Translate

قرابين الوهم المقدس: تشريح الديكتاتورية الجماعية ولاهوت الإغتيال في الفضاء الإسلامي (مقال)

.


.
قرابين الوهم المقدس: تشريح الديكتاتورية الجماعية ولاهوت الإغتيال في الفضاء الإسلامي





تتكشف الأحداث الدامية التي يشهدها الفضاء الحضاري المعاصر، كلما اصطدم الفكر النقدي الحر بالبنية العقائدية التقليدية، عن واقع سوسيولوجي مأزوم يتجاوز بمركباته الجنائية حدود الأفعال الفردية المعزولة لينغرس عميقاً في تربة اللاهوت الإقصائي ومنظومات التدجين الجماعي. إن قراءة مشهد الاغتيال والتنكيل الذي طال، ولا يزال يطال، حملة مشاعل الفكر والعقلانية عبر العالم، تفرض على الفكر الإنساني المعاصر التخلي عن التفسيرات السطحية التي تحيل هذه الكوارث إلى مجرد انحرافات سلوكية أو تطرف عابر، والبدء في تشريح مادي وصارم للآليات المعرفية والثيولوجية التي تجعل من الجريمة طقساً مقدساً وقرباناً تتقرب به الجموع المدجنة إلى غيب متخيل. عندما يسترجع الوعي النقدي فواجع اغتيال المفكر فرج فودة في قلب القاهرة، ومحاولة النيل من جسد سلمان رشدي فوق منصات الثقافة العالمية، ونحر المعلم صامويل باتي في ضواحي باريس، فإنه لا يرى في هذه الدماء المتناثرة سوى شواهد ميدانية صارخة على تغول الديكتاتورية الجماعية الشاملة التي تبدأ من وحدانية التصميم اللاهوتي لتنتهي بمخالب الرعاع والبروليتاريا المستلبة في شوارع الحاضر. إن هذه المعركة الوجودية بين الكلمة والسكين ليست صراعاً ناعماً في صالونات الفلسفة، بل هي مواجهة مادية دموية تُستخدم فيها جموع المغفلين كأدوات شرطية لحراسة سجون الوهم، وحماية مصالح نخب فقهية وسياسية تدرك تماماً أن انقشاع ضباب الخرافة يعني تهاوي عروشها ونهاية ريعها الاقتصادي والرمزي المستمد من استعمار عقول الرعايا.
يتبدى المظهر الميداني الأول لهذه البنية الاستبدادية الشاملة في سيكولوجية الأدوات البشرية المنفذة للاغتيال، حيث تظهر ملامح غسيل الأدمغة والدمغجة في أوضح صورها الأنثروبولوجية. فالقاتل الذي اندفع لنحر صامويل باتي، أو ذلك الذي تعقب سلمان رشدي ليطعنه، أو القاتل الأمي الذي أطلق الرصاص على فرج فودة، يشتركون جميعاً في بنية نفسية ومعرفية واحدة تقوم على الاستلاب التام وإلغاء الفردية لصالح وعي قطيعي زائف. هؤلاء الأفراد، الذين غالباً ما يقبعون في أسفل الهرم الطبقي والمعرفي ويعانون من تهميش مادي واجتماعي حقيقي في واقعهم اليومي، يجدون في أيديولوجيا الموت والجهاد المقدس تعويضاً وهمياً ومباشراً عن بؤسهم الوجودي. إن المنظومة العقائدية تقنعهم بأن إزهاق روح المختلف، الذي جرى تصويره كعنصر سرطاني مهدد لنقاء الجماعة وقداستها، هو الفعل الأسمى الذي سينقلهم من هامش التاريخ الأرضي إلى مركز الرعاية الإلهية في غيب مطلق وموعود. هذا التحول من كائن مسحوق لا قيمة له إلى حارس للذات الإلهية ومدافع عن كرامة نبي غادر الدنيا منذ قرون، يمثل الذروة الدموية للاستغلال الطبقي والمعرفي، حيث تُجند النظم الثيولوجية الحشود المستضعفة للدفاع عن منظومة استبدادية هي ذاتها المسؤولة عن إفقارهم المادي وتجهيلهم العقلي.
إن هذه الصدمة الوجودية التي تصيب الجموع المدجنة عندما يرتفع صوت نقد المقدسات، تفسرها حقيقة سوسيولوجية مفادها أن الجماعة المغلقة ترى في بقاء الوهم واستمراره شرطاً حتمياً لبقائها وتماسكها الاجتماعي. وحين يأتي مفكر كفرج فودة ليفكك بالوثائق والمادة أسطورة الخلافة الراشدة ويظهرها كدولة بشرية صراعية تقوم على المصالح والجباية والاقتتال، أو حين يمارس روائي كسلمان رشدي حقه الإبداعي في خلخلة السرديات التأسيسية عبر التخييل والأدب، فإنهم لا يهاجمون مجرد أفكار مجردة، بل يزلزلون الأرض تحت أقدام الهوية الجماعية التي استقرت على مدار قرون على اجترار طمأنينة اليقين الأعمى. أمام هذا التهديد المعرفي، تعجز المنظومة النصية عن المواجهة بالحجة والبرهان، لأن بنية التدوين التراثي ذاتها مليئة بالفجوات والتناقضات وتفتقر إلى المؤيدات الأركيولوجية والمادية المعاصرة لزمن الأحداث، ولذلك لا يتبقى أمام حراس المعبد سوى اللجوء إلى العنف المادي العاري لإسكات الصوت الناقد وإعادة فرض هيبة المقدس بالقوة والترهيب، مما يحوّل فعل الاغتيال إلى آلية دفاعية حتمية لحماية بنية الجهل المقدس من التهاوي الشامل.
ولا يمكن فهم تمدد هذا العنف المادي العابر للقارات دون تشريح دور المؤسسة الفقهية والشيوخ الذين يمثلون جهاز البروباغندا والدمغجة الرسمي في هذه المنظومة الاستبدادية. إن التحالف التاريخي والطبقي بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، سواء في وجهها السني المؤسسي كالأزهري أو الشيعي الثيوقراطي كولاية الفقية، يشتغل بانتظام لتوفير الغطاء الفقهي والأخلاقي لعمليات القصف المعنوي والتصفية الجسدية. عندما يخرج شيخ كمحمد الغزالي أو شيوخ جبهة شيوخ الأزهر ليقودوا حملة تكفير معلنة وصريحة ضد مفكر، فإنهم يصدرون للشارع أمراً عملياتياً غير مباشر بالقتل، وهي اللعبة ذاتها التي مارسها آية الله الخميني عندما نصب نفسه مرشداً أعلى وحاكماً بأمر الله الكوني وأصدر فتواه الشهيرة بهدر دم سلمان رشدي. هذه الفتاوى تحول القتل من جريمة نكراء تعاقب عليها القوانين الوضعية وحقوق الإنسان إلى واجب ديني وفضيلة أخلاقية، وحين يقف الفقيه في المحكمة ليسوغ الجريمة ويقول إن قتل المرتد هو تطبيق للشريعة وإن افتات القاتل على السلطة لا يبطل مشروعية الفعل ماديةً، فإنه يضع المؤسسة الدينية في موقع الشريك الأصلي والمهندس الفعلي لكل قطرة دم تسفك على مذبح حرية التعبير.
إن المفارقة المعرفية القاسية في هذه المنظومة الاستبدادية تكمن في أن الجماهير المغفلة التي تندفع لحرق الكتب وطعن الكتاب دفاعاً عن شخصيات وسرديات من الماضي، تدافع في الحقيقة عن تاريخ لم يثبت منه أركيولوجياً سوى النزر القليل، بل إن وجود العديد من تفاصيله وشخصياته بالطريقة الموصوفة لاهوتياً لا يزال محل تساؤل وبحث علمي صارم في مراكز الدراسات النقدية الحديثة. ومع ذلك، فإن هذه الشعوب المستلبة مستعدة لإبادة الحاضر وتدمير مستقبل أبنائها دفاعاً عن قداسة متخيلة جرى حقنها في وعيهم عبر قنوات التعليم والإعلام والمنابر الدينية منذ الطفولة. هذا الغياب الكامل للحس النقدي والعلمي يحول المجتمعات إلى قطعان مبرمجة تستجيب آلياً لمثيرات التحريض الفقهي؛ فحين يعلن الشيخ أن الدين في خطر وأن الرموز تتعرض للإهانة، تنفجر طاقات العنف الكامنة لدى العوام وتتحول الديكتاتورية الجماعية الشاملة إلى طوفان غاضب يشيطن كل من يحاول إعمال العقل أو المطالبة بفصل الدين عن السياسة، مستخدمين النفاق الاجتماعي والتقية والترهيب الفكري كأدوات يومية لتدجين الأفراد وفرض النمطية العقائدية الصارمة على الجميع.
