Translate

إمبراطورية الظل خلف قناع الزهد: ممتلكات وأصول الوليّ السّفيه الإيراني في الخارج تحت مجهر التحقيقات الدولية (مقال)

.


.
إمبراطورية الظل خلف قناع الزهد: ممتلكات وأصول الوليّ السّفيه الإيراني في الخارج تحت مجهر التحقيقات الدولية




تعد قضية الثروات والممتلكات الخارجية للنخبة الحاكمة في إيران، وعلى رأسها تلك المرتبطة بمكتب الولي الفقيه، واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وسرية في الاقتصاد السياسي العالمي المعاصر، حيث يتقاطع فيها البعد الأيديولوجي المتمثل في شعارات الزهد والثورة مع واقع مالي يضج بالمليارات المهربة والشركات الوهمية العابرة للقارات. إن محاولة تتبع هذه الأصول ليست مجرد ترف صحفي، بل هي ضرورة لفهم آليات بقاء النظام الإيراني وقدرته على الالتفاف على العقوبات الدولية لسنوات طويلة، إذ تشير التحقيقات الاستقصائية الموثقة الصادرة في مطلع عام ألفين وستة وعشرين، والمستندة إلى بيانات بنكية وعقارية من لندن وفرانكفورت ودبي، إلى وجود شبكة عنكبوتية من الأصول التي لا تُسجل مباشرة بأسماء القيادات العليا، بل تُدار عبر واجهات تجارية ووسطاء محترفين يتقنون فن إخفاء الأثر المالي في الملاذات الضريبية الآمنة.
تبدأ القصة من التناقض الصارخ الذي يعيشه الشارع الإيراني، فبينما يرزح أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر وتتآكل القوة الشرائية للريال الإيراني، تظهر الوثائق المسربة من سجلات العقارات في المملكة المتحدة أن هناك قلاعاً مالية صامتة في أرقى أحياء لندن، وتحديداً في منطقة كينسينغتون وبالاس غاردنز، تعود ملكيتها النفعية لشركات مسجلة في جزر فيرجن البريطانية أو ليختنشتاين، وهي شركات مرتبطة بشكل وثيق بشبكة علي أنصاري، رجل الأعمال الذي تضعه التقارير الدولية كمهندس مالي رئيسي لمصالح مكتب الولي الفقيه والحرس الثوري. هذه العقارات التي تُعرف في الأوساط العقارية بلندن باسم "بيوت الأشباح" نظراً لعدم سكنها، لا تمثل مجرد سكن فاخر، بل هي مخازن قيمة استراتيجية تُستخدم لتأمين الثروة بعيداً عن تقلبات الداخل الإيراني وضمان استمرارية التمويل للأذرع الإقليمية في حال حدوث انهيارات اقتصادية كبرى.
إن المنهجية التي تتبعها هذه الإمبراطورية المالية تعتمد على مبدأ التفتيت والتمويه، حيث لا تظهر ممتلكات مجتبى خامنئي أو المقربين منه بشكل مباشر في أي سجل رسمي، بل يتم الاعتماد على طبقات متعددة من الشركات الوهمية التي تقوم بشراء حصص في فنادق كبرى بأوروبا، مثل تلك الموجودة في فرانكفورت ومايوركا والنمسا. هذه الاستثمارات في قطاع الضيافة والخدمات تمثل وسيلة مثالية لغسل أموال النفط التي يتم بيعها عبر القنوات الالتفافية، حيث تتحول الأرباح الناتجة عن مبيعات الخام في الأسواق الرمادية إلى عوائد شرعية ناتجة عن أعمال فندقية وسياحية في قلب القارة الأوروبية، وهو ما كشفته تحقيقات صحيفة الفاينانشال تايمز وبلومبرغ مؤخراً، مؤكدة أن المحفظة الأوروبية المرتبطة بهذه الشبكة تجاوزت قيمتها أربعمائة مليون يورو، وهي مبالغ تكفي لإعادة بناء قطاعات كاملة من البنية التحتية المتهالكة داخل إيران.
ولا يقتصر التغلغل المالي لهذه المنظومة على القارة العجوز، بل يمتد بعمق نحو منطقة الخليج العربي، وتحديداً في دبي، حيث تُستخدم المراكز المالية هناك كجسر عبور للأموال السائلة نحو الأسواق العالمية. وتشير تقارير استخباراتية مالية إلى أن الضواحي الراقية مثل تلال الإمارات تضم فيلات وقصوراً تعود لشبكات وساطة تعمل لصالح الحرس الثوري، حيث يتم دمج الأموال في القطاع العقاري المحلي الذي يتميز بالسيولة العالية والقدرة على استيعاب الاستثمارات الضخمة دون إثارة الكثير من التساؤلات القانونية في البداية. هذه الأصول العقارية في دبي تمثل العصب التنفيذي لإدارة العمليات اليومية، حيث يتم من خلالها تمويل المشتريات التكنولوجية والعسكرية التي يحتاجها النظام الإيراني لتطوير برامجه التسليحية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية المشددة.
