Translate

وهم الخلاص الشمولي: قراءة نقدية في تقاطعات المشاريع القومية والشيوعية والإسلامية (مقال)

.


.
وهم الخلاص الشمولي: قراءة نقدية في تقاطعات المشاريع القومية والشيوعية والإسلامية




يمثل القرن العشرون في المنطقة العربية والشرق الأوسط ساحة صراع كبرى بين أيديولوجيات كليانية، وعدت الشعوب بالنهضة والتحرر والعدالة، لكنها انتهت في أغلب تجلياتها إلى بناء أنظمة استبدادية حطمت الفرد وصادرت الحريات وأهدرت المقدرات الاقتصادية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز المشروع القومي الناصري كنموذج محوري، تشابك في بنيته العميقة مع المشروعين الشيوعي والإسلامي، رغم ما يبدو على السطح من عداء مستعر بينها. إن التدقيق في هذه المشاريع الثلاثة يكشف أنها جميعاً تنتمي إلى عائلة واحدة من "الأيديولوجيات الشمولية" التي تقوم على نفي التعددية، وتقديس الزعيم أو التنظيم، والعداء الصريح لمنظومة القيم الليبرالية والعلمانية التي تضع الفرد وحقوقه في مركز الدولة.
بدأ المشروع القومي الناصري، الذي قاده جمال عبد الناصر، كحركة عسكرية انقلبت على نظام ملكي كان يمتلك بذوراً لليبرالية وتعددية سياسية واعدة. وبالرغم من أن ناصر حاول تصوير مشروعه كبديل أصيل نابع من تربة المنطقة، إلا أن أدواته في الحكم كانت مستقاة من رحم التنظيمات السرية الإخوانية والشمولية الستالينية. فالمشروع القومي الناصري اعتمد في جوهره على "تأميم" كل شيء، بدءاً من المصانع والشركات وصولاً إلى العقول والدين. وهذا التأميم هو النقطة المركزية التي يلتقي فيها مع المشروع الشيوعي، حيث يتم إلغاء الملكية الخاصة واعتبارها شراً يجب استئصاله لصالح "الجماعة" أو "الدولة". وفي الحقيقة، فإن انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الناجحين في عهد ناصر لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل كان عملية "نهب منظم" باسم القومية، تشبه تماماً ما قامت به البلشفية في روسيا باسم البروليتاريا. والنتيجة في الحالتين كانت واحدة: تدمير الحوافز الفردية، وهرب العقول، وتحويل الاقتصاد إلى جهاز بيروقراطي متهالك يخدم بقاء السلطة لا رفاهية المجتمع.
أما التقاطع بين المشروع الناصري والمشروع الإسلامي، فهو الأشد خطورة والأكثر تعقيداً، خاصة وأن ناصر نفسه خرج من عباءة الإخوان المسلمين وبايع تنظيمهم سرياً قبل وصوله للحكم. إن المشروع الإسلامي يطمح إلى "الحاكمية" وإقامة دولة الخلافة التي تذيب الحدود الوطنية لصالح "الأمة الإسلامية"، وهو تماماً ما حاول ناصر فعله عبر "القومية العربية" التي كانت تسعى لإذابة الهويات المحلية والوطنية لصالح هوية عروبية قسرية. كلا المشروعين ينظر إلى الدولة كأداة للهيمنة الأيديولوجية وليس كعقد اجتماعي بين مواطنين متساويين. وعندما قام ناصر بتأميم الأزهر وجعله جزءاً من جهاز الدولة الأمني، فإنه لم يحارب الفكر الإخواني، بل قام بـ "أخونة الدولة" من الداخل، حيث أصبح الحاكم هو المرشد الأعلى الذي يقرر ماهية الدين الصحيح، وهو النموذج الذي نراه اليوم بوضوح في النظام الإيراني الذي يمزج بين القبضة العسكرية والغطاء الديني الشمولي.
إن المشاريع الثلاثة تشترك في عدائها الجذري للعلمانية الليبرالية. فالعلمانية التي تفصل بين الدين والدولة وتضمن حرية الاعتقاد والضمير، تُعتبر في نظر القومي والشيوعي والإسلامي "مؤامرة غربية" تهدف لتفتيت وحدة الأمة أو الطبقة. هذا العداء المشترك أدى إلى تجريف الحياة السياسية في المنطقة، حيث تم قمع الأحزاب الليبرالية، وإغلاق الصحف المستقلة، وتحويل الجامعات من مراكز للبحث والنقد إلى ثكنات للتلقين الأيديولوجي. وفي ظل هذا المناخ، تحول "المواطن" إلى "رعية" في دولة ناصر، و"رفيق" في الدولة الشيوعية، و"تابع" في المشروع الإسلامي، بينما غاب مفهوم الإنسان الحر الذي يمتلك الحق في معارضة السلطة أو التمسك بملكيته وفكره الخاص. إن "تدمير العقل" الذي مارسه ناصر عبر أجهزة البروباغندا مثل "صوت العرب"، هو ذاته المنهج الذي تتبعه التنظيمات الإسلامية في غسل أدمغة الأتباع بأوهام الانتصارات الإلهية والوعود الميتافيزيقية.