إن تغلغل عقلية الديكتاتور في النسيج السيكولوجي والأنثروبولوجي للشعوب حوّل الفضاء الاجتماعي بأكمله إلى شبكة معقدة ومتداخلة من الديكتاتوريات الصغيرة التي تعيد إنتاج الاستبداد السياسي بشكل أفقي ومستمر. ففي هذه البيئة الثقافية الموبوءة بالانغلاق، يتحول كل فرد إلى شرطي سري ورقيب أخلاقي على الآخرين؛ يمارس الأب سلطته القمعية المطلقة داخل الأسرة محاكياً جبروت الحاكم المستبد، ويمارس الشيخ سلطته الرقابية على ضمائر سكان الحارة، وتتكتل الجماعة لممارسة دكتاتورية جماعية باطشة ضد أي فرد يجرؤ على إظهار اختلافه في العقيدة، أو الملبس، أو السلوك، أو الأفكار الفلسفية. هذا الخروج عن إجماع القطيع يُنظر إليه على الفور كخيانة عظمى وتهديد وجودي للسلم الأهلي المتخيل، ويواجه بنبذ اقتصادي واجتماعي قاس، وتشويه أخلاقي منظم، مما يجبر النخب المثقفة والأفراد الأحرار على العيش في حالة دائمة من الفصام والنفاق الاجتماعي لحماية وجودهم المادي، ويقضي في المهد على أي إمكانية لولادة روح المغامرة العلمية أو الإبداع الفلسفي المستقل.
يتضح هذا الترابط الشرطي بين اللاهوت الإقصائي والديكتاتورية الاجتماعية عند تشريح قضية المعلم الفرنسي صامويل باتي، حيث كشفت الحادثة أن أجهزة القمع والتحريض لم تعد محدودة بجغرافيا معينة، بل تحولت إلى شبكات عابرة للحدود بفضل التكنولوجيا الرقمية والوسائط المعاصرة. لم تبدأ الجريمة من نصل السكين الذي حمله الشاب الشيشاني المستلب، بل بدأت من حملات التحريض الرقمي الجماعي والدمغجة التي قادها أولياء أمور ونشطاء وشيوخ عبر منصات التواصل الاجتماعي، والذين وظفوا الطبيعة الزئبقية والعدائية للأيديولوجيا التقليدية لتحويل درس مدني عادي حول حرية التعبير إلى مؤامرة كونية ضد الدين. هذا الفضاء الرقمي تحول إلى محكمة تفتيش جماعية أصدرت حكمها الغيابي بالإعدام على المعلم قبل أن يتحرك القاتل لتنفيذه مادياً، مما يثبت أن الديكتاتورية الجماعية الإسلامية تمتلك قدرة مرعبة على تجميع وحشد طاقات الجهل والتجهيل وتوجيهها نحو تصفية أي مظهر من مظاهر العقلانية الغربية أو التنوير الإنساني، حتى وإن كان ذلك داخل مجتمعات علمانية تحمي حقوق الأفراد بقوة القانون.
من منظور المادية التاريخية، تلتقي هذه البنية الاستبدادية الشاملة مع مصالح الأنظمة السياسية الديكتاتورية القائمة في المنطقة، والتي تجد في بقاء الوعي الخرافي والتدجين الديني للجماهير خير ضامن لاستمرار عروشها وصيانة امتيازاتها الطبقية والمالية. إن الدولة الديكتاتورية لا تجد ضيراً في إطلاق يد المؤسسات الدينية والشيوخ للسيطرة على الفضاء الثقافي والتعليمي والاجتماعي، ما دام هؤلاء الشيوخ يلتزمون في المقابل بإنتاج رعايا مدجنين، يؤمنون بالسمع والطاعة المطلقة لولي الأمر، ويرون في الفقر والظلم والمصادرات الاقتصادية قضاءً وقدراً مكتوباً في اللوح المحفوظ يجب الصبر عليه لانتظار التعويض المؤجل في الآخرة. هذا التوافق البنيوي بين الجامع والقصر يجهض أي محاولة لبناء وعي طبقي أو سياسي حاسم لدى الجماهير؛ فحين يرتفع صوت مفكر للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتفكيك منظومة النهب الريعي، تسارع الآلة الفقهية لتكفيره وشيطنته بتهمة الإلحاد والتشكيك في الثوابت، لتتحرك الجموع المستهدفة بالتحرير ذاتها، وبوعي زائف مدهش، لتصفية هذا الذي يدافع عنها وحماية جلادها التاريخي بروح حماسية انتحارية.
إن محاولات ترقيع التشريعات القشرية أو إدخال إصلاحات سياسية شكلية كالانتخابات الصورية وصناديق الاقتراع، في بيئة ثقافية لم تفكك لاهوتها الإقصائي القديم ولم تخضع بنيتها الثيولوجية لمشرط النقد الجذري، هي حرث في البحر وتكرار بائس للمآسي التاريخية. فالانتخابات في ظل هيمنة الديكتاتورية الجماعية الشاملة وعقلية القطيع المدجن لا تنتج ديمقراطية حقيقية، بل تتحول إلى آلية عددية جوفاء تتيح للأغلبيات الطائفية أو القبلية المستلبة معرفياً الوصول إلى سدة الحكم من أجل ممارسة دكتاتورية دينية وتشريعية أشد قسوة وبطشاً ضد الأقليات والمختلفين والنساء وحملة الفكر النقدي. هذا الفشل البنيوي لمشاريع الحداثة السياسية في المنطقة يثبت أن الديكتاتورية السياسية ليست سوى انعكاس وتجلّ أرضي للديكتاتورية المعرفية واللاهوتية الكامنة في صلب الثقافة التقليدية، وأن استنبات قيم المواطنة والعلمانية وحقوق الإنسان يستدعي بالضرورة هدم المقولات التأسيسية للاهوت الطاعة والإغلاق، وتحرير العقل العام من أسر المقابر والماضي.
إن عمق المعضلة التاريخية يتجلى في أن المنظومة العقائدية التقليدية الحالية أسست لرؤية منغلقة ونهائية للتاريخ البشري عبر أطروحة ختم النبوة، والتي جرى توظيفها سياسياً لتقديس اللحظة الماضية وتحويل المستقبل إلى ضلالة حتمية؛ فكل فكر جديد هو بدعة، وكل بدعة هي ضلالة، وكل ضلالة مصيرها الحرق والنفي والموت المادي. هذا التسييج الميتافيزيقي للتاريخ سحق إمكانية التطور التلقائي للمجتمعات وجعل الوعي الجمعي يرتد دائماً وبشكل عصابي وغبي نحو تجارب القرن السابع الميلادي البدائية لحل مشكلات القرن الحادي والعشرين المعقدة والمادية. وعندما يعجز العقل العام عن مجاراة حركية الواقع وقفزات العلم والتكنولوجيا، يصاب بحالة من الإحباط الحضاري والعدوانية الشديدة تجاه الأمم المتقدمة وتجاه النخب التنويرية المحلية التي تحاول تذكيره ببؤسه المعرفي ومأزقه الوجودي، مما يحول فعل الاغتيال والتكفير إلى آلية تعويضية وهمية يستعيد بها المجتمع المستلب شعوراً زائفاً بالفوقية الأخلاقية والنقاء العقائدي على حساب دماء وحرية المبدعين.
لذلك، تقتضي الشجاعة المعرفية المعاصرة الإقرار الصريح بأن التخلص من ربقة الطغيان والديكتاتورية في المجتمعات الإسلامية لن يتم عبر مواعظ التسامح الجوفاء أو حوارات الأديان الناعمة التي تتجنب خوض الصراع الحقيقي، بل يستلزم إعلان ثورة أنثروبولوجية ومعرفية شاملة تقتحم حصون اللاهوت الإقصائي وتخضع النص والموروث لقوانين النقد العلمي والتفكيك التاريخي الصارم. يجب إسقاط شرعية النخب الفقهية والشيوخ الذين يقتاتون على دماء الضحايا ويوجهون جحافل المغفلين لحراسة أوهامهم المربحة، وإعادة بناء المنظومات التعليمية والثقافية على أسس العلمانية الشاملة وحرية التعبير المطلقة التي لا تحدها خطوط حمراء أو مقدسات مصطنعة. إن حماية الحياة البشرية وصون أجساد المفكرين والكتاب والمدرسين من نِصال الغدر والجهل تتطلب صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، يعيد الاعتبار للفرد الإنساني كذات حرّة مستقلة، مالكة لوعيها ومصيرها، وصاحبة الحق الحصري والوحيد في هندسة تشريعاتها وقيمها وأخلاقها بناءً على علل المصالح المادية والمنفعة الدنيوية على هذه الأرض، بعيداً عن وصاية الغيب، وسيوف الحكام، وجحافل الجماعات المدجنة التي تقتات على الدم والجهل المقدس وثقافة القطيع.






