, se disait-elle. Elle avait trente-quatre ans, trois enfants, un mari absent, et elle se maquillait comme une adolescente avant d'aller travailler.

Jamila, elle, avait compris depuis longtemps. Elle savait ce qui se passait dans sa poitrine quand Hanane s'approchait, quand elle souriait, quand elle la regardait avec ces yeux où il y avait tout ce qu'elle n'osait pas dire. Elle avait vécu ça avant, à vingt ans, avec une camarade de fac. Ça avait mal fini – la fille avait eu peur, avait tout nié, s'était mariée trois mois plus tard avec un garçon de sa famille. Jamila avait juré qu'elle ne retomberait jamais dans ce piège.

Mais Hanane était différente. Hanane ne trichait pas. Hanane était sincère, maladroite, terrifiée. Et terriblement belle dans sa terreur.

Un soir de septembre, la boutique fermait plus tard que d'habitude. La gérante était partie depuis une heure, les laissant seules pour ranger. Le volet métallique était baissé à demi. Dehors, la rue s'endormait.

Elles pliaient les dernières chemises en silence, fatiguées, quand Jamila laissa tomber un cintre. Hanane se baissa pour le ramasser en même temps qu'elle. Leurs mains se rencontrèrent. Leurs visages, soudain, étaient à quelques centimètres l'un de l'autre.

Le souffle de Hanane s'arrêta.

« Hanane, » murmura Jamila.

« Oui ? »

« Arrête de faire semblant. »

« Je ne fais pas semblant. »

« Si. Toi et moi, on fait semblant depuis des mois. On fait semblant que ce qu'on ressent n'existe pas. On fait semblant qu'on est juste des collègues. On fait semblant que nos vies ne sont pas des prisons. »

Hanane sentit ses yeux s'embuer. « Je ne sais pas faire autrement. »

« Moi non plus. Mais je veux apprendre. Avec toi. »

Leurs lèvres se touchèrent. Ce ne fut pas un baiser fiévreux, mais une question posée, doucement, patiemment. Hanane répondit en fermant les yeux, en laissant ses doigts s'ouvrir, en laissant Jamila entrer.

La boutique, avec ses rangées de vêtements, ses miroirs, ses cintres qui grinçaient, devint leur refuge. Jamila releva lentement le voile de Hanane, défit les épingles une à une, comme on dénoue une corde. Les cheveux de Hanane, bruns, coupés court, apparurent. Elle les toucha, gênée.

« Ne te cache pas, » dit Jamila. « Pas avec moi. »

À son tour, Hanane défit le voile de Jamila. Ses cheveux, plus longs, plus foncés, tombèrent en cascade sur ses épaules. Elle les caressa, émerveillée.

Elles s'embrassèrent encore, plus profondément cette fois. Leurs mains commencèrent à explorer, à découvrir. La robe de Hanane glissa sur ses épaules. Le chemisier de Jamila se défit sous ses doigts maladroits.

« Ici ? » chuchota Hanane, regardant autour d'elle.

« Ici, » répondit Jamila en riant doucement. « Sur les vêtements qu'on vend toute la journée. Comme une revanche. »

Hanane rit aussi, un rire nerveux, libérateur. L'humour noir de la situation lui apparut : elles allaient faire l'amour sur des chemisiers à quatre-vingt-dix dinars, dans une boutique où leurs mères venaient acheter leurs robes de mariage.

Elles s'allongèrent sur le tapis de la réserve, au milieu des cartons de marchandise. Le carrelage était froid sous leurs dos nus, mais elles ne sentaient que la chaleur l'une de l'autre. Jamila guida Hanane avec une douceur infinie, lui apprenant ce que personne ne lui avait jamais appris : que son corps était à elle, que ses désirs étaient légitimes, que le plaisir n'était pas un péché.

Hanane découvrit des sensations qu'elle n'avait jamais connues. La bouche de Jamila sur sa poitrine, ses doigts qui savaient exactement où aller, son regard qui plongeait dans le sien pendant qu'elle la faisait jouir. Quand l'orgasme la traversa, elle pleura – des larmes silencieuses de libération.

Puis ce fut son tour, et elle apprit à son tour à donner, à écouter les soupirs de Jamila, à suivre ses mouvements, à lire dans ses yeux ce qu'elle voulait. Quand Jamila jouit dans ses bras, ce fut comme si elle jouissait elle-même.

Ce fut rapide – un quickie volé au temps, aux conventions, aux mensonges. Mais dans ces quelques minutes, tout avait changé.

Elles restèrent enlacées longtemps, nues sur les cartons, riant de l'absurdité de leur situation.

« On a fait l'amour dans un tas de jeans, » dit Jamila.