وعند النظر إلى مآلات هذه المشاريع، نجد أن المشروع القومي الناصري انتهى بكارثة عسكرية واقتصادية في عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وهي الهزيمة التي كشفت زيف الوعود القومية بـ "رمي اليهود في البحر" وتحرير فلسطين. هذه الصدمة لم تقد الناس نحو الليبرالية، بل دفعتهم نحو "المشروع الإسلامي" الذي قدم نفسه كبديل "للهزيمة التي سببتها العلمانية المزعومة لنظام ناصر". والحقيقة أن نظام ناصر لم يكن علمانياً قط، بل كان نظاماً "ثيوقراطياً عسكرياً" استخدم الدين لشرعنة الاستبداد. ومن هنا، فإن الفشل الناصري كان هو الوقود الذي أحيا طموحات الجماعات الإرهابية، حيث وجد الشباب الذين تربوا على أدبيات "البطل المنقذ" والسمع والطاعة في التنظيم الإخواني ملاذاً جديداً يعوضهم عن انكسار الحلم القومي.
المشروع الشيوعي بدوره، الذي حاول التغلغل في المنطقة عبر بوابة العداء للاستعمار، سقط عالمياً بسقوط جدار برلين، لكن إرثه في الإدارة المركزية القمعية لا يزال حياً في بنية الأنظمة التي استلهمت نموذج "الحزب الواحد" والسيطرة الكاملة للدولة على مصادر الرزق. إن التشابه بين ستالين وناصر وصدام حسين يكمن في تأليه الشخصية وتحويل الدولة إلى غاية في حد ذاتها، حيث يتم التضحية بملايين البشر من أجل أهداف أيديولوجية وهمية. هؤلاء المستبدون الحمقى دمروا البنى التحتية والمجتمعية لبلادهم تحت شعارات الصمود والتصدي، بينما كان الواقع هو الفقر والقمع والتبعية للدول الكبرى. إن المشروع القومي، تماماً مثل الشيوعي والإسلامي، هو مشروع "ضد التاريخ" لأنه يتجاهل أهم حقيقة في الوجود البشري وهي "التنوع" وضرورة التنافس الحر في الأفكار والاقتصاد.
لقد قامت هذه المشاريع الثلاثة على فكرة "الإقصاء"؛ فالقومي أقصى كل من ليس عربياً (بما في ذلك الأقليات التاريخية واليهود والأجانب الذين كانوا جزءاً من نسيج المنطقة)، والإسلامي يقصي كل من ليس مسلماً أو من يخالف فهمه للدين، والشيوعي يقصي كل من يمتلك رأساً للمال أو فكراً مستقلاً. هذا الإقصاء أدى إلى هجرة العقول والأموال، وتحولت المدن الكوزموبوليتانية مثل القاهرة والإسكندرية وبغداد من مراكز حضارية عالمية إلى مدن منغلقة ومتهالكة. إن عملية السرقة التي تمت باسم القومية وتأميم الممتلكات كانت الضربة القاضية للاقتصاد الحر، حيث تم تسليم إدارة الشركات لضباط جيش أو بيروقراطيين لا يفقهون في لغة السوق، مما أنتج فساداً مؤسسياً لا تزال المنطقة تعاني منه حتى اليوم.
إن البديل الحقيقي والوحيد الذي تم محاربته بضراوة من قبل هذه التيارات الثلاثة هو "الدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية". إنها الدولة التي لا تتبنى ديناً ولا أيديولوجيا، بل تحمي حق الجميع في ممارسة قناعاتهم. هي الدولة التي تقدس الملكية الخاصة وتعتبرها امتداداً لحرية الفرد وكرامته. إن الفرق بين مشروع ناصر والمشروع الليبرالي هو الفرق بين "القطيع" و"المواطن". ففي المشروع الليبرالي، الدولة هي خادم للمجتمع ومدير للعقد الاجتماعي، بينما في المشاريع القومية والإسلامية والشيوعية، المجتمع هو خادم للدولة والأيديولوجيا. إن الفشل الذريع الذي نراه اليوم في الدول التي تبنت هذه الشعارات هو أكبر دليل على أن العقل العربي قد تم تضليله لعقود عبر سلسلة من الأكاذيب الأيديولوجية التي كانت تهدف فقط لتمكين طبقة معينة من السلطة.
في الختام، يظهر جمال عبد الناصر في هذا التحليل ليس كبطل للتحرر الوطني، بل كقنطرة عبرت عليها الشمولية الإخوانية والستالينية لتستقر في قلب الدولة. إن ناصر الذي بايع الإخوان واعتمد أساليبهم في التنظيم، هو الذي مهد الطريق لكل الكوارث اللاحقة عبر تحطيم العقل النقدي وتأميم الدين والممتلكات. إن المقارنة بين المشروع القومي والشيوعي والإسلامي تكشف أنها وجوه لعملة واحدة هي "الاستبداد المطلق". إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب اعترافاً شجاعاً بأن هذه المشاريع قد سقطت ولن تعود، وأن الطريق الوحيد لبناء حضارة حقيقية يمر عبر احترام الفرد، وفصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً، وإقامة ديمقراطية ليبرالية تضمن تداول السلطة وسيادة القانون فوق الجميع، بعيداً عن أوهام القومية وسراب الخلافة وجحيم الشمولية. إن "تأميم العقل" كان الخطيئة الناصرية الكبرى، وتحرير هذا العقل هو الخطوة الأولى نحو المستقبل.




