Translate

إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق (مقال)

.

.
إدوارد سعيد والدرع الأخلاقي للتخلف ونقد نقد الاستشراق




تمثل لحظة صدور كتاب الاستشراق للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في أواخر السبعينيات من القرن العشرين نقطة تحول كبرى في مسار العقل العربي المعاصر ليس لأن الكتاب قدم كشفاً أركيولوجياً جديداً لمنظومات المعرفة الشرقية بل لأنه منح العقل التقليدي المأزوم في المنطقة العربية حصانة دبلوماسية ودرعاً أخلاقياً زائفاً سمح له بالهروب من استحقاقات النقد العلمي المادي الصارم تحت ذريعة محاربة الإمبريالية والمعرفة الاستعمارية ومن هنا بدأت مأساة حقيقية حيث تحول هذا المنجز الأكاديمي الذي ينتمي في أصله إلى مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية إلى سلاح فتاك في يد التيارات الإسلاموية والمحافظة التي وجدت فيه ضالتها الكبرى لإخراس أي صوت نقدي داخلي أو خارجي يحاول تفكيك بنية الخرافة التاريخية أو النصية بدعوى أن كل محاولة للفهم أو النقد تنبع من رؤية استعلائية غربية تهدف إلى الهيمنة وتشويه "الآخر" وبهذا الصنيع تم تحويل النقد العلمي من ممارسة عقلية تهدف إلى بلوغ الحقيقة المادية إلى صراع هويات سياسي أدى في نهاية المطاف إلى شلل كامل في العصب النقدي العربي لجيل كامل.
إن الجوهر الإشكالي في أطروحة إدوارد سعيد يكمن في عملية "تسييس المعرفة" بشكل مطلق حيث اعتبر أن كل ما أنتجه الغرب حول الشرق منذ حملة نابليون وحتى عصرنا الحالي هو بالضرورة نتاج علاقة قوة غير متكافئة تهدف إلى ترسيخ الاستعمار وهذا التعميم الجارف وقع في فخ "المغالطة التاريخية" لأنه ساوى بين المستشرق الذي كان يرافق الجيوش ليرسم الخرائط العسكرية وبين العالم الفيلولوجي أو الأركيولوجي الذي كان يقضي عمره في المختبرات والمكتبات لتحقيق مخطوطة منسية أو فك شفرة لغة بائدة بدافع الفضول المعرفي البحت إن هذه المساواة الظالمة أدت إلى خلق مناهضة شاملة للعلم التجريبي والمنهج الفيلولوجي الصارم بذريعة أنه "علم استعماري" مما سمح للمثقف الإسلاموي والمحافظ بأن يرفض كل النتائج العلمية التي توصل إليها البحث الغربي حول تاريخية النص القرآني أو نشأة الإسلام المبكر لا بالحجة والبرهان المادي بل بمجرد وصم الباحث بأنه "مستشرق" يحمل أجندة تخريبية وهذا الهروب نحو "أخلاقنة السجال" كان الكارثة الكبرى التي منحت التخلف والجهل صك غفران أكاديمي برداء حداثي.
لقد استغل التيار الإسلاموي نقد إدوارد سعيد للاستشراق لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "المركزية الإيمانية" في مواجهة "المركزية الأوروبية" فصار الدفاع عن الخرافات التاريخية والتفسيرات الغيبية نوعاً من أنواع "المقاومة الفكرية" ضد الغرب الغازي فإذا ما تجرأ باحث مادي على إثبات التطور البشري للنصوص الدينية أو كشف التناقضات الأركيولوجية في السردية الإسلامية يتم استدعاء أدوات إدوارد سعيد فوراً لدمغه بالتبعية الفكرية والادعاء بأن أدواته النقدية هي أدوات "غريبة" صُممت لاختراق "الخصوصية الثقافية" للمسلمين وهكذا تحولت "الخصوصية" من مفهوم سوسيولوجي إلى زنزانة فكرية يُمنع بداخلها العقل من استخدام أدوات المنطق والعلم بحجة أنها أدوات استعمارية في الأصل وهذا التوظيف الانتهازي لأطروحة سعيد كشف عن نفاق أكاديمي عميق حيث يرحب هؤلاء المثقفون بالأدوات الغربية عندما تخدم أيديولوجيتهم وتهاجم خصومهم لكنهم يكفرون بها ويصمونها بالاستشراق عندما تقترب من تشريح أصنامهم ومقدساتهم الموروثة.
إن النتيجة الحتمية لهذا المنطق كانت شلّ القدرة على النقد الذاتي داخل المجتمعات العربية حيث أصبح أي مفكر محلي يحاول ممارسة "الاستشراق الداخلي" بالمعنى الإيجابي أي تفكيك الموروث بأدوات علمية يُعامل كخائن ثقافي أو "مستشرق بني جلدتنا" كما يصفونه بمرارة فإدوارد سعيد دون قصد منه ربما منح السلطات الدينية والسياسية المستبدة غطاءً فكرياً رصيناً لقمع التنويريين فكل نقد موجه لبنية العقل العربي الإسلامي صار يُصنف كجزء من "الخطاب الاستشراقي" الذي يسعى لتبخيس الذات وتمجيد الآخر وبهذا المنطق الدائري تم إغلاق الدائرة على العقل العربي ليبقى حبيساً داخل شرنقة التمجيد الذاتي والاعتذارية الدائمة فبدلاً من أن نواجه بؤسنا المادي والمعرفي بشجاعة الفيزيائي والمؤرخ الأركيولوجي ذهبنا للاختباء خلف "الدرع الأخلاقي" الذي وفره كتاب الاستشراق مدعين أن كل عيوبنا هي مجرد "تمثلات" وصور ذهنية صنعها الغرب المتآمر وليست حقائق مادية متجذرة في واقعنا الثقافي والاجتماعي.
وعند فضح "المغالطة التاريخية" التي قامت عليها شعبية هذا الكتاب نجد أن إدوارد سعيد تجاهل عن عمد أو عن جهل مدارس استشراقية كبرى (كالألمانية مثلاً) لم يكن لها أي طموح استعماري مباشر في المنطقة العربية بل كان دافعها فيلولوجياً وفلسفياً صرفاً لكن سعيد صهر الجميع في بوتقة واحدة ليخدم هدفه الخطابي إن هذا التعميم هو الذي تلقفه المثقف المنافق من أمثال عبد الوهاب المسيري ليصيغ منه نظريات حول "العلمانية الشاملة والجزئية" وليعيد إنتاج التخلف في ثوب فلسفي فصار الجهل بالواقع المادي وبالقوانين الصارمة للتاريخ يُبرر بأنه "حفاظ على النماذج المعرفية الخاصة" وصار العلم الطبيعي والمادي يُتهم بأنه "مادي ملحد" يسعى لتفكيك إنسانية الإنسان الشرقي وهذا النوع من السفسطة الأكاديمية هو الذي جعل "قطيع الحمير" كما تصفهم يغلبون عالم الفيزياء النووية لأنهم يمتلكون الآن تبريراً أخلاقياً لجهلهم وتشددهم معتبرين إياه نوعاً من "الأصالة" في وجه "التغريب".