.

بنية الطغيان: الجذور الثيولوجية والاجتماعية للديكتاتورية في الفكر الإسلامي (مقال)

.


.
بنية الطغيان: الجذور الثيولوجية والاجتماعية للديكتاتورية في الفكر الإسلامي




لا تمثل الديكتاتورية في الفضاء السياسي والاجتماعي الإسلامي مجرد عارض تاريخي طارئ أو انحراف عابر عن نموذج مثالي متخيل، بل هي المحصلة البنيوية الحتمية لمنظومة عقائدية ومعرفية تأسست، منذ لحظتها الجنينية الأولى، على مركزية الإقصاء ومحو الآخر المغاير. إن تفكيك آليات الاستبداد في هذا السياق يتطلب نفاذاً عميقاً إلى ما وراء تمظهرات السلطة السياسية الجافة، للوصول إلى الجذور الثيولوجية والفلسفية التي تمنح الطغيان مشروعيته الميتافيزيقية وتجعله مقبولاً بل ومطلوباً في الوعي الجمعي. تبدأ هذه الصيرورة من هندسة المفهوم التوحيدي ذاته، الذي يعاد إنتاجه سياسياً ليصبح النموذج الأعلى للديكتاتورية الكونية، مروراً بأطروحة ختم النبوة التي أغلقت منافذ التطور المعرفي والتاريخي، وصولاً إلى الدور الوظيفي للمؤسسة الفقهية في تطويع النصوص واختراع الأحاديث لخدمة الحاكم. إن خطورة هذه البنية لا تقف عند حدود النخبة الحاكمة، بل تكمن في تغلغلها الأنثروبولوجي داخل النسيج الاجتماعي للشعوب، مما حوّل المجتمعات ذاتها إلى أجهزة قمع جماعية تمارس دكتاتورية متبادلة ضد أي سلوك أو فكر يخرج عن نمط الجماعة النمطي الصارم.
تتأسس المداميك الأولى لبنية الطغيان من التصور اللاهوتي السائد للتوحيد، الذي جرى إسقاطه على الواقع المادي ليعمل كأيديولوجيا تبريرية للمستبد الأرضي. فالإله في هذا التصور ليس فكرة أخلاقية مجردة تسعى لإقرار العدل والمساواة، بل هو الحاكم المطلق، الفرد الصمد، الجبار، المتكبر، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، والذي يتصرف في كونه تصرف المالك الذي لا تحد إرادته علة أو مصلحة إنسانية. هذا البناء الميتافيزيقي الذي يلغي السببية ويجعل الوجود بأكمله خاضعاً لمشيئة تحكمية لا ترد، ينعكس مباشرة على مرآة السياسة الأرضية؛ فالحاكم أو السلطان يصبح على الفور الوعاء البشري والممثل الأرضي لهذا النموذج السماوي. وكما أن الكون لا يحتمل إلهين لأن التعدد يعني الفساد والاضطراب، فإن الدولة والمجتمع لا يحتملان رأسين أو رأيين، ويتحول التعدد السياسي أو الفكري إلى مرادف للفتنة والشذوذ والتمرد على التصميم الكوني؛ فالوحدانية اللاهوتية تُترجم آلياً إلى أحادية سياسية واجتماعية صارمة، ويصبح الحاكم الفرد مستمداً شرعيته المادية من مطابقة سلوكه الإقصائي لصفات الجبروت الملكي الغيبي.
تكتسب هذه الأحادية لاهوتياً وسياسياً طابعاً إغلاقياً نهائياً عبر مسألة خاتم الأنبياء والرسل، وهي المسألة التي مثلت صدمة وجودية وتاريخية حسمت مصير العقلانية والتطور في البيئة الإسلامية. إن إعلان قفل باب الوحي والاتصال بالسماء بانقضاء عهد الرسول كان يعني، من منظور فلسفي واجتماعي، إعلان نهاية التاريخ المعرفي والتشريعي للبشرية، وتثبيت الحقيقة في لحظة تاريخية ماضية ومحددة. بناءً على هذه الأطروحة، أصبح الماضي هو المعيار الوحيد للصواب، وصار المستقبل مرادفاً حتمياً للانحراف والضلال، وتحول مفهوم "الابتداع" في الدين والدنيا إلى قرين للفساد والشر والتقبيح. هذا الإغلاق التاريخي سحق إمكانية ظهور أي رؤى تجديدية أو نماذج معرفية مغايرة؛ فكل مختلف أو داعٍ للتغيير أصبح يواجه تهمة القفز فوق ثوابت النص الختامي، وجرى تفريغ الوعي الجمعي من القدرة على التطلع نحو المستقبل، ليرتهن بدلاً من ذلك بالاجترار الدائم لنموذج الخلافة الراشدة الأولى، وهو نموذج مغرق في الخيال جرى تضخيمه أيديولوجياً ليصبح عائقاً بنيوياً يمنع الشعوب من التفكير في صياغة عقود اجتماعية وسياسية حديثة تناسب حركية الواقع ومتطلبات التطور المادي.
أمام هذا الإغلاق المعرفي والنصي، برزت الحاجة المادية للسلطة السياسية المستبدة إلى جهاز وظيفي يتولى مهمة الوساطة والتأويل وضبط حركة الجماهير، وهي المهمة التي اضطلعت بها طبقة الفقهاء والشيوخ عبر التاريخ بحرفية بالغة. شكلت هذه المؤسسة الدينية الطفيلية تحالفاً مادياً وطبقياً متيناً مع البلاط الحاكم؛ فبينما كانت السلطة تمنحهم النفوذ الاجتماعي، والأموال، والسيطرة على التعليم والقضاء، كان الفقهاء يقدمون في المقابل صكوك الشرعية الفقهية واللاهوتية لكل ممارسات الاستبداد والمصادرات المادية والتنكيل بالخصوم. استند الفقهاء في هذه اللعبة إلى الطبيعة الزئبقية للنصوص القرآنية، وهي نصوص حمالة أوجه، تتداخل فيها الآيات المكية المهادنة مع الآيات المدنية الصارمة والإقصائية، مما أتاح للمفسرين طمس معاني الحرية والعدل، وتثبيت آيات الطاعة والجهاد والخضوع لولي الأمر، وتطويع النص القرآني الممتد ليصبح على مقاس الرغبات السلطانية المباشرة، محولين الدين من تجربة روحية إلى أداة ضبط واستعمار داخلي لعقول الرعايا.
ولم يتوقف تطويع الآلة النصية عند حدود التأويل الزئبقي للقرآن، بل تجاوزه نحو الجريمة المعرفية الأكبر المتمثلة في اختراع وفبركة أحاديث منسوبة للرسول خلال العصرين الأموي والعباسي لتلبية الحاجات الأمنية والسياسية اللحظية للحكام. لقد امتلأت مدونات السنة بآلاف الروايات الموضوعة التي تفرض على الإنسان المسلم الاستسلام المطلق وتجرده من أي إرادة سياسية أو وعي طبقي، مثل الأحاديث التي تذمر من الخروج على الحاكم وإن كان جائراً وفاسقاً، وتأمره بالسمع والطاعة وإن جلد ظهره وسلب ماله. هذا اللاهوت الجبري التدجيني نجح في تحويل الخنوع السياسي إلى فضيلة دينية وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه، وصار الصبر على استبداد الحاكم وظلمه علامة على قوة الإيمان وحسن الاحتساب، مما تسبب في إجهاض كافة الثورات الاجتماعية والانتفاضات الطبقية في المهد، وعزل الجماهير عن إدراك أسباب تخلفها المادي والاقتصادي، لتغرق في انتظار الفرج الغيبي والتعويض المؤجل في دار الآخرة.
إن الكارثة الأعمق والأخطر لهذه البنية الاستبدادية الممتدة عبر القرون لا تكمن في قسوة الأجهزة الأمنية للدول أو بطش السلاطين، بل في نجاح هذا اللاهوت الإقصائي في التغلغل الفيروسي داخل النسيج السيكولوجي والأنثروبولوجي للشعوب ذاتها. لقد تسربت عقلية الديكتاتور من رأس الهرم السياسي لتستوطن عقول العوام والمستضعفين، مما حوّل المجتمع إلى هيكل ميكانيكي من الديكتاتوريات الصغيرة المتداخلة. فكل فرد داخل هذه البيئة يمارس سلطة إقصائية دكتاتورية ضد من هم أدنى منه في المرتبة الطبقية أو الجندرية أو المعرفية؛ يمارسها الأب في أسرته، والشيخ في حارته، والمدير في دائرته. وصار المجتمع يمارس ما يمكن تسميته بـ "الديكتاتورية الجماعية الشاملة" ضد أي مظهر من مظاهر الاختلاف الفردي أو الخروج عن الرأي النمطي العام؛ فالخارج عن إجماع القطيع، سواء في عقيدته، أو لباسه، أو نمط حياته، أو أفكاره الفلسفية، يُنظر إليه كعنصر سرطاني مهدد لتماسك الجماعة، ويواجه بنبذ اجتماعي، وقمع اقتصادي، وتشهير أخلاقي، يصل في كثير من الأحيان إلى التواطؤ الشعبي مع السلطة لتصفيته مادياً وجسدياً تحت شعارات حماية الدين وصون السلم الأهلي.
تشتغل هذه الديكتاتورية الجماعية كآلية حماية ذاتية لمنظومة الجهل والجمود؛ فالخوف من سلطة الجماعة الباطشة ورفضها للمختلف يمنعان الأفراد من التفكير النقدي المستقل ويجبرانهم على تبني التقية والنفاق الاجتماعي كإستراتيجيات وحيدة للبقاء المادي والمعنوي. هذا المناخ الموبوء بالاختناق والإقصاء يقضي على روح المغامرة العلمية والإبداع الفلسفي، ويحول المجتمعات إلى تجمعات قطيعية تكرر ذاتها عبر الأجيال، وتعادي بالفطرة أي وافد معرفي أو حضاري حديث؛ فالذات الجماعية المستلبة لاهوتياً ترى في حريات الأفراد وحقوق الإنسان تفكيكاً لهويتها الثيولوجية المتخيلة، ولذلك تنحاز الجماهير في الغالب، وبوعي زائف مدهش، لصالح الأنظمة الديكتاتورية والحركات الأصولية الفاشية التي تعدها بإعادة إنتاج مجد السلف والقمع الصارم للمختلفين، ظناً منها أن هذا التنكيل بالآخر هو الطريق الوحيد لنيل الرضا الإلهي والحفاظ على النقاء العقائدي.
من منظور المادية التاريخية، تلاقت هذه البنية الإقصائية اللاهوتية مع مصالح النظم الاجتماعية البطريركية والقبلية التي هيمنت على الشرق الأدنى؛ فالقبيلة بطبيعتها بنية مغلقة تقوم على التضامن الميكانيكي الأعمى ونبذ الفردية لصالح الشيخ والرمز القبلي، وحين تبنت هذه القبائل اللاهوت الإسلامي الأحادي، حدث اندماج كامل بين عصبية القبيلة وإقصائية الدين. فلم يعد الاستبداد مجرد ممارسة إدارية لضبط ريع الأرض وجباية الخراج، بل أصبح طقساً ثنائياً يجمع بين قداسة السماء وسيف القبيلة الفاتحة. هذا التزاوج التاريخي أنتج نمط إنتاج آسيوي ريعي يقوم على خمول الطبقات المنتجة وغياب المبادرة الفردية، حيث تسيطر النخبة الحاكمة العسكرية والفقيهة على الفائض الاقتصادي، وتُبقي الجماهير في حالة من الفقر المادي والعجز المعرفي الذي يمنعها من تطوير وعي طبقي حاسم يفكك آليات السيطرة وشبكات المصالح الممتدة بين الجامع والقصر.
ويتضح هذا الترابط الشرطي بين اللاهوت والأحادية السياسية عند مراقبة فشل كل محاولات التحديث السياسي والبنيوي التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث. فكلما حاول مصلح أو تيار سياسي إدخال مفاهيم الديمقراطية، والعلمانية، والمواطنة، وفصل السلطات، واجه هجمة مرتدة وشرسة من المؤسسة الدينية والجماهير المستلبة على حد سواء؛ إذ يجرى تصوير هذه المبادئ الإنسانية كبضاعة غربية مستوردة وتحدٍ سافر لحاكمية الله وشريعته المطلقة. وتتحول المنظومة الديمقراطية في وعي هذه الشعوب إلى مجرد آلية عددية جوفاء تتيح للأغلبية الطائفية أو القبلية الوصول إلى صناديق الاقتراع من أجل ممارسة دكتاتورية دينية أشد قسوة وبطشاً ضد الأقليات والمختلفين، مما يثبت أن استنبات الديمقراطية في بيئة ثقافية لم تفكك لاهوتها الإقصائي القديم هو حرث في البحر، وأن الديكتاتورية السياسية ستبقى تتناسل وتعيد إنتاج نفسها بأقنعة مختلفة ما دامت الجذور المعرفية الكامنة في البنية الثيولوجية لم تمس بمشرط النقد الجذري والعقلاني.
إن تفكيك بنية الطغيان يتطلب الإقرار بالشجاعة المعرفية بأن الديكتاتورية في المجتمعات الإسلامية ليست مشكلة سياسية تكمن في شخص الحاكم أو طبيعة الدستور الوضعي، بل هي أصل ثابت ومتجذر في صلب الرؤية الدينية للكون والتاريخ والإنسان. إنها تبدأ من التوحيد الذي يلغي التعددية ويهندس الغيب كإمبراطورية مطلقة للمستبد الكوني، وتستمر عبر ختم النبوة الذي يعجز العقل عن مجاراة الحاضر ويربطه بالمقابر والماضي، وتتغذى على كدح الفقهاء في صناعة لاهوت الخنوع واختراع نصوص الطاعة والعبودية، وتستقر كنمط عيش وسلوك يومي يمارسه المظلومون ضد بعضهم البعض بروح إقصائية فاشية. إن التحرر الحقيقي والخروج من هذه الدائرة الجهنمية للمصادرات والمظالم لا يمكن تحقيقه عبر تغيير الوجوه السياسية أو إصلاحات إدارية قشرية، بل يستدعي ثورة معرفية وأنثروبولوجية تقتحم حصون اللاهوت الإقصائي، وتفكك لاهوت الطاعة والوحدانية السياسية، وتعيد الاعتبار للفرد الإنساني كذات حرة مستقلة وصاحبة الحق الحصري في صياغة قيمها، وتشريعاتها، ومصيرها المادي على هذه الأرض، بعيداً عن وصاية السماء وسيوف الشيوخ وجحافل الجماعات المدجنة.