« C'est très classe, » répondit Hanane. « On pourrait le mettre sur notre CV. »

Elles éclatèrent de rire, un rire étouffé pour ne pas alerter les voisins.

Les semaines suivantes, leur relation s'intensifia. Chaque après-midi de fermeture, chaque moment volé dans la réserve, chaque regard complice devant les clientes devenaient des trésors. Mais le secret pesait.

Hanane, chez elle, devenait distraite. Ses enfants remarquaient qu'elle souriait plus souvent, qu'elle chantonnait en préparant le dîner, qu'elle répondait à des messages avec un air coupable. Son mari, quand il appelait, sentait quelque chose de différent dans sa voix.

« T'es bizarre, en ce moment, » dit-il un soir.

« Non, je suis bien, » répondit-elle. « Je suis bien. »

Jamila, de son côté, subissait les remarques de sa mère. « Tu rentres trop tard. Tu sors trop. Les voisins parlent. Une femme seule, ça attire les regards. »

« Je m'en fous des regards, maman. »

« Tu devrais. Dieu te voit. »

Le poids des regards, des attentes, de la religion, commençait à peser. Un soir, Hanane craqua.

« Je ne peux plus faire semblant, » dit-elle à Jamila. « Devant mes enfants, devant mon mari, devant ma mère. Je ne peux plus porter ce voile comme un mensonge. »

Jamila la prit dans ses bras. « Alors enlève-le. »

« Ici ? »

« Ici. Maintenant. Pour que la première fois que tu le fais, ce soit avec moi. »

Hanane défit son voile lentement, le tint dans ses mains un instant. Ce morceau de tissu qu'elle portait depuis quinze ans, qui avait défini sa vie, sa place dans l'espace public, son identité de femme « respectable ». Elle le regarda, puis le posa sur le comptoir.

Ses cheveux, qu'elle cachait depuis si longtemps, apparurent. Elle les toucha, comme si elle découvrait une partie d'elle-même.

« J'ai peur, » murmura-t-elle.

« Je sais. Moi aussi. »

« Si quelqu'un nous voit... »

« Personne ne nous verra. Pas ce soir. Et demain, on décidera ensemble. »

Elles s'embrassèrent, et cette nuit-là, elles firent l'amour sans se presser, sans peur d'être découvertes, sans ce sentiment de voler quelque chose. Ce fut lent, profond, différent. Pour la première fois, Hanane ne se sentait pas coupable.

Le lendemain, elles arrivèrent au travail sans voile.

La gérante les regarda, stupéfaite. « Vous avez oublié vos foulards ? »

« Non, » dit Jamila calmement. « On ne les porte plus. »

« Mais... pourquoi ? »

« Parce qu'on ne veut plus, » répondit Hanane. Sa voix tremblait, mais elle tenait. « Parce qu'on a décidé que c'était notre choix, pas celui de Dieu, pas celui des hommes. Le nôtre. »

La gérante ouvrit la bouche, la referma, haussa les épaules. « C'est vous qui voyez. Mais si les clientes se plaignent... »

« Elles ne se plaindront pas, » dit Jamila. « Et si elles se plaignent, on leur vendra quand même nos chemisiers. »

Les jours suivants furent un choc. Les clientes les regardaient différemment, certains maris détournaient le regard, les voisins commentaient. Hanane reçut des messages de sa mère, des appels de sa belle-famille, des sermons par téléphone. Son mari, quand il apprit la nouvelle, resta silencieux longtemps, puis dit : « Tu fais ce que tu veux. Tu es une grande fille. » Ce n'était ni un soutien ni une condamnation. C'était de l'indifférence. Et pour Hanane, c'était presque pire.

Jamila, elle, affronta sa mère. La vieille dame pleura, cria, la traita de folle, de pécheresse, de déshonneur pour la famille. Jamila écouta, patiente, et quand sa mère eut fini, elle dit simplement : « Je t'aime, maman. Mais je ne porterai plus jamais quelque chose que je ne choisis pas. »

La rupture avec la religion fut plus douloureuse qu'elles ne l'avaient imaginé. Ce n'était pas une décision soudaine – c'était un cheminement, des mois de réflexion, de lecture, de discussions. Hanane, qui avait toujours prié cinq fois par jour, se surprit à sauter une prière, puis deux, puis à ne plus compter. Elle ne savait pas si elle croyait encore en Dieu – elle savait qu'elle ne croyait plus en ceux qui parlaient en son nom pour dicter sa vie.