.

جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي (مقال)

.


.
جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي




يظل التاريخ الرسمي في المنطقة العربية، وخاصة المصري منه، أسيراً لسردية عاطفية رسمتها أجهزة الدعاية الناصرية لعقود، وهي سردية حاولت بشتى الطرق تصوير جمال عبد الناصر كالنقيض الوجودي لجماعة الإخوان المسلمين. غير أن القراءة العميقة والمجردة للمسار السياسي لعبد الناصر، بعيداً عن صخب الأناشيد القومية، تكشف عن حقيقة أكثر تعقيداً وخطورة، وهي أن ناصر لم يكن مجرد عسكري استهواه العمل السياسي، بل كان ابناً باراً لأدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، ومنفذاً أميناً لمنهجهم الشمولي، حتى وإن اصطدم برؤوس التنظيم لاحقاً في صراع محموم على السلطة المطلقة. إن تحليل شخصية ناصر من خلال أدبيات التنظيم الإرهابي يكشف لنا أننا لم نكن أمام مشروعين متناقضين، بل أمام "إخوانية عسكرية" نجحت في تأميم الدولة والمجتمع والدين، محققةً ما عجز عن تحقيقه حسن البنا وسيد قطب عبر العمل التنظيمي الصرف.
بدأت العلاقة بين جمال عبد الناصر وتنظيم الإخوان المسلمين في أربعينيات القرن الماضي، وهي فترة التكوين التي صاغت وعيه السياسي. لم يكن ناصر غريباً عن أروقة التنظيم، بل كان عضواً فاعلاً ومبايعاً في "النظام الخاص"، وهو الجناح العسكري السري الذي أسسه حسن البنا للقيام بأعمال الاغتيال والإرهاب. إن يمين الولاء الذي أداه ناصر في تلك الغرف المظلمة لم يكن مجرد طقس عابر، بل كان انصهاراً في فلسفة "السمع والطاعة" و"الحاكمية" التي تقوم عليها أدبيات الإخوان. هذه الخلفية تفسر بوضوح لماذا اعتمد ناصر، بعد استيلائه على السلطة في عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين، على منهجية "الخلية السرية" في إدارة الدولة، حيث تحولت مصر من مملكة ذات تعددية سياسية وحزبية وجالية دولية متنوعة، إلى ضيعة مغلقة تخضع لرقابة الأجهزة الأمنية التي استنسخت أساليب "النظام الخاص" في القمع والتصفية.
إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها ناصر، والتي تتسق تماماً مع أدبيات الإخوان، هي عملية تدمير "العقل المصري" عبر القضاء على التعددية تحت ستار القومية. لقد كان المشروع الإخواني يطمح دوماً لصبغ المجتمع بصبغة واحدة وإلغاء "الآخر"، وهو ما نفذه ناصر ببراعة فائقة حين أقدم على تأميم المؤسسات والممتلكات. هذه العملية لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية اشتراكية كما رُوّج لها، بل كانت عملية "سرقة مقننة" استهدفت انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الليبراليين، وتفكيك الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان ضد التطرف. إن طرد الجاليات الأجنبية وتصفية الوجود اليهودي في مصر لم يكن فعلاً وطنياً، بل كان تجسيداً للفكر الإخواني الإقصائي الذي يرى في "الآخر" عدواً يجب استئصاله لتستقيم "جماعة المؤمنين" أو في حالة ناصر "جماعة القوميين". بهذه الخطوة، حوّل ناصر مصر من مركز كوزموبوليتاني منفتح على العالم إلى ثكنة عسكرية منغلقة، تسودها لغة الكراهية والتحريض ضد كل ما هو غير "عربي مسلم" وفق تعريفه الضيق.
وفيما يخص "تأميم الدين"، فإن ما قام به ناصر تجاه الجامع الأزهر في عام ألف وتسعمئة وواحد وستين يعتبر التطبيق الأكمل لفكرة "المرشد" ولكن بزي عسكري. إن أدبيات الإخوان المسلمين تقوم على فكرة شمولية الإسلام ليكون هو الدولة والدولة هي هو، وناصر بتذويبه للأزهر وجعله مجرد إدارة حكومية تابعة لرئاسة الجمهورية، حقق جوهر هذا المطلب. لقد أراد ناصر أن يكون هو "الإمام" الذي يحدد للناس ما هو الحلال وما هو الحرام سياسياً، تماماً كما تفعل ولاية الفقيه في النموذج الإيراني لاحقاً أو كما يطمح مرشد الإخوان. هذا الإلحاق القسري للمؤسسة الدينية بجهاز الدولة أدى إلى "تغول الأزهر" بمرور الوقت، حيث منحته الدولة سلطة معنوية وسياسية هائلة في مقابل ولائه للزعيم، مما خلق وعياً مشوهاً لدى الجماهير يمزج بين القداسة الدينية والديكتاتورية العسكرية. إن هذا التشويه هو الذي غرس بذور التطرف التي حصدناها لاحقاً، فالعقل الذي اعتاد على السمع والطاعة لـ "القائد الملهم" هو نفس العقل الذي استسلم بسهولة لـ "الداعية المتطرف".