.

مأزق التحسين والتقبيح: كيف سحقت السلطة السياسية العقلانية المادية في الفكر الإسلامي؟ (مقال)

.


.
مأزق التحسين والتقبيح: كيف سحقت السلطة السياسية العقلانية المادية في الفكر الإسلامي؟




لا يمثل الصراع الفكري في تاريخ الحضارات مجرد ترف ذهني يدور في أروقة المدارس الفلسفية المعزولة، بل هو في جوهره انعكاس حي واصطدام مباشر بين مصالح القوى المادية الحاكمة وبين رغبة المجتمعات في صياغة وعي عقلاني متحرر يفسر واقعها. وفي مسار الفكر الإسلامي، لم تشهد الساحة المعرفية معركة أعمق أثراً ولا أكثر امتداداً في تشكيل بنية العقل العربي الحالية من تلك المعركة المحورية التي دارت حول مسألة التحسين والتقبيح العقليين. إن هذا المأزق الفلسفي الذي يبدو للوهلة الأولى بحثاً مجرداً في أصول الأخلاق واللاهوت، كان في حقيقته المادية صراعاً وجودياً وقانونياً وسياسياً حدد مصير العقلانية برمتها. لقد انقسمت البنية الفكرية في ذلك العصر بين تيار المعتزلة الذي حاول تأسيس رؤية عقلانية موضوعية ترى القيمة كامنة في المادة والواقع وتربط الأحكام بمصالح البشر المادية، وبين تيار أهل الحديث والأشاعرة الذين دفعوا باتجاه نسف العقل وتثبيت النصية المطلقة التي تلغي أي فاعلية إنسانية مستقلة. ولم يحسم هذا الصراع بفعل قوة الحجة أو منطق البرهان، بل حُسم بالتدخل الخشن والدموي للسلطة السياسية، وتحديداً في عهد الخليفة العباسي المتوكل، الذي أدرك بعقلية المستبد أن بقاء نظامه والسيطرة على الحشود يتطلبان سحق أي نزعة عقلانية مادية واستبدالها بلاهوت تسليمي خرافي يشرعن الخضوع السياسي ويدجن الجماهير تحت مقولة القضاء والقدر والأمر الإلهي المطلق المعزول عن علل الواقع ومصالحه.
لتبديد الغموض عن هذا المأزق وفهم أبعاده المادية، لا بد من تفكيك الأطروحة الجريئة التي قدمها المعتزلة في أوج صعودهم المعرفي خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين. انطلق المعتزلة من فرضية فلسفية ثورية مفادها أن للأفعال الإنسانية والأشياء المادية صفات ذاتية وكامنة تجعلها نافعة أو ضارة، خيرة أو شريرة، بغض النظر عن ورود نص ديني يحددها. فالعدل حسن في ذاته لأنه يحقق الصلاح والمنفعة المادية للمجتمع، والظلم قبيح في ذاته لما يجرّه من خراب واستغلال ودمار، والعقل البشري يمتلك القدرة المستقلة والأدوات المعرفية الكافية لادراك هذه القيم والصفات عبر رصد آثارها المادية في الواقع العملي. هذا يعني، في المنطق الاعتزالي، أن الأمر الإلهي لا يخلق القيمة من العدم، بل إن الله يأمر بالشيء لأنه حسن في ذاته ونافع للبشر، وينهى عن الشيء لأنه قبيح في ذاته وضار بوجودهم المادي. هذه الرؤية وضعت اللاهوت في خدمة الواقع وعقدت تصالحاً تاريخياً بين العقل والمادة، حيث أصبحت الأخلاق والقوانين خاضعة لمعايير موضوعية قابلة للقياس والنقد والتطوير الإنساني بناءً على تبدل علل المصالح والمفاسد على الأرض.
إن تبني المعتزلة لهذه العقلانية الموضوعية لم يكن معزولاً عن شروط التطور الاجتماعي والديموغرافي والدولي للإمبراطورية العباسية الناشئة. فقد انفتحت الدولة الجديدة على حضارات عريقة كالفارسية واليونانية والهندية، ووجدت نفسها تحكم مجتمعات معقدة ومتنوعة فكرياً وثقافياً، ولم يعد ممكناً إدارة هذه المنظومة الواسعة بالنصوص الشفهية الضيقة أو السرديات البدائية التي انبثقت من بيئة الصحراء. كانت الدولة بحاجة إلى لغة معرفية مشتركة وجهاز مفاهيمي كوني يتيح لها محاورة المخالفين ووضع تشريعات تستوعب علاقات الإنتاج الجديدة والتجارة الدولية المتنامية. لذلك، حظي المعتزلة برعاية النخبة المستنيرة وبعض الخلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق، لأن أطروحتهم قدمت مبرراً فلسفياً لتحديث مؤسسات الدولة وقوانينها، وجعلت من العقل البشري مرجعية قادرة على التمييز بين الحق والباطل، والمصلحة والمفسدة، دون الارتهان الدائم للتأويلات الحرفية المتضاربة للنصوص النقلية التي كانت توظفها المعارضة القبلية أو الحركات التمردية.
في المقابل، تشكلت جبهة الردة المعرفية والنصية التي مثلها أهل الحديث وتوجها لاهوتياً أبو الحسن الأشعري، لتطرح مفهوماً نقيضاً ونسفياً لكل ما بناه العقلانيون. أعلنت الأشعرية عقيدة "التحسين والتقبيح السمعيين الشرعيين"، ومفادها أن العقل البشري عاجز تماماً وعميان عن معرفة أي قيمة ذاتية للأشياء والأفعال. فلا يوجد في المادة والواقع ما يمكن تسميته خيراً أو شراً بذاته؛ بل إن الخير هو ما أمر الشارع به، والشر هو ما نهى عنه. وبناءً على هذا اللاهوت الصادم، لو أمر الله بالظلم لكان الظلم عدلاً وحسناً، ولو نهى عن الصدق لكان الصدق قبيحاً وشراً؛ فالأفعال عارية عن أي صفات موضوعية، والإرادة الإلهية إرادة تحكمية مطلقة لا تُسأل عن علل أو غايات ولا ترتبط بمصالح العباد المادية. هذه القفزة الميتافيزيقية ألغت منطق السببية في الطبيعة والوجود، وحولت العالم المادي إلى شظايا متناثرة من الحوادث والاتفاقات المعزولة التي يخلقها الله لحظة بعد لحظة دون أي ترابط سببي، مما يعني تدمير إمكانية التفكير العلمي والبحث التجريبي في سنن المادة والمجتمع.
من المنظور الأنثروبولوجي والمادي، كان لزاماً على هذا التصور الأشعري والنصي أن ينتج نموذجاً إنسانياً مدجناً ومستلباً بالكامل. فإذا كان العقل عاجزاً عن إدراك الحسن والقبيح، وإذا كانت أفعال الإنسان مخلوقة ومقدرة عليه سلفاً دون مجاز حقيقي لروحه وفعل مادي مستقل، فإن النتيجة الحتمية هي تجريد الفرد من مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية وتحويله إلى ريشة في مهب القدر الإلهي أو الإرادة السلطانية. هذا اللاهوت الجبري الذي صاغه أهل الحديث وتلقفته الأشعرية لم يكن يهدف إلى حماية التنزيه الإلهي كما ادعى أصحابه، بل كان أداة أيديولوجية هائلة لتثبيت الوضع القائم وصيانة مصالح النخب الطبقية المسيطرة؛ فإذا كان الفقر والظلم والاستبداد الواقع على الناس هو بتقدير الله وإرادته التحكمية التي لا علة لها، فإن أي محاولة لتغيير هذا الواقع المادي أو الثورة على الحاكم الجائر تصبح تمرداً على المشيئة الإلهية نفسها، ويكون الواجب على الرعية هو الصبر والقبول الأعمى بـ "المقدور" دون مساءلة أو نقد.