إن نفاق "الأكاديميا" المعاصرة يتجلى بوضوح في تبنيها لمفهوم "النسبوية الثقافية" الذي استلهم جزءاً كبيراً من قوته من نقد الاستشراق فهذه النسبوية تدعي أنه لا توجد حقيقة مطلقة وأن لكل ثقافة "حقائقها" الخاصة التي لا يجوز نقدها بأدوات خارجية وهذا الادعاء هو طعنة في قلب العلم المادي فالجاذبية لا تتغير بتغير الثقافة وقوانين المادة والبيولوجيا والأركيولوجيا تسري على العربي كما تسري على الأوروبي دون محاباة للخصوصيات الإيمانية إن ادعاء أن نقد النصوص الإسلامية بأدوات "نقد النصوص" العالمية هو فعل استشراقي استعماري هو ادعاء يهدف بالأساس لحماية المؤسسة الدينية ورجالها من السقوط المعرفي فالكذب التاريخي يظل كذباً سواء قاله مستعمر أو قاله شيخ في مسجد والبحث العلمي الصادق هو الذي يتبع الدليل أينما قاده دون اعتبار للمشاعر القومية أو الحساسيات الدينية التي يتذرع بها أتباع إدوارد سعيد لإعاقة المسيرة التنويرية.
لقد أدى هذا المناخ الفكري إلى نشوء جيل من "المثقفين المعتذرين" الذين يقضون حياتهم في الدفاع عن التخلف بدلاً من تشريحه فهم يهاجمون المركزية الأوروبية ليس من أجل بناء مركزية علمية عربية بل من أجل العودة إلى "المركزية الغيبية" حيث يضيع العقل في دهاليز النصوص المقدسة والأساطير التاريخية إن هؤلاء المثقفين هم "حراس الهزيمة" الذين يستخدمون لغة الحداثة وما بعد الحداثة لهدم قيم الحداثة نفسها فهم يستعيرون من فوكو ودريدا وسعيد أدوات "التفكيك" لتفكيك نقد المستشرقين لكنهم لا يجرؤون أبداً على استخدام نفس الأدوات لتفكيك "صنم النص" أو "صنم الشخصية التاريخية" وهذا هو قمة النفاق المعرفي فهم يؤمنون بـ "تاريخية" المعرفة الغربية لكنهم يصرون على "أزلية" و"قداسة" المعرفة الشرقية مما يجعل حوارهم مع العلم مستحيلاً ووجودهم في المختبرات مجرد نشاط ميكانيكي لا يلمس بنية تفكيرهم القروسطية.
إن "الدرع الأخلاقي" الذي وفره نقد الاستشراق كان بمثابة مخدر طويل الأمد جعل الإنسان العربي يعتقد أن مشكلته ليست في غياب المنهج العلمي ولا في سيطرة الخرافة بل في "نظرة الآخر" له وهذا الانزياح من "الواقع المادي" إلى "الصورة الذهنية" هو أكبر عملية تضليل فكري شهدها القرن العشرين فالتخلف ليس "صورة" رسمها المستشرق بل هو حقيقة تقاس بمعدلات الأمية وضعف الإنتاج العلمي وقمع الحريات وسيطرة الغيبيات على السياسة لكن بفضل إدوارد سعيد صار بإمكان الشاب العربي أن يشعر بالفخر "بهويته" المهترئة لمجرد أنه يعتقد أن نقدها هو مؤامرة استعمارية وهكذا تم استبدال "التغيير الجذري" بـ "الاستعلاء الوهمي" مما أطال عمر الأنظمة القمعية والمؤسسات الدينية المترهلة التي وجدت في خطاب "مناهضة الاستشراق" وسيلة فعالة لحشد الجماهير ضد أي محاولة للاصلاح الحقيقي.
كما أن هذا النهج الفكري ساهم في تعميق الهوة بين المثقف العربي وبين الإنجازات العالمية في مجالات الأركيولوجيا والفيلولوجيا المقارنة فبينما كان العالم يتقدم في فك شفرات المخطوطات القديمة باستخدام التقنيات الحديثة كان المثقفون العرب المنبهرون بسعيد والمسيري يرفضون هذه النتائج جملة وتفصيلاً لأنها تصدر عن "مراكز أبحاث غربية" ملوثة بالاستشراق وهذا الرفض المبدئي لم يكن مبنياً على تفنيد علمي مضاد بل على "موقف أخلاقي سياسي" مسبق مما حرم العقل العربي من المشاركة في إعادة كتابة تاريخه الخاص بجدية وموضوعية وبدلاً من ذلك ظل يجتر مرويات الإخباريين العباسيين ويعتبرها حقائق مطلقة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهكذا تحول "نقد الاستشراق" من تمرين فكري في كشف التحيزات إلى سجن فكري يمنع دخول النور العلمي إلى الغرف المظلمة للتراث.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه "المشتبك المعرفي" اليوم هو تحطيم هذا الدرع الأخلاقي والاعتراف بأن المعرفة العلمية لا جنسية لها ولا دين والبحث الأركيولوجي الذي يثبت غياب مكة عن الخرائط القديمة أو يظهر تعدد القراءات وتطور الخط العربي في القرآن ليس بحثاً "استشراقياً" يهدف للإهانة بل هو بحث مادي يهدف للفهم والتوصيف إن مساواة هذا البحث بالاستعمار هي مغالطة تهدف لتأبيد الجهل ومنح "الخرافة" حصانة لا تستحقها فنحن نحتاج اليوم إلى "استشراق مضاد" ولكن بمعنى تبني أدوات العلم والمنطق لتفكيك الذات دون خوف من "فقدان الهوية" لأن الهوية التي تحميها الخرافة هي هوية هشة لا تستحق البقاء أما الهوية التي تتصالح مع الحقيقة المادية فهي الهوية القوية القادرة على صناعة المستقبل.
إن نفاق "الأكاديميا" التي تبرر الجهل بذريعة "الخصوصية الثقافية" يجب أن يُكشف فالمثقف الذي يدافع عن غيفارا السفاح أو يبرر للنفيسي خرافاته باسم "المقاومة" هو مثقف خائن لرسالة العقل وإدوارد سعيد رغم بلاغته وقيمته الأدبية قد منح هؤلاء المنافقين العذر الأكبر ليظلوا غارقين في وحل القرون الوسطى بينما يدعون الانتماء للعصر الحديث إن تعرية هذا النفاق تبدأ بالعودة إلى "المادية الصارمة" وبالاعتراف بأن لا قداسة لرمز ولا حصانة لنص أمام مشرط النقد والبحث التاريخي وأن "الاستشراق" في معناه العلمي كان وما يزال مرآة ضرورية حتى وإن كانت مشوبة ببعض التحيزات لرؤية ذواتنا كما هي بعيداً عن أوهام العظمة الزائفة التي تغذيها السرديات الشفوية والمؤسسات الدينية التي تخشى الضوء.
في الختام يظل كتاب الاستشراق شاهداً على كيف يمكن للفكر الجيد في ظاهره أن يتحول إلى أداة لقمع الفكر في باطنه إذا ما وقع في يد أمة ترفض المواجهة مع الحقيقة المادية فلقد تحول الكتاب من نقد للمركزية الغربية إلى حارس للتخلف الشرقي ومن دعوة للمساواة المعرفية إلى درع يحمي الخرافة من الذبح العلمي إننا بحاجة اليوم إلى تجاوز "عقدة سعيد" والاعتراف بأن العلم والمنطق هما اللغة العالمية الوحيدة القادرة على إنقاذنا من مستنقع النفاق الفكري والتبعية للخرافة فالحقيقة المادية لا تبالي بمن يكتشفها ولا تبالي بمشاعر من تكسر أصنامهم وقوانين المادة هي الحاكم الوحيد الذي لا يعترف بالدروع الأخلاقية ولا بالحصانات الأيديولوجية التي حاول إدوارد سعيد ومن خلفه جيوش المثقفين المنافقين ترسيخها في وعينا المهزوم.