أما خطاب "رمي اليهود في البحر" وتغذية أوهام الجماهير، فهو صدى مباشر للخطابة الإخوانية الحماسية التي تستبدل الواقع بالعواطف الجياشة. لقد دمر ناصر ملكة النقد لدى المصريين عبر آلة إعلامية ضخمة كانت تبث الأكاذيب والوعود الزائفة بالانتصار والتحرر، بينما كان الواقع يشير إلى تآكل بنية الدولة واقتصادها. إن التماهي بين ناصر وصدام حسين في هذا السياق يوضح أننا أمام مدرسة واحدة في "الديكتاتورية الحمقاء" التي تستخدم الشعارات القومية والدينية لتغطية الفشل العسكري والسياسي. فالمشروع القومي العربي، كما صاغه ناصر، لم يكن إلا "أيديولوجيا احتلال" بديلة، حاولت فرض هوية قسرية على شعوب المنطقة وتجاهلت التنوع الثقافي والتاريخي، تماماً كما تحاول المشاريع الإسلاموية فرض خلافة متخيلة لا تعترف بالحدود أو الخصوصيات الوطنية. إن الاعتماد على اللغة أو الدين كأدوات وحيدة للانتماء، مع إهمال قيم المواطنة والليبرالية، جعل من هذه المشاريع مجرد أوهام ساقطة أدت في النهاية إلى كوارث كبرى، كان أكبرها نكسة يونيو عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين.
إن الصراع الذي نشب بين ناصر والإخوان لم يكن صراعاً بين مشروع حداثي ومشروع ظلامي، بل كان صراعاً على "حق الامتياز" في قيادة القطيع. لقد أدرك ناصر أن وجود تنظيم الإخوان كقوة مستقلة سيزاحمه في سلطته المطلقة، فقرر تصفيتهم جسدياً وتنظيمياً، ليس حباً في العلمانية، بل حمايةً لعرشه. وفي الوقت الذي كان يسجن فيه قيادات الإخوان، كان يطبق برامجهم التعليمية والاجتماعية التي تزرع في الأطفال روح الاستشهاد والعداء للغرب والديمقراطية. إن تدمير العقول بدأ من المدرسة التي أصبحت تخرج أجيالاً تؤمن بأن القائد لا يخطئ وأن المؤامرات الخارجية هي السبب الوحيد لكل فشل محلي. هذه "الإخوانية المستترة" في نظام ناصر هي التي جعلت المجتمع المصري، بعد وفاته، يميل بشدة نحو التيارات الإسلامية، لأن ناصر كان قد أفرغ الساحة من أي بديل ليبرالي أو علماني حقيقي، وترك الناس بعقول مهيأة تماماً لتقبل خطاب "الإسلام هو الحل" بعد أن فشل خطاب "القومية هي الحل".
لقد كانت الدولة في العصر الملكي، رغم عيوبها، تمتلك بذور "دولة القانون" والتعددية، وكانت الملكية الفردية مصانة، والجامعات مراكز للتنوير الحقيقي. جاء ناصر ليقتلع هذه البذور باسم "الثورة"، فكان ما فعله هو عملية "نهب منظم" لمقدرات البلاد تحت شعارات براقة. إن تأميم الممتلكات والشركات لم يذهب لصالح "الفقراء" كما ادعى، بل ذهب لصالح طبقة جديدة من "البيروقراطية العسكرية" التي أدارت هذه المؤسسات بعقلية التنظيم السري، مما أدى إلى انهيار الإنتاج وهرب الكفاءات. إن رحيل الجاليات اليونانية والإيطالية واليهودية والمصرية الليبرالية لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان "إخصاءً ثقافياً" لمصر، حيث جُففت منابع التنوع والجمال والإبداع، وحل محلها القبح المعماري والفكري الذي نراه اليوم. إن هذا التدمير الممنهج هو الذي مهد الطريق للدولة الأمنية الشمولية التي نراها في نماذج صدام حسين وغيره، حيث يصبح الوطن مجرد سجن كبير، والمواطنون مجرد رهائن لأوهام الحاكم.
ختاماً، لا يمكن فهم كارثة جمال عبد الناصر إلا باعتبارها قمة التجلّي للفكر الإخواني في ثوب عسكري. إن "الديكتاتور الأحمق" الذي دمر اقتصاد مصر ومزق نسيجها الاجتماعي، لم يكن إلا منفذاً لأدبيات التنظيم الإرهابي في إقصاء الآخر وتأمين السلطة بالقوة وتزييف الوعي الجماهيري. إن المشاريع الشمولية، سواء كانت قومية أو شيوعية أو إسلامية، قد أثبتت فشلها الذريع لأنها تقوم على نفي الفرد وإلغاء العقل وتدمير الملكية الخاصة. إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة التاريخية الكارثية ليس بالعودة إلى أوهام ناصر أو الشعارات الدينية، بل في التبني الصريح والشجاع للدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية؛ تلك الدولة التي تفصل الدين عن الدولة فصلاً كاملاً، وتحمي حقوق الأفراد وممتلكاتهم بقوة القانون، وتؤسس لمواطنة حقيقية لا تفرق بين البشر على أساس العرق أو اللغة أو المعتقد. إن استمرار تقديس ناصر أو محاولة تصويره كبطل قومي هو استمرار في ذات التيه الذي أضاع عقول الأمة لعقود، وحان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها: ناصر كان "إخوانجياً" في المنهج والأدوات، وما حصدناه من خرابة كان النتيجة الحتمية لهذه الخلطة السامة بين العسكرة والأيديولوجيا الإقصائية.