هنا يتقاطع الفلسفي بالسياسي في أبشع صوره المادية؛ إذ واجهت الخلافة العباسية في منتصف القرن الثالث الهجري تحولات طبقية وسياسية عاصفة هددت بقاء المركز الحاكم في بغداد وسامراء. لقد تزايدت التمردات والحركات الاجتماعية ذات الطابع الاقتصادي، مثل ثورات الزنج وحركات القرامطة والنفوذ المتنامي للقادة العسكريين الأتراك الذين بدأوا يستنزفون خزينة الدولة ويهددون سلطة الخليفة نفسها. في هذه الأجواء المشحونة بالخوف والاضطراب، وجد الخليفة المتوكل على الله، الذي اعتلى العرش عام اثنتين وثلاثين ومائتين للهجرة، أن الاستمرار في دعم المعتزلة والعقلانية يمثل خطراً حقيقياً على عرشه؛ فالمنهج الاعتزالي الذي يربط أحكام الشريعة بالعدل والعلل والمصالح المادية، يفتح الباب أمام النخب المثقفة والجماهير لمساءلة الخليفة وسياسته المالية والاقتصادية ومقارنتها بمعايير العدل العقلي الموضوعي، وهذا آخر ما يريده مستبد يبحث عن طاعة عمياء تضمن له السيطرة وحشد الأموال وتسيير الجيوش لقمع الخصوم.
بناءً على هذه الحسابات السياسية والمادية البرغماتية الصرفة، قاد الخليفة المتوكل انقلاباً جذرياً وشاملاً في أيديولوجيا الدولة الرسمية. أصدر المراسيم السلطانية التي تحظر تماماً الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة، وأنهى محنة خلق القرآن لصالح الرؤية الحشوية التي تقول بقدم النص الحرفي، وأخرج قادة المعتزلة من دواوين الدولة وأروقة الحكم، وشرع في ملاحقتهم والتنكيل بهم وحرق كتبهم. وفي المقابل، قام المتوكل برفع شأن أهل الحديث وزعمائهم مثل أحمد بن حنبل، وأغدق عليهم الأموال والصلات، وقربهم من البلاط ليتولوا صياغة الوعي الديني الجديد للجماهير. لم يكن هذا التحالف بين السلطة السياسية والتيار النصي نابعاً من تقوى دينية مفاجئة حلت بقلب الخليفة الذي كان يعيش حياة باذخة مفعمة بالملذات في قصوره الأسطورية، بل كان صفقة سياسية واقتصادية مكتملة الأركان: السلطة تمنح الفقهاء المحدثين الاحتكار المعرفي والسيادة الروحية على عقول العوام، ومقابل ذلك يقدم هؤلاء الفقهاء صكوك الطاعة المطلقة للخليفة ويسوغون حكمه واستبداده بوصفه "ظلال الله في الأرض" الواجب طاعته وإن جلد الظهر وسلب المال.
إن سحق العقلانية المادية للاعتزال وإحلال النصية الخرافية محلها كان يعني مادياً وتاريخياً قفل باب الاجتهاد العقلي والتأسيس التشريعي المفتوح على متغيرات الواقع. تبلورت المنظومة الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية بعد المتوكل لتكرس فكرة "النص المهيمن" وتلغي أي دور للعلة المادية والمنفعة الدنيوية في صياغة الأحكام ما لم تكن منضوية تحت إطار تأويلي ضيق يقاس بأقوال السلف الصحابة والتابعين. فتحول الفقه من أداة حيوية لتنظيم علاقات الإنتاج وحل مشكلات المجتمع المعقدة بناءً على المصلحة المادية القابلة للرصد، إلى مدونات جامدة تهتم بالشكليات والطقوس والعبادات، وتعجز عن تقديم حلول بنيوية للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تلاحقت على الأمة، مما تسبب في جمود البنى الاجتماعية والحضارية وعجزها عن التطور ومواكبة قفزات التاريخ الحضاري للأمم الأخرى.
من أعمق الآثار المادية والسياسية الكارثية لهذا الانقلاب المتوكلي، هو تفكيك مفهوم السببية في الذهنية العربية والإسلامية وتجذير العقلية الخرافية التواكلية وسط الجماهير. عندما انتصر اللاهوت الأشعري الذي ينفي وجود قوى وميزات ذاتية في الأشياء والمادة، أصبحت الطبيعة مجرد رقعة للعبث والمشاهدة العشوائية، فالنار لا تحرق بذاتها بل الله يخلق الإحراق عند ملامستها، والماء لا يروي بذاته بل الله يخلق الري عنده، والدواء لا يشفي بذاته بل الشفاء فعل منفصل لا علاقة مادية له بتركيبة المادة الصيدلانية. هذا الإنكار الممنهج لقوانين الطبيعة والسببية أجهض في المهد الثورة العلمية والتجريبية التي كانت تبشر بها إسهامات ابن الهيثم وجابر بن حيان والكندي، وحول الذهنية العامة إلى وعي عجائبي ينتظر المعجزات والكرامات ويتلمس الحلول لمشاكله الاقتصادية والصحية عبر التوسل والدعاء والرقى البدائية، بدلاً من التخطيط العلمي والبحث المادي في أسباب التخلف والفقر والمرض.
لقد وظفت السلطة السياسية عبر العصور المتعاقبة (السلجوقية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية) هذا المأزق الفكري لتدجين الشعوب وإدام خضوعها؛ فانتشار مدارس اللاهوت الأشعري والنصي الحنبلي حظي برعاية وتمويل دائمين من السلاطين والأمراء لأنه يخرج رعايا يمتثلون للأوامر دون تفكير، ويقبلون بالهزائم السياسية والمصائب المادية باعتبارها قضاءً وقدراً مكتوباً منذ الأزل في اللوح المحفوظ، ولا جدوى من محاربتها أو تغيير شروطها الموضوعية على الأرض. لقد تم تشويه مفهوم "العدل" ذاته، فبعد أن كان عند المعتزلة قيمة عقلية مادية واضحة تعني إعطاء كل ذي حق حقه ورفع الظلم والاستغلال عن كاهل البشر، تحول في القاموس الأشعري والسلطاني إلى تعريف تبريري بائس مفاده أن "العدل هو تصرف المالك في ملكه"، وبما أن الخليفة أو السلطان هو ظل مالك الملك في الأرض، فإن كل تصرفاته ومصادراته وظلمه هي عين العدل والحق، وليس للرعية إلا السمع والطاعة والاحتساب عند الله في الآخرة.
تثبت القراءة الفلسفية والتاريخية العميقة لصراع التحسين والتقبيح العقليين أن العقلانية لم تمت في الفكر الإسلامي موتاً طبيعياً بفعل عقم ذاتي، ولم تنهزم أمام النص لقوة في أطروحات الخصوم، بل ذُبحت ذبحاً متعمداً على مذبح المصالح الطبقية والسياسية للسلطة الحاكمة. إن الخيار الذي اتخذه الخليفة المتوكل بنبذ المعتزلة وتبني السلفية النصية الخرافية كان خياراً مصيرياً أفرغ الثقافة من مضمونها النقدي وحرَم المجتمع من أدوات وعيه المادي بالواقع. ولم يكن هذا السحق مجرد حدث تاريخي عابر انقضى بانقضاء العصر العباسي، بل هو بنية معرفية مستمرة وممتدة لا نزال نعيش ارتداداتها الكارثية حتى اليوم في مظاهر الاستلاب الفكري، والنزوع نحو التواكل والخرافة، والعجز عن تفكيك آليات الاستبداد السياسي بوعي طبقي ومادي حاسم. إن استعادة العقلانية التاريخية وبناء وعي عربي معاصر يتطلبان بالضرورة نقد هذا الانقلاب وتفكيك لاهوت الطاعة والجمود، وإعادة الاعتبار للعقل المادي الذي يرى القيمة في الواقع ويعلق القوانين والأخلاق بمصالح البشر الفردية والاجتماعية على الأرض، بعيداً عن أوهام السرديات التي صممتها السلطة لتدجين العقول وإدامة خضوع الشعوب.