.

صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي (مقال)

.

.
صناعة القديس السفاح وتفكيك أيقونة غيفارا ويسار الدم الرومانسي




تمثل صورة إرنيستو تشي غيفارا واحدة من أكبر النجاحات التسويقية في التاريخ الحديث حيث تحولت ملامحه الجامدة ونظرته الثائرة إلى سلعة استهلاكية تزين قمصان الشباب وجدران المقاهي في عواصم العالم الرأسمالي الذي كان يدعي محاربته وهذا التناقض البصري ليس سوى قشرة خارجية لإشكالية أعمق تتعلق بصناعة الرمز الثوري وتزييف الحقيقة المادية لصالح السردية الأيديولوجية إذ يرفض العقل اليساري المخدوع بالرومانسية الثورية النظر إلى غيفارا ككائن بشري خاضع لقوانين المادة والسيكولوجيا ويفضل الإبقاء عليه في صورة "المسيح الثوري" الذي ضحى بنفسه من أجل الفقراء بينما تكشف الوثائق التاريخية ومذكراته الشخصية والحقائق المسجلة في الكتاب الأسود للشيوعية عن شخصية سيكوباتية استعذبت القتل واتخذت من الدم أداة للتطهير الأيديولوجي في مشهد لا يختلف كثيراً عن ممارسات التنظيمات الدينية الراديكالية التي يزدريها اليسار نفسه في مفارقة تعكس عمق النفاق المعرفي والارتهان لصنم الشخصية على حساب الحقيقة العلمية الصارمة.
إن البداية الحقيقية لتفكيك أسطورة غيفارا تنطلق من فهم التحول النفسي الذي طرأ على الطبيب الأرجنتيني الشاب خلال رحلاته في أمريكا اللاتينية حيث بدأت تتشكل لديه نظرة استعلائية تجاه النفس البشرية مغلفة بلغة الخلاص الجماعي فاليسار الرومانسي يروج لرحلة غيفارا بالدراجة النارية كرحلة استكشاف للألم الإنساني لكن القراءة المتأنية لمذكراته تكشف عن نزوع مبكر نحو العنف كوسيلة وحيدة لإثبات الذات وتحقيق التغيير فالرجل لم يكن يبحث عن العدالة بمفهومها الحقوقي المادي بل كان يبحث عن صراع ملحمي يغذي شغفه بالمواجهة الصفرية حيث لا مكان للمساومة أو الاعتراف بالآخر وهذا النزوع هو الجذر الأول للشخصية السيكوباتية التي ترى في الآخرين مجرد أرقام في معادلة الثورة الكبرى أو عقبات يجب إزاحتها من طريق التاريخ الحتمي دون أدنى شعور بالذنب أو التردد الأخلاقي.
وعندما انتقل غيفارا من مرحلة التنظير الجمالي للثورة إلى ممارسة السلطة المادية في كوبا تجلت حقيقته كجزار لا يشق له غبار وتحديداً في سجن "لا كابانيا" التاريخي الذي تولى إدارته بعد انتصار الثورة عام ألف وتسعمئة وتسعة وخمسين ففي هذا المكان الذي تحول إلى مسلخ بشري أشرف غيفارا شخصياً على مئات الإعدامات خارج إطار القانون وبدون محاكمات عادلة تليق بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية إن الكتاب الأسود للشيوعية يوثق بدقة بشعة كيف كان غيفارا يستمتع بمشاهدة تنفيذ أحكام الإعدام من نافذة مكتبه وكيف كان يرفض طلبات الاستئناف أو الرأفة حتى في الحالات التي لا تثبت فيها أي تهمة جنائية على الضحية سوى الانتماء لطبقة اجتماعية معينة أو إبداء الرأي المخالف لمسار الثورة وهذا السلوك يكشف عن غياب تام للتعاطف البشري وهو السمة الأساسية للسيكوباتية حيث يتحول القتل من ضرورة عسكرية مفترضة إلى طقس تطهيري يمارسه "القديس" لتخليص المجتمع من "الأعشاب الضارة" وفق تعبيراته الشخصية.
إن التناقض الصارخ يبرز بوضوح عندما نرى المثقف اليساري المعاصر الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول حقوق الإنسان والحريات الفردية ورفض عقوبة الإعدام وهو يحمل عالياً راية غيفارا الذي كتب في رسالة لوالده بكل صلافة أنه اكتشف حبه للقتل وأنه يستمتع برؤية الدم يسيل من خصومه فهذا النفاق المعرفي يعكس حالة من "العمى الأيديولوجي" حيث يتم عزل الفعل الجرمي عن فاعله إذا كان ينتمي لذات المعسكر الفكري إن غيفارا لم يكن يؤمن بالديمقراطية أو بحرية التعبير بل كان يرى في معسكرات العمل القسري وسيلة لإعادة تربية "الإنسان الجديد" وهو المفهوم الذي استلهمه من التجارب الستالينية والماوية لصناعة كائن مطيع مجرد من الفردية والمادية ومسحوق تحت إرادة الدولة والزعيم وهذا المشروع في جوهره هو مشروع استعبادي يتناقض كلياً مع شعارات التحرر التي يرفعها مريدوه في جامعات الغرب وصالونات الشرق الفكرية.
في مذكرات غيفارا الشخصية نجد اعترافات صادمة تكشف عن هوسه بالموت كفعل فني وسياسي فهو يصف لحظة إعدام أحد الفلاحين الذين اتهموا بالخيانة دون دليل قاطع ببرود تام بل ويذكر أنه هو من أطلق الرصاصة الأخيرة على رأسه ليشعر بلذة الإجهاز على العدو وهذا التوثيق الذاتي هو الذبح الحقيقي للنص التاريخي الرومانسي الذي يحاول تصويره كطبيب رحيم فالأركيولوجيا النفسية لنصوص غيفارا تكشف عن إنسان يقدس الكراهية حيث يقول صراحة إن "الحقد غير المحدود تجاه العدو يحول الإنسان إلى آلة قتل فعالة وعنيفة وانتقائية وبدم بارد" وهذه العبارة ليست مجرد شطحة ثورية بل هي دستور عملي طبقته الأنظمة الشمولية التي كان غيفارا أحد أعمدتها وهي ذات العبارات التي يستخدمها المتطرفون الدينيون لتبرير ذبح "الكفار" مما يثبت أن الراديكالية اليسارية والدينية تنهلان من ذات النبع السيكوباتي الذي يحتقر الحياة المادية الفردية لصالح الوهم الجماعي المقدس.
إن تحويل غيفارا إلى أيقونة عالمية لم يكن ليتم لولا التواطؤ اليساري في صناعة "الميتافيزيقا الثورية" التي ترفض إخضاع الرموز للنقد المادي الصارم فاليسار ما بعد الحداثي الذي يدعي تفكيك السرديات الكبرى يقف عاجزاً وأبله أمام سردية غيفارا لأنه يحتاج لصنم يعبد به فراغه الوجودي وفشله في تقديم نموذج مادي ناجح للحياة فالنموذج الذي قدمه غيفارا في كوبا كوزير للصناعة ورئيس للبنك المركزي كان فشلاً ذريعاً أدى إلى تدمير الاقتصاد الكوبي وتحويل الجزيرة إلى سجن كبير يعيش فيه الناس على الكفاف بينما كان "الثائر" يخطط لمغامرات عسكرية أخرى ليصدر القتل والخراب إلى دول أخرى تحت مسمى "خلق فيتنام ثانية وثالثة" وهذا النزوع نحو الفوضى والتدمير هو الملمح الأبرز للشخصية التي لا تستطيع العيش في واقع مادي منظم ومنتج بل تحتاج دائماً لبيئة النزاع لكي تبرر وجودها وسلطتها المطلقة فوق رقاب البشر.