.

أسطورة الوصي وفلسفة المظلومية: تفكيك الشخصية الورقية لعلي بن أبي طالب في المتخيل العباسي (مقال)

.


.
أسطورة الوصي وفلسفة المظلومية: تفكيك الشخصية الورقية لعلي بن أبي طالب في المتخيل العباسي



تعتبر شخصية علي بن أبي طالب واحدة من أكثر النماذج تعقيداً في التراث الديني العالمي، ليس بسبب وفرة الحقائق التاريخية عنها، بل بسبب الكثافة الدرامية والأسطورية التي أحاطت بها حتى تحولت من مجرد كائن بشري مفترض إلى أيقونة كونية تختزل صراعات السلطة والميتافيزيقا. إن البحث في هذه الشخصية لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الذي كُتبت فيه المرويات، وهو العصر العباسي الذي شهد ولادة "المصنع" الأيديولوجي الضخم الذي صاغ الإسلام كما نعرفه اليوم. ومن خلال فحص السرديات الإسلامية بشقيها السني والشيعي، يتبدى لنا بوضوح أننا أمام بناء أدبي وسياسي تراكمي، سعى إلى تحويل شخصية علي إلى مساحة لتسوية الحسابات التاريخية وتبرير التطلعات السياسية، مما أنتج شخصية مليئة بالتناقضات المنطقية التي تنهار أمام أدنى محاكمة عقلية محايدة.
إن المدخل الأساسي لنقد هذه الشخصية يبدأ من التشكيك في وجودها المادي أصلاً، نظراً لغياب الأدلة الأركيولوجية أو النقوش المعاصرة التي تثبت وجود خليفة بهذا الاسم خاض كل تلك الحروب الكبرى. فبينما يمتلئ التراث بمئات الآلاف من الصفحات التي تصف أدق تفاصيل حياته، من زهده في الطعام إلى بطولاته في المعارك، تعجز الحفريات والمسكوكات عن تقديم دليل واحد يقطع بوجود هذا الكيان التاريخي. هذا الانفصال بين ضخامة السرد وغياب الأثر يقودنا إلى استنتاج أن "علياً" هو بطل رواية عباسية بامتياز، صُممت ملامحه بعناية لتلبي حاجة الدولة الجديدة إلى "بطل تراجيدي" يمنح الشرعية لآل البيت، وفي الوقت نفسه يكون جسراً لنقل السلطة من الأمويين إلى العباسيين تحت شعار الرضا من آل محمد.
وعندما نتأمل في مفهوم "الحق" الذي يربطه الكاتب صباح الزهيري وغيره بشخصية علي، نجد أننا أمام مصطلح زئبقي لا يحمل أي مضمون مادي. فالحق في الرواية الإسلامية هو مجرد أداة لإقصاء الآخر، حيث يرى الإرهابي نفسه على حق، ويرى المسالم نفسه على حق، وكان علي في المتخيل الإسلامي يرى نفسه على حق وهو يقاتل أصحابه بالأمس في حروب الجمل وصفين والنهروان. هذه الزئبقية جعلت من شخصية علي نموذجاً للمقاتل الذي يسفك دماء "إخوته في الدين" تحت غطاء اليقين المطلق، وهي صفة تتناقض تماماً مع صورة الحكيم والزاهد التي يحاول المقال المذكور ترويجها. إن الصراع على السلطة والنفوذ والمال هو المحرك الفعلي لهذه الشخصيات، تماماً كما كان حال محمد وأتباعه، حيث لم يكن الزهد إلا غلافاً أيديولوجياً لتبرير الفشل في الاستقرار السياسي أو كسب الولاءات المطلقة.
تتجلى التناقضات الصارخة في السيرة المفترضة لعلي عند فحص واقعة "كسر الضلع" الشهيرة في المذهب الشيعي، وما يقابلها من تهديد بالحرق في المصادر السنية. هذه الحادثة تمثل الفخ المنطقي الذي يسقط فيه المروجون لأسطورة البطاقة الخارقة لعلي. فمن جهة، يصوره الخيال الإسلامي كفارس لا يُهزم، يقلع أبواب الحصون بيد واحدة ويقتل العشرات بضربة سيف، ولكن في لحظة "الاختبار الأخلاقي" الأهم، نراه يقف عاجزاً صامتاً بينما تُهان زوجته فاطمة ويُكسر ضلعها ويُسقط جنينها أمام عينيه. هذا التناقض القاتل ينسف صورة الشجاعة المطلقة، ويظهر الشخصية ككيان ورقي تم التلاعب بخصائصه حسب حاجة القصة؛ ففي الحرب هو "سوبرمان"، وفي التبرير السياسي هو "المظلوم الصابر" الملتزم بوصية غيبية لا معنى لها. إن هذا التحول في الشخصية يثبت أننا أمام تأليف أدبي وليس تأريخاً واقعياً، حيث حاول المؤلف العباسي دمج فكرة "المظلومية" لاستدرار العطف مع فكرة "البطولة" لترهيب الخصوم، فخرج بمسخ مشوه لا يقبله العقل السليم.
علاوة على ذلك، فإن الطائفية التي تضرب جذورها في هذه السرديات لم تكن عارضاً طارئاً، بل هي المحرك الأساسي لنشوء فكرة الإسلام والفرق المنبثقة عنها. لقد بُنيت هذه المنظومة على أساس العداء للآخر، بدءاً من اليهودية والمسيحية والوثنية، وصولاً إلى الانشطار الداخلي الذي جعل من كل طائفة "ناجية" ومن الآخرين "ضالين". إن شخصية علي كانت الوقود الأهم لهذا الانشطار؛ فبينما يرفعه الشيعة إلى مقام الألوهية أو العصمة المطلقة، يضعه السنة في إطار الحاكم الذي أخطأ في تقدير الأمور وأدخل الأمة في فتن. وكلا الطرفين يستخدم أكاذيب مختلقة لتعزيز سرديته، حيث تُضاف كرامات ومعجزات وخرافات مثل "كلام الأوز" أو "القدر المحتوم" لتغييب الوعي الجمعي ومنعه من رؤية الحقيقة البسيطة، وهي أن هذه الصراعات كانت محض صراعات بشرية على الغنائم والكراسي، تم تغليفها لاحقاً بقداسة مزيفة.
إن استمرار مفعول هذه الخرافة على العقل المعاصر يعود إلى آليات التلقين والترهيب الفكري التي تمارسها المؤسسات الدينية والتعليمية. فالعقل الذي ينشأ على قداسة هذه الرموز يجد نفسه عاجزاً عن التشكيك في وجودها أو في أخلاقها، لأن ذلك يعني هدم الهوية الشخصية والجمعية. إن التمسك بكلمات مثل "سلطة الحق" و"فلسفة اليقين" ليس إلا محاولة للهرب من الواقع التاريخي المخزي المليء بالدماء والاغتيالات. فالإسلام، كمنظومة خرجت من رحم معتقدات سابقة وتم تشويهها لخدمة الإمبراطورية، لم ينتج إلا طوائف تتحارب من أجل السيادة، مستخدمة شخصيات خرافية كرموز لشرعيتها. وفي ظل غياب المقاييس الثابتة في الأديان، يصبح الادعاء بالحق هو الوسيلة الأسهل لجمع الأتباع وبناء جدران من الحقد تجاه الآخر، مما يجعل من شخصية علي بن أبي طالب ضحية ومحرضاً في آن واحد داخل هذا السيرك الأيديولوجي الكبير.
في النهاية، يظل فحص شخصية علي بن أبي طالب من منظور نقدي راديكالي هو السبيل الوحيد لتحرير العقل من أسر المرويات العباسية. إن مواجهة هذه الشخصية بحقيقتها كبناء لغوي وأسطوري تقتضي الجرأة على هدم الأصنام الفكرية التي دامت لقرون. فالحق لا يمكن أن يكون زئبقياً، والبطولة لا يمكن أن تجتمع مع العجز المطبق أمام حماية الأهل، والزهد لا يمكن أن يكون ستاراً لجمع الأموال والنساء. إن تفكيك هذه الخرافات هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي يعتمد على البرهان المادي والمنطق البشري، بعيداً عن "مقامات" التبجيل التي لا تفعل شيئاً سوى تجميل وجه الإرهاب التاريخي وإطالة عمر الطائفية البغيضة التي تمزق المجتمعات باسم رموز لا وجود لها إلا في بطون الكتب الصفراء. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى "فرسان" من ورق، بل يحتاج إلى عقول قادرة على نقد المقدس وتجاوز خزعبلات الماضي نحو مستقبل مبني على الحقيقة لا غير.



.

التربية على الولاء والبراء: تدمير العقد الاجتماعي العالمي وصناعة الكراهية العقدية (مقال)

.


.
التربية على الولاء والبراء: تدمير العقد الاجتماعي العالمي وصناعة الكراهية العقدية




تعد عقيدة الولاء والبراء واحدة من أكثر المفاهيم الدينية مركزية وخطورة في المنظومة الفكرية الإسلامية، حيث تمثل العمود الفقري الذي تقوم عليه صياغة علاقة المسلم بذاته وبالعالم من حوله. إن هذه العقيدة ليست مجرد موقف قلبي عابر، بل هي منظومة تربوية شمولية تهدف إلى إعادة هندسة الوجدان البشري ليكون قائماً على ثنائية حادة لا تقبل المساومة: الحب المطلق والتبعية الكاملة لكل ما ينتمي للعقيدة (الولاء)، والبغض المطلق والعداء المستمر لكل ما ومن يختلف عنها (البراء). إن التربية على هذا المفهوم منذ الطفولة المبكرة تمثل عملية تجريف ممنهجة للروابط الإنسانية الشاملة، حيث يتم استبدال فطرة التعاطف البشري والفضول المعرفي تجاه الآخر ببرمجة ذهنية تزرع الكراهية كأصل وجودي. هذا البحث يسعى لتفكيك أثر هذه العقيدة في تدمير مفهوم العقد الاجتماعي العالمي، وكيف أنها تلغي قيم المواطنة والتعايش لصالح روابط ضيقة تؤسس لصراعات أبدية لا تنتهي إلا بمحو الآخر أو إخضاعه.
تبدأ مأساة الولاء والبراء من داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية الدينية، حيث يُلقن الطفل أن هويته لا تُعرف بما يقدمه من خير للبشرية، بل بمن يوالي ومن يعادي. يتم تحويل "الحب والبغض" من مشاعر إنسانية تلقائية تخضع للمعايير الأخلاقية والسلوكية إلى "واجبات دينية" مرتبطة بالهوية العقائدية حصراً. الطفل الذي يتعلم أن عليه "بغض الكافر" لله، حتى لو كان هذا الكافر جاراً مسالماً أو طبيباً يداويه أو عالماً يخدم البشرية، ينمو ولديه انفصام أخلاقي حاد. هو يرى الإنسانية في الآخر، لكن العقيدة تأمره بإلغاء هذا الإدراك واستبداله بكراهية "مقدسة". هذه التربية تقتل في مهدها فكرة العقد الاجتماعي الذي يقوم على الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد، وتستبدلها برابطة "الدم والعقيدة" التي ترى في غير المنتمي لها عدواً محتملاً أو كائناً أدنى لا يستحق الولاء.
إن إحدى أخطر نتائج التربية على الولاء والبراء هي تفتيت مفهوم المواطنة الوطنية والعالمية. فالمواطنة الحديثة تقوم على الولاء للدولة وللقانون وللقيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين مختلف الأطياف في حيز جغرافي واحد. أما عقيدة الولاء والبراء، فهي تضع "الرابطة العقدية" فوق كل اعتبار وطني أو إنساني. المسلم المتربّي على هذه العقيدة يجد نفسه مضطراً لموالاة مسلم غريب في أقصى الأرض، حتى لو كان متطرفاً أو مجرماً، والبراءة من مواطنه المخالف له في الدين، حتى لو كان وفياً لوطنه. هذا الانقسام الولائي يخلق "مجتمعات موازية" داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش الأفراد بجسدهم في وطن وبولائهم في فضاء أيديولوجي عابر للحدود يزدري قوانين الدولة المدنية ويراها "قوانين وضعية كفرية". هنا يصبح التعايش مجرد "هدنة" أو "تقية" تفرضها موازين القوى، وليس قناعة أخلاقية بالعيش المشترك، مما يجعل السلم الأهلي هشاً وقابلاً للانفجار عند أول صدام أيديولوجي.
علاوة على ذلك، تعمل هذه العقيدة على "تجريد العالم من إنسانيته" عبر تقسيم البشرية إلى معسكرين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. هذا التقسيم يلغي مفهوم "المواطنة العالمية" التي تسعى المنظمات الدولية والقوانين الحديثة لترسيخها. فبدلاً من رؤية التنوع الثقافي والديني كإثراء للجنس البشري، تراه عقيدة الولاء والبراء كتهديد يجب الحذر منه أو محاربته. الكراهية الفطرية التي تُزرع تجاه "المختلف" تمنع الفرد من تقدير الإنجازات الحضارية والعلمية للأمم الأخرى، حيث يُنظر لكل ما ينتجه "الآخر" بريبة وشك، بوصفه محاولة لغزو عقول المسلمين أو صرفهم عن دينهم. هذا الانغلاق الفكري يحرم المجتمعات الإسلامية من الاندماج الحقيقي في المسيرة الحضارية العالمية، ويجعلها تعيش في حالة دفاعية مستمرة وتوجس دائم من كل ما هو "أجنبي"، مما يؤسس لعداء وجودي يتجاوز المصالح السياسية ليصل إلى صراع على الهوية والبقاء.
إن عقيدة الولاء والبراء تمثل أيضاً البنية التحتية النفسية التي يرتكز عليها الإرهاب والتطرف. فلكي يقدم الانتحاري على قتل الأبرياء، يجب أولاً أن يتمكن من "البراءة" منهم تماماً، أي نزع أي رابطة إنسانية تجمعه بهم. التربية المكثفة على بغض الآخر تجعل عملية القتل مجرد نتيجة منطقية لعداء مسبق تم تأصيله شرعياً. عندما يسمع الشاب لسنوات أن "الكفار" هم أعداء الله، وأن موالاتهم مخرج من الملة، وأن بغضهم من أوثق عرى الإيمان، فإنه يصبح مهيأً تماماً لرؤية الدماء المسفوكة كعمل بطولي. إن الإرهاب ليس سوى "التطبيق العملي" لعقيدة البراء في ذروة توحشها. وبدون تفكيك هذه العقيدة في المناهج التعليمية والخطاب الديني، سيظل العالم يواجه موجات متلاحقة من العنف؛ لأن المشكلة ليست في "السلاح" بل في "العقل" الذي تم حشوه بكراهية الآخر قبل أن يتعلم كيف يحب نفسه.
كما تؤدي هذه التربية إلى تدمير الروابط الأسرية والاجتماعية في حالات الاختلاف الفكري. فعقيدة الولاء والبراء تفرض على المرء التبرؤ حتى من أقرب الناس إليه، كالوالدين أو الإخوة، إذا ما اختاروا طريقاً فكرياً مختلفاً أو تركوا الدين. هذا التمزيق للنسيج الاجتماعي الصغير (الأسرة) يعكس مدى توغل هذه العقيدة في تدمير الفطرة البشرية. الإنسان الذي يُطالب بالتضحية بمشاعره الطبيعية نحو أهله في سبيل "الولاء العقدي" هو إنسان يتم تجريده من مشاعره الإنسانية ليصبح آلة أيديولوجية صماء. هذا النوع من "الشمولية العقدية" لا يترك مساحة للحرية الفردية أو للتعددية، ويحول المجتمع إلى ثكنة عسكرية قائمة على الطاعة والولاء الأعمى، حيث يُصنف أي نقد أو اختلاف كخيانة تستوجب البراءة والمقاطعة أو حتى القتل.
من الناحية الجيوسياسية، تساهم عقيدة الولاء والبراء في تأجيج الصراعات الأبدية بين الدول والمجتمعات. فالعلاقات الدولية في ظل هذه العقيدة لا تقوم على المعاهدات والمصالح المتبادلة والاحترام السيادي، بل تقوم على منطق "السيادة للعقيدة". هذا المنطق يرى في الدول غير المسلمة "دار حرب" بالضرورة، وفي المعاهدات مجرد وسيلة مؤقتة للتمكين. هذا الفكر يمنع نشوء استقرار عالمي حقيقي، لأنه يغذي طموحات "أممية" توسعية تزدري الحدود الوطنية وتطمح لفرض نظام واحد على المعمورة. إن الصراع الذي تؤسس له هذه العقيدة هو صراع "صفري" لا يقبل الحلول الوسط؛ فإما الولاء التام أو البراء التام والعداء المستمر. وهذا هو الجذر الحقيقي لفشل الكثير من محاولات الاندماج للمهاجرين في المجتمعات الغربية، حيث تظل عقيدة الولاء والبراء حاجزاً نفسياً يمنع الفرد من الولاء الحقيقي لمجتمعه الجديد وقوانينه، ويجعله يعيش كـ "غريب معادٍ" في الداخل.
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب ثورة تعليمية وفكرية تضع "الإنسان" فوق "العقيدة". يجب الاعتراف بأن التربية على كراهية الآخر هي جريمة بحق الطفولة وبحق السلم العالمي. إن البديل الحقيقي لعقيدة الولاء والبراء هو "العقد الاجتماعي العالمي" القائم على المواطنة العالمية، وحقوق الإنسان، وقبول التعددية كقيمة إنسانية عليا. يجب تعليم الأطفال أن الولاء يكون للقيم الأخلاقية العالمية كالحق والعدل والصدق والتعاون، وليس لهوية ضيقة تزدري الآخرين. إن فك الارتباط بين "الدين" وبين "العداء السياسي والاجتماعي" هو السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمعات من دوامات العنف والكراهية. بدون ذلك، ستظل عقيدة الولاء والبراء تعمل كـ "لغم موقوت" في قلب الحضارة الإنسانية، يهدد بتفجير كل محاولات التقارب والتعايش، ويبقي البشرية أسيرة لصراعات القرون الوسطى في عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء.
في الختام، يمثل الولاء والبراء المسمار الأخير في نعش التضامن الإنساني إذا ما استمر كمنهج تربوي وعقدي. إنه يلغي "إنسانية الإنسان" ويختزله في تصنيف طائفي ضيق، مما يؤدي إلى تجريف الأخلاق الكونية واستبدالها بأخلاقية "العصابة العقدية". إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تجاوز هذه المفاهيم الإقصائية وبناء وجدان بشري يحتفي بالاختلاف ويرى في كل إنسان شريكاً في الوجود، لا عدواً في العقيدة. إن كسر حلقة الكراهية الموروثة يبدأ من شجاعة نقد النصوص والتقاليد التي تقدس البراء وتزدري الآخر، ومن إعادة الاعتبار للفطرة البشرية التي تميل للحب والتعاون، قبل أن تلوثها أيديولوجيات الموت والعداء الأبدي. إن العقد الاجتماعي العالمي لا يمكن أن يستقيم طالما أن هناك من يربي أجياله على أن "بغض الآخر" هو أقصر الطرق لمرضاة السماء. الحقيقة هي أن السماء لا تُرضى بتدمير الأرض، والولاء الحقيقي يجب أن يكون للحياة وللبشرية جمعاء، بعيداً عن صنم الولاء والبراء الذي لم ينتج سوى الدمار والفرقة والضياع.