.

تفكيك "الفتح": صعود الإمبراطورية العربية من صمت الآثار إلى أيديولوجيا الخراج (مقال)

.


.
تفكيك "الفتح": صعود الإمبراطورية العربية من صمت الآثار إلى أيديولوجيا الخراج




تبدأ دراسة التاريخ المبكر للشرق الأدنى من مأزق معرفي معقد، حيث تفرض السردية اللاهوتية الكلاسيكية طوقاً من المرويات الشفهية المتأخرة التي جرى تدوينها في العصر العباسي، لتصوّر حركة التوسع العربي في القرن السابع الميلادي كحدث غيبي محض، انبثق من وادٍ قاحل معزول في جنوب الحجاز يُدعى مكة، مدفوعاً برغبة روحية مجردة لإنقاذ البشرية وإخراج العباد من عبادة العباد. غير أن النقد العلمي المعاصر، بمزاوجته الصارمة بين أدوات المادية التاريخية وحقائق الأركيولوجيا والنميات، يثبت وجود فجوة معرفية هائلة بين صورتين: صورة الماضي كما تخيلته وصاغته النخب الإمبراطورية المتأخرة لتبرير سلطانها، وصورة الماضي كما ترويها الشواهد المادية المعاصرة للأحداث. إن قراءة هذا التحول الجيوسياسي العاصف تقتضي التخلي عن السردية التقليدية نقدياً، ليس فقط لإثبات الدوافع الاقتصادية والديموغرافية الكامنة وراء حركة الجيوش، بل لتفكيك جغرافية المنطلق ومؤسسات التأسيس ذاتها. يبرز هذا التحليل كيف جرى "تخليق" ماضٍ تجاري باذخ وثقل روحي لمركز جغرافي متخيل بأثر رجعي، للتغطية على حقيقة أن التوسع كان هجرة سكانية مسلحة وغزواً اقتصادياً كلاسيكياً خاضته قبائل الأطراف هرباً من الجفاف، قبل أن تقوم الدولة المروانية والعباسية بصناعة "أيديولوجيا الفتح" وتوطينها في جغرافيا مقدسة لتسيير منظومة ريعية ضخمة قائمة على الجباية، والخراج، والاسترقاق.
تتأسس نقطة البدء في هذا التفكيك الجذري من استنطاق صمت الأرض، وهو الصمت الأركيولوجي المطبق الذي ينسف فرضية مكة كمركز تجاري وديني عالمي قبل الإسلام. لو كانت مكة كما تصفها كتب السير والطبقات عاصمة اقتصادية تدير "إيلافاً" وشبكة معاهدات دولية، وتقود قوافل تضم آلاف الجمال المحملة بالذهب والحرير والتوابل في رحلتي الشتاء والصيف بين اليمن والشام، لترك هذا النشاط المالي الهائل أثراً مادياً لا يقبل الجدل في السجلات الضريبية البيزنطية، أو في مراسلات الأديرة المسيحية بالسريانية واليونانية، أو في نقوش المسند الصخرية المنتشرة بكثافة في جنوب الجزيرة وشمالها. غير أن واقع التنقيب والنقد الوثائقي يكشف أنه لا يوجد نقش واحد، أو عملة، أو خارطة جغرافيّة صُنعت قبل منتصف القرن السابع الميلادي تذكر مكاناً يُدعى مكة. الجغرافيون الرومان والبيزنطيون الذين مسحوا شبه الجزيرة بدقة ووصفوا واحاتها وقراها بالتفصيل (مثل تيماء، وددان، ويثرب، وخيبر) لم يسمعوا قط بـ "أم القرى"، مما يثبت مادياً أن مكة الحالية في جنوب الحجاز كانت إما غير موجودة أصلاً، أو مجرد مستوطنة رعوية محلية بالغة الصغر والبدائية، معزولة تماماً عن مسارات السياسة والتجارة الدولية.
هذا الغياب الأركيولوجي يقودنا مباشرة إلى تفكيك أسطورة "تجارة القوافل الدولية لقرش"، وهي الأسطورة التي تنهار جغرافياً واقتصادياً بمجرد إخضاعها لمنطق السوق القديم. تقع مكة في وادٍ جاف شديد الوعورة، بعيداً عن الموانئ الطبيعية للبحر الأحمر، وخارج المسار اللوجستي الطبيعي لطريق اللبان القديم الذي كان يربط نجران بالطائف ثم يلتف شرقاً نحو الواحات الشمالية تتبعاً لمصادر المياه. لم يكن هناك أي منطق اقتصادي يجعل التجار ينحدرون بقوافلهم لعمق وادٍ صخري قاحل كمكة ثم يصعدون منه مجدداً، مما يرفع كلفة النقل والمخاطرة دون أي عائد مادي. علاوة على ذلك، فإن تجارة التوابل والحرير الآسيوية في القرن السادس الميلادي كانت قد تحولت بالكامل إلى الطرق البحرية المسيطر عليها من قبل السفن البيزنطية والساسانية والأكسومية عبر البحر الأحمر والخليج العربي، ولم يكن للصحراء وقوافل الجمال أي قدرة على منافسة الشحن البحري كلفةً وسرعةً. من هنا، يتضح أن "رحلة الشتاء والصيف" بالصورة الإمبراطورية الضخمة الموصوفة في التراث هي وهم سوسيو-اقتصادي جرى اختراعه لاحقاً لمنح الأرستقراطية الحاكمة في دمشق وبغداد عراقة طبقية ممتدة.
إذا كانت مكة التجارية مجرد بناء نصي متأخر، فمن أين انطلقت حركة التوسع العربي وما هي دوافعها المادية الحقيقية؟ تُظهر المعطيات المناخية والجيولوجية الحديثة أن شبه جزيرة العرب شهدت في أواخر القرن السادس الميلادي موجة جفاف حادة وانخفاضاً في معدلات المطر، مما أدى إلى تصحر المراعي وتدمير البنى الزراعية الهشة في الواحات وأطراف اليمن. هذا التغير البيئي القاسي وضع المجموعات البشرية العربية، وخاصة قبائل الأطراف المنتشرة في شمال الجزيرة وجنوب الشام وبادية العراق، أمام مأزق بيولوجي وجودي. في هذه البيئة الطاردة، لم يكن الاندفاع نحو الخارج بحاجة إلى معجزة ميتافيزيقية، بل كان استجابة حتمية وقسرية لقوانين البقاء؛ هجرة سكانية ديموغرافية مسلحة نحو الهلال الخصيب بحثاً عن الكيل والموارد والنجاة من الموت جوعاً. لم تكن هذه الجيوش تتحرك وفق خطة لاهوتية لنشر دين لم تتبلور حدوده التشريعية بعد، بل كانت حركتها تطوراً طبيعياً لغارات البدو التقليدية، لكنها اكتسبت هذه المرة زخماً استثنائياً بسبب الانهيار المادي التام للإمبراطوريات العظمى المحيطة بها.
لقد خرجت الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية من حرب ضروس دامت لأكثر من ربع قرن، أسفرت عن إنهاك عسكري واقتصادي واجتماعي شامل لكلا الطرفين. كانت المدن والمزارع في الشام ومصر والعراق ترزح تحت وطأة ضرائب استثنائية وباهظة فرضتها العواصم (القسطنطينية والمدائن) لسد عجز الخزائن وتمويل الجيوش المنهكة، مما خلق فجوة طبقية وسخطاً اجتماعياً عارماً لدى الطبقات الفلاحية المسحوقة وسكان الحواضر، وتحديداً الطوائف المسيحية المحلية (كالأقباط والسريان) التي كانت تعرضت لاضطهاد عقائدي منظم من الكنيسة الملكانية المركزية. في هذا السياق الجيوسياسي المتداعي، لم تواجه القبائل العربية الزاحفة جيوشاً عقائدية صلبة، بل واجهت حاميات عسكرية من المرتزقة المفلسين ونظاماً إقطاعياً منهاراً اجتماعياً. لم يكن تحرك العرب فتحاً دينياً بمقدار ما كان عملية "ملء فراغ سياسي وعسكري" في رقعة جغرافية غنية بفوائضها الزراعية والاقتصادية، حيث استبدل السكان المحليون جباة الضرائب الروم والفرس بجباة جدد ناطقين بالعربية، دون أن يشعروا في العقود الأولى بأي قطيعة لاهوتية كبرى.
تتجلى الحقيقة المادية لهذه الفتح المبكر في صمت البرديات المصرية والمسكوكات الأموية الأولى عن الهوية الإسلامية المعيارية. إن البرديات الإدارية المكتوبة باليونانية والقبطية المعاصرة لزمن دخول العرب إلى مصر لا تذكر شيئاً عن "الإسلام" أو "القرآن" أو "نبي صاحب شريعة جديدة"، بل تصف الفاتحين بمصطلحات عرقية وجغرافية مثل "الهاجريين" أو "الإسماعيليين" أو "العرب"، وتركز الوثائق بكاملها على تفاصيل مادية بحتة: كميات القمح المصادرة، جباية الأموال، ونظام السخرة لتمويل المقاتلين. وعلى مستوى النميات، فإن العملات الصادرة في عهد الخلفاء الأوائل، بما في ذلك معاوية بن أبي سفيان، ظلت تحمل صور الأباطرة الأكاسرة والروم مع الصليب المسيحي والرموز الساسانية، مع إضافة كلمات بروتوكولية صغيرة مثل "بسم الله"، مما يثبت أن الدولة الناشئة كانت تدير إمبراطورية فضفاضة وغير متمايزة عقائدياً عن محيطها التوحيدي العام، وأن أولويتها القصوى كانت الاستقرار المالي وجباية الخراج وإدارة الدواوين عبر البنى البيروقراطية القائمة، وليست الهداية الدينية للشعوب المغلوبة.
هنا يبرز السؤال الجوهري والمحوري: إذا كان المنطلق حركة هجرة وغزو اقتصادي خاضتها قبائل الأطراف، فلماذا اخترعت كتب التراث لاحقاً سردية مكة التجارية، وجعلت من الفتوحات ملحمة لاهوتية لنشر الدين؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن كواليس "الهندسة الأيديولوجية والطبقية" التي قادتها الدولة العربية بعد استقرارها كإمبراطورية مركزية عظمى، وتحديداً في العهدين المرواني والعباسي. مع تولّي عبد الملك بن مروان الحكم وإنهاء الحروب الأهلية (الفتنة الثانية)، واجهت السلطة الأموية مأزق المشروعية السياسية؛ فالدولة أصبحت تحكم شعوباً ذات تقاليد حضارية وتدوينية وورع لاهوتي عريق، ولم يعد ممكناً الاستمرار في حكم هذه الملايين بالاعتماد على الشرعية العسكرية أو القبلية الجافة لـ "أمير المؤمنين". كانت الإمبراطورية بحاجة ماسة إلى "أيديولوجيا دولة مغلقة" تمنحها التمايز والسيادة المعرفية والسياسية أمام الروم، وتبرر بقاء الثروة والسلطة في أيدي النخبة العربية الحاكمة.