إن الهدف من تعرية هذا النفاق هو إعادة الاعتبار للعقل المادي الذي يرى الأشياء كما هي لا كما تتمناها الأيديولوجيا فالناشط الذي يتظاهر ضد الديكتاتورية في بلده وهو يرتدي قميص غيفارا يمارس نوعاً من الانتحار المنطقي لأن غيفارا لو كان حياً في زمانه ومكانه لكان أول من يسوقه إلى المقصلة بتهمة "الانحلال البرجوازي" أو "العمالة للإمبريالية" لمجرد اختلافه في الرؤية إن صناعة القديس السفاح تعتمد على مغالطة منطقية كبرى تبرر الوسيلة بالغاية لكن في عالم المادة لا توجد غاية تبرر ذبح الأبرياء خارج القانون ولا توجد ثورة تمنح صكاً للقتل بدم بارد إن الحقيقة المادية تقول إن غيفارا كان مديراً لمسلخ بشري ومبشراً بفقر دائم ونظام بوليسي حديدي وما تروجه السينما والكتب اليسارية ليس سوى "أدب دعائي" يهدف لغسل أدمغة الأجيال الشابة وجذبها نحو فخ الالتزام الأعمى الذي ينتهي دائماً بمقابر جماعية أو بدول فاشلة تحتكم لنصوص الماضي الثوري الجامد.
علاوة على ذلك فإن نفاق المثقفين الذين يدافعون عن إدوارد سعيد أو عبد الوهاب المسيري في الشرق وهم يغازلون الرموز اليسارية الغربية مثل غيفارا يظهر كيف يتم استخدام "النضال ضد الغرب" كغطاء لتمرير التخلف والقمع فغيفارا بالنسبة لهؤلاء ليس سوى أداة لمهاجمة النموذج الغربي الليبرالي والمادي الذي يكرهونه لأنه يكشف عجزهم عن المنافسة الحضارية ولذلك يتم تحالف "المسمومين" من يساريين وإسلامويين تحت راية "العداء للمركزية الغربية" ليصبح السفاح غيفارا أخاً في السلاح لرموز التطرف الديني بحجة أن الجميع يقاتل "الإمبريالية" وفي هذا التحالف تضيع كرامة الإنسان وتسحق الحقيقة التاريخية تحت أقدام الغوغاء الذين يقدسون القاتل طالما أنه يكره عدوهم المشترك وهذا هو الانحدار المعرفي الذي يواجهه العالم اليوم حيث تحل العاطفة والتريند محل التحليل البارد والتوثيق الأركيولوجي للأحداث.
إن الكتاب الأسود للشيوعية الذي يعد من أهم الوثائق المادية التي فضحت جرائم الأنظمة الماركسية اللينينية خصص مساحات كافية للدور الكوبي بقيادة كاسترو وغيفارا حيث تم توثيق إعدام ما يقارب عشرة آلاف شخص في السنوات الأولى للثورة ومعظمهم لم يكونوا من فلول النظام السابق بل من العمال والفلاحين والنقابيين الذين رفضوا تسليم حرياتهم للديكتاتورية الجديدة وهذا الرقم المهول من الضحايا ينسف كلياً كذبة "الثورة الإنسانية" ويضع غيفارا في مكانه الصحيح كأحد كبار المجلدين في التاريخ الحديث إن الروح السيكوباتية التي ميزت غيفارا كانت تظهر في احتقاره حتى لرفاقه فكان يفرض عليهم معايير قاسية من التقشف والزهد بينما هو يتمتع بسلطة الحياة والموت فوق الجميع وهذه النرجسية الثورية هي التي أدت به في النهاية إلى الفشل في بوليفيا حيث حاول فرض ثورة على شعب لم يطلبه ولم يفهمه فانتهى نهاية بائسة تتناسب مع عبثية حياته وتطرفه الذي لم يجن منه العالم سوى الشعارات الفارغة والقمصان الملونة.
في مذكراته عن بوليفيا يظهر غيفارا في أوج انفصاله عن الواقع المادي حيث يصف الفلاحين البوليفيين الذين رفضوا الانضمام إليه بأنهم "حمير" و"جهلة" وهذا يعكس النظرة الاحتقارية للمثقف اليساري تجاه الشعب الحقيقي الذي يدعي تمثيله فعندما لا تتبع الجماهير "الرؤية المقدسة" للزعيم الثوري تصبح الجماهير هي المشكلة ويصبح قمعها واجباً ثورياً وهذا هو المنطق الذي أدى لظهور الغولاغ في الاتحاد السوفيتي ومعسكرات الاعتقال في كوبا وصين ماو إن غيفارا لم يكن سوى نسخة مصغرة من هؤلاء الطغاة الكبار لكنه حظي بآلة دعاية غربية حولته إلى "رومانسية متمردة" تناسب ذوق المراهقين فكرياً في باريس ونيويورك ولندن والذين يعيشون في رغد المادية الليبرالية ويحلمون بمغامرات القتل في الغابات البعيدة دون أن يضطروا لدفع ثمنها من حرياتهم الشخصية.
إن تفكيك هذه الأيقونة يتطلب شجاعة معرفية لمواجهة "إرهاب الوصم" الذي يمارسه اليسار ضد كل من ينقد غيفارا حيث تُلقى تهم العمالة والبرجوازية والصهيونية على كل من يجرؤ على استحضار الوثائق التاريخية لجرائم "لا كابانيا" وهذا الإرهاب المعرفي هو ذاته الذي يمارسه الإسلامويون لحماية نصوصهم ورموزهم مما يؤكد وحدة المنهج القمعي بين الفريقين إن الحقيقة المادية لا تخشى النقد بل الخرافة هي التي تتدرع بالمقدس والرموز العاطفية لمنع التساؤل ومن هنا تصبح الكتابة عن إجرام غيفارا فعلاً تحررياً يهدف لنزع القداسة عن الدم ورفض صناعة القديسين من بقايا السفاحين فالعالم اليوم لا يحتاج لمزيد من "الثوار" الذين يقدسون الموت بل يحتاج لعقول مادية باردة تبني المستشفيات والمختبرات وتحترم الحق المقدس لكل فرد في الحياة والحرية والرفاهية بعيداً عن صراعات الأيديولوجيا البائسة.
إن يسار الدم الرومانسي يعاني من انفصام قيمي حاد فهو يتباكى على الضحايا في مكان ويصفق للجلاد في مكان آخر إذا كان يرفع شعاراته وهذا السقوط الأخلاقي هو الذي جعل هذا التيار يفقد مصداقيته التاريخية ويتحول إلى مجرد ظاهرة صوتية في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتم تدوير الأكاذيب حول غيفارا كبطل أسطوري لم يُهزم بل خُدع وهذا الهروب نحو "المظلومية" هو تكتيك دفاعي لعدم الاعتراف بدموية المشروع وفشله المادي إن الأركيولوجيا السياسية لا تترك مكاناً لهذه الأوهام فهي تكشف بالدليل القاطع أن كل بقعة داسها غيفارا انتهت بخراب اقتصادي وقمع اجتماعي ومقابر صامتة مما يجعل من تقديسه فعلاً ينم عن جهل مطبق بالتاريخ أو عن سوء نية يهدف لاستدامة ثقافة العنف والكراهية في المجتمعات البشرية.
وفي الختام يظل غيفارا درساً بليغاً في كيفية صناعة "الوهم المقدس" وتصديره للجماهير المتعطشة لأبطال وهميين يعوضون عجزها عن مواجهة تحديات العصر إن تعرية هذا الصنم هي خطوة ضرورية في مسيرة تنوير العقل المادي العربي والعالمي للخروج من نفق التقديس الأعمى نحو فضاء النقد المفتوح فالحياة أهم من الثورة والإنسان الفرد أهم من الحلم الجماعي الدموي والصدق مع الحقيقة التاريخية الموثقة هو السبيل الوحيد للنجاة من تكرار كوارث الماضي التي تسببت فيها هذه الأيقونات المصنوعة من الغرز والأكاذيب إن غيفارا السفاح سيبقى شاهداً على قدرة الأيديولوجيا على تزييف الواقع لكن الحقيقة المادية التي تنطق بها مذكراته ودماء ضحاياه ستظل تطارده وتطارد كل من يحاول بعثه من جديد في صورة قديس زائف لا يتقن سوى لغة الرصاص وصناعة الجنائز.