.

تسفيه الدنيا كجيفة: أثر الزهد القسري على التخلف الحضاري وفصام ونفاق النخبة الدينية (مقال)

.


.
تسفيه الدنيا كجيفة: أثر الزهد القسري على التخلف الحضاري وفصام ونفاق النخبة الدينية



تبدأ جذور الانحطاط الحضاري في أي أمة من اللحظة التي يتم فيها ضرب العلاقة العضوية بين الإنسان وبين واقعه المادي، حيث يُدفع الفرد دفعاً نحو ازدراء الوجود الذي يعيشه لصالح غيب مجهول لا يمكن إثباته. في المنظومة الإسلامية، مورس هذا النوع من التجريف الذهني عبر قرون من خلال نصوص وأدبيات دأبت على وصف الحياة الدنيا بأنها "لعب ولهو"، وبأنها "متاع الغرور"، بل ووصل الأمر في الأدبيات الوعظية إلى وصف الدنيا بأنها "جيفة" لا يلهث وراءها إلا الكلاب. هذا التسفيه الممنهج للحياة لم يكن مجرد دعوة روحية للسمو، بل كان معولاً هدم القيم البنائية في المجتمعات، حيث أدى هذا الزهد القسري إلى خلق أجيال معطلة تنظر إلى العلم والفن والعمل كأنها أنشطة هامشية أو حتى رجس من عمل الشيطان، مما ألقى بهذه المجتمعات خارج سياق الزمن والتطور البشري الحديث، وجعلها تعيش في حالة من الانتظار السلبي للموت كبوابة وحيدة للخلاص والنعيم.
إن الأثر النفسي والاجتماعي لوصف الحياة بأنها زائلة ولا قيمة لها يخلق حالة من "العدمية المؤمنة"؛ فالإنسان الذي يقتنع بأن كل مجهود يبذله في إعمار الأرض هو مجهود ضائع في "دار فناء"، سيفقد بالضرورة الحافز نحو الاكتشاف العلمي أو الإبداع الفني. العلم يتطلب إيماناً بقيمة المادة وقوانينها، والفن يتطلب تقديساً للجمال الحسي واللحظة الآنية، بينما الزهد الإسلامي يرى في هذه الأمور ملهيات عن "الغاية الكبرى". هذا التوجه أنتج عقولاً ترى في البحث عن علاج لمرض أو في اختراع آلة نوعاً من الركون إلى الدنيا، مما جعل المجتمعات الإسلامية مجرد مستهلك عالة على ما تنتجه الحضارات التي قدست الحياة وعظمت من شأن التجربة البشرية على الأرض. لقد تحول الموت في هذه المنظومة من نهاية بيولوجية إلى "هدف أسمى"، وصار الانشغال بالآخرة ذريعة للهروب من استحقاقات الحاضر، وهو ما يفسر الفجوة الهائلة بين هذه المجتمعات وبين ركب التطور الذي يزداد اتساعاً كلما انغمس الناس في "ثقافة المقابر".
المفارقة الصادمة، والتي تكشف عمق النفاق في هذه المنظومة، تكمن في سلوك "سدنة الموت" أنفسهم، أي الشيوخ والوعاظ الذين يحثون الناس على الزهد والجهاد وازدراء الدنيا. بينما يغسلون أدمغة الشباب ليدفعوا بهم إلى ساحات القتل أو الانتحار تحت مسمى "إعلاء راية الإسلام"، نجد أن هؤلاء الشيوخ هم أكثر الناس لهثاً وراء ملذات هذه الدنيا التي يصفونها بالجيفة. إننا أمام طبقة كهنوتية تمارس "الانفصام الأخلاقي" بأبشع صوره؛ فهم يبنون إمبراطوريات مالية ضخمة من عرق وتبرعات البسطاء الذين أقنعوهم بأن المال شر وزينة زائلة. ولعل ما كُشف عن إمبراطورية محمد حسان المالية يمثل النموذج الصارخ لهذا التحايل؛ حيث تُجمع الأموال تحت ستار "نصرة الدين" لتتحول إلى أرصدة وعقارات وسيارات فارهة، بينما يظل الأتباع في فقرهم ينتظرون كنوز الجنة. هؤلاء الوعاظ لم يرسلوا يوماً ابناً لهم ليفجر نفسه أو ليقاتل في جبهات "الجهاد" التي ينظرون لها، بل يرسلون أبناءهم إلى أرقى جامعات الغرب "الكافر" في نظرهم، ليضمنوا لهم حياة دنيوية رغدة ومستقبلاً آمناً بعيداً عن الجحيم الذي يزرعونه في نفوس أبناء الفقراء.
هذا الفصام يتجاوز المال ليصل إلى الشهوات الحسية التي يزعمون الزهد فيها. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الشاب المسلم أن يكبت غرائزه وينتظر "الحور العين" في الجنة، نجد وعاظاً مثل محمد حسين يعقوب يلهثون خلف الزيجات المتكررة التي فاقت العشرين، مع تركيز مهووس على الفتيات الصغيرات السن، مما يكشف أن "الدنيا" في نظرهم ليست جيفة كما يدعون، بل هي فرصة للاستمتاع بكل ما لذ وطاب من الملذات الجسدية. إنهم يبيعون "الوهم الأخروي" للجماهير ليشتروا به "الواقع الدنيوي" لأنفسهم. هذا التناقض ليس مجرد سقطات فردية، بل هو جزء من بنية "الاستثمار في الدين"، حيث يعمل الشيخ كتاجر يبيع الموت للآخرين ليعيش هو حياة البذخ، مستغلاً جهل العامة الذين تم تعطيل عقولهم عبر التلقين والحفظ الصم وازدراء المنطق.
ولعل الحالة الأكثر فجاجة في هذا السياق هي حالة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كان يمثل الأب الروحي لهذا الزهد المزيف. لقد وصل الأمر بهذا الشيخ إلى حد الإفتاء بحرمة غسيل الكلى وبحرمة التداوي لبعض المرضى، متسائلاً بنوع من السادية "لماذا تمنعونه من لقاء ربه؟"، محرضاً الناس على الاستسلام للموت بحجة الرضا بالقضاء والقدر. ومع ذلك، عندما اعتلت صحته هو شخصياً، لم يهرع إلى "لقاء ربه" ولم يكتفِ بالدعاء في زاويته، بل طار إلى مستشفيات الغرب المتقدمة، مستخدماً العلم الذي يزدريه والأطباء الذين لا يؤمنون بخرافاته، لينقذ حياته "الفانية". هذا السلوك يختصر المأساة كلها؛ الموت للفقراء والبسطاء والجهلة، والحياة والطب والرفاهية للشيوخ الذين يزرعون الموت. إنهم يدركون تماماً أن الحياة هي اليقين الوحيد، لكنهم يخفونها عن الناس ليظلوا مسيطرين على عقولهم وأموالهم.
إن أثر هذا الخطاب المزدوج على التطور الحضاري كان تدميرياً؛ فالمجتمعات التي تُقاد بواسطة وعاظ يعبدون المال واللذة سراً ويمجدون الفناء علناً، هي مجتمعات تفقد بوصلتها الأخلاقية والمعرفية. العلم في هذه البيئات يُنظر إليه بريبة، والفنون تُحارب بدعوى أنها من مفسدات القلب، مما أدى إلى تجريف كامل للساحة الثقافية. الإنسان الذي يتربى على أن "الآخرة خير وأبقى" بطريقة سلبية، لن يسعى أبداً لاختراع تقنية جديدة أو لتحسين نظام سياسي أو لبناء مؤسسة علمية، لأنه يرى في كل ذلك "بناءً فوق الرمال". هذا الزهد القسري حول هذه الدول إلى مجرد بقايا حضارة، تعيش على هامش التاريخ، تستورد غذاءها ودواءها وسلاحها من أمم "عشقت الدنيا" فأبدعت فيها، بينما تكتفي هي بالدعاء على هؤلاء في صلواتها، في مفارقة مضحكة مبكية تعكس عمق التخلف والضياع.
إن التحرر من هذا السجن الذهني يتطلب أولاً فضح النفاق البنيوي لهذه النخبة الدينية، والاعتراف بأن "تسفيه الدنيا" هو سلاح سياسي واجتماعي بامتياز يُستخدم لتدجين الجماهير ومنعها من المطالبة بحقها في حياة كريمة وعادلة. الحياة ليست جيفة، بل هي الفرصة الفريدة لكل إنسان ليترك أثراً، وليبني، وليكتشف. إن المجتمعات التي تخرج من "فخ الزهد" وتعيد الاعتبار لقيمة العمل والعلم والتمتع بالوجود هي فقط التي تستطيع اللحاق بركب الحضارة. أما البقاء تحت سلطة وعاظ يبيعون الموت ويشترون القصور، فهو انتحار جماعي بطيء. إن الشعراوي وحسان ويعقوب وأمثالهم ليسوا سوى تجار في سوق الأوهام، يستخدمون النص الديني كأداة للتحيل المادي والعاطفي، بينما يظل ضحاياهم غارقين في التخلف، ينتظرون موتاً وُعدوا بأنه "عرس"، بينما هو في الحقيقة مجرد نهاية لفرصة ضائعة في حياة لم يعيشوها بسبب خرافات هؤلاء الكهنة.
في الختام، يظل التحدي الأكبر أمام العقل المعاصر هو إعادة "أنسنة" الحياة وتقديس الوجود الأرضي. إن كسر احتكار الشيوخ للحقيقة وفضح تهافتهم على ملذات الدنيا التي يحرمونها على غيرهم، هو الخطوة الأولى لتجفيف منابع التخلف. لا يمكن لأمة أن تنهض وهي ترى في الموت غاية، وفي الجسد نجاسة، وفي الدنيا جيفة. إن الحضارة هي ابنة "حب الحياة"، والزهد القسري هو ابن "اليأس والتبعية". العالم الحديث لا يحترم إلا من يحترم حياته ويستثمر في عقله، أما الذين ينتظرون الموت ليعيشوا، فسيبقون دائماً في ذيل القافلة، يتجرعون مرارة التخلف بينما يشاهدون وعاظهم يتنعمون بذهب الدنيا وفتياتها، في أكبر عملية نصب عرفها التاريخ البشري باسم السماء. إن استعادة قدسية الحياة هي المعركة الحقيقية، وهي الطريق الوحيد للخروج من نفق الموت المظلم الذي حشرنا فيه سدنة المصحف والسيف وتجار الغيب.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...