إن الخطورة في هذا التمدد المالي لا تكمن فقط في حجم الأموال المنهوبة من مقدرات الشعب الإيراني، بل في الغرض الذي تُستخدم لأجله هذه الأصول، حيث يربط المحللون بين نمو هذه الإمبراطورية العقارية والتمويل المستدام للميليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان. فعندما تُضيق العقوبات البنكية الخناق على التحويلات الرسمية، تتحول هذه العقارات والفنادق في الخارج إلى "بنوك ظل" قادرة على توفير السيولة النقدية والائتمان للوكلاء الإقليميين، مما يجعل من منظومة الولي الفقيه كياناً عابراً للحدود لا يعترف بالقيود السيادية للدول التي يستثمر فيها، ويستخدم قوانين السوق الحرة في الغرب لضرب استقرار المنطقة وتمرير أجنداته الأيديولوجية التي يدعي في العلن معاداتها للغرب وقيمه.
وفي كندا، برزت فضيحة عقارية أخرى تتعلق ببيع بنتهاوس فاخر في تورونتو مرتبط بذات الشبكة، مما أثار تساؤلات قانونية وسياسية حول كيفية تسلل هذه الأموال إلى النظام المالي الكندي رغم العقوبات المفروضة. هذا الحادث كشف أن الإمبراطورية المالية للنظام الإيراني ليست محصورة في النطاق الجغرافي القريب، بل هي أخطبوط يمد أذرعه إلى أمريكا الشمالية مستغلاً الثغرات في قوانين الإفصاح عن المالك الحقيقي. إن هذه التحركات المالية الدولية تعكس استراتيجية "بقاء النخبة" التي تدرك تماماً أن شرعيتها الداخلية في مهب الريح، فتقوم بتأمين ملاذات مالية آمنة في الدول التي تصفها في أدبياتها الثورية بـ "الاستكبار العالمي"، في مفارقة تاريخية تجسد أقصى درجات النفاق السياسي والمالي.
عند تحليل البنية الداخلية لهذه الثروات، نجد أن مؤسسة تنفيذ أمر الإمام، المعروفة اختصاراً بـ "ستاد"، تمثل الحجر الزاوية في تراكم هذه الممتلكات، حيث بدأت بمصادرة أموال المعارضين والفئات المهمشة بعد الثورة، لتتحول بمرور العقود إلى تكتل اقتصادي عملاق تتجاوز قيمته مائة مليار دولار داخل إيران، ومن ثم بدأت في تصدير هذا الفائض المالي نحو الخارج عبر شركات واجهة. إن العلاقة بين "ستاد" والممتلكات الخارجية للولي الفقيه هي علاقة العضو بالجسد، حيث تعمل المؤسسة الأم في طهران كمصدر للتمويل الأولي، بينما تقوم الشبكات الخارجية بتحويل هذه الأصول إلى استثمارات دولية يصعب تجميدها أو ملاحقتها قضائياً بسهولة، مما يخلق درعاً مالياً يحمي النظام من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.
إن الغضب الشعبي المتصاعد داخل إيران يجد مبرره القوي في هذه الاكتشافات، فالإيراني الذي ينتظر ساعات في طوابير السلع الأساسية يرى في صور القصور واليخوت المرتبطة بأبناء النخبة (الآغازاده) في لندن ودبي صفعة لكرامته ومعاناته. هذا الفساد الممنهج لم يعد مجرد قضية جنائية، بل تحول إلى محرك أساسي للحركات الاحتجاجية التي ترفع شعارات تندد بتبديد ثروات البلاد في الخارج. إن التقارير الصحفية التي تصدر اليوم لا تكتفي برصد الأرقام، بل تحلل الآثار الاجتماعية لهذه السرقات المنظمة، مؤكدة أن رأس المال المهرب للخارج كان كفيلاً بإنقاذ العملة الوطنية ومنع انزلاق الملايين نحو دائرة الجوع، وهو ما يجعل من ملف ممتلكات الولي الفقيه في الخارج القضية الأكثر حساسية وخطورة على مستقبل الاستقرار السياسي في إيران.
ختاماً، فإن وضع ممتلكات الولي الفقيه والمقربين منه تحت المجهر الدولي يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن النظام الذي يرفع شعارات العدالة الإلهية قد شيد لنفسه مملكة أرضية من الأموال المحرمة والمستقطعة من أفواه الجوعى. إن الاستمرار في كشف هذه الملفات وملاحقة الوسطاء الماليين وتفعيل قوانين الشفافية الدولية هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع التمويل التي تغذي التطرف والفساد، فالإمبراطورية التي بُنيت على الظل والسرية لا يمكن أن تصمد أمام ضوء الحقائق الدامغة والتحقيقات الجريئة التي بدأت تزيح الستار عن واحدة من أكبر عمليات النهب المنظم في التاريخ الحديث، مؤكدة أن الثروات التي يُراد لها أن تكون طوق نجاة للنظام قد تتحول في النهاية إلى القيد الذي يسرع من نهايته التاريخية.