.

إله الغرز وكيف قامت الأركيولوجيا بذبح النص التاريخي (مقال)

.

.
إله الغرز وكيف قامت الأركيولوجيا بذبح النص التاريخي




يمثل البحث في جذور الأديان وتحديداً الإسلام المبكر معركة معرفية كبرى بين لغة الوجدان التي تقتات على الرواية الشفوية وبين لغة المادة التي تنطق بها الحجارة والنقوش والمخطوطات ففي الوقت الذي استقرت فيه السردية الإسلامية التقليدية على بناء درامي متكامل الأركان صاغه الإخباريون في العصر العباسي المتأخر كانت الأرض تخبئ في طياتها حقائق صماء لا تبالي بالمقدس ولا تعترف بالعواطف القومية أو الدينية وهنا يأتي دور الأركيولوجيا كأداة تشريحية باردة تقوم بفحص النسيج التاريخي لترى إن كان هذا الثوب الذي ترتديه الذاكرة الجمعية هو ثوب حقيقي نُسج في وقته أم أنه إله من الغرز الخيالية تمت حياكته لاحقاً لسد فجوات الهوية وصناعة شرعية سياسية لدولة إمبراطورية كانت تبحث عن أصل سماوي يبرر وجودها وتمددها ومن هنا تبدأ المواجهة الوجودية بين اللقية المادية التي تمثل الواقع الصلب وبين الرواية الشفوية التي تمثل الإنشاء الأدبي المعتمد على التواتر الظني.
إن الإشكالية الكبرى التي تواجه المؤرخ المادي عند دراسة نشأة الإسلام تكمن في الفراغ الصاعق للصمت الأركيولوجي في القرن الأول الهجري فبينما تتحدث كتب السيرة والحديث عن مكة كمركز تجاري عالمي ومدينة تعج بالحياة والرحلات الشتائية والصيفية وصراعات الآلهة والقبائل نجد أن الخرائط القديمة وطرق التجارة الموثقة في العصور الكلاسيكية المتأخرة لا تكاد تعرف شيئاً عن هذا المكان الجغرافي المعزول في وادي غير ذي زرع إذ أن المتتبع للطرق التجارية المعروفة تاريخياً يجد أنها كانت تمر عبر مرافئ البحر الأحمر أو عبر الهضاب اليمنية نحو غزة والشام دون الحاجة للانعطاف نحو عمق الحجاز الصخري حيث مكة التي يصفها الرواة كبيضة البلد ومركز العالم القديم وهذا الغياب المادي لمكة في السجلات التجارية لليونان والرومان والسريان يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة الدور الذي لعبته تلك البقعة في القرن السابع الميلادي وهل كانت فعلاً ذلك الكيان المركزي أم أنها كانت مجرد فكرة تمت تنميتها بأثر رجعي لتركيز القداسة في نقطة جغرافية بعيدة عن مراكز الصراع السياسي في الشام والعراق.
وعندما ننتقل من الجغرافيا الصامتة إلى العمارة الناطقة نصطدم بلغز القبلة الذي يعتبر من أقوى الصدمات الأركيولوجية التي واجهت الباحثين المعاصرين حيث كشفت الدراسات المسحية لعدد كبير من المساجد الأموية الأولى في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا أن محاريب تلك المساجد لم تكن تتجه نحو مكة الحجازية بل كانت تشير بوضوح نحو الشمال وتحديداً نحو منطقة البتراء في الأردن أو مناطق قريبة منها في شمال الجزيرة العربية وهذا الانحراف ليس خطأ تقنياً يمكن تبريره بجهل المعماريين الأوائل بعلم الفلك إذ أن العرب كانوا من أمهر الشعوب في رصد النجوم والجهات بل هو توجه عقدي ومنهجي يعكس حقيقة أن مكة الحجازية لم تكن هي القبلة الأولى أو على الأقل لم تكن هي المركز الوحيد للتقديس في زمن خلفاء بني أمية الأوائل إن بقاء المساجد تتجه نحو الشمال لقرن كامل من الزمان يذبح الرواية الشفوية التي تدعي أن تحويل القبلة تم في السنة الثانية للهجرة ويؤكد أننا أمام عملية هندسية وإيديولوجية طويلة النفس لإعادة توجيه الوجدان الديني نحو مركز جديد يسهل السيطرة عليه بعيداً عن الجغرافيا البيزنطية والساسانية.
وفي هذا السياق تبرز النقوش الصخرية المنتشرة في صحاري الحجاز والشام كشاهد مادي لا يقبل المداهنة فهذه النقوش التي كتبها أشخاص عاديون في القرن الأول الهجري تعكس تدحيناً تدريجياً وبطيئاً للغة الدينية فهي لا تحتوي في بداياتها على المصطلحات القرآنية المكثفة التي نعرفها اليوم بل نجد فيها صيغاً توحيدية عامة ومبهمة وأحياناً لا تذكر اسم النبي الذي تتمحور حوله الرواية الشفوية كقطب للكون إن غياب المصطلحات الفنية للدين الجديد عن النقوش المعاصرة لزمن "البعثة" المزعوم يثبت أن الإسلام كما نعرفه اليوم لم يولد مكتملاً في لحظة وحي خاطفة بل كان نتيجة لتفاعلات صهرت معتقدات نصرانية ويهودية وغنوصية في بوتقة سياسية عربية وأن النص القرآني نفسه لم يستقر إلا بعد مخاض طويل من التحرير والتدقيق الذي قامت به السلطة الأموية لاحقاً ومن ثم العباسية لتثبيت أركان الدولة وصناعة هوية قومية دينية متمايزة عن المحيط البيزنطي.
إن القوة التدميرية للأركيولوجيا تكمن في أنها تحول الأبطال التاريخيين من شخصيات مطلقة القداسة إلى احتمالات بشرية أو حتى رموز ميثولوجية تم تضخيمها عبر القرون فالتناقض الصارخ بين ما تقوله اللقية المادية وبين ما يرويه البخاري أو ابن إسحاق يجعلنا ندرك أننا لا نقرأ تاريخاً بالمعنى العلمي بل نقرأ "سيرة ذاتية للأمة" كما تمنت أن تكون لا كما كانت بالفعل إن الرواية الشفوية هي فن أدبي يقوم على المبالغة والترميز وإضفاء الطابع الأسطوري على الأحداث بينما الأركيولوجيا هي علم مادي يقوم على فحص الطبقات الأرضية وكربونية المخطوطات وعندما نفحص المخطوطات القرآنية الأولى نكتشف أنها مرت بمراحل من الحذف والإضافة والتنقيط الذي غير المعاني جذرياً مما يسقط صنم "اللوح المحفوظ" ويجعله إنتاجاً بشرياً خاضعاً لظروف الزمان والمكان وصراعات القوة.
علاوة على ذلك فإن غياب المسكوكات النقدية التي تحمل شعارات إسلامية صريحة في العقود الأولى من الفتح العربي يثير الريبة فالدراهم والدنانير التي صكت في زمن الخلفاء "الراشدين" المزعوم كانت تحمل صوراً للأباطرة الساسانيين والبيزنطيين مع إضافات بسيطة بكلمات توحيدية غامضة ولم تظهر الشخصية الإسلامية المستقلة على العملة إلا في عهد عبد الملك بن مروان وهذا يشير إلى أن الدولة سبقت الدين وأن "الإسلام دين ودولة" هي خرافة تم اختراعها لاحقاً لتبرير السلطة فالعرب خرجوا من الجزيرة كقوة عسكرية طامعة في الثروات الأرضية ولم يحملوا معهم ديناً مكتملاً بل كانت لديهم نواة توحيدية مبهمة تطورت مع الاحتكاك بالحضارات المجاورة لتصبح ديناً رسمياً للدولة يمنحها الشرعية المطلوبة لحكم شعوب متنوعة الأعراق والمعتقدات.
إن تعرية نفاق المثقفين الذين يحاولون التوفيق بين هذه الحقائق المادية وبين الرواية الشفوية هو جزء أساسي من هذا البحث المعرفي فهؤلاء المثقفون يستخدمون لغة "الإعجاز" أو "التأويل التعسفي" للالتفاف على الصمت الأركيولوجي فيحاولون إثبات وجود مكة عبر نصوص غامضة في التوراة أو عبر تفسيرات لغوية ملتوية لخرائط بيليني أو بطليموس بينما الواقع المادي يصفعهم في كل كشف جديد إنهم يخشون الاعتراف بأن الأساس الذي يقوم عليه وعيهم هو ركام من الأساطير الشفوية التي صُنعت في غرف التحرير العباسية للسيطرة على عقول العامة وتأبيد حكم السلالة الهاشمية أو القرشية ومن هنا ندرك أن القداسة ليست خاصية في النص بل هي حالة ذهنية يفرضها الخوف من الحقيقة المادية التي تقول إن الإنسان هو من يصنع الآلهة وهو من يحيك لها ثياب القداسة غرزة بغرزة.
إن التمسك بالرواية الشفوية في مواجهة الأركيولوجيا هو ضرب من الانتحار العقلي فالحجر لا يكذب والمخطوطة الأصلية لا تنافق بينما الرواية البشرية تخضع لأهواء القصاصين والمداحين والفقهاء الذين كانوا يتقاضون أجورهم من بلاط الخلفاء إن ذبح النص التاريخي المقدس على يد الأركيولوجيا هو الخطوة الأولى نحو تحرر العقل العربي من عبودية الأوهام التاريخية فإدراك أن مكة ربما لم تكن في الحجاز وأن القبلة كانت في مكان آخر وأن القرآن كُتب وعُدل في دواوين الدولة الأموية يجعل الفرد يواجه واقعه المادي بمسؤولية بعيداً عن انتظار نصر غيبي موعود من إله يسكن في وادٍ جغرافي مشكوك في أصالته التاريخية.
وفي الختام يتبين لنا أن "إله الغرز" هو ذلك الكيان المعرفي الهش الذي نسجه الرواة عبر قرنين من الزمن لملء فجوة الصمت في القرن الأول الهجري ولكن مشرط الأركيولوجيا البارد استطاع أن يبين مواضع الخياطة الواهنة وأن يفصل بين ما هو حدث مادي وقع بالفعل وبين ما هو إنشاء أدبي تمت صياغته لاحقاً إن تاريخ المقدسات الإسلامية هو في جوهره قصة سياسية ناجحة بامتياز استطاعت تحويل "العدم الأركيولوجي" إلى "فيض من الروايات" التي أقنعت الملايين بصحتها لقرون طويلة لكن عصر المادة والبرهان الحسي لا يعترف إلا باللقية التي يمكن لمسها وفحصها ومقارنتها بالواقع الفيزيائي وبهذا تسقط القداسة ويبقى الإنسان وجهاً لوجه مع حقيقة أنه هو وحده صانع المعنى في كون لا يبالي بالروايات ولا يحفل بالخرافات مهما بلغت قوة غرزها في وجدان القطيع.



.

الانتحار الحضاري: نقد المركزية الغربية في مواجهة الاختراق الناعم (مقال)

.

.
الانتحار الحضاري: نقد المركزية الغربية في مواجهة الاختراق الناعم




تمر الحضارة الغربية المعاصرة بمرحلة وجودية حرجة يمكن توصيفها طبياً وفلسفياً بأنها حالة من الانتحار الحضاري الممنهج، حيث بدأت الأسلحة والوسائل التي صاغتها هذه الحضارة لتعزيز الحرية والكرامة الإنسانية تُستخدم ضدها ببراعة من قبل أيديولوجيات راديكالية لا تؤمن بأي من هذه القيم. إن الأطروحة المركزية لهذا التفكك تكمن في قدرة الأيديولوجيات المعادية للغرب، وعلى رأسها حركات الإسلام السياسي المدعومة بتمويلات مشبوهة، على اختراق "أدوات الديمقراطية" ذاتها، من حرية تعبير وجامعات وتعددية ثقافية، وتحويلها إلى منصات لتدمير البناء الغربي من الداخل. نحن أمام مشهد سريالي حيث تُستخدم الليبرالية لهدم الليبرالية، وتُوظف حقوق الإنسان لحماية من يقتلون الإنسان، وتُستغل التعددية لفرض فكر إقصائي أحادي، مما يضع المركزية الغربية في مواجهة مرآة مهشمة تعكس عجزها عن حماية جوهرها من "الاختراق الناعم" الذي يتسلل عبر ثغرات التسامح المفرط والجهل الاستراتيجي بطبيعة الخصم.
تتجلى أولى ملامح هذا الانتحار في نهاية عصر "العقلانية" وانحسار التحليل المنطقي أمام طغيان العاطفة الأيديولوجية في العقل الجمعي الغربي الحديث. لقد كانت العقلانية هي العمود الفقري للنهضة الأوروبية، وهي التي سمحت بفصل الكنيسة عن الدولة وبالاحتكام إلى الحقائق والبيانات بدلاً من الأساطير والمظلوميات. ومع ذلك، نجد اليوم أن "العاطفة المصنعة" عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاختراق الأكاديمي قد حلت محل النقد العلمي. الطالب الغربي المعاصر، الذي نشأ في كنف الرفاهية الرقمية، أصبح ينساق خلف الشعارات العاطفية التي تصور العالم كصراع ساذج بين "ظالم ومظلوم" بناءً على الهوية العرقية أو الدينية، دون أدنى محاولة لفهم التعقيدات الجيوسياسية أو الأيديولوجية. هذا الغياب للعقلانية هو الذي يسمح لليسار الراديكالي بالتحالف مع الإسلام السياسي، في مفارقة منطقية كبرى تجمع بين من ينادي بحريات جنسية مطلقة ومن يشنق معارضيه في الشوارع. إن سيادة العاطفة الموجهة جعلت من السهل التلاعب بالوعي الجمعي، بحيث أصبح الدفاع عن الإرهاب تحت مسمى "المقاومة" فعلاً أخلاقياً في نظر جيل فقد القدرة على التمييز بين الحق في التعبير وبين التحريض على الفناء.
وفي صلب هذا الاختراق الناعم، يبرز العداء للسامية ليس فقط ككراهية دينية قديمة، بل كقناع عصري للعداء الشامل للحضارة الغربية والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية. إن الهجوم الممنهج على إسرائيل في المحافل الأكاديمية والإعلامية الغربية هو في حقيقته هجوم على "المركزية الغربية" ذاتها؛ فإسرائيل تُمثل في العقل الأيديولوجي الراديكالي النجاح التكنولوجي، والقوة العسكرية المستقلة، والارتباط العضوي بمنظومة القيم الديمقراطية الغربية في منطقة تهيمن عليها الأنظمة الثيوقراطية والاستبدادية. لذا، فإن شيطنة اليهودي والكيان الذي يمثله هي الوسيلة الأسهل لضرب منظومة القيم الأمريكية والأوروبية. إن المتظاهرين في شوارع لندن ونيويورك الذين يطالبون بزوال إسرائيل لا يدركون أنهم يطالبون في الوقت نفسه بزوال الأسس التي تضمن لهم حق التظاهر أصلاً. إن العداء للسامية هنا يعمل كـ "حصان طروادة" أيديولوجي يسمح بتمرير أجندات تدميرية تهدف إلى فك الارتباط بين مكونات الحضارة الحرة، وإضعاف الروح المعنوية للغرب عبر إشعاره بـ "عقدة ذنب" تاريخية مصطنعة ومستمرة تجاه الآخر الراديكالي.
إن هذه الحالة من الاستلاب الفكري تضعنا أمام تساؤل حتمي حول المواجهة القادمة وقدرة الغرب على استعادة مؤسساته التعليمية من قبضة التمويلات المشبوهة. لقد سمحت الجامعات الغربية، بدافع الجشع المالي أو المثالية الساذجة، بدخول مليارات الدولارات من دول تدعم الفكر المتطرف، مما حول الحرم الجامعي إلى "مختبر للأدلجة" بدلاً من أن يكون منارة للبحث. إن الأستاذ الجامعي الذي يُمول كرسيه من عواصم راديكالية لن يجرؤ على تقديم تحليل موضوعي للإرهاب، والطالب الذي يتلقى تعليمه في بيئة تمنع نقد الفكر الإسلاموي لن يخرج ليكون مواطناً يحمي قيم ديمقراطيته. إن استعادة هذه المؤسسات تتطلب ثورة تشريعية صارمة تفرض الشفافية المطلقة على مصادر التمويل، وتجرم استخدام الفضاء الأكاديمي للتحريض على الكراهية أو تبرير الإرهاب. إن تأخر هذه المواجهة يعني ضياع أجيال كاملة من القادة والمفكرين الذين سيتولون زمام الأمور وهم يحملون في عقولهم فيروسات فكرية تهدف إلى تقويض مجتمعاتهم من الداخل لصالح قوى الظلام.
وسط هذا "الطوفان" من التخلف والأدلجة الذي يجتاح الوعي الغربي، تبرز إسرائيل كخط دفاع أول وأصيل عن القيم الليبرالية. إنها الدولة التي تواجه يومياً، وبالأصالة عن العالم الحر، التجسيد المادي للأيديولوجيات التي تحاول اختراق الغرب ناعماً. بينما يتجادل الأكاديميون في الغرب حول مصطلحات حقوق الإنسان، تمارس إسرائيل هذه الحقوق فعلياً عبر حماية مواطنيها من الصواريخ والأنفاق والمؤامرات الوجودية. إن صمود إسرائيل ليس مجرد صراع على أرض، بل هو صراع لإثبات أن الديمقراطية قادرة على امتلاك "أنياب" تدافع بها عن نفسها دون أن تفقد جوهرها. إن سقوط هذا الخط الدفاعي، سواء عسكرياً أو عبر نزع الشرعية الأخلاقية عنه، سيعني انفتاح الأبواب أمام القوى الراديكالية للوصول إلى قلب العواصم الغربية دون عناء. لذا، فإن الدفاع عن إسرائيل في هذا السياق هو دفاع عن العقلانية، ودفاع عن العلم، ودفاع عن حق الإنسان في العيش ضمن دولة مؤسسات لا تخضع لابتزاز المقدس التدميري.
إن الانتحار الحضاري الذي نراقبه اليوم يتغذى على "وهم الحياد"؛ فالحضارة الغربية توهم نفسها بأنها تستطيع البقاء محايدة بينما هناك أطراف تستخدم قوانينها لإلغائها. إن التعددية لا تعني قبول من يريد إلغاء التعددية، وحرية التعبير لا تشمل التحريض على تدمير أسس المجتمع الحر. إن المركزية الغربية بحاجة إلى استعادة "ثقتها بنفسها" وبقيمها، والكف عن الاعتذار المستمر عن تفوقها الأخلاقي والعلمي. إن الاختراق الناعم ينجح فقط عندما يجد أرضاً هشة من الشك الذاتي والنسبية الأخلاقية التي لا تفرق بين الجلاد والضحية. المواجهة القادمة ليست بالضرورة مواجهة دبابات، بل هي مواجهة "أفكار" و"تمويلات" و"مناهج تعليمية".
ختاماً، إن الحفاظ على شعلة الحضارة يتطلب إدراكاً عميقاً بأن أدوات الديمقراطية هي وسائل للبناء وليست معاول للهدم. إن الغرب الذي بناه العقل والحرية لا يجب أن يسقط ضحية لسذاجته في التعامل مع قوى ترى في هذه الحرية نقطة ضعف يجب استغلالها. إن نقد المركزية الغربية لنفسها يجب أن يتحول من جلد الذات إلى عملية "تطهير ذاتي" من التأثيرات الأيديولوجية السامة. إن الوقوف في وجه تحالف الغربان واليسار الراديكالي هو المعركة الفكرية الكبرى في القرن الحادي والعشرين، وهي المعركة التي ستحدد ما إذا كانت البشرية ستستمر في طريق التنوير، أم أنها ستنكص إلى عصور الظلام تحت مسميات براقة تخفي خلفها أنفاقاً من الموت والكراهية.




.

"Lawfare": التوظيف القانوني والإعلامي للمظلومية في غزة (مقال)

.

.
"Lawfare": التوظيف القانوني والإعلامي للمظلومية في غزة




يمثل مفهوم "الحرب القانونية" أو ما يُعرف اصطلاحاً بمصطلح "Lawfare" أحد أخطر الأسلحة غير التقليدية التي باتت تعتمدها التنظيمات الإرهابية وحركات الإسلام السياسي في العصر الحديث، حيث يتم استغلال المنظومة القانونية الدولية والمبادئ الأخلاقية الغربية كأدوات لتقويض السيادة العسكرية للدول المؤسساتية. وفي سياق النزاع بقطاع غزة، نجد أننا أمام نموذج صارخ لتحويل الفشل العسكري الميداني والهزيمة العملياتية لحركة حماس إلى ما يشبه "الانتصار القانوني" والدبلوماسي على الساحة الدولية. إن هذه الاستراتيجية لا تقوم على كسب المعارك في الميدان، بل على هندسة المشهد الجنائزي واستثمار دماء الأبرياء لاستدرار عطف العالم وشل قدرة الخصم المتفوق تكنولوجياً وعسكرياً عن طريق وصمه بجرائم الحرب. إن جوهر هذه الحرب يكمن في قلب الحقائق؛ حيث يصبح المعتدي الذي يتترس بشعبه ضحية، ويصبح المدافع الذي يحاول القضاء على مصدر النيران مجرماً دولياً، مما يخلق حالة من التزييف القانوني الذي يهدد بنسف مفهوم العدالة الدولية من أساسه.
تبدأ خيوط هذه الاستراتيجية من تحت الأرض، وتحديداً من "هندسة الأنفاق" التي كشفت عن وجه مظلم لاستغلال المدنيين. إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه أي مراقب عقلاني هو: لماذا تم بناء آلاف الكيلومترات من الأنفاق المحصنة والمجهزة بأحدث الوسائل لتأمين المقاتلين والقيادات، بينما لم يُسمح لمدني واحد بالدخول إليها للاحتماء من القصف؟ إن الإجابة تكمن في استراتيجية "استحلاب" دماء الأبرياء؛ فالمقاتل في عقيدة حماس هو "الأصل" الذي يجب حمايته تحت الأرض، أما المدني فهو "الأداة" التي يجب أن تظل فوق الأرض لتشكل درعاً بشرياً في المقام الأول، ومادة دسمة لعدسات الكاميرات في المقام الثاني. إن بقاء المدنيين في مناطق الاشتباك رغم التحذيرات المتكررة ليس نتاج صمود طوعي في كثير من الأحيان، بل هو نتيجة إكراه تنظيمي يهدف إلى مراكمة الجثث لتقديمها كقربان إعلامي في المحافل الدولية. هذه الهندسة المقصودة للموت تسعى إلى وضع الجيش الإسرائيلي في معضلة أخلاقية: إما الامتناع عن ضرب الأهداف العسكرية المختبئة تحت المستشفيات والمدارس، وبذلك تنجو حماس، أو الضرب وسقوط المدنيين، وبذلك تبدأ الماكنة القانونية الدولية في العمل ضد إسرائيل.
وفي هذا السياق، يبرز نقد حاد للمنظمات الدولية والمحاكم الأممية التي وقعت، سواء بعمد أو بجهل، في فخ البروباغندا الإرهابية. إن المؤسسات التي أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين باتت تُستخدم كمنصات لتوجيه اتهامات سياسية مغلفة بلغة القانون. عندما تتبنى المحاكم الدولية تقارير صادرة عن جهات تخضع لسيطرة حماس وتتعامل معها كحقائق مطلقة دون التثبت من السياق العسكري، فإنها تمنح الإرهاب "حصانة قانونية". إن الفشل في تصنيف استخدام المدنيين كدروع بشرية كجريمة حرب أساسية ومستمرة من قبل حماس، والتركيز فقط على نتائج الرد العسكري، يمثل انحيازاً بنيوياً يشجع المنظمات الإرهابية على الاستمرار في هذه الاستراتيجية. إن المؤسسات الأممية، عبر تبنيها خطاب "المظلومية" المبتور، تتحول من حكم محايد إلى طرف في الحرب القانونية، مما يعزز سردية الإبادة الجماعية المزعومة ويغض الطرف عن الجاني الحقيقي الذي اختار أن يجعل من بيوت المدنيين منصات لإطلاق الصواريخ.
ويلعب الدور الإعلامي، من خلال الفيديوهات والقصص الإنسانية المبتورة السياق، دوراً محورياً في توجيه الرأي العام الغربي وتزييف وعيه. إن ما يراه المشاهد الغربي عبر شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي هو "النتيجة النهائية" فقط؛ طفل مصاب أو بناية مدمرة، دون إظهار "السبب" أو السياق الذي أدى إلى ذلك، مثل وجود منصة صواريخ داخل البناية أو مقاتلين يطلقون النار من خلف الأطفال. هذه "السينما الجنائزية" تعتمد على استثارة العواطف البدائية لإلغاء التفكير المنطقي. إن البروباغندا المدعومة من تحالف اليسار والإسلام السياسي نجحت في تسويق صورة نمطية تختزل الصراع في "قوي شرير" و"ضعيف طيب"، متجاهلة تماماً أن هذا الضعيف يمتلك أيديولوجيا إبادة ويستخدم شعبه كوقود بشري. إن القصص المبتورة لا تروي كيف تمنع حماس الناس من النزوح، ولا كيف تسرق المساعدات الغذائية لتمويل أنفاقها، بل تكتفي بتصوير "الضحية" لتحقيق انتصار معنوي يضغط على الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف معادية لحليفها الاستراتيجي الوحيد في المنطقة.
إن هذه الحرب القانونية والإعلامية تهدف في النهاية إلى إخفاء "المسؤولية الجنائية الحقيقية". فوفقاً للقانون الدولي الإنساني، تقع المسؤولية عن حياة المدنيين على الطرف الذي يتواجد بينهم ويستخدم أعيانهم لأغراض عسكرية. القاتل الحقيقي للمدني في غزة هو من حول غرف الأطفال إلى مخازن للسلاح، ومن جعل من المستشفيات مراكز قيادة وسيطرة، ومن يرفض تسليم السلاح وإنهاء المعاناة رغم علمه بالنتائج الكارثية على شعبه. إن حماس، عبر استراتيجية "Lawfare"، تقتل المدني مرتين؛ مرة عندما تضعه في طريق النيران، ومرة عندما تتاجر بدمائه في المحاكم الدولية لتحقيق مكاسب سياسية. إن غياب المحاسبة الدولية لحماس على جرائمها ضد شعبها يعطي الضوء الأخضر لكل التنظيمات الإرهابية في العالم لتبني نموذج "غزة" كطريقة مثالية لتحييد الجيوش النظامية وحماية الإرهابيين تحت مظلة القانون الدولي.
علاوة على ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية في الجامعات الغربية والمنظمات الحقوقية يمثل تهديداً للمنظومة القيمية الليبرالية نفسها. عندما يتم قبول سردية "المظلومية" دون تمحيص، فإننا نقرّ بفعالية الإرهاب كوسيلة لتحقيق الغايات السياسية. إن التوظيف الإعلامي للمظلومية يعتمد على خلق حالة من "العمى الاستراتيجي" لدى الجمهور، حيث يتم التركيز على الألم الفردي لتغطية الجريمة الجماعية التي يرتكبها التنظيم ضد المجتمع ككل. إن "الانتصار القانوني" الذي تسعى إليه حماس هو انتصار زائف، لأنه مبني على ركام من الأكاذيب والتضحية بالبشر، ولكنه انتصار فعال في كسب تعاطف الملايين الذين لا يفقهون من تفاصيل النزاع سوى ما تمليه عليهم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي الملوثة بالأيديولوجيا.
في الختام، يظهر أن "الحرب القانونية" في غزة هي معركة وعي بامتياز، تهدف إلى نزع الشرعية عن الدفاع عن النفس وتحويل الإرهاب إلى قضية حقوقية. إن كشف وجه "القاتل الحقيقي" المختبئ خلف الدروع البشرية وفي أعماق الأنفاق هو الواجب الأول لكل من ينشد العدالة الحقيقية. إن القانون الدولي وُجد لحماية الأبرياء من بطش المسلحين، وليس ليكون غطاءً للمسلحين للبطش بخصومهم عبر دماء الأبرياء. إن مواجهة استراتيجية "Lawfare" تتطلب شجاعة أخلاقية لإدانة الطرف الذي يستثمر في الموت، وتوضيح أن المظلومية المصطنعة لا تعفي الجاني من مسؤوليته الجنائية والأخلاقية عن الدمار الذي جلبه لشعبه قبل خصمه.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...