في هذه اللحظة التاريخية المادية، اشتغلت آلة التدوين الرسمي لإنتاج وصياغة "ماضٍ مقدس متخيل" يخدم مصالح الحاضر الإمبراطوري، وجرت عملية إعادة هندسة شاملة للذاكرة الجمعية عبر آليتين بنيويتين:
الآلية الأولى هي **التوطين الجغرافي للمقدس**؛ حيث جرى نقل رمزية التأسيس التوحيدي من مناطق التداخل الشمالية في جنوب الشام وأطراف الحجاز (حيث نشأت الحركة فعلياً وتفاعلت مع التراث اليهودي-المسيحي) إلى بقعة جغرافية أعمق وأكثر انعزالاً وأماناً عسكرياً وسياسياً وهي مكة الحالية في جنوب الحجاز. هذا التسييج الميتافيزيقي للمكان حوّل بئر ماء جيولوجية عادية وجبالاً صخرية صماء إلى مراكز كونية موصولة بالسماء، مما سمح بصناعة عاصمة روحية حصرية للعرب تنافس القدس والقسطنطينية وتتحول إلى وعاء ضخم لاستقطاب الرساميل والأموال عبر طقوس الحج والزيارة والنذور، محولة "الجغرافيا المقدسة" إلى رافد ريعي وروحي لا ينضب لتعزيز شرعية الحاكم الذي يلقب نفسه بـ "حامي الحرمين".
الآلية الثانية هي **الاخترع الأرستقراطي للنسب والطبقة**؛ فالعرب الذين أصبحوا ملوكاً وأصحاب قصور وضياع شاسعة في دمشق وبغداد والفسطاط لم يكن بإمكانهم قبول الحقيقة الأنثروبولوجية التي تقول إن أجدادهم كانوا مجرد رُعاة بدو فقراء أو قبائل أطراف جائعة اندفعت خارج الصحراء بسبب قحط المناخ. لكي تكتمل المشروعية الطبقية والسياسية، كان لا بد من صياغة ماضٍ تظهر فيه النخبة القرشية الحاكمة بوصفها سليلة "أرستقراطية مالية وتجارية دولية عريقة" (صاحبة رحلة الشتاء والصيف والإيلاف والسيادة العالمية المسبقة)، وبذلك يظهر استيلاؤهم على خراج الإمبراطوريات وذهبها كتحصيل حاصل ووراثة طبيعية لنخبة تجارية كانت مهيأة ومؤهلة لقيادة العالم، وليس كغزو عسكري عشوائي فرضته ظروف البيئة وجوع البدو.
من خلال هذه الهندسة الأيديولوجية، جرى تحوير وتفسير كافة آليات الاستغلال الاقتصادي والنظام الطبقي الذي فرضه التوسع العربي بلغة لاهوتية تسوغ استمراره؛ فنظام الجباية المادي الصارم تحول في نصوص الفقه المتأخرة إلى "خراج وجزية" مقرونة بشروط الإذلال العقائدي للمغلوبين (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، وأصبح كدح المزارعين السريان والأقباط والفرس في أراضيهم بمثابة "ريع إلهي" خالص أفاءه الله على طبقة المقاتلين العرب الفاتحين الذين تفرغوا للحرب وصيانة الثغور. هذا الفصل الطبقي الحاد أنتج بنية اجتماعية طفيلية تعيش على فائض القيمة والمجهود المادي للشعوب المغلوبة، حيث تحولت الأمة الفاتحة إلى أرستقراطية عسكرية ومالية معفاة من الإنتاج المباشر، وتتلقى عوائد "العطاء" بانتظام من دواوين الدولة بناءً على مرتبتها القبلية وسابقتها في الغزو والنهب المنظم.
بالتوازي مع الجباية النقدية، شكّلت العبودية واسترقاق الأسرى الرافد المادي الثاني والأكثر بشاعة في منظومة الاقتصاد الإمبراطوري الناشئ؛ فالحملات العسكرية المستمرة التي كانت تسمى فتوحات لم تكن سوى حملات منظمة لاصطياد العمالة البشرية المجانية، حيث ضُخت ملايين الأجساد المستعبدة من النساء والأطفال والرجال من أصقاع الأرض المفتوحة إلى أسواق النخاسة في الحواضر الجديدة كالكوفة والبصرة والفسطاط ودمشق. تحول هؤلاء العبيد والموالي إلى قوة عمل أساسية حركت مفاصل الاقتصاد الإمبراطوري؛ فمنهم من استُخدم في استصلاح الأراضي الزراعية الشاسعة وحفر قنوات الري لصالح الأمراء والأمويين في جنوب العراق (أراضي السواد) مما خلق طبقة من البروليتاريا المستعبدة والمسحوقة مادياً، ومنهم من أدار الحرف والتجارة والخدمة المنزلية لرعاية رفاهية النخبة الحاكمة وبذخها. هذا التدفق الهائل للعمالة المجانية والسبايا هو الذي صنع الثراء الفلكي الموصوف في التراث، وهو ثراء مادي ناتج عن القهر والاستغلال الطبقي المنظم، جرى تغليفه بأثر رجعي بهالات من البركة والزهد والرضا الإلهي.
إن قراءة الصراعات والحروب الأهلية المبكرة (كالفتنة الأولى والثانية) تحت هذا المجهر المادي والأركيولوجي تكشف بوضوح أن المحرك الحقيقي للأحداث لم يكن خلافاً حول قيم دينية أو تفسيرات نصية، بل كان صراعاً طبقياً عنيفاً ومباشراً بين أجنحة النخبة الفاتحة على صلاحيات التحكم في هذا الريع الجبار وفي كيفية توزيع فوائض ثروات الخراج بين المركز والأطراف. فعندما تحصن معاوية بن أبي سفيان بالشام، كان يعبر عن مصالح الأرستقراطية الأموية الناشئة التي رأت في خراج الشام المفتوح بستاناً خاصاً بها وترفض إرسال الفوائض إلى الكوفة أو المدينة، وعندما ثار ابن الزبير في الحجاز، كان يحاول استعادة مركزية السيادة المالية والروحية لصالح بيوتات مكة والمدينة القديمة التي سُحب البساط الاقتصادي والسياسي من تحت أقدامها لصالح دمشق. هذا التناحر الدموي الذي حُسم بالحديد والنار والمنجنيق يثبت أن الآلة العسكرية للدولة كانت تتحرك بدوافع سلطوية ومادية بحتة، وأن الشعارات اللاهوتية كانت تُرفع وتُصاغ كأدوات لتعبئة الحشود البدوية المستعدة للقتال مقابل الحصول على حصة من الغنائم والأموال.
ولم تقف الشعوب المغلوبة مكتوفة الأيدي أمام هذه المنظومة الاستغلالية التي جردتها من استقلالها الاقتصادي والمادي؛ فالأدلة التاريخية المعاصرة تسجل اندلاع ثورات وانتفاضات اقتصادية واجتماعية مسلحة خاضها السكان الأصليون ضد عسف جباة الضرائب العرب. من أشهر هذه الحركات ثورات البشموريين الأقباط في دلتا مصر، الذين انتفضوا مراراً ضد ثقل الجباية والمصادرات العقارية الأموية والعباسية، واضطرت السلطة الإمبراطورية في عهد المأمون إلى قيادة حملة عسكرية دموية لسحقهم وتدمير قراهم واسترقاق نسائهم. كما شهدت هضاب فارس وأذربيجان ثورات وحركات فلاحية واجتماعية (كحركة بابك الخرمي وغيرها) حاولت تفكيك الهيمنة الاقتصادية للعرب واسترداد السيطرة على وسائل الإنتاج والأرض المعربة. هذه المقاومة الشعبية المستمرة من الشعوب المفتوحة تدحض تماماً الفرع اللاهوتي الذي يزعم أن تلك البلاد دخلت في الدين الجديد طواعية ورأت في الفاتحين محررين روحيين، بل تؤكد أن العلاقة كانت علاقة قهر إمبراطوري واستنزاف مادي منظم، جرت مقاومته بكافة الوسائل المتاحة حتى تمكنت السلطة من تذويب هويات تلك الشعوب عبر التعريب القسري أو الأسلمة البطيئة المرتبطة بالحصول على الامتيازات الطبقية والإعفاء من الضرائب المذلة.
إن المرويات التراثية التي كُتبت في العصر العباسي لإعادة صياغة أحداث القرن الأول الهجري لم تكن تاريخاً بالمعنى العلمي المحايد، بل كانت "بياناً أيديولوجياً للمنتصرين" صُمم بعناية لخدمة أغراض متعددة: شرعنة حكم السلالات الجديدة، صناعة أصول تاريخية وتجارية فاخرة لنخبة كانت بدوية في أصلها، وتوفير غطاء أخلاقي وغيبي لعمليات الغزو والنهب والاسترقاق الماضي وعزلها عن سياقها المادي الإجرامي. وحين يستنطق المؤرخ الناقد اليوم صمت الآثار، وغياب مكة في الخرائط القديمة، ويحلل طبيعة البرديات الإدارية والعملات الحاملة للصليب، فإنه يعيد الأمور إلى نصابها المادي الصحيح؛ فالإمبراطورية العربية لم تولد بقرار سحري هبط من السماء على وادٍ معزول، بل ولدت من رحم الجفاف والضغط الديموغرافي في الصحراء، ونمت بفضل الانتحار العسكري للإمبراطوريات العظمى، واستقرت وتحولت إلى دين كوني ومقدس جغرافي بفعل حاجة النخب المروانية والعباسية الحاكمة إلى ضبط الحشود وتنظيم إدارة الخراج واستمرار تدفق فوائض الثروة. إن هذا التفكيك العقلاني والجذري لنزاع السحر عن الفتوحات يحرر العقل من أسر الأساطير الأيديولوجية المعطلة، ويؤكد أن المحرك الأساسي لصعود الأديان والإمبراطوريات وسقوطها يبقى دائماً خاضعاً لقوانين الصراع المادي من أجل البقاء، والسيطرة على وسائل الإنتاج، وفوقية المصالح الطبقية والاقتصادية على الأرض.