.

دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه (مقال)

.


.
دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه




يمثل النموذج الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه حالة استثنائية في التاريخ المعاصر، حيث امتزجت الأيديولوجيا الدينية المتطرفة بشبكات معقدة من الفساد المؤسسي والجريمة المنظمة، لتنتج نظاماً سياسياً يعيش على التناقض الصارخ بين الشعارات الروحانية المرفوعة والواقع المادي المليء بالنهب والاضطهاد. إن ادعاء تمثيل الإرادة الإلهية أو التحضير لظهور المهدي المنتظر لم يكن في حقيقته إلا غطاءً أيديولوجياً لشرعنة سلطة مطلقة لا تخضع للمساءلة، حيث تحولت الدولة من كيان يرعى مصالح الشعب إلى منظومة أمنية ومالية عابرة للحدود، تكرس موارد البلاد لخدمة أجندات توسعية وتراكم ثروات طائلة في أيدي نخبة ضيقة يقودها الولي الفقيه والمؤسسات المرتبطة به.
عند النظر في بنية النظام الإيراني، نجد أن مفهوم الولي الفقيه قد تم تطويعه ليصبح أداة للاستبداد المطلق، حيث يتم تصوير الحاكم على أنه نائب للإمام المعصوم، مما يجعل معارضته مرادفة لمعارضة الإرادة الإلهية. هذا التموضع الديني منح النظام حصانة زائفة سمحت له بابتلاع الدولة ومقدراتها، وتحويل الاقتصاد الإيراني إلى ملكية خاصة تحت إشراف مؤسسات غير خاضعة للرقابة مثل مؤسسة تنفيذ أمر الإمام وغيرها من الهيئات التي تسيطر على مليارات الدولارات. إن هذا النهب الممنهج لم يكن مجرد انحراف مالي عابر، بل هو جوهر البنية السلطوية التي ترى في أموال الإيرانيين غنيمة حرب تُنفق على مشروع "تصدير الثورة" بدلاً من تحسين حياة المواطنين الذين يعانون من تضخم جامح وفقر مدقع وانهيار كامل في الخدمات الأساسية.
وفي سياق هذا المشهد القاتم، تبرز ازدواجية النظام في التعامل مع الثروة؛ فبينما يتم تبشير الجماهير بالصبر والزهد انتظاراً للفرج الإلهي، تعيش عائلة الولي الفقيه وكبار قادة الحرس الثوري في ترف فاحش، حيث كشفت التقارير الاستقصائية الموثقة في السنوات الأخيرة عن إمبراطورية عقارية ومالية ضخمة تدار عبر شركات وهمية في عواصم أوروبية ومدن عالمية. إن هذه الثروات المهربة للخارج، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، هي في الأصل أموال مسروقة من قوت الشعب الإيراني، تم تحويلها عبر شبكات معقدة من الوسطاء ورجال الأعمال المرتبطين بالحرس الثوري، مما يكشف زيف الادعاءات بالتقوى والزهد التي يروج لها الإعلام الرسمي التابع للنظام.
ولا يقتصر فساد هذه الدولة على النهب المالي الداخلي، بل يمتد ليشمل الانخراط في أقذر أنواع التجارة العالمية وهي تجارة المخدرات. لقد تحول الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس، إلى شريك استراتيجي في شبكات التهريب الدولية، حيث يتم استخدام المخدرات كأداة مزدوجة؛ فهي من جهة توفر سيولة نقدية ضخمة بالعملات الصعبة لتمويل العمليات الإرهابية وتجاوز العقوبات الدولية، ومن جهة أخرى تُستخدم كسلاح لتدمير المجتمعات المستهدفة في المنطقة العربية وخارجها. إن التقارير الدولية التي ربطت بين شبكات إنتاج وتهريب "الكابتاغون" و"الميثامفيتامين" وبين الميليشيات التابعة لإيران في العراق واليمن وسوريا، تؤكد أننا أمام "دولة مخدرات" بامتياز، تستغل نفوذها العسكري لتأمين مسارات التهريب العابرة للحدود، وتتعاون مع كارتيلات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسب سياسية ومادية.
إن هذا التورط في تجارة السموم يكشف الوجه الحقيقي لنظام يدعي حماية القيم الأخلاقية، بينما يسعى لتدمير عقول الشباب في الداخل والخارج لضمان بقائه. ففي الداخل الإيراني، ارتفعت معدلات الإدمان بشكل مخيف نتيجة اليأس الاقتصادي وتوفر المواد المخدرة بأسعار زهيدة تحت أعين الأجهزة الأمنية التي تتغاضى عن الموزعين المرتبطين بالمنظومة العسكرية، وفي الخارج، يتم إغراق دول الجوار بالمخدرات لزعزعة استقرارها الاجتماعي والأمني، مما يجعل من نظام الولي الفقيه خطراً وجودياً يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى تهديد النسيج المجتمعي للأمم.
وبالتوازي مع الفساد والمخدرات، يبرز الإرهاب كركيزة ثالثة يقوم عليها بقاء هذا النظام. إن عقيدة "تصدير الثورة" ليست إلا مبرراً للتدخل السافر في شؤون الدول الأخرى وإنشاء جيوش موازية تدين بالولاء للفقيه في طهران لا لأوطانها. من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق، خلقت إيران شبكة من الوكلاء الذين ينفذون أجندتها التخريبية، محولة هذه الدول إلى ساحات للصراع الدائم والدمار. إن إنفاق مليارات الدولارات على التسلح والبرامج النووية والصاروخية ودعم الجماعات المسلحة، في وقت يتضور فيه المواطن الإيراني جوعاً، يعكس بوضوح أولويات "عصابة" تحكم باسم الدين، حيث يتم تقديس السلاح والموت على حساب الحياة والبناء.
إن الفشل الذريع الذي يلاحق هذا النظام في إدارة شؤون الدولة قد حول إيران إلى سجن كبير يسوده القمع والاضطهاد. فالمطالبة بالحقوق الأساسية أو انتقاد الفساد تُقابل بأشد أنواع التنكيل، تحت دعاوى "محاربة الله" أو "الارتباط بالخارج". إن استخدام الرموز الدينية مثل "المهدي المنتظر" لتبرير هذا القمع هو قمة الانحطاط الأخلاقي، حيث يتم تحويل الانتظار الروحي لدى المؤمنين إلى أداة للتخدير السياسي والقبول بالظلم، وتصوير المعاناة الحالية على أنها تمهيد لظهور المخلص، بينما الحقيقة هي أن النظام يسعى فقط لخلود سلطته والحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة.
وفي الختام، يظهر جلياً أن دولة الولي الفقيه ليست إلا منظومة هجينة تجمع بين أسوأ ما في الاستبداد التاريخي وأحدث وسائل الجريمة المنظمة. إنها دولة تعيش على الأزمات وتقتات على دماء الأبرياء وتدمر المستقبل باسم ماضٍ متخيل أو مستقبل غيبي لا تملك له مفاتيح. إن التباين الشاسع بين القصور الفاخرة لقادة النظام في الخارج، وبين العشوائيات والفقر في شوارع طهران ومشهد، وبين شحنات المخدرات التي تمر تحت حماية السلاح والبرامج العسكرية الفاشلة، كل ذلك يرسم لوحة لنظام ساقط أخلاقياً وشرعياً، ينتظر نهايته المحتومة على يد شعب لم يعد يصدق خرافاته، وعالم لم يعد يحتمل إرهابه. إن التاريخ سيسجل أن هذه الحقبة كانت واحدة من أحلك الفترات التي مرت بها المنطقة، حيث اختُطفت فيها الدولة من قبل فئة إرهابية جعلت من الفساد والنهب والموت ديناً لها.