Jamila, plus radicale, avait déjà fait son deuil de la foi de son enfance. « Je ne peux pas croire en un Dieu qui me dit que ce que je ressens pour toi est un péché, » dit-elle un soir. « Alors soit Dieu ment, soit ceux qui disent parler pour lui mentent. Dans les deux cas, je ne veux plus écouter. »

Elles commencèrent à explorer leur liberté. Leurs cheveux au vent, elles marchaient dans les rues de Tunis sans cette barrière de tissu qui les séparait du monde. Au début, elles avaient peur – des regards, des remarques, des hommes qui les suivaient. Mais peu à peu, elles apprirent à ignorer, à marcher droit, à exister.

Un après-midi, dans la boutique, après une journée harassante, Jamila ferma le volet et se tourna vers Hanane.

« Tu te rends compte ? » dit-elle. « On a passé notre vie à faire ce qu'on nous disait. Porter ce qu'on nous disait de porter. Prier quand on nous disait de prier. Aimer qui on nous disait d'aimer. »

Hanane hocha la tête. « Et maintenant ? »

« Maintenant, on choisit. »

Elle s'approcha d'elle, la prit dans ses bras. Leurs lèvres se cherchèrent, trouvèrent le chemin.

Ce soir-là, elles firent l'amour sur le tapis de la boutique, nues, libres, leurs cheveux mêlés sur le carrelage. Ce ne fut pas un quickie volé, ni une étreinte coupable. Ce fut une célébration.

Après, allongées l'une contre l'autre, Hanane dit : « Tu sais ce que ma mère m'a dit quand je lui ai annoncé que je partais vivre avec toi ? »

« Quoi ? »

« Elle m'a dit : "Tu vas brûler en enfer." »

Jamila rit doucement. « Et toi, tu lui as dit quoi ? »

« Je lui ai dit : "Si l'enfer c'est d'être heureuse, alors j'y vais les yeux fermés." »

Elles rirent ensemble, un rire un peu amer, un peu joyeux. Le rire de celles qui ont renoncé à plaire pour exister.

La boutique, Le Tissage Doré, continue d'exister. Les clientes viennent toujours acheter leurs chemisiers, leurs jeans, leurs robes. Hanane et Jamila sourient, plient, rangent, encaissent. Mais quelque chose a changé. Leurs cheveux sont visibles maintenant, libres. Leurs regards sont plus directs. Et le soir, quand le volet tombe, la boutique devient un autre lieu – un lieu où deux femmes s'aiment sans peur, sans honte, sans mensonge.

Les mères du quartier racontent que « les deux filles du magasin de vêtements » sont devenues folles. Les maris disent qu'elles sont « dangereuses ». Les religieux affirment qu'elles sont perdues.

Hanane et Jamila n'écoutent plus.

Parfois, elles repensent à leurs voiles, posés au fond d'un placard, témoins muets d'une vie qu'elles ont laissée derrière elles. Parfois, elles se demandent ce qu'elles auraient fait si elles n'avaient pas osé, ce jour-là, dans la boutique vide, sous la climatisation cassée.

« On serait encore en train d'attendre, » dit Jamila. « D'attendre que nos vies commencent. »

« Et maintenant ? »

« Maintenant, on vit. »

Un soir de Ramadan, alors que la mosquée du quartier appelait à la prière, elles restèrent dans leur petit appartement, allongées sur le canapé, les jambes enchevêtrées.

« Tu ne regrettes rien ? » demanda Hanane.

Jamila réfléchit. « Je regrette d'avoir attendu si longtemps. Je regrette toutes ces années où j'ai cru que j'étais malade, anormale, pécheresse. Je regrette d'avoir prié pour être guérie. »

« Et maintenant ? »

« Maintenant, je sais que je n'ai pas besoin d'être guérie. J'ai besoin d'être aimée. Et je le suis. »

Dehors, la ville continuait son vacarme. Les klaxons, les cris, les appels à la prière. Dedans, elles étaient chez elles, libres, nues de tous leurs voiles, vivantes.

L'humour grinçant de leur situation – deux ex-vendeuses de prêt-à-porter, vivant en couple dans un quartier conservateur de Tunis, ayant échangé leurs voiles contre la liberté – ne leur échappait jamais. C'était absurde, c'était merveilleux, c'était leur vie.

« On devrait peut-être ouvrir notre propre boutique, » dit un jour Jamila. « Des vêtements pour femmes libres. »

« Et on l'appellerait comment ? »

« Le Tissage Brisé. »

Hanane rit. « C'est parfait. »

L'avenir était incertain. Les familles restaient hostiles. La société continuait de juger. La religion qu'elles avaient quittée les poursuivait parfois dans leurs rêves, comme une ombre.

Mais elles avaient appris une chose essentielle : la liberté ne se demande pas, elle se prend. Et elles l'avaient prise, à pleines mains, dans une boutique de prêt-à-porter, au milieu des cintres et des cartons, un soir de canicule.

C'était leur histoire. Leur choix. Leur vie.

Et pour la première fois, elles étaient chez elles.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...