.

من إيل الكنعاني إلى الله العربي: التطور المادي والتاريخي لفكرة التوحيد (مقال)

.


.
من إيل الكنعاني إلى الله العربي: التطور المادي والتاريخي لفكرة التوحيد





تنهض السرديات اللاهوتية التقليدية على فرضية مركزية مفادها أن التوحيد الخالص هو معطى غيبي متعال هبط على البشرية دفعة واحدة من السماء عبر وسيط الوحي ليريح الإنسانية من ظلمات الشرك والوثنية البدائية غير أن القراءة الأنثروبولوجية والتاريخية الصارمة المستندة إلى المادية التاريخية ونقد النصوص والآثار تكشف عن صيرورة أرضية واجتماعية مغايرة تماما حيث لم يكن المفهوم التوحيدي للإله سوى منتج ثقافي وتطوري بطيء امتد على مدى آلاف السنين في جغرافيا الشرق الأدنى القديم وتأتي أهمية دراسة هذا التحول من رصد الكيفية التي تطور بها الوعي البشري مادا جذوره من عبادة الأرواح المحلية والآلهة القبلية المتعددة وصولا إلى صياغة مفهوم الإله الواحد الأحد المهيمن على الكون إن هذا التتبع التاريخي يثبت أن فكرة الإله المطلق جرى طبخها في مختبرات الصراع السياسي وبناء الدول المركزية الحاكمة حيث تلاقت حاجة النخب الحاكمة إلى ضبط الحشود وصهر المكونات القبلية الشتيتة مع رغبة المدون التوراتي ثم القرآني في صياغة لاهوت سيادي قومي يمتص صفات وألقاب وأدوار الآلهة الوثنية القديمة وصهرها في ذات لاهوتية واحدة تتطابق مع مركزية السلطة السياسية على الأرض وبذلك تحول الإله من شيخ قبيلة سماوي يسكن الجبال والأودية إلى ملك الملوك وإمبراطور الوجود الذي يعكس على مرآة الغيب صورة الدولة الإمبراطورية في أوج قوتها وتمددها
تبدأ ملامح هذا التطور الأنثروبولوجي من قلب الميثولوجيا الكنعانية والآرامية في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد حيث تمدنا نصوص رأس شمرا في أوغاريت بكنز أركيولوجي لا يقدر بثمن لفهم طبيعة التفكير الديني المبكر في تلك البيئة كان كبير الآلهة الكنعانية يدعى إيل وهو الاسم السامي العريق الذي يعني القوة أو القدرة المطلقة وكان إيل يمثل الأب الروحي لكل الآلهة والبشر ويوصف في الألواح الطينية بأنه الثور الشفوق والمترئف والملك وخالق المخلوقات وكان يعيش في خيمة عند منابع الأنهار ومجامع البحار محاطا بمجلس ديني يضم أبناءه من الآلهة الصغرى وعلى رأسهم بعل إله المطر والخصيب وعناة إلهة الحرب ويم وامت إله البحر والموت في هذا الطور البنيوي لم تكن الديانة الكنعانية وثنية ساذجة بالمعنى الاختزالي بل كانت تمثل نظاما اجتماعيا يعكس التركيبة القبلية والملكيات المحلية حيث يختص كل إله بوظيفة طبيعية واقتصادية محددة ترتبط بحياة الفلاحين والرعاة وتؤمن لهم البقاء في بيئة متقلبة ومناخ شحيح
مع تحرك المجموعات العبرانية البدوية الرعوية واستقرارها في المرتفعات الوسطى لفلسطين بدأت عملية تلاقح ثقافي وديني بين هؤلاء البدو وبين الحواضر الكنعانية لم يبتكر العبرانيون الأوائل إلها جديدا من العدم بل تبنوا اسم إيل الكنعاني وصفاته بشكل مباشر وهو ما يظهر بجلاء في التناخ العهد القديم حيث نجد أن صيغة الجمع للاسم إلوهيم وصيغة المفرد إيل وإليون هي المصطلحات الأساسية المستخدمة للدلالة على الإله في النصوص الأكثر قدما وحتى الأسماء الشخصية للأنبياء والملوك والأماكن مثل إسرائيل وإسماعيل وبيت إيل كلها تحمل الختم اللغوي واللاهوتي للرب الكنعاني الأكبر لم يكن الإله ياهو أو يهوه في بداياته الأولى سوى إله محلي يرتبط بالبراكين والعواصف والحرب نبع من مناطق مدين وأدوم وجنوب سيناء وجرى إدخاله إلى المجمع الديني العبراني ليتنافس مع إيل وبعل وعشيرة وفي هذا الطور المبكر سادت في الممالك العبرانية الناشئة منظومة دينية أنثروبولوجية تعرف بالهينوثية وهي عبادة إله محلي واحد مع الاعتراف بوجود وأحقية الآلهة الأخرى للشعوب المجاورة فلم يكن يهوه إلها للعالم بل كان إلها قوميا خاصا ببني إسرائيل يحميهم في المعارك ويطالبهم بالولاء المطلق له في مقابل تدمير معابد الأغيار
شهدت فكرة الإله قفزة نوعية نحو التوحيد المركزي خلال القرن الثامن والسابع قبل الميلاد وتحديدا في عهد الملك يوشيا وحركته الإصلاحية الشهيرة التي قادها أحبار هيكل أورشليم واجهت مملكة يهوذا خطرا وجوديا مادا تمثل في التمدد الإمبراطوري الآشوري الذي سحق مملكة إسرائيل الشمالية وهدد بسحق الجنوب في هذا السياق السياسي المتأزم وجد حكام أورشليم أن البقاء يتطلب توحيد الجبهة الداخلية وصهر الهويات القبلية المتناثرة عبر مركزية دينية مطلقة فجرى تدوين وتحرير أسفار التوراة الأولى والتركيز على عقيدة الرب الواحد الذي لا شريك له في الهيكل جرت في هذه اللحظة أكبر عملية امتصاص لاهوتي في تاريخ الشرق الأدنى حيث قام المدون التوراتي بخلع صفات إيل الكنعاني الحكيم والشفوق وأمير مجلس الآلهة وصفات بعل المقاتل الراكب على السحاب وإله الرعد والبرق ودمجها كلها في شخصية يهوه تحول يهوه من إله عاصفة بدوي إلى الملك المطلق الذي يملك صفات الرحمة والخلق والجبروت معا وتم إقصاء زوجته الإلهة عشيرة وهدمت مذابح بعل المحلية وأصبحت العبادة والصلاحية السياسية حكرا على هيكل واحد وإله واحد يمثل شرعية الملك المركزي في أورشليم
لم يكتمل هذا التوحيد الصارم ويتحول من توحيد قومي مغلق إلى توحيد كوني شامل إلا بعد كارثة السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد عندما سقطت أورشليم وهُدم الهيكل وسيق النخبة والكهنة إلى بابل واجه العبرانيون صدمة معرفية كبرى فبحسب المنطق الديني القديم يعني سقوط المدينة وهدم المعبد أن إله بابل مردوخ قد انتصر على إله أورشليم يهوه لكي ينجو الكهنة من هذا المأزق المادي والنفسي الذي كان يهدد باندثار هويتهم قام الأنبياء والمدونون في المنفى مثل إشعياء الثاني بصياغة قراءة لاهوتية ثورية قلبت المفاهيم القديمة رأسا على عقب أعلن المدونون أن مردوخ ليس إلها وأن آلهة بابل هي مجرد أصنام وخشب صامت وأن يهوه ليس إلها محليا ليهوذا بل هو الإله الوحيد الخالق للكون بأسره وما نبوخذ نصر والجيوش البابلية إلا أدوات مادية وقوى سخرها الإله الواحد لمعاقبة شعبه وتطهيره هكذا ولد التوحيد الكوني المطلق من رحم الهزيمة السياسية والسبي حيث تحول يهوه إلى كائن غيبي متعال لا يحتاج إلى هيكل مادي للبقاء ولا يحده مكان وصار مسيطرا على مصائر الإمبراطوريات كلها مما منح اليهود المسبيين هوية عابرة للجغرافيا مكنتهم من البقاء كجماعة وظيفية متماسكة
انتقلت هذه الصيرورة التطورية لفكرة الإله من حواضر الشام وفلسطين إلى عمق شبه جزيرة العرب عبر مسارات التجارة والهجرات اليهودية والمسيحية على مدى قرون كانت القبائل العربية تعيش في طور الوثنية التعددية المحلية حيث يختص كل بطن وقبيلة بصنم أو إله يحمي حماها ويضمن مصالحها الاقتصادية مثل هبل واللات والعزى ومناة غير أن شبه جزيرة العرب لم تكن معزولة عن التحولات اللاهوتية الكبرى المحيطة بها في الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية في القرنين السادس والسابع الميلاديين بدأت تظهر في نصوص النقوش الصفائية والسبئية واللحresource المكتشفة في الحجاز واليمن ملامح تحول ديني مادي واضح نحو ما يعرف بعبادة الرحمن أو رحمنان وهو الإله الواحد غير المتجسد الذي نجد ذكره مكثفا في نقوش الممالك الحميرية بعد تهودها أو تنصرها التطور اللغوي والأنثروبولوجي لاسم الله في العربية يعود في أصله إلى اندماج أداة التعريف مع اللفظ السامي العريق إله ليصبح الله أي الإله المطلق والمتميز وهو المعادل الموضوعي للفظ إلوهيم العبري وإلاها السرياني
عندما انطلقت الدعوة القرآنية في مكة واجهت ذات البنية التعددية القبلية التي واجهها الأنبياء والملوك العبرانيون من قبل كان المجتمع القرشي يدير منظومة تجارية ريعية قائمة على استضافة أصنام القبائل في حرم الكعبة مما يضمن لها السيادة السياسية والأمان الاقتصادي أتى النص القرآني ليفكك هذه المنظومة التعددية مستخدما ذات الآليات اللاهوتية والأنثروبولوجية التي جرت في الشام قام القرآن بعملية امتصاص وتوطين واعية وجذرية لكافة صفات وأسماء وتجليات الآلهة القديمة وصهرها في ذات الإله الواحد الأحد فالله في القرآن هو الرحمن الرحيم وهي التسمية التي كانت شائعة في لاهوت الممالك اليمنية والنبطية وهو الملك القدوس السلام وهي صفات إمبراطورية سيادية مطلقة تتطلبها سياقات الدولة المركزية الناشئة التي تسعى لتجاوز الانقسامات القبلية وبناء أمة موحدة تخضع لقانون واحد وقيادة واحدة
إن فحص أسماء الله الحسنى في القرآن يكشف عن هذا التراكم التاريخي والأنثروبولوجي الطويل حيث يجمع الإله الجديد في ذاته كافة الأدوار التي كانت تتوزعها الآلهة الوثنية القديمة فإذا كان بعل هو إله المطر والرزق والخصيب فإن الله في القرآن هو الرزاق والوهاب والذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وإذا كانت عناة أو إله الموت يملكون سلطة الحرب والنهايات فإن الله هو المميت والقاهر والجبار والمنتقم وإذا كان إيل الكنعاني هو الشيخ الحكيم الشفوق الجالس في محفله السامي فإن الله هو الغفور والودود والحليم العلي الكبير عبر هذا الصهر الشامل تم تجريد الأصنام المحلية من وظائفها المادية والكونية وأصبحت مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان وتحولت القوة الروحية والاقتصادية بالكامل إلى المركز الجديد الذي يمثله الإله الواحد ورسوله على الأرض
من منظور المادية التاريخية تلاقت هذه الهندسة اللاهوتية للتوحيد القرآني مع الاحتياجات السياسية والاقتصادية الملحة للإمبراطورية العربية الناشئة في القرن السابع الميلادي فالقبائل العربية التي كانت تتبدد طاقتها العسكرية في الغزوات البينية والحروب الثأرية المادية لم يكن بالإمكان صهرها وتحويلها إلى جيش إمبراطوري عابر للقارات دون إيديولوجيا مركزية صارمة تلغي الولاءات القبلية الصغيرة وتحلها محل الولاء للإله الواحد والدولة الواحدة التوحيد هنا اشتغل كـ تكنولوجيا اجتماعية وسياسية فائقة القدرة؛ فكما أن الإمبراطورية تحتاج إلى حاكم واحد يتربع على رأس السلطة الإدارية والعسكرية فإن هذا الحاكم يحتاج إلى إسقاط ميثاقي في الغيب يتمثل في إله واحد يضبط الكون ويدير شؤونه بالحق والعدل والمطلق صار التوحيد اللاهوتي مبرراً ومطابقاً للتوحيد السياسي والاندماج القومي ولم يعد هناك مجال للتعددية العقائدية لأن التعدد يعني التنازع والفساد المادي في الأرض كما صاغها النص القرآني لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا
تثبت الدراسة الأنثروبولوجية والتاريخية لتطور مفهوم الإله في الشرق الأدنى القديم أن فكرة التوحيد هي صيرورة تاريخية أرضية بامتياز تحكمت في مسارها ديموغرافيا المنطقة وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية ولم تكن وثبة مفاجئة خارج سياق الزمن بدأت الرحلة من إيل الكنعاني الثور الشفوق الجالس في خيمته وسط بنيه من الآلهة مرورا بـ يهوه البدوي المحارب الذي تضخم ليمتص صفات أقرانه ويتحول إلى إله كوني بفعل صدمة السبي البابلي وحاجة كهنة أورشليم لإنقاذ هويتهم وصولا إلى الله العربي الذي صهر في أسمائه الحسنى كل تجليات ومميزات وتراث الآلهة الوثنية والسامية القديمة ليصبح الشعار الأيديولوجي الأكبر لإمبراطورية عالمية انطلقت من الفراغ الصحراوي لتجتاح الحواضر الكبرى إن نزع الهالة الغيبية عن فكرة التوحيد وقراءتها كمنتج ثقافي واجتماعي متطور يعيد بناء فهمنا للأديان بوصفها مؤسسات بشرية تاريخية صيغت أدواتها ومفاهيمها في معامل الواقع المادي لخدمة صيانة المجتمعات البشرية وبناء السلطة وإدامة آليات الحكم عبر العصور





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...