.

نقاط تحوّل إرهابيّة: مقارنة بين جريمة طوفان الأقصى وجريمة 11 سبتمبر 2001 (مقال)

.


.
نقاط تحوّل إرهابيّة: مقارنة بين جريمة طوفان الأقصى وجريمة 11 سبتمبر 2001




يمثل التاريخ البشري سلسلة من الأحداث المتلاحقة، لكن ثمة لحظات فارقة تعمل كفواصل زمنية حادة، تقسم عمر العالم إلى ما قبلها وما بعدها، وتعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد في الولايات المتحدة، وعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، من أبرز هذه المنعطفات التي تجاوزت في أثرها حدود الجغرافيا الضيقة لتصيغ نظاماً عالمياً جديداً وتغير من مفاهيم الاستراتيجية والأمن القومي. إن المقارنة بين هذين الحدثين لا تنبع فقط من كونهما هجمات مباغتة استهدفت مدنيين وأربكت حسابات دول كبرى، بل لأن كلاً منهما كان بمثابة انتحار سياسي وأخلاقي لتنظيمات إرهابية توهمت القدرة على كسر موازين القوى الدولية، فأفرزت نتائج عكسية أدت إلى استئصال هذه التنظيمات وتغيير النظرة العالمية لمفهوم الدولة والدين والمقاومة المزعومة.
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، أحدثت هجمات سبتمبر تغييراً جذرياً في العقيدة العسكرية الأمريكية، حيث انتقلت من سياسة الردع التقليدي إلى مبدأ الضربات الاستباقية وتغيير الأنظمة التي ترعى الإرهاب، وهو ما تجلى في غزو أفغانستان والعراق. وبالمثل، نجد أن طوفان الأقصى قد أنهى تماماً حقبة الاحتواء أو التعايش مع التنظيمات المسلحة في المنطقة العربية، حيث أدرك المجتمع الدولي أن بقاء كيانات مثل حماس وحزب الله والميليشيات المرتبطة بإيران يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار العالمي وليس فقط للأمن الإقليمي. لقد أعاد السابع من أكتوبر صياغة التحالفات الدولية، فبتنا نرى اصطفافاً عالمياً ضد فكر الإخوان المسلمين والتشيع السياسي المسلح، مع تراجع القبول الدبلوماسي لأي فصيل يحمل السلاح خارج إطار الدولة الوطنية، مما جعل فكرة الدولة الفلسطينية في نظر الكثير من صانعي القرار العالمي مرادفة لإنشاء كيان إرهابي يشكل خطراً مستداماً على الممرات المائية والاقتصاد الدولي.
وفي مضمار العلاقات الدولية، أعقب الحادي عشر من سبتمبر تشكيل تحالف دولي واسع لمحاربة الإرهاب، مما عزز الهيمنة الأمريكية لسنوات طويلة تحت شعار الأمن العالمي، بينما أدى طوفان الأقصى إلى كشف هشاشة محور ما يسمى بالمقاومة الذي تقوده إيران. لقد أثبتت التداعيات أن هذا المحور، رغم خطاباته الرنانة، عاجز عن حماية أعضائه عند المواجهة الحقيقية، مما أدى إلى انهيار تدريجي في نفوذ طهران في عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. الدبلوماسية الدولية اليوم لم تعد تتحدث عن تسويات سياسية مع هذه الأطراف، بل عن تفكيك بنيتها التحتية وتجفيف منابع تمويلها، وهو تحول يشبه الطريقة التي تم بها عزل نظام طالبان وتنظيم القاعدة دولياً، مما يعكس اقتناعاً عالمياً بأن الحوار مع الفكر الراديكالي الذي يستهدف إبادة الآخر هو مضيعة للوقت واستنزاف للموارد.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد تسببت هجمات سبتمبر في خسائر هائلة لقطاع الطيران والتأمين والأسواق المالية العالمية، مما استدعى إعادة هيكلة شاملة للنظام المالي لمنع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي المقابل، نجد أن طوفان الأقصى قد وجه ضربة قاضية للاقتصادات الهشة في الدول التي تسيطر عليها الميليشيات، فلبنان واليمن وغزة باتوا يعانون من دمار اقتصادي لا يمكن التعافي منه في المدى المنظور، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب هروب الاستثمارات واليقين الدولي بأن هذه المناطق غير صالحة للنشاط الاقتصادي المستقر. إن تكلفة المغامرات العسكرية غير المحسوبة أدت إلى إفقار شعوب كاملة، وهو ما عزز القناعة لدى القوى الاقتصادية الكبرى بأن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر القضاء على هذه التنظيمات التي تتخذ من الفوضى بيئة للاستثمار والنمو.
وفي الجانب الفكري والاجتماعي، أطلقت أحداث سبتمبر موجة من النقاشات حول الإسلاموفوبيا وتصادم الحضارات، لكنها في الوقت نفسه دفعت المجتمعات الإسلامية نحو مراجعة نقدية للفكر الجهادي. وبصورة أكثر حدة، أدى طوفان الأقصى إلى سقوط الأقنعة عن أيديولوجيا الإسلام السياسي المتمثلة في الإخوان المسلمين والشيعة الثوريين، حيث رأى العالم والشارع العربي كيف تُضحي هذه التنظيمات بالشعوب والمدنيين من أجل أجندات خارجية ومكاسب سلطوية ضيقة. لقد تلاشت خرافات "النصر الإلهي" و"التمكين" تحت وطأة الدمار الذي طال الأبرياء نتيجة قرارات طائشة، مما أدى إلى كفر شريحة واسعة من المجتمعات بهذه الأيديولوجيات التي تستثمر في الموت بدلاً من الحياة، وبات هناك توجه متزايد نحو الدولة المدنية التي تفصل بين المعتقد الديني وممارسة السياسة، وهو تحول فكري يعد الأهم منذ قرون في المنطقة.
وعلى مستوى الجيوش والتكنولوجيا العسكرية، كانت هجمات سبتمبر هي الدافع لتطوير تقنيات المراقبة الجماعية، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي في تتبع الأفراد. طوفان الأقصى دفع بهذا التطور إلى آفاق أبعد، حيث رأينا استخداماً غير مسبوق للتقنيات السيبرانية، واختراق شبكات الاتصال الخاصة بالميليشيات مثل واقعة أجهزة اللاسلكي في لبنان، والاعتماد الكلي على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة في تصفية قيادات الصف الأول في غزة وبيروت. لقد تغيرت عقيدة القتال من الحروب التقليدية إلى حروب جراحية تستهدف الرؤوس المدبرة والقدرات النوعية، مما جعل الميليشيات التي تعتمد على الكثافة البشرية أو الانفاق والأسلحة التقليدية تبدو بدائية وعاجزة أمام التفوق التكنولوجي، وهو درس عسكري سيعاد تدريسه في الأكاديميات الحربية لعقود قادمة.
إن النتيجة الحتمية لهذه التحولات هي نهاية حقبة الجماعات المسلحة التي تبتز العالم باسم الدين أو القضية. فكما أدت هجمات سبتمبر إلى تشتيت القاعدة وقتل قياداتها، فإن طوفان الأقصى يكتب الفصل الأخير لنظام بشار الأسد، ووجود حزب الله كقوة عسكرية، ونفوذ حماس في غزة، وتمدد الحوثيين في اليمن. العالم بات أكثر قناعة بأن السماح بنمو هذه الأورام السرطانية كان خطأ تاريخياً، وأن الوقت قد حان لاستعادة سيادة الدول الوطنية القوية التي تلتزم بالقانون الدولي وتحمي شعوبها من أوهام المغامرين. لقد كان طوفان الأقصى في حقيقته طوفاناً جرف معه كل الشعارات الزائفة والخرافات المذهبية، ليترك المنطقة أمام خيار واحد هو السلام القائم على القوة، والتنمية القائمة على العلم، بعيداً عن أيديولوجيات الموت التي أهلكت صنّاعها ومموّليها قبل غيرهم.



.

مهزلة طوفان الأقصى الأحمق الذي أهلك صنّاعه ومموّليه (مقال)

.


.
مهزلة طوفان الأقصى الأحمق الذي أهلك صنّاعه ومموّليه




تحلّ القراءة المتأنية للمشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط اليوم كاشفةً عن حجم الحماقة الاستراتيجية التي ارتكبتها حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، وهي العملية التي أطلقت عليها مسمى "طوفان الأقصى"، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى إعصار مدمر ارتدّ على صدور صانعيها ومموليهم في طهران وضواحي بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد. إن المتأمل في تتابع الانهيارات المتسارعة يدرك أن تلك اللحظة لم تكن نصراً عابراً كما روجت الآلة الإعلامية المضللة، بل كانت المسمار الأخير في نعش مشروع "الهلال الشيعي" وأيديولوجيا الإسلام السياسي التي اتخذت من القضية الفلسطينية مطية للوصول إلى السلطة والتمدد الإقليمي. لقد أثبتت الأيام أن الحسابات الإيرانية كانت مبنية على أوهام القوة وسوء تقدير فادح لرد الفعل الدولي والإسرائيلي، مما أدى إلى كشف الغطاء عن عجز كامل في حماية الأذرع التي استثمرت فيها طهران مليارات الدولارات على مدار عقود.
بدأت ملامح هذا الانهيار الشامل تتبدى بوضوح في تآكل قدرات حزب الله في لبنان، ذلك التنظيم الذي قُدّم لسنوات كقوة لا تُقهر وذراع طولى لإيران على المتوسط. فمن خلال الانجرار وراء مغامرة حماس، وجد الحزب نفسه في مواجهة آلة عسكرية لم تكتفِ بضرب منصاته الصاروخية، بل اجتثت قياداته التاريخية ومسحت هيبته التي بناها بالدعاية والترهيب. إن ما يشهده حزب الله اليوم ليس مجرد تراجع عسكري، بل هو إعلان رسمي عن انتهاء حقبة "المقاومة" المزعومة التي كانت تبتز الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. ومع سقوط الحصن اللبناني، تهاوت أحجار الدومينو في دمشق، حيث وجد نظام بشار الأسد نفسه معزولاً ومجرداً من الحماية التي كان يوفرها له مقاتلو الحزب والمستشارون الإيرانيون. لقد كانت عملية "طوفان الأقصى" هي الشرارة التي عجلت بنهاية نظام الأسد، الذي لم يعد يملك مقومات البقاء بعد أن جفّت منابع الدعم العسكري واللوجستي التي كانت تمر عبر الحدود اللبنانية، مما كشف هشاشة السلطة في دمشق أمام أي تحرك داخلي أو خارجي جدي.
أما في طهران، فإن "الطوفان" المزعوم قد أغرق العاصمة الإيرانية في أزمات مركبة، حيث تبخرت أسطورة الردع الإيراني وتهاوت قدرتها على حماية وكلائها. إيران التي كانت تفاخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية، تجد نفسها اليوم محاصرة داخل حدودها، بينما يتم تصفية ميليشياتها في العراق وسوريا واليمن واحدة تلو الأخرى. الحشد الشعبي وحركة النجباء في العراق، والحوثيون في اليمن، تحولوا إلى أهداف مستباحة للطيران والتقنيات العسكرية المتقدمة، دون أن تتمكن إيران من تقديم أكثر من الخطابات الرنانة والوعيد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا الفشل الذريع أدى بالضرورة إلى تحطم الخرافات الأيديولوجية التي قامت عليها هذه الحركات، خاصة ما يتعلق بـ "النصر الإلهي" وعودة "المهدي المنتظر" لخوض المعارك الكبرى. لقد رأى العوام والمؤيدون كيف أن هذه القيادات التي تتاجر بالدين والخوارق تساق إلى حتوفها أو تختبئ في الخنادق، مما أحدث شرخاً عميقاً في الوجدان الجمعي للشيعة المسيسين الذين أدركوا أنهم كانوا وقوداً لمشروع سياسي توسعي لا علاقة له بالسماء.
وعلى الصعيد الفلسطيني، فقد أطلقت حماس برعونتها رصاصة الرحمة على ما كان يُسمى "خرافة الدولة الفلسطينية". إن المشاهد المروعة للإرهاب التي رافقت السابع من أكتوبر، وتغلغل الفكر المتطرف في النسيج المجتمعي والسياسي الفلسطيني، أقنعت المجتمع الدولي والقوى العظمى بأن قيام دولة فلسطينية سيكون بمثابة إنشاء قاعدة إرهابية كبرى تهدد أمن العالم واستقرار الممرات المائية والاقتصاد العالمي. لقد ترسخت القناعة بأن هذا الشعب، بقياداته الحالية وثقافته السياسية المشبعة بالتحريض، لا يستحق ولا يملك المؤهلات لبناء دولة ذات سيادة وجيش وموارد، لأنها ستتحول فوراً إلى أداة بيد القوى التخريبية. التطبيل الإعلامي الذي نراه اليوم في بعض العواصم ليس سوى ضجيج جنائزي لفكرة ماتت واقعياً على أرض غزة، حيث تحولت أحلام السيادة إلى ركام بفعل قرارات طائشة اتخذتها حفنة من الإرهابيين المرتهنين للخارج.
وفي السياق الأوسع، يمثل هذا الانهيار نهاية حقبة الإسلام كإيديولوجيا تستهدف الحكم والسلطة. لقد أثبتت تجربة حماس في غزة، وقبلها الإخوان المسلمون في دول أخرى، أن وصول هذه الجماعات إلى السلطة لا ينتج سوى الدمار والفقر والحروب العبثية. إن الفشل الذريع لمشروع حماس هو إعلان صريح عن انتهاء صلاحية الإسلام السياسي كبديل لأنظمة الحكم الحديثة. العالم اليوم بات يرى بوضوح أن هذه الحركات لا تملك مشروعاً للبناء، بل هي مجرد أدوات للهدم والتوسع القائم على تأويلات دينية متطرفة. ومع مسح حماس وحزب الله من الخارطة التأثيرية، يطوي التاريخ صفحة سوداء من استغلال الدين في الصراعات الجيوسياسية، لتبدأ مرحلة جديدة يسود فيها منطق الدولة الوطنية والمصالح المشتركة بعيداً عن أوهام الخلافة أو التمدد المذهبي الذي أهلك الحرث والنسل في المنطقة.
إن هذه النتائج التي نراها اليوم ليست سوى البداية لتصحيح مسار تاريخي انحرف لسنوات بسبب التهاون مع الإرهاب والميليشيات. لقد أدركت الدول العربية المركزية والقوى العالمية أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بوجود بؤر سرطانية مثل حماس والحوثيين والميليشيات الشيعية. لذا، فإن العمليات العسكرية المستمرة ليست مجرد رد فعل، بل هي عملية جراحية لاستئصال هذا الفكر من الجذور. النهاية الحتمية لهذا المسار هي شرق أوسط خالٍ من الأوهام الأيديولوجية، حيث تُدفن خرافات النصر الإلهي تحت أنقاض المخابئ والمقرات التي كانت تُحاك فيها المؤامرات ضد الإنسانية والحضارة. لقد كان "طوفان الأقصى" أحمقاً بما يكفي ليدمر كل ما بناه أعداء السلام في نصف قرن، وليثبت للعالم أن الإرهاب مهما تستر بالدين أو القضية، فإن مصيره المحتوم هو السحق تحت أقدام الحقيقة والواقع.




.

مسرحية الخلق والتمرد: تفكيك العقدة المنطقية في السردية الإبراهيمية (مقال)

.


.
مسرحية الخلق والتمرد: تفكيك العقدة المنطقية في السردية الإبراهيمية




تمثل قصة الخلق الأولى في الفكرين المسيحي والإسلامي حجر الزاوية الذي قامت عليه المنظومات الأخلاقية واللاهوتية لقرون طويلة، وهي ليست مجرد حكاية عن بدايات الجنس البشري، بل هي "دراما كونية" تتداخل فيها مفاهيم العلم الإلهي، والإرادة الحرة، ومعضلة الشر. عند إخضاع هذه السردية للتحليل المنطقي العقلاني، نجد أننا أمام "مسرحية" محكمة النسج من حيث البناء الدرامي، لكنها تثير تساؤلات وجودية عميقة حول عدالة "المخرج" وحرية "الممثلين". تبدأ الإشكالية من تعريف الإله في هذه المنظومات، فهو الكائن كلي العلم، كلي القدرة، والكلي الصلاح، وهذا التوصيف الثلاثي هو المحرك الأساسي لكل التناقضات المنطقية التي تظهر عند تتبع مسار الصراع بين الله وإبليس من جهة، وبين الإنسان ومصيره من جهة أخرى.
في البدء، يقدم لنا النص الديني مشهداً يتسم بالكمال المطلق، حيث الذات الإلهية توجد في فراغ وجودي قبل خلق الزمان والمكان، ثم تقرر هذه الذات خلق كائنات ذات إرادة. هنا يبرز السؤال المنطقي الأول: إذا كان الله كلي العلم، فإنه بالضرورة يعرف "مآل" كل ذرة يخلقها قبل أن يخلقها. في اللحظة التي قرر فيها الخالق تصميم كائن مثل "إبليس"، كان شريط الأحداث المستقبلي مكشوفاً أمامه بكل تفاصيله. هو يعلم أن هذا الكائن سيمتنع عن السجود لآدم، ويعلم أن هذا الامتناع سيؤدي إلى طرده من الرحمة، ويعلم أن هذا المطرود سيتحول إلى "غاوٍ" للبشرية. بناءً على هذا العلم المسبق الذي لا يخطئ، يصبح فعل الخلق نفسه هو "فعل التحديد" للمصير. إن فكرة أن إبليس "اختار" التمرد تصطدم بجدار العلم الإلهي؛ فلو كان بإمكان إبليس أن يختار عدم التمرد، لكان علم الله عنه بأنه سيتمرد علماً خاطئاً، وهذا ينفي صفة الكمال عن الإله. وإذا كان من المحتم على إبليس أن يتمرد لكي يصدق علم الله، فإن "الاختيار" هنا ليس إلا وهماً، وإبليس في الحقيقة ليس إلا أداة وظيفية تم تصميمها لتلعب دور "الشرير" الضروري لانطلاق الأحداث.
تنتقل المسرحية إلى الفصل الثاني وهو خلق آدم وحواء. في المنظور الإسلامي، يُخلق آدم من طين، وفي المسيحية يُخلق على صورة الله ومثاله، لكن في الحالتين، يوضع هذا الكائن الغض في بيئة اختبارية تسمى "الجنة". يضع الخالق قانوناً واحداً بسيطاً: عدم الأكل من شجرة معينة. وهنا تبرز المفارقة المنطقية الكبرى؛ لماذا يضع إله كامل الغنى والقدرة شجرة "محرمة" في طريق كائن صممه هو نفسه بفضول فطري ونقص معرفي؟ إن وضع الشجرة في الجنة، مع العلم المسبق بأن آدم سيأكل منها، يشبه إلى حد بعيد وضع قطعة لحم أمام جائع ثم معاقبته لأنه أكلها. التفسير اللاهوتي التقليدي يقول إن هذا "اختبار" للإرادة، لكن المنطق العقلاني يسأل: لمن هذا الاختبار؟ الله لا يحتاج للاختبار ليعرف النتيجة، فهو يعرفها سلفاً. إذن، الاختبار هو عملية "إخراجية" لإظهار النتيجة للعلن، مما يجعل المعاناة البشرية اللاحقة مجرد نتيجة لترتيبات مسبقة وضعها الخالق نفسه.
يظهر إبليس في هذا المشهد ليس كعدو متسلل، بل كجزء من الخطة. ففي عالم يحكمه إله كلي القدرة، لا يمكن لشيطان أن يدخل الجنة أو يوسوس لآدم إلا بإذن أو غض طرف إلهي. هذا يقودنا إلى استنتاج أن هناك "تواطؤاً وجودياً" غير معلن. الله يريد لآدم أن يسقط لكي تبدأ رحلة الاستخلاف في الأرض (في الإسلام) أو لتبدأ رحلة الخلاص (في المسيحية). لولا "غواية" إبليس، لبقي آدم في حالة من السكون البدائي في الجنة، ولما ظهرت الحضارة، ولما كان هناك معنى للرسالات والأنبياء. إذن، إبليس هو "المحفز" المأجور الذي يقوم بالعمل القذر الذي تطلبه الخطة الإلهية. ومع ذلك، يتم تصوير إبليس كملعون ومطرود، ويتم تصوير آدم كمذنب يحتاج للتوبة أو الفداء. هذا التناقض يضرب مفهوم "العدالة الإلهية" في مقتل؛ إذ كيف يعاقب الخالق أدواته على تنفيذ الخطة التي رسمها هو بنفسه؟
علاوة على ذلك، فإن طبيعة العقوبة التي تلت "السقوط" تثير إشكاليات أخلاقية عميقة. في المسيحية، نجد مفهوم "الخطيئة الجدية" أو الأصلية، حيث يرث كل إنسان يولد وصمة عار بسبب فعل قام به أبوه الأول. من الناحية المنطقية، هذا يتنافى مع أبسط قواعد العدالة؛ فالذنب فعل شخصي لا يُورث بيولوجياً. أما في الإسلام، فرغم أن النص ينفي وراثة الذنب، إلا أن "النتيجة" واحدة، وهي خروج البشرية جمعاء من النعيم إلى دار الكد والتعب بسبب خطأ فردي. لماذا يتحمل المليارات من البشر تبعات قرار اتخذه كائن لم يستشرهم في وجودهم أصلاً؟ وإذا كان الله قد غفر لآدم، فلماذا لم يعده إلى الجنة فوراً؟ الجواب المنطقي هو أن "الخروج" كان هو الغاية الأصلية، وما قصة الشجرة والإغواء إلا "تبرير درامي" لتفسير وجود الإنسان في عالم مليء بالألم والموت.
بالانتقال إلى شخصية إبليس، نجد أن تمرده يطرح سؤالاً حول "عدالة التصميم". إذا كان إبليس قد خُلق من نار (كما في الإسلام) أو كان ملاكاً منيراً (كما في المسيحية)، فإن طبيعته التي جُبل عليها هي التي أدت به إلى الكبر. هل يملك المخلوق أن يغير جوهره الذي وضعه الخالق فيه؟ إذا كان الله قد وضع في إبليس بذور الاعتزاز بالذات أو "الأنا" الطاغية، فمن المسؤول عن النتيجة؟ إن لوم إبليس على كبره يشبه لوم النار لأنها تحرق أو لوم العقرب لأنه يلدغ. المنطق يقول إن المسؤولية تقع على عاتق "المصمم" الذي وضع هذه الخصائص في الكائن وهو يعلم أنها ستؤدي حتماً إلى الصدام. بل إن إبليس في السردية الدينية يبدو وكأنه "موظف" مخلص في نهاية المطاف؛ فهو يقسم بعزة الله أنه سيغوي البشر، والله يمنحه "التفرغ" والوقت والمساحة للقيام بذلك. هذا "التعاقد" بين الله وإبليس يجعل من الشيطان شريكاً في الإدارة الإلهية للكون، حيث يتولى الشيطان مهمة تصفية البشر واختبار معادنهم، وهو دور لا يمكن وصفه إلا بأنه جزء من "السياسة الإلهية".
أما فيما يخص الإنسان، فإن المسرحية تضعه في موقف سيزيفي. هو مطالب بمحاربة "عدو" (إبليس) يراه ولا يراه، ويملك قدرات خارقة للوسوسة والتأثير، بينما الإنسان كائن ضعيف، محدود الإدراك، ومحكوم بغرائزه. ثم يُطلب من هذا الإنسان أن ينتصر في هذا الصراع غير المتكافئ، وتحت تهديد "العذاب الأبدي". من المنظور المنطقي، تبدو هذه المعادلة فاقدة للتوازن؛ فالمنافسة بين شيطان خالد وخبير وبين إنسان فانٍ وجاهل هي منافسة "مغشوشة" منذ البداية. وإذا كان الله يتدخل أحياناً بإرسال الأنبياء، فإنه يترك المجال واسعاً للشيطان ليفسد هذه الرسالات ويحرفها، مما يعيدنا إلى فكرة أن الغرض ليس "النجاة" بل "الغربلة" المستمرة التي لا تنتهي إلا بجحيم يملأه الله من الجنة والناس أجمعين.
إن القيمة الأخلاقية التي يُفترض أن نتعلمها من هذه القصة تصطدم دائماً بحائط "العبثية". فإذا كان الإنسان مجرد قطعة شطرنج في صراع كوني بين الله والشيطان، فأين تكمن كرامته؟ الأديان تحاول الالتفاف على ذلك بالقول إن "الحكمة الإلهية" تفوق الإدراك البشري، ولكن هذا الهروب من التفسير المنطقي هو اعتراف بوجود خلل في السردية لا يمكن حله بالعقل. إن استخدام حجة "غموض الحكمة" هو الملاذ الأخير لكل منظومة لاهوتية تعجز عن تبرير التناقض بين رحمة الله المزعومة وبين تصميمه لكون يقوم على المعاناة والابتلاء والتهديد بالاحتراق.
في الختام، يمكن القول إن مسرحية الخلق والتمرد هي إسقاط بشري بامتياز؛ فالإنسان القديم الذي كان يجهل قوانين الطبيعة وأسباب المعاناة، اخترع هذه "الدراما" لكي يعطي معنى لوجوده المأساوي. صور الله كملك عظيم يطالب بالطاعة المطلقة، وصور الشيطان كوزير متمرد يبرر وجود الشر، وصور نفسه كضحية لهذا الصراع ومركز له في آن واحد. لكن عند النظر إليها بعين العصر، وبأدوات المنطق الصارم، تظهر هذه السردية كخرافة تتناقض مع أبسط مفاهيم العدالة والاتساق العلمي. إن الإله الذي يحتاج للتآمر مع شيطان ليختبر طاعة إنسان هو إله يعكس قصور الخيال البشري في ذلك الوقت، وليس كائناً كلي الكمال. إن الحقيقة التي يثبتها المنطق والعلم هي أن الإنسان نتيجة لتطور طبيعي طويل، وأن الأخلاق هي عقد اجتماعي لحماية البقاء، أما إبليس وآدم والجنة المفقودة، فليست إلا رموزاً في "رواية" طال أمد تصديقها، وحان الوقت لقرائتها كنص أدبي يعبر عن قلق الإنسان البدائي تجاه كونه المجهول، لا كحقائق بيولوجية أو تاريخية تحكم مصيرنا الوجودي